الأحد، 18 يونيو 2017

( دور الشعر في فض الاشتباك السياسي )

إلاما الخُلفُ بينكمُ إلاما         وهذه الضجة الكبرى علاما
 
د/ أحمد بن حامد الغامدي
للسياسة دهاليزها المظلمة وأدغالها الكثيفة ولذا في مثل هذه البيئة الموحشة لا مندوحة للسياسية من أن يكون لها مخالب وأنياب وأن تتسلح بأدوات الصدّ والردّ. ومن الذخيرة (الناعمة) التي في ترسانة رجال السياسية توظيف الأدب والادباء والشعر والشعراء  وبذا منذ أيام العرب الأولى تم توظيف (الشعر السياسي) بكثافة في خضم الصراع السياسي والنزاع الاجتماعي بين القبائل العربية المتناحرة دوما. إن المتتبع لمسيرة الشعر العربي في جميع العصور لابد أن يلحظ ظاهرة (شعر التحريض السياسي) ففي زمن الجاهلية يكفى الصدح ببيت واحد من الشعر لإشعال حرب طاحنة بين قبلتين من مثل أبيات الشاعرة الجاهلية سعاد بنت منقذ التي أذكت حرب البسوس بصرختها المشهورة:
لعمرك لو أصبحت في دار مُنقذٍ     لما ضِيم سعد وهو جار لأبياتي 
وفي العصرين الأموي والعباسي ونتيجة لكثرة الطوائف السياسية والفرق الدينية المتنافسة في النسيج العربي ظهرت التصنيفات والتوصيفات للشعراء بأن منهم  العلويون والزيديون والأمويون والزبيريون والخوارج والشعوبيون وغيرهم وأغلب هؤلاء تخصص بنظم شعر الحماسة والحرب وفي وصف المعارك والقتال وهجاء الاعداء والخصوم ورثاء الابطال والشهداء. وبالرغم من أن العديد من الشعراء والادباء والمفكرين في القديم والحديث انخرطوا في متاهات الشعر السياسي التحريضي والتصعيدي وكأنهم يستلهمون فحوى القصيدة السياسية للشاعر المصري المعروف أمل دنقل (لا تُصالح)، إلا إننا نجد في المقابل كوكبة من الشعراء الذين نظموا قصائد هي من عيون الشعر العربي تدعو للسلم و إصلاح ذات البين ونزع فتيل الخصام السياسي والاحتراب المذهبي.
في بداية القرن العشرين كان كلاً من مصر والسودان دولة واحد ة تعرف بأرض وادي النيل وإن كان كالتاهما تقع تحت الاحتلال الانجليزي وكعادة المحتل الاجنبي في بث الفرقة بين الشعوب الشقيقة حصلت في عام 1924 أزمة سياسية بين البلدين ابتدأت إرهاصاتها بمقتل الحاكم العام الأنجليزي للسودان في أحد شوارع القاهرة وما تلى ذلك من طرد الجيش المصري من السودان. وتدهورت الأمور بعد ذلك تباعاً لدرجة انقسام رجال السياسية في السودان إلى فريقان أحدهما يدعوا إلى الاستقلال عن مصر والانضمام إلى دول التاج البريطاني والآخر يرفع شعار الاستمرار مع مصر في  وحدة وادي النيل. وهنا ثارت عاصفة سياسية هوجاء بين زعماء الاحزاب السياسية وصحفها سواء في مصر أوالسودان ولهذا أنبرى الشاعر الحصيف والوطني المخلص أمير الشعراء أحمد شوقي لمحاولة رأب الصدع ولم الشمل وإصلاح ذات البين. ومن هنا نظم قصيدته الرائعة (شهيد الحق) والتي كانت مخصصة لذكرى رثاء الزعيم المصري مصطفى كامل باشا الذي مات قبل ذلك الحدث بفترة طويلة لكن بحكم شهرته في محاولة  إعادة الجامعة الاسلامية بين الشعوب الاسلامية كان من الملائم توظيف سيرته في التقريب بين زعماء السياسية في البلدين المتنافرين:
إلامَ الخُلفُ بَينَكُمُ إِلاما   وَهَذي الضَجَّةُ الكُبرى عَلاما
وَفيمَ يَكيدُ بَعضُكُمُ لِبَعضٍ   وَتُبدونَ العَداوَةَ وَالخِصاما
وَأَينَ الفَوزُ لا مِصرُ اِستَقَرَّت    عَلى حالٍ وَلا السودانُ داما
وَثِقتُم وَاِتَّهَمتُم في اللَيالي    فَلا ثِقَةً أَدَمنَ وَلا اِتِّهاما
شَبَبتُم بَينَكُم في القُطرِ ناراً    عَلى مُحتَلِّهِ كانَت سَلاما
تَرامَيتُم فَقالَ الناسُ قَومٌ    إِلى الخِذلانِ أَمرُهُمُ تَرامى
وَكانَت مِصرُ أَوَّلَ مَن أَصَبتُم    فَلَم تُحصِ الجِراحَ وَلا الكِلاما
إِذا كانَ الرِماةُ رِماةَ سوءٍ    أَحَلّوا غَيرَ مَرماها السِهاما

في تاريخ الحرب القصيدة الواحدة قد تشعل الحرب وقصيدة أخرى قد تطفئها بينما قصيدة ثالثة قد تتغنى وتبهج بحلول السلام والوئام بين رجالات السياسية المتخاصمين . في زمن إقامة المتنبي في مصر حصل نوع من المشاحنة والخصام  بين كافور الأخشيدي حاكم مصر وبين الأمير أبي القاسم نتيجة حادثة تافهة تتعلق باتصال بعض الاشخاص بأحد غلمان كافور حيث ارادوا أن يفسدوا الأمر على كافور ولهما احتموا بالأمير أبي القاسم طالبه بتسليمهم فجرت بينهما وحشة فترة من الزمن. ولما اصطلحا بعد ذلك نظم المتنبي قصيد جميلة يمدح فيها الصلح وما فيه ن حسم مادة الشقاق والتفرقة التي يسعى لبثها الأعداء وأن الحكمة في تدبر الأمور بفض الاشتباك والتنازع قد تثمر رفع العتاب وزيادة التأخي والوداد كما يقال (لا محبة إلا من بعد عداوة):
حَسَمَ الصّلْحُ ما اشتَهَتْهُ الأعادي
وَأذاعَتْهُ ألْسُنُ الحُسّادِ
وَأرَادَتْهُ أنْفُسٌ حَالَ تَدْبِيـ
ـرُكَ مَا بَيْنَهَا وَبَينَ المُرَادِ
صَارَ ما أوْضَعَ المُخِبّونَ فيهِ
مِن عِتابٍ زِيادَةً في الوِدادِ
وَكَلامُ الوُشَاةِ لَيسَ على الأحْـ
ـبَابِ، سُلطانُهُ على الأضْدادِ
إنّمَا تُنْجِحُ المَقَالَةُ في المَرْ
ءِ إذا وَافَقَتْ هَوىً في الفُؤادِ
إنّمَا أنْتَ وَالِدٌ وَالأبُ القَا
طعُ أحنى من وَاصِلِ الأوْلادِ
لا عَدا الشرُّ مَن بَغَى لكُما الشرّ
وَخَصّ الفَسَادُ أهلَ الفَسَادِ
أنتُمَا مَا اتّفَقْتُما الجِسْمُ وَالرّو
حُ فَلا احتَجتُما إلى العُوّادِ
 
الشعر الجاهلي وتمجيد السلام
شعر الفخر والحماسة من ابواب وفنون الشعر الطاغية في الشعر الجاهلي لما لشخصية العربي القديم من تعلق واهتمام متجذر بالفخر بالأنساب  والتغني بالأمجاد والاستعراض بفضائل الاجداد. ولذا تعددت القصائد والابيات الشعرية العربية القديمة التي يتفاخر فيها الشعراء بانتصارات قبائلهم وببطولات وتضحية فرسانهم. ومع ذلك وفي عز هذه البيئة الجاهلية الطاغية إلا أن فئام من كبار ورموز الشعر العربي كان لها اهتمام بقضايا السلام والوئام بين القبائل المتناحرة . ومن أشهر الحروب بين القبائل العربية القديمة تلك التي اشتعلت بين قبيلتي عبس وذبيان وهي حرب (داحس والغبراء) ولما دامت تلك الحرب حوالي أربعين سنة وتسببت في تورط قبائل أخرى مثل طيئ وهوازن ولهذا تنادى العقلاء من رجال العرب بضرورة انهاء هذه الحرب السخيفة وهنا سعى رجلين كريمين هما هرم بن سنان والحارث بن عوف للصلح بين القبيلتين وتحمل أعباء ديات القتلى. وبلا جدال يستحق هذان السيدان الكريمين المدح والثناء والذكر الحسن أبد الدهر  وهو ما تحقق في معلقة الشاعر الجاهلي زهير بن أبي سلمى حيث كان محورها الأساسي مدح السلم وصناع الحياة والاخاء والثناء على رجال السلام وإصلاح ذات البين الذين قصدهما زهير بأبياته المشهورة:
تَدارَكتُما عَبساً وَذُبيانَ بَعدَما
تَفانوا وَدَقّوا بَينَهُم عِطرَ مَنشِمِ
وَقَد قُلتُما إِن نُدرِكِ السِلمَ واسِعاً
بِمالٍ وَمَعروفٍ مِنَ الأَمرِ نَسلَمِ
فَأَصبَحتُما مِنها عَلى خَيرِ مَوطِنٍ
بَعيدَينِ فيها مِن عُقوقٍ وَمَأثَمِ
عَظيمَينِ في عُليا مَعَدٍّ وَغَيرِها
وَمَن يَستَبِح كَنزاً مِنَ المَجدِ يَعظُمِ
فَأَصبَحَ يَجري فيهُمُ مِن تِلادِكُم
مَغانِمُ شَتّى مِن إِفالِ المُزَنَّمِ
 
وكما هو معلوم في هذه المعلقة الشعرية الخالدة تلك الابيات الحكيمة في التحذير من الحرب والخصام والنزاع وأنها قد تبدأ بشحناء عادية لكن مع الاضرام في نار العداوة قد تؤدي إلى الهلاك المبين واليتم والبوار:
وَما الحَربُ إِلّا ما عَلِمتُم وَذُقتُمُ
وَما هُوَ عَنها بِالحَديثِ المُرَجَّمِ
مَتى تَبعَثوها تَبعَثوها ذَميمَةً
وَتَضرَ إِذا ضَرَّيتُموها فَتَضرَمِ
فَتَعرُكُّمُ عَركَ الرَحى بِثِفالِها
وَتَلقَح كِشافاً ثُمَّ تَحمِل فَتُتئِمِ
فَتُنتَج لَكُم غِلمانَ أَشأَمَ كُلُّهُم
كَأَحمَرِ عادٍ ثُمَّ تُرضِع فَتَفطِمِ
 
وكما استحق السيدان هرم بن سنان والحارث بن عوف تخليد ذكرهما الطيب في صفحات التاريخ لسعيهما في انهاء حرب داحس والغبراء فكذلك يستحق الثناء والمديح قيس بن شراحبيل الملقب بأبن مارية والذي ساهم بدورة في تثبيت الصلح بين قبيلتي بكر وتغلب التي أفنتهم حرب البسوس ولذا استحق أن يمدحه أحد شعراء المعلقات وهو الحارث بن حلزة الذي قال فيه:
فَهَلاَّ سَعَيْتَ لِصُلْحِ الصَّدِيقِ
كَسَعْيِ کبْنِ مَارِيَة َ الأَقْصَمِ
وقيسٌ تداركَ بَكرَ العراقِ
وتَغْلِبَ منْ شرِّها الأعظمِ
وَأصْلَحَ مَا أَفْسَدُوا بَيْنَهُمْ
وذلكَ فِعْلُ الفتى الأكرمِ
وَبَيْتُ شَرَاحِيلَ مِنْ وَائِلٍ
مَكَانَ الثُّرَيّا مِنَ الأَنْجُمِ
 
وختاما سبق لي وأن نشرت مقال بعنوان (الشعراء والثقافة السياسية) ناقشت فيه تميز بعض شعراء العربية الكبار بمعرفتهم السياسية المتوسعة وأحب هنا أن اضيف ميزة وفضيلة إضافية لبعض رموز الشعر السياسي العربي أنهم من دعاة السلام والوفاق بين الشعوب العربية وأنهم غالبا (محضر خير) لإصلاح ذات البين وتخفيف حدة النزاع والصراع السياسي في البيت العربي.


ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق