السبت، 28 فبراير 2026

( البث الإذاعي والرعيل الأول لصنّاع المحتوى )

 د. أحمد بن حامد الغامدي

 السبت 1447/8/26

 في زمن وسائل الإعلام البديل مثل المدونات الشخصية (Blogs) ومنصات شبكات التواصل الاجتماعي كاليوتيوب والفيسبوك وتويتر والواتساب من الغريب أن قاعدة (قديمك نديمك) لها جانب ما من الصحة. وفي زمن طغيان قوة الصورة ومقاطع الفيديو المبثوثة في قنوات اليوتيوب وتطبيق التيك توك ومع ذلك رجعت قبل عدة سنوات الموضة القديمة بالدردشة والثرثرة عبر موجات الأثير الراديو والتي أصبحت اليوم تحمل اسما أنيقا وعصريا (البودكاست Podcast).

بكل الصدق لا أعرف الفرق التقني الدقيق بين مصطلح البودكاست وبين مفهوم (البرودكاست Broadcast) ولكن ما يهمني هنا أن هذين المصطلحين بشكل أو آخر لهما ارتباط وثيق بعملية (البث الصوتي) أو (البث الإذاعي) ولهذا مع حلول مناسبة (اليوم العالمي للإذاعة) والتي كانت يوم أمس الجمعية 13 فبراير لعلنا نلفت النظر أن هذه (الآخر صرعة) في دنيا موضة الإعلام البديل وصناعة المحتوى لها في الواقع قرن من الزمن في واقعنا العربي عندما صدحت في أجواء القاهرة عام 1926م أصداء وأصوات بث إذاعة خاصة كانت تسمى (راديو فؤاد). في الواقع حصل في عام 1926م أن صدر مرسوم ملكي في أرض مصر المحروسة أصدره الملك فؤاد الأول وكان ذلك المرسوم يسمح لهواة أجهزة اللاسلكي في إنشاء محطات إذاعية أهلية في القاهرة والإسكندرية. وعلى أثر ذلك بدأ بعض المقيمين في مصر من الجنسيات الإيطالية واليونانية وكذلك بعض المواطنين المصريين في تدشين محطات بث الإرسال الراديوي. وكنوع من المجاملة للأسرة الحاكمة كانت أسماء تلك المحطات الإذاعية تعكس الولاء لنظام الحكم الملكي فبالإضافة لمحطة فؤاد الإذاعية كان يوجد (راديو الأميرة فوزية) وهي الابنة الكبرى للملك فؤاد وكذلك (راديو فاروق) أي الأمير ولي العهد وملك المستقبل وهذا طبعا غير أسماء المحطات ذات البعد القومي التاريخي مثل (راديو أبو الهول) أو محطة (راديو رمسيس).

وفي الغالب كانت هذه المحطات الإذاعية الخاصة والأهلية تهدف بالدرجة الأولى لنشر الأغاني وبث تسجيل الحفلات الموسيقية مع بث وإذاعة بعض الأخبار السياسية والمحلية الخاصة. وبهذا كان ملاك وأصحاب هذه المحطات الإذاعية في القاهرة والإسكندرية ولاحقا في بيروت (إذاعة الشرق) أو بغداد (راديو قصر الزهور) من رواد الرعيل الأول ممن يوصفون في زمننا الحالي بذلك الاسم والوصف الفخيم (صناع المحتوى).

والغريب في الأمر هو روح المبادرة والحماسة الذاتية لبعض هؤلاء الرواد فتجدهم بمجرد ظهور التقنية الجديدة المتمثلة بجهاز البث الراديوي بادر العديد منهم بتدشين محطته الإذاعية الخاصة به ففي منتصف العشرينيات من القرن الماضي كان عدد محطات الراديو في القاهرة والإسكندرية بالعشرات وقد أشرنا لأسماء بعضها بينما تجد ر الإشارة إلى أن محطة الإذاعية المصرية الحكومية لم يبدأ إرسالها الرسمي إلا في عام 1934 ميلادي. وعلى المستوى الدولي نجد أن أول محطة إذاعية في التاريخ كانت تلك التي دشنها وأطلقها هاوي البث اللاسلكي المهندس الأمريكي تشارلز هيرولد في عام 1909م في مدينة سان خوسية ثالث أكبر مدينة في ولاية كاليفورنيا. وقد كان (المحتوى) الذي يصنعه الشاب الهاوي تشارلز هيرولد عبارة عن أغاني موسيقة والأخبار المحلية وذلك بعد أن يبدأ البث الإذاعي بمقولته المميزة: صباح الخير (هنا سان خوسية This is San Jose). وهذا ولا شك يذكرنا بالعبارة الإذاعية الأشهر (هنا لندن This is London) والتي أذيعت لأول مرة في عام 1922م معلنة بذلك انطلاق عصر هيمنة البث الراديوي لهيئة الإذاعة البريطانية (BBC).

وعلى نفس النسق والمسار التاريخي نجد أنه في واقعنا المحلي سبقت مبادرة صناع المحتوى الإذاعي للهواة إشارة البث الحكومي ففي حين كان أول بث للإرسال الإذاعي الرسمي من مدينة جدة في يوم عرفة التاسع من شهر ذي الحجة من عام 1368 هـ (الموافق الأول من أكتوبر 1949م) نجد أن بواكير (التواصل الإذاعي) سبق ذلك التاريخ. ففي عام 1948م قام المهندس الشاب السعودي أحمد زيدان بتوظيف هوايته في الاتصالات اللاسلكية بالتخاطب والتواصل مع أعضاء أندية هواة اللاسلكي من الأجانب الأمريكان والبريطانيين العاملين في شركة أرامكو أو في البعثة العسكرية السفارة البريطانية. وبحكم أن المهندس أحمد زيدان هو رائد وعميد هواة اللاسلكي في المملكة فلا شك أن بواكير الاتصالات والدردشات الصوتية التي كان يقوم بها في أوائل ممارسته لهذه الهواية الجديدة على المجتمع السعودي كانت بكل المقاييس تحمل صفات وخصائص (صناعة المحتوى). حيث كان المهندس أحمد زيدان ورفقاءه من جيل الرواد والرعيل الأول يتبادلون بينهم المعلومات والإرشادات حول الجوانب الفنية والتقنية المتعلقة بتشغيل وصيانة وتطوير أجهزة الراديو وتصنيع هوائيات الإرسال هذا بالإضافة لتبادل الأخبار العامة ومحادثات الدردشة التقليدية. بالمناسبة المهندس أو (الشيخ) أحمد زيدان بالفعل كان من رواد صناعة المحتوى الإعلامي حيث كان أحد المؤسسين الأوائل لمؤسسة عكاظ الصحفية التي ظهرت عام 1964ميلادي.

 من طامي إلى الطنطاوي والريادة في صناعة المحتوى

ومن رائد الاتصالات اللاسلكية (الراديوية) في المملكة وهو المهندس الشيخ أحمد زيدان الذي وصل إلى مرتبة وكيل وزارة المواصلات والاتصالات في عهد الملك فيصل إلى رائد (البث الإذاعي) في المملكة الأستاذ عبد الله العويد مؤسس وصاحب (إذاعة طامي) أول إذاعة أهلية في المملكة. في حين أن (إذاعة الرياض) الرسمية لم يتم افتتاحها إلا في عام 1384 هجري (أي في حدود 1964 ميلادي) نجد أن أول إذاعة شعبية في وسط المملكة كانت تلك التي أنشئها عبد الله العويد عام 1381 (تقريبا 1961م) واستمرت لمدة ثلاث سنوات وإشاعات عبر موجات الأثير البهجة والمتعة في أجواء مدينة الرياض. صحيح أن (إذاعة جدة) تم تدشينها عام 1949م كما سبق الإشارة لذلك، ولكن في ذلك العصر كانت قوة البث الإذاعي ضعيفة وبالتالي الإرسال لم يكن يصل بشكل جيد إلى منطقة الرياض ومنطقة القصيم ولهذا كان يوجد فراغ في (صناعة المحتوى الإذاعي) في وسط المملكة وهذا ما استغله المبتكر العبقري الأستاذ عبد الله العويد لإطلاق إذاعته الشعبية.

وفي نفس السنة التي تم فيها افتتاح إذاعة طامي الأهلية كتب الأديب الكبير أحمد السباعي في مجلة قريش خبرا وتعليقا على هذه الإذاعة الجديدة في وسط المملكة فقال ( وجد أهالي الرياض في إذاعة (طامي) ما يعزيهم عن إذاعتهم الرسمية.. نتمنى أن ينجز المشروع الكبير الذي تستعد له الإذاعة.. حتى يصل صوت السعودية إلى السعودية). وطبعا إشارة أحمد السباعي المقيم في مكة المكرمة إلى مزاحمة إذاعة طامي للإذاعة الرسمية يقصد بها إذاعة جدة وهذا ما استشعره أديب مكي آخر هو الشيخ على الطنطاوي فعندما انتقل من مكة المكرمة إلى الرياض في عام 1383 هجري للعمل في التدريس بكلية الشريعة تفاجأ بوجود بث إذاعي لم يسمعه من قبل وبحكم أن الشيخ الطنطاوي كان له عشق قديم مع البث الإذاعي منذ أن كان يقدم برامج أدبية وشرعية في أوائل شبابه في إذاعة الشرق الأدنى في مدينة يافا الفلسطينية ولاحقا تعاون مع إذاعة بغداد ثم مع إذاعة دمشق. ولهذا عندما سمع الشيخ علي الطنطاوي بث إذاعة طامي أثار ذلك فضوله واهتمامه ولهذا استفسر عن هذه الإذاعة ولاحقا زار صاحبها في مقرها في أطول عمارة بشارع الوزير في قلب الرياض. في الجزء الثامن والأخير من كتاب (ذكريات علي الطنطاوي) نجد الأديب الكبير على الطنطاوي صانع المحتوى الثقافي والشرعي في الإذاعة والتلفزيون يسرد ذكرياته عن إذاعة طامي فيقول (كنت يومًا في الرياض أدير مفتاح الراديو فسمعت إذاعة غريبة ليست من جدة ولا من مصر، لم أكن أسمع في الرياض يومئذ غيرها، إلا إذاعة بغداد أسمعها أحياناً، فوجدت هذه الإذاعة الغريبة تذكر أشياء عن المملكة وعن الرياض بالذات، فأصغيت أنتظر أن أسمع في آخرها اسم البلد الذي يخرج منه الصوت فإذا هو من الرياض، وإذا هو يذكر اسم "طامي"، فسألت زملائي وما طامي هذا؟ فتطوع حينها أحدهم فأتى به، فعرفني به وإذا هو شاب سعودي).

الأمر الذي تجدر الإشارة إليه أنه في عام 1384 هجري (1964 ميلادي) عندما تم افتتاح إذاعة الرياض طبعا توقفت إذاعة طامي بطلب رسمي من وزارة الإعلام وبعد تكريم معنوي ومالي للأستاذ عبد الله العويد من عدد من الأمراء، ولكن في نفس ذلك العام استلم راية (صناعة المحتوى الإذاعي) الشيخ علي الطنطاوي رحمة الله. حيث بدأ في بث برامجه الإذاعية عام 1384 هجري في إذاعة جدة بعد أن عاد إلى مكة المكرمة مودعا مدينة الرياض التي أقام فيها سنة واحدة فقط كانت كافية أن يستمع فيها إلى صوت إذاعة طامي في سنتها الأخيرة قبل إقفالها وبهذا توقف الأستاذ عبدالله العويد من إطلاق عبارته الشهيرة التي كانت في آذان أهل الرياض أجمل من عبارة (هنا القاهرة) أو عبارة (هنا لندن) حيث كان يبدأ فقرة الأخبار في بثه الإذاعي بمقولته الطريفة والمشهورة في ذلك الزمن (يقرؤها لكم أنا).

( الانحطاط الأخلاقي في الغرب بين الأمس واليوم )

د. أحمد بن حامد الغامدي

السبت 1447/8/19

الأسبوع الماضي عندما نُشرت حرفيا الملايين من ملفات (قضية جيفري إبستين) أي فضيحة رجل الأعمال الأمريكي اليهودي المتهم بجرائم جنسية شنيعة ضد الأطفال وإدارة شبكة للدعارة بالقاصرات تستهدف التوريط والابتزاز للمئات أو ربما الآلاف من الأشخاص النافذين في المجتمع الأمريكي والغربي، عندما نشرت هذه الوثائق أصيب العديد منا بالدهشة والصدمة للمستوى الأخلاقي المنحط للقادة وأصحاب النفوذ ورجال الأعمال ممن يطلق عليهم بالزور والبهتان (علية القوم). وفي الواقع لقد استغربت ممن استغرب أن تكون الطبقة المخملية في المجتمعات الغربية الرأسمالية على هذا المستوى من الانحطاط الأخلاقي فهذا أمر متكرر ومتجذر في التاريخ الأوروبي عبر العصور.

في صبيحة يوم السبت الماضي أي يوم 31 يناير تم (كشف القناع) عن تفاصيل مخازي فضيحة جيفري إبستين واكتشف العالم بأكمله القبح والفساد الذي يقبع تحت أقنعة الوجه البراقة لكبار الشخصيات في المجتمع الأمريكي تحديدا والأوروبي إجمالا. ومن المصادفات أن ذلك اليوم (31 يناير) هو بداية انطلاق (مهرجان الأقنعة) أحد أكثر الكرنفالات الدولية شهرة وإثارة وهو ما يعرف باسم (كرنفال البندقية) وفي الواقع قمة الإثارة تقع اليوم السبت 7 فبراير حيث تبدأ مسابقة (أجمل قناع تنكري) يتم تصميمه خصيصا لمهرجان فينيسا.

وفي وقت الذي نجد فيه عشرات الآلاف من السياح والمرتادين لكرنفال فينيسيا يضعون الأقنعة التنكرية على وجيههم لإخفاء شخصياتهم كان المئات من (علية القوم) في المجتمع الغربي يتم نزع القناع الكاذب عن وجيههم المسودة بسبب خزي فضيحة جيفري إبستين. ومع ذلك من الغريب أن حفلات الدعارة والاعتداء الجنسي على الأطفال في جزيرة إبستين الآثمة وحفلات المجون والخلاعة المصاحبة في قديم التاريخ لكرنفال البندقية كلها تشهد على أن المجتمع الغربي وعبر قرون عديدة كان وما زال يقبع في وحل الخطيئة الأخلاقية ومستنقع الجريمة السلوكية.

وبحكم أن مدينة البندقية هي عبارة عن شبكة من القنوات والممرات المائية فلهذا للجسور لها أهمية قصوى في تاريخ هذه المدينة وبالرغم من أن غالبية السواح أثناء كرنفال فينيسيا يتهافتون على مشاهدة (جسر ريالتو) الكبير والأنيق الذي يقطع القناة الكبرى ويرتبط  بساحة سان ماركو أو بعض الزوار يحرص على التصوير مع (جسر التنهيدات) الصغير والذي يقود إلى سجن البندقية القديم ومن هنا جاءت تسميته وأهميته الدرامية التي وظفت في العديد من الأعمال الروائية المشهورة، ومع ذلك شريحة من السواح ربما ترغب في زيارة جسر صغير وعتيق في منطقة سان بولو أصغر وأهم أحياء مدينة البندقية من الناحية التاريخية.

اسم ذلك الجسر المشبوه باللغة الإيطالية ponte delle tette والذي يعني بالعربي الصريح (جسر الأثداء) وهذا ما يعكس التاريخ الأسود لكرنفال البندقية والسبب في ذلك أنه منذ مطلع القرن الخامس عشر الميلادي كان من المسموح به ممارسة الدعارة في مدينة البندقية وكوسيلة للتنشيط السياحي لهذه المدينة الآثمة سمحت السلطات الإيطالية أثناء أيام كرنفال البندقية أن تقوم نساء البغاء العمالات في بيوت الدعارة القريبة من ذلك الجسر أن يظهرن اثدائهن المكشوفة من الشرفات المطلة على الجسر. وبحكم أنه اثناء أيام كرنفال البندقية يلبس العديد من الرجال والنساء الأقنعة التنكرية على وجههم لهذا يسهل جدا أثناء المهرجان التخفي لممارسة الرذيلة مع النساء المومسات أو حتى مع الشواذ من الشباب. وبالمناسبة عندما تفجرت فضيحة جيفري إبستين الأسبوع الماضي وكشفت خفايا المجتمع المخملي الأمريكي نجد أن بعض المعلقين والصحفيين أشاروا إلى فليم سينمائي أمريكي ظهر عام 1999م بعنوان (عيون مغلقة على اتساعها) وأهم ما فيه أن يجسد حالة العربدة المنحطة في شريحة من أهل الثراء من المجتمع الأمريكي الذين لا يتورع البعض منهم عن ممارسة الجنس الجماعي وكلهم يلبس قناع مشابه لأقنعة كرنفال البندقية لكي يخفي شخصيته.

وبالعودة إلى مدينة الخطيئة Sin City البندقية تجدر الإشارة إلى أن الرحالة البريطاني توماس كوريات عندما زار مدينة البندقية في عام 1611م ذكر في كتابه ذي العنوان المعبر (الوقاحات Crudities) أن مدينة البندقية تحتوي على عشرين ألف مومس وامرأة عاهرة بما يعني أنه ربما ربع النساء في مدينة البندقية كن من العاملات في مجال الجنس. وهذا يعني أن البندقية ومن ورائها إيطاليا الكاثوليكية المحافظة بدأت عصر النهضة في مطلع القرن الخامس عشر بإباحة الدعارة والسماح بفتح بيوت البغاء في حين أنه في بدايات عصر الأنوار في نهاية القرن السادس عشر كانت تلك المدينة بؤرة فاسدة لتجارة الجنس. وما لأهمية عصر النهضة وعصر الأنوار (زعموا) من تأثير كبير في تشكيل ثقافة وأخلاق المجتمعات الأوروبية والأمريكية حيث كانت المدن الإيطالية ذات البعد والتراث الروماني هي القدوة لتلك المجتمعات ومن هنا نعلم أنه على مثل هذا الانحطاط الأخلاق نشأ وتربى وأقتدى الغرب في الأزمان الحديثة.

 وفي مثل هذه البيئات الأوروبية قليلة الشرف وانعدام السلوك المنضبط لا نعجب أن نجد أن المجتمع الأمريكي المعاصر يثير استغراب العالم بدرجة السفالة في فضيحة جيفري إبستين في حين أن المجتمع الإيطالي في مدينة البندقية أفرز في القرن الثامن عشر شخصية (كازنوفا). وهو الرجل اللعوب وزير النساء الذي ولد في البندقية والذي تبجح في كتابه (قصة حياتي) بأنه كان على علاقة جنسية مع 116 امرأة ذكرهن بالاسم ولهذا أصبح اسمه مرادفا لمعنى الرذيلة والعهر واستغلال النساء والتلاعب بهن كما هو كذلك حال زير النساء الإسباني (دون جوان) أو الراهب الروسي الشنيع (راسبوتين) الذي عاث فسادا في نساء وسيدات بلاط إمبراطورية روسيا القيصرية.

الفضائح الجنسية .. أرث أوروبي أصيل

من أبرز الشخصيات الأوروبية المتورطة في فضيحة جيفري إبستين وجزيرة العهر التي يمتلكها نجد أن اسم الأمير البريطاني أندرو دوق يورك والأخ الشقيق الوحيد للملك الإنجليزي الحالي تشارلز الثالث. والمشكلة الكبرى المتعلقة بالأمير أندرو أن الفتاة القاصر (فيرجينيا جيوفري) التي وجهت الاتهام له بالاعتداء الجنسي عليها انتحرت قبل عدة أشهر بعد ان نشرت كتابا عن مأساتها مع شبكة إبستين الخبيثة وقد أثارت تلك المذكرات التي بعنوان (فتاة لا تخص أحداً) ضجة كبيرة لأنها اتهمت كذلك رئيس الوزراء الصهيوني إيهود باراك بأنه مارس معها الجنس بوحشية وسادية مفرطة. وعلى ذكر الفضائح الجنسية للعائلة المالكة البريطانية الجميع يعلم أن الأمير تشارلز قبل أن يصبح ملك ظل لسنوات طويلة وهو يخون زوجته الأميرة ديانا مع المرأة المتزوجة كاميلا باركر والتي تطلقت من زوجها لتصبح لاحقا الملكة كاميلا علما بأن الأميرة ديانا في مقابلة تلفزيونية مشهورة اعترفت بأنها هي الأخرى كانت تخون زوجها الأمير تشارلز ودخلت في علاقات جنسية مع بعض الرجال.

وإذا كان الملك الحالي وأخوه كلا منهما ارتبط بفضيحة مدوية فكذلك الملكة إليزابيث الثانية عبر السنوات نشر عنها إشاعات لم تثبت عن علاقة غرامية لها خارج الزواج مع اللورد بروشيستر في حين أن أختها الوحيدة الأميرة مارغريت كانت توصف بأنها الأميرة المتمردة وتسببت في العديد من الفضائح الأخلاقية للأسرة الحاكمة بسبب علاقتها الجنسية وكذلك بسبب زواجها وطلاقها المتكرر. ولهذا الفضائح الأخلاقية للعائلة المالكة البريطانية كانت ولا تزال في زمن الأمير العجوز أندرو أخو الملك والأمير الشاب هاري ابن الملك مصدر لا ينضب من سواليف النميمة والقيل والقال للشارع البريطاني وأخبار الصحف الصفراء وجرائد التابلويد. ولهذا أصبحت أخبار أمراء وأميرات بريطانيا على كل لسان وهذا ما يفسر عبر السنوات ظهور العشرات من الكتب المخصصة بالكامل لسرد وكشف فضائح عائلة قصر وندسور المالكة مثل كتاب (فضائح القصور الملكية) للكاتب والمؤرخ الإنجليزي توم كوين أو كتاب (العائلة المالكة والفضيحة الملكية) للمؤلف البريطاني رونالد غوه.

والمقصود أن عددا كبيرا من الأمراء والملوك وأفراد الأسر الحاكمة في الدول الأوروبية وأصحاب النفوذ والسلطة والمال في أمريكا الشمالية في القديم والحديث ينتشر فيهم الفساد الأخلاقي والتهتك والسلوكي بشكل شنيع ومن ذلك أن الأميرة ميت ماريت ولية عهد النرويج كُشف النقاب هذا الأسبوع أن لها علاقة وثقيه بالمجرم جيفري إبستين. في حين أن ماريوس وهو الابن الأكبر للأميرة النرويجية سالفة الذكر يواجه هذه الأيام 38 تهمة جنائية من ضمنها اغتصاب أربع نساء وحيازة مخدرات وقد تم اعتقاله قبل أيام بسبب قضايا اعتداء.

وفي الختام ننتقل من الحاضر إلى الماضي ومن اليوم إلى الأمس لنعطي لمحة سريعة تثبت أن الانحطاط الأخلاقي والفضائح الجنسية متوارثة ومتواصلة بين الأجيال المتوالية من الطبقة الحاكمة في المجتمعات الأوروبية والغربية وأن ما حصل في جزيرة الشيطان لإبستين ليس جزيرة معزولة وحفلة مجون وإسفاف وحيدة وغير مكررة. ولنبدأ بالتاريخ بالبريطاني وكيفي أن نشير أن أول ملوك بريطانيا على الإطلاق وهو (ويليام الفاتح) كان في الأصل ولد زنا حيث كان الابن غير شرعي للدوق روبرت الأول دوق نورماندي وفي حين أنه والده الدوق يعرف باسم: روبرت الرائع كان خصوم ويليم الفاتح يلقبونه باسم (ويليم ابن الحرام William the Bastard). وكما يقول المثل الإنجليزي الفصيح الولد سر أبيه (like father like son) فلعل من الملائم أن نشير إلى أن ابن ويليام اللقيط أو ويليام ابن الحرام وهو الملك الإنجليزي هنري الأول كان هو الآخر على درجة منحطة من العهر والمجون لدرجة أنه أنجب من عشيقاته ومحظياته من العوائل النبيلة حوالي 25 طفلا غير شرعي.

ومن الملك الإنجليزي هنري الأول إلى الملك الفرنسي هنري الثالث والذي ليس من فراغ كان يلقب بـ (هنري ابن العاهرة) فهو الآخر كان بلاطه يعج بالعشيقات والمومسات وزاد على ذلك أنه كان شاذ جنسيا ولهذا كان في حاشيته الخاصة فريق من الشباب المائع وقد كان الملك هنري الثالث نفسه تزين بحلي وملابس النساء كما توجد إشاعات بأنه كان على علاقة آثمة مع شقيقته. ولا نكشف سرا عندنا نقول إن عددا كبيرا من ملوك وأمراء أوروبا وفي مختلف العصور أشتهر عنهم فسادهم الأخلاقي الفاضح ويمكن أن يؤلف المرء من تلك المخازي كتبا ومجلدات طوال ومع ذلك واختصارا للمقال سوف نبقى مع ملوك بريطانيا وفرنسا ممن اسمهم (الملك هنري). فهذا مثلا الملك الفرنسي هنري الرابع تم تخليده في التاريخ الأسود بأنه رجل كان يخون زوجته الأولى ومن بعدها زوجته الثانية مع عدد كبير من العشيقات والمحظيات اللاتي كان لهن مكانة وتأثير طاغ على البلاط الفرنسي. والغريب أن ذلك الملك الفرنسي اشتهر بأنه احتفظ بحيويته الجنسية حتى وهو في سن الشيخوخة ولهذا كان الفرنسيون يطلقون عليه لقب (الفارس الأخضر) وهذا ليس للدلالة على أنه رجل نبيل وشجاع وإنما شيء مشابه في ثقافتنا عندما نقول عن شخص محب بشغف للنساء بأنه (قلبه خضر) ولهذا في الثقافة الفرنسية تقريبا من معاني وصف هنري الرابع بأنه الفارس الأخضر أي هو رجل شبق جنسيا ولهذا يخاف أن يفسد أخلاق النساء.

وتلك قصة هنري الرابع الفرنسي مع زوجتيه التي خانهما وأما قصة هنري الثامن البريطاني مع زوجتيه التي قتلهما هي قصة مشهورة فهذا الملك الإنجليزي مثل سلفه الملك الفرنسي هنري الرابع تزوج كل منهما أكثر من زوجه وطلق بهدف الحصول على طفل ذكر يكون ولي عهد العرش الملكي. وطبعا كلا منهما كان لديه العشرات من محظيات البلاط ومن العشيقات، ولكن هنري الثامن البريطاني دخل كتب التاريخ من أوسع أبوابه وظهر في العديد من الأفلام السينمائية بسبب أحداث ومفاجآت القصة الدرامية (الملك هنري الثامن وزوجاته الستة). وما يهمنا هنا لتدليل على الفساد الأخلاقي المستشري في أروقة البلاط الملكي أن الزوجة الخامسة لهنري الثامن وهي الشابة كاترين هوارد كانت على علاقة غرامة قبل زواجه بالملك العجوز ومن حماقتها أن تلك العلاقة استمرت ولهذا ثبت عليها أنها ارتكبت الزنا مما أعتبر خيانة للملك فأمر بإعدامها. أما الزوجة الثانية للملك هنري الثامن وهي السيدة آن بولين فهي وإن كانت أنجبت للملك هنري الثامن ابنته المشهورة (الملكة إليزابيث الأولى) لكنها فشلت في أن تنجب له ولد ذكر ولهذا يقال إنه تم إزاحتها وإعدامها بعد تم توجيه تهم خبيثة ضدها بأنها كانت على علاقة جنسية مع عدد من الرجال في القصر الملكي كما اتهمت بارتكاب خطيئة زنا المحارم مع أخيها. وبالمناسبة تشير الدراسات التاريخية أن الملكة العذراء (إليزابيث الثانية) وبالرغم من عذريتها المزعومة إلا أنها في الواقع قد وقعت في علاقات غرامية مع عدد من الرجال كان بعضهم متزوجا مثل عشيقها المقرب حامل لقب إيرل ليستر.

يقول الأديب الفرنسي ألكسندر دوما (فقط إليزابيث الإنجليزية وكاترينا الروسية عرفتا كيف تكونا عشيقات وإمبراطورات في آن واحد) وهو بذلك يفتح السيرة الشنيعة للإمبراطورية الروسية الشمطاء كاترينا الثانية والتي كان لها عبر السنوات 22 عشيقا بعضهم من كبار جنرالات الدولة والبعض الآخر منهم وخصوصا الشباب صغار السن كانوا يعيشون في أجنحة خاصة في قصرها في حين أنه من المحتمل أن بعض أطفالها كانوا من الزنا ومن شبه المؤكد أنها خططت لقتل زوجها الأبلة وضعيف الشخصية الإمبراطور بطرس الثالث والذي تعاونت مع بعض عشاقها من الجنرالات على الانقلاب عليه وعزله وتولى العرش من بعده.

خلال الأسبوع الماضي ترددت كثيرا عبارات الصدمة والمفاجأة والاستغراب من فساد أهل السلطة والمال والحكم في أمريكيا وأوروبا، ولكن في الواقع هذا هو حالهم في الأمس واليوم.


 

( الإمبراطور يهذي !! )

د. أحمد بن حامد الغامدي

 السبت 1447/8/12

 في مؤتمر دافوس الاقتصادي الذي عقد الأسبوع الماضي ترددت عبارات الإعجاب والقبول للخطاب الموزون والمسؤول لرئيس وزراء الكندي مارك كارني بينما في المقابل تصاعدت همهمات السخط والاستهجان للخطاب الصفيق والمخبول للرئيس الأمريكي دونالد ترامب. صحيح أن صراحة الرئيس الكندي في الاعتراف بأن (النظام الدولي القديم انتهى .. وعلينا حماية أنفسنا) كان من المفروض أن يثير الهلع والإحباط، ولكن كلامه الموزون الذي يحمل رسائل التنبيه والتحذير أثار جوا من الطمأنينة لأن رجل سياسة حكيم يشخص الداء ويقترح الدواء. يقال الرجال مواقف، ولكنهم كذلك (أقوال) ولهذا كثيرا في التاريخ البشري ما يتم امتداح رجال السياسة بأن أحدهم خطيب مفوه ومتحدث متمكن. وبما أننا في سياق الحديث عن القادة السياسيين من الغربيين فلعل من الملائم الإشارة إلى أن كلا من الرئيس الأمريكي إبراهام لينكون والرئيس جورج واشنطن لهم خطب سياسة بليغة ومؤثرة ولمن يرغب يمكن الاطلاع على بعض تلك الخطب التاريخية وغيرها سوف يجدها في الكتاب الماتع والمميز (خطب غيرت التاريخ) للمؤرخ البريطاني سيمون مونتيفيوري.

بالمناسبة لا يجادل أحد أن أهم وأبرز رجال السياسة في العصر الحديث الذين غيروا التاريخ بواسطة خطبهم السياسية المؤثرة والبليغة من الناحية اللغوية هو رئيس الوزراء البريطاني ونستون تشرشل والذي من الملائم أن نعلم أنه حصل على جائزة نوبل في الأدب في عام 1953م وذلك لأسباب منها خطاباته المشهورة التي كان يذيعها على الشعب البريطاني والعالم أجمع أثناء مجريات الحرب العالمية الثانية. وفي الكتاب سالف الذكر (خطب غيرت العالم) أحدث خطبة تم سردها من ناحية التسلسل الزمني هي (خطاب النصر) الذي ألقاه الرئيس الأمريكي باراك أوباما عشية الإعلان عن فوزه بالانتخابات الرئاسية عام 2008م وإن كان له خطابات أخرى مميزة مثل خطابه في جامعة القاهرة او خطابه في حفل التنصيب له كرئيس أو خطابه عند استلام جائزة نوبل للسلام عام 2009 ميلادي. وبعد هذه الكلمات البليغة والخطب المميزة والتاريخية لرئيس الوزراء البريطاني تشرشل عند استلام جائزة نوبل للأدب أو الرئيس الأمريكي أوباما عند استلام جائزة نوبل للسلام لدي فضول كبير لأعرف ما هي طبيعة كلمة الرئيس الأمريكي الحالي دونالد ترامب لو فاز بجائزة نوبل للسلام لعام 2025م هل كان سوف يقول كلام عاقل وموزون أم إنه كالعادة كان سوف يهذي ويرتجل خطاب وعبارات صادمة ومحرجة.

وهذا بالفعل ما حصل في كلمة الرئيس ترامب في مؤتمر دافوس الاقتصادي الأسبوع الماضي ففي خطاب الهذيان الذي ألقاه بشكل ارتجالي وتمثيلي واستمر لمدة طويلة وصلت لحوالي 72 دقيقة كان أغلبه كلاما مفككا ومكررا وفي بعض مقاطعه كلامي سوقي مثل افتتاحية الخطاب بالعبارة السمجة التي لخبط فيها بين جرينلاند التي يطالب بها وبين الدولة المستقلة أيسلندا حيث قال الجملة العبثية التالية (أيسلندا تحبني .. نادوني بابا .. قالوا: هو والدنا، هو من يديرها).

منذ عقود والجميع يعلم أن رجل الأعمال الثري جدا دونالد ترامب لديه نزعة نرجسية واضحة ومصاب بالغرور والبحث عن الإعجاب المفرط ثم عندما تولى ترامب منصب الرئاسة في فترته الأولى أثارت الحالة النفسية للرئيس ترامب نقاشات واسعة بين خبراء الصحة النفسية والمحللين السياسيين نتج عنها تأكيد بعض الأطباء النفسيين المشهورين أن الرئيس الأمريكي ترامب مصاب باضطراب الشخصية النرجسية. وخلال السنة الأولى من فترة حكم الرئيس ترامب الثانية زادت غرابة تصرفاته السلوكية وقراراته السياسية والاقتصادية المثيرة للقلق والتعجب. ولهذا بدأنا في الفترة الأخيرة نسمع من يردد بأن الرئيس ترامب مصاب بنوع ما من الخلل العقلي، بل البعض يشخص حالته النفسية بأنه من نوع (النرجسية الخبيثة malignant narcissism) وهي مزيج شديد من الاضطرابات النفسية مثل النرجسية المفرطة والسادية وجنون العظمة والسلوك المعادي للمجتمع وانعدام التعاطف.

 أيهما أشنع خطيب روما أو خطيب واشنطن

في (الخطاب الرئاسي) الذي ألقاه ترامب في مؤتمر دافوس الثلجي وجه الرئيس إهانات واتهامات للجميع مما أحرج قادة الدول الأوروبية فقد سخر من الرئيس الفرنسي وانتقد رئيس كندا ووجه الاتهامات الصريحة المباشرة للحكومة الدانمركية وسخر من حلف الناتو العسكري. أتوقع أن أغلب رؤساء وقادة الدول الغربية خرجوا من مؤتمر دافوس ومستوى الكراهية والبغض للرئيس الأمريكي قد زاد في قلوبهم وإن لم يصرحوا بذلك لأسباب دبلوماسية لا تخفى ومع ذلك الرئيس ترامب بشخصيته النرجسية غير المبالية غالبا ربما تمتم مع نفسه بالمقولة التي ذكرها مكيافيلي في كتاب الأمير (أن يخافك الناس أفضل من أن يحبوك). وفي الواقع ينبغي التنبيه أن تلك العبارة السابقة التي وردت بصيغة أخرى قريبة هي (من الآمن لك أن يخشاك الناس أفضل من أن يحبوك) مفهومها ومناسبتها قديمة في التاريخ أقدم من كتاب (الأمير) للكاتب الإيطالي المثير للجدل مكيافيلي الذي نشره قبل حوالي خمسة قرون (1513م).

من المحتمل أن أول من قائل تلك العبارة الميكافيلية النفعية هو الإمبراطور الروماني الشنيع (كاليغولا) والذي غالبا قد أقتبسها من المسرحية التراجيدية (أتريوس) للشاعر الروماني القديم لوسيوس أكيوس التي ورد فيها مقولة: دعهم يكرهونني، حتى يخافوا مني (let them hate me, so they fear me) وأحيانا ترد تلك العبارة بالصيغة المختصرة (ليكرهوني ما داموا يخشونني). لقد كان الإمبراطور كاليغولا أحد أبرز أباطرة الرومان الدمويين والمجانين والخطرين جدا على من حولهم كما هو حال الإمبراطور نيرون والإمبراطور تيبيريوس. لدرجة أنه فيما يخص المجرم الأثيم كاليغولا فإنه لم يتردد في قتل والدته أو يتورع عن إنجاب طلفه من السفاح مع أخته هذا فضلا عن اضطهاده لقادة وكبار رجال دولته لدرجة أهانته لأعضاء مجلس الشيوخ الروماني عن طريق جعل حصانه المفضل إنسيتاتوس عضوا في مجلس الشيوخ وكذلك تعيين ذلك الجواد المدلل في منصب (قنصل) وهو أعلى منصب سياسي في روما في ذلك الزمن.

وبحكم أنه يوجد بدرجة ما نوع تشابه بين الطباع النفسية الشاذة والعنيفة بين الرئيس ترامب وبين الإمبراطور كاليغولا حيث إنه من المحتمل أن كلا منهما كان مصابا باضطراب (النرجسية الخبيثة) التي سبق الإشارة لأبرز أعراضها النفسية ومع ذلك فيما يخص مجال الخطابة والقدرة على الحديث الموزون والرصين نجد مرة أن كلا منهما يلجأ لأسلوب التهريج في الخطابة. ليس من فراغ أن نجد العديد من مقدمي البرامج الكوميدية أو بعض صناع المحتوى في وسائل التواصل الاجتماعي يتعمدون تقليد أسلوب ترامب في الخطابة كأسلوب للسخرية منه في طريقته التمثيلية المبتذلة في الإيماءات واستخدام حركات الجسد والوجه والتغيير في نبرة الصوت والتقليد الساخر لطريقة حديث خصومه. وهذا مرة أخرى يقودنا للمقارنة بين إمبراطور روما القديمة كاليغولا وإمبراطور روما الجديدة ترامب في أسلوب الكلام وطريقة الأداء الخطابي ومن حسن الحظ أن المؤرخ الروماني سوتونيوس في كتابه (حياة الأباطرة الاثنا عشر) حفظ للتاريخ العديد من تفاصيل حياة وتاريخ بعض الأباطرة الرومان ومن أشهرهم يوليوس قيصر وصاحبنا الرهيب كاليغولا.

في شهادته على العصر يصور المؤرخ سوتونيوس خطاب كاليغولا بأنه متقلب يتراوح بين الخطابة العاطفية المصاغة بعناية والانفعالات التهديدية الجامحة وكما يصفه بأنه ممثل فصيح ووحش ​​استخدم البلاغة لتهديد مجلس الشيوخ والتباهي بألوهيته وإذلال الآخرين. وما يهمنا هنا أن سوتونيوس فيما يتعلق بوصوف الإداء التمثيلي لكاليغولا أثناء كلماته الخطابية أنه ربما يأتي بسلوك غير متوقع مثل الصراخ المسرحي كما يشير المؤرخ الروماني لعادة كاليغولا في خطاباته في احتقار بعض المسؤولين مثل السخرية من أحد المحافظين ذي الصوت الأنثوي من خلال إطلاق أسماء سخيفة واستفزازية عليه وهذا يذكرنا ولا شك بطريقة ترامب في التنمر على خصومة حذو القذة بالقذة.

وفي الختام أود الإشارة السريعة أن تاريخ الحكام والأباطرة والقادة حافل بالأمثلة لهؤلاء المستبدين الذين استخدموا الأداء التمثيلي في الخطابة لفرض هيمنتهم وتخويف الآخرين والسيطرة عليهم من مثل الدكتاتور (الدوتشي) الفاشي الإيطالي بينيتو موسوليني و(الفوهرر) النازي أدولف هتلر و(الرفيق) الشيوعي الروسي نيكيتا خرتشوف فكل واحد منهم كان له أسلوب مميز في الخطابة لا يخول أحيانا من تصرفات غريبة وسخيفة.