السبت 1447/8/26
في زمن وسائل الإعلام البديل مثل المدونات الشخصية (Blogs) ومنصات شبكات التواصل الاجتماعي كاليوتيوب والفيسبوك وتويتر والواتساب من الغريب أن قاعدة (قديمك نديمك) لها جانب ما من الصحة. وفي زمن طغيان قوة الصورة ومقاطع الفيديو المبثوثة في قنوات اليوتيوب وتطبيق التيك توك ومع ذلك رجعت قبل عدة سنوات الموضة القديمة بالدردشة والثرثرة عبر موجات الأثير الراديو والتي أصبحت اليوم تحمل اسما أنيقا وعصريا (البودكاست Podcast).
بكل الصدق لا أعرف الفرق التقني الدقيق بين مصطلح البودكاست وبين مفهوم (البرودكاست Broadcast) ولكن ما يهمني هنا أن هذين المصطلحين بشكل أو آخر لهما ارتباط وثيق بعملية (البث الصوتي) أو (البث الإذاعي) ولهذا مع حلول مناسبة (اليوم العالمي للإذاعة) والتي كانت يوم أمس الجمعية 13 فبراير لعلنا نلفت النظر أن هذه (الآخر صرعة) في دنيا موضة الإعلام البديل وصناعة المحتوى لها في الواقع قرن من الزمن في واقعنا العربي عندما صدحت في أجواء القاهرة عام 1926م أصداء وأصوات بث إذاعة خاصة كانت تسمى (راديو فؤاد). في الواقع حصل في عام 1926م أن صدر مرسوم ملكي في أرض مصر المحروسة أصدره الملك فؤاد الأول وكان ذلك المرسوم يسمح لهواة أجهزة اللاسلكي في إنشاء محطات إذاعية أهلية في القاهرة والإسكندرية. وعلى أثر ذلك بدأ بعض المقيمين في مصر من الجنسيات الإيطالية واليونانية وكذلك بعض المواطنين المصريين في تدشين محطات بث الإرسال الراديوي. وكنوع من المجاملة للأسرة الحاكمة كانت أسماء تلك المحطات الإذاعية تعكس الولاء لنظام الحكم الملكي فبالإضافة لمحطة فؤاد الإذاعية كان يوجد (راديو الأميرة فوزية) وهي الابنة الكبرى للملك فؤاد وكذلك (راديو فاروق) أي الأمير ولي العهد وملك المستقبل وهذا طبعا غير أسماء المحطات ذات البعد القومي التاريخي مثل (راديو أبو الهول) أو محطة (راديو رمسيس).
وفي الغالب كانت هذه المحطات الإذاعية الخاصة والأهلية تهدف بالدرجة الأولى لنشر الأغاني وبث تسجيل الحفلات الموسيقية مع بث وإذاعة بعض الأخبار السياسية والمحلية الخاصة. وبهذا كان ملاك وأصحاب هذه المحطات الإذاعية في القاهرة والإسكندرية ولاحقا في بيروت (إذاعة الشرق) أو بغداد (راديو قصر الزهور) من رواد الرعيل الأول ممن يوصفون في زمننا الحالي بذلك الاسم والوصف الفخيم (صناع المحتوى).
والغريب في الأمر هو روح المبادرة والحماسة الذاتية لبعض هؤلاء الرواد فتجدهم بمجرد ظهور التقنية الجديدة المتمثلة بجهاز البث الراديوي بادر العديد منهم بتدشين محطته الإذاعية الخاصة به ففي منتصف العشرينيات من القرن الماضي كان عدد محطات الراديو في القاهرة والإسكندرية بالعشرات وقد أشرنا لأسماء بعضها بينما تجد ر الإشارة إلى أن محطة الإذاعية المصرية الحكومية لم يبدأ إرسالها الرسمي إلا في عام 1934 ميلادي. وعلى المستوى الدولي نجد أن أول محطة إذاعية في التاريخ كانت تلك التي دشنها وأطلقها هاوي البث اللاسلكي المهندس الأمريكي تشارلز هيرولد في عام 1909م في مدينة سان خوسية ثالث أكبر مدينة في ولاية كاليفورنيا. وقد كان (المحتوى) الذي يصنعه الشاب الهاوي تشارلز هيرولد عبارة عن أغاني موسيقة والأخبار المحلية وذلك بعد أن يبدأ البث الإذاعي بمقولته المميزة: صباح الخير (هنا سان خوسية This is San Jose). وهذا ولا شك يذكرنا بالعبارة الإذاعية الأشهر (هنا لندن This is London) والتي أذيعت لأول مرة في عام 1922م معلنة بذلك انطلاق عصر هيمنة البث الراديوي لهيئة الإذاعة البريطانية (BBC).
وعلى نفس النسق والمسار التاريخي نجد أنه في واقعنا المحلي سبقت مبادرة صناع المحتوى الإذاعي للهواة إشارة البث الحكومي ففي حين كان أول بث للإرسال الإذاعي الرسمي من مدينة جدة في يوم عرفة التاسع من شهر ذي الحجة من عام 1368 هـ (الموافق الأول من أكتوبر 1949م) نجد أن بواكير (التواصل الإذاعي) سبق ذلك التاريخ. ففي عام 1948م قام المهندس الشاب السعودي أحمد زيدان بتوظيف هوايته في الاتصالات اللاسلكية بالتخاطب والتواصل مع أعضاء أندية هواة اللاسلكي من الأجانب الأمريكان والبريطانيين العاملين في شركة أرامكو أو في البعثة العسكرية السفارة البريطانية. وبحكم أن المهندس أحمد زيدان هو رائد وعميد هواة اللاسلكي في المملكة فلا شك أن بواكير الاتصالات والدردشات الصوتية التي كان يقوم بها في أوائل ممارسته لهذه الهواية الجديدة على المجتمع السعودي كانت بكل المقاييس تحمل صفات وخصائص (صناعة المحتوى). حيث كان المهندس أحمد زيدان ورفقاءه من جيل الرواد والرعيل الأول يتبادلون بينهم المعلومات والإرشادات حول الجوانب الفنية والتقنية المتعلقة بتشغيل وصيانة وتطوير أجهزة الراديو وتصنيع هوائيات الإرسال هذا بالإضافة لتبادل الأخبار العامة ومحادثات الدردشة التقليدية. بالمناسبة المهندس أو (الشيخ) أحمد زيدان بالفعل كان من رواد صناعة المحتوى الإعلامي حيث كان أحد المؤسسين الأوائل لمؤسسة عكاظ الصحفية التي ظهرت عام 1964ميلادي.
من طامي إلى الطنطاوي والريادة في صناعة المحتوى
ومن رائد الاتصالات اللاسلكية (الراديوية) في المملكة وهو المهندس الشيخ أحمد زيدان الذي وصل إلى مرتبة وكيل وزارة المواصلات والاتصالات في عهد الملك فيصل إلى رائد (البث الإذاعي) في المملكة الأستاذ عبد الله العويد مؤسس وصاحب (إذاعة طامي) أول إذاعة أهلية في المملكة. في حين أن (إذاعة الرياض) الرسمية لم يتم افتتاحها إلا في عام 1384 هجري (أي في حدود 1964 ميلادي) نجد أن أول إذاعة شعبية في وسط المملكة كانت تلك التي أنشئها عبد الله العويد عام 1381 (تقريبا 1961م) واستمرت لمدة ثلاث سنوات وإشاعات عبر موجات الأثير البهجة والمتعة في أجواء مدينة الرياض. صحيح أن (إذاعة جدة) تم تدشينها عام 1949م كما سبق الإشارة لذلك، ولكن في ذلك العصر كانت قوة البث الإذاعي ضعيفة وبالتالي الإرسال لم يكن يصل بشكل جيد إلى منطقة الرياض ومنطقة القصيم ولهذا كان يوجد فراغ في (صناعة المحتوى الإذاعي) في وسط المملكة وهذا ما استغله المبتكر العبقري الأستاذ عبد الله العويد لإطلاق إذاعته الشعبية.
وفي نفس السنة التي تم فيها افتتاح إذاعة طامي الأهلية كتب الأديب الكبير أحمد السباعي في مجلة قريش خبرا وتعليقا على هذه الإذاعة الجديدة في وسط المملكة فقال ( وجد أهالي الرياض في إذاعة (طامي) ما يعزيهم عن إذاعتهم الرسمية.. نتمنى أن ينجز المشروع الكبير الذي تستعد له الإذاعة.. حتى يصل صوت السعودية إلى السعودية). وطبعا إشارة أحمد السباعي المقيم في مكة المكرمة إلى مزاحمة إذاعة طامي للإذاعة الرسمية يقصد بها إذاعة جدة وهذا ما استشعره أديب مكي آخر هو الشيخ على الطنطاوي فعندما انتقل من مكة المكرمة إلى الرياض في عام 1383 هجري للعمل في التدريس بكلية الشريعة تفاجأ بوجود بث إذاعي لم يسمعه من قبل وبحكم أن الشيخ الطنطاوي كان له عشق قديم مع البث الإذاعي منذ أن كان يقدم برامج أدبية وشرعية في أوائل شبابه في إذاعة الشرق الأدنى في مدينة يافا الفلسطينية ولاحقا تعاون مع إذاعة بغداد ثم مع إذاعة دمشق. ولهذا عندما سمع الشيخ علي الطنطاوي بث إذاعة طامي أثار ذلك فضوله واهتمامه ولهذا استفسر عن هذه الإذاعة ولاحقا زار صاحبها في مقرها في أطول عمارة بشارع الوزير في قلب الرياض. في الجزء الثامن والأخير من كتاب (ذكريات علي الطنطاوي) نجد الأديب الكبير على الطنطاوي صانع المحتوى الثقافي والشرعي في الإذاعة والتلفزيون يسرد ذكرياته عن إذاعة طامي فيقول (كنت يومًا في الرياض أدير مفتاح الراديو فسمعت إذاعة غريبة ليست من جدة ولا من مصر، لم أكن أسمع في الرياض يومئذ غيرها، إلا إذاعة بغداد أسمعها أحياناً، فوجدت هذه الإذاعة الغريبة تذكر أشياء عن المملكة وعن الرياض بالذات، فأصغيت أنتظر أن أسمع في آخرها اسم البلد الذي يخرج منه الصوت فإذا هو من الرياض، وإذا هو يذكر اسم "طامي"، فسألت زملائي وما طامي هذا؟ فتطوع حينها أحدهم فأتى به، فعرفني به وإذا هو شاب سعودي).
الأمر الذي تجدر الإشارة إليه أنه في عام 1384 هجري (1964 ميلادي) عندما تم افتتاح إذاعة الرياض طبعا توقفت إذاعة طامي بطلب رسمي من وزارة الإعلام وبعد تكريم معنوي ومالي للأستاذ عبد الله العويد من عدد من الأمراء، ولكن في نفس ذلك العام استلم راية (صناعة المحتوى الإذاعي) الشيخ علي الطنطاوي رحمة الله. حيث بدأ في بث برامجه الإذاعية عام 1384 هجري في إذاعة جدة بعد أن عاد إلى مكة المكرمة مودعا مدينة الرياض التي أقام فيها سنة واحدة فقط كانت كافية أن يستمع فيها إلى صوت إذاعة طامي في سنتها الأخيرة قبل إقفالها وبهذا توقف الأستاذ عبدالله العويد من إطلاق عبارته الشهيرة التي كانت في آذان أهل الرياض أجمل من عبارة (هنا القاهرة) أو عبارة (هنا لندن) حيث كان يبدأ فقرة الأخبار في بثه الإذاعي بمقولته الطريفة والمشهورة في ذلك الزمن (يقرؤها لكم أنا).


