د. أحمد بن حامد الغامدي
السبت 1447/8/19
الأسبوع الماضي عندما نُشرت حرفيا الملايين من ملفات (قضية جيفري إبستين) أي فضيحة رجل الأعمال الأمريكي اليهودي المتهم بجرائم جنسية شنيعة ضد الأطفال وإدارة شبكة للدعارة بالقاصرات تستهدف التوريط والابتزاز للمئات أو ربما الآلاف من الأشخاص النافذين في المجتمع الأمريكي والغربي، عندما نشرت هذه الوثائق أصيب العديد منا بالدهشة والصدمة للمستوى الأخلاقي المنحط للقادة وأصحاب النفوذ ورجال الأعمال ممن يطلق عليهم بالزور والبهتان (علية القوم). وفي الواقع لقد استغربت ممن استغرب أن تكون الطبقة المخملية في المجتمعات الغربية الرأسمالية على هذا المستوى من الانحطاط الأخلاقي فهذا أمر متكرر ومتجذر في التاريخ الأوروبي عبر العصور.
في صبيحة يوم السبت الماضي أي يوم 31 يناير تم (كشف القناع) عن تفاصيل مخازي فضيحة جيفري إبستين واكتشف العالم بأكمله القبح والفساد الذي يقبع تحت أقنعة الوجه البراقة لكبار الشخصيات في المجتمع الأمريكي تحديدا والأوروبي إجمالا. ومن المصادفات أن ذلك اليوم (31 يناير) هو بداية انطلاق (مهرجان الأقنعة) أحد أكثر الكرنفالات الدولية شهرة وإثارة وهو ما يعرف باسم (كرنفال البندقية) وفي الواقع قمة الإثارة تقع اليوم السبت 7 فبراير حيث تبدأ مسابقة (أجمل قناع تنكري) يتم تصميمه خصيصا لمهرجان فينيسا.
وفي وقت الذي نجد فيه عشرات الآلاف من السياح والمرتادين لكرنفال فينيسيا يضعون الأقنعة التنكرية على وجيههم لإخفاء شخصياتهم كان المئات من (علية القوم) في المجتمع الغربي يتم نزع القناع الكاذب عن وجيههم المسودة بسبب خزي فضيحة جيفري إبستين. ومع ذلك من الغريب أن حفلات الدعارة والاعتداء الجنسي على الأطفال في جزيرة إبستين الآثمة وحفلات المجون والخلاعة المصاحبة في قديم التاريخ لكرنفال البندقية كلها تشهد على أن المجتمع الغربي وعبر قرون عديدة كان وما زال يقبع في وحل الخطيئة الأخلاقية ومستنقع الجريمة السلوكية.
وبحكم أن مدينة البندقية هي عبارة عن شبكة من القنوات والممرات المائية فلهذا للجسور لها أهمية قصوى في تاريخ هذه المدينة وبالرغم من أن غالبية السواح أثناء كرنفال فينيسيا يتهافتون على مشاهدة (جسر ريالتو) الكبير والأنيق الذي يقطع القناة الكبرى ويرتبط بساحة سان ماركو أو بعض الزوار يحرص على التصوير مع (جسر التنهيدات) الصغير والذي يقود إلى سجن البندقية القديم ومن هنا جاءت تسميته وأهميته الدرامية التي وظفت في العديد من الأعمال الروائية المشهورة، ومع ذلك شريحة من السواح ربما ترغب في زيارة جسر صغير وعتيق في منطقة سان بولو أصغر وأهم أحياء مدينة البندقية من الناحية التاريخية.
اسم ذلك الجسر المشبوه باللغة الإيطالية ponte delle tette والذي يعني بالعربي الصريح (جسر الأثداء) وهذا ما يعكس التاريخ الأسود لكرنفال البندقية والسبب في ذلك أنه منذ مطلع القرن الخامس عشر الميلادي كان من المسموح به ممارسة الدعارة في مدينة البندقية وكوسيلة للتنشيط السياحي لهذه المدينة الآثمة سمحت السلطات الإيطالية أثناء أيام كرنفال البندقية أن تقوم نساء البغاء العمالات في بيوت الدعارة القريبة من ذلك الجسر أن يظهرن اثدائهن المكشوفة من الشرفات المطلة على الجسر. وبحكم أنه اثناء أيام كرنفال البندقية يلبس العديد من الرجال والنساء الأقنعة التنكرية على وجههم لهذا يسهل جدا أثناء المهرجان التخفي لممارسة الرذيلة مع النساء المومسات أو حتى مع الشواذ من الشباب. وبالمناسبة عندما تفجرت فضيحة جيفري إبستين الأسبوع الماضي وكشفت خفايا المجتمع المخملي الأمريكي نجد أن بعض المعلقين والصحفيين أشاروا إلى فليم سينمائي أمريكي ظهر عام 1999م بعنوان (عيون مغلقة على اتساعها) وأهم ما فيه أن يجسد حالة العربدة المنحطة في شريحة من أهل الثراء من المجتمع الأمريكي الذين لا يتورع البعض منهم عن ممارسة الجنس الجماعي وكلهم يلبس قناع مشابه لأقنعة كرنفال البندقية لكي يخفي شخصيته.
وبالعودة إلى مدينة الخطيئة Sin City البندقية تجدر الإشارة إلى أن الرحالة البريطاني توماس كوريات عندما زار مدينة البندقية في عام 1611م ذكر في كتابه ذي العنوان المعبر (الوقاحات Crudities) أن مدينة البندقية تحتوي على عشرين ألف مومس وامرأة عاهرة بما يعني أنه ربما ربع النساء في مدينة البندقية كن من العاملات في مجال الجنس. وهذا يعني أن البندقية ومن ورائها إيطاليا الكاثوليكية المحافظة بدأت عصر النهضة في مطلع القرن الخامس عشر بإباحة الدعارة والسماح بفتح بيوت البغاء في حين أنه في بدايات عصر الأنوار في نهاية القرن السادس عشر كانت تلك المدينة بؤرة فاسدة لتجارة الجنس. وما لأهمية عصر النهضة وعصر الأنوار (زعموا) من تأثير كبير في تشكيل ثقافة وأخلاق المجتمعات الأوروبية والأمريكية حيث كانت المدن الإيطالية ذات البعد والتراث الروماني هي القدوة لتلك المجتمعات ومن هنا نعلم أنه على مثل هذا الانحطاط الأخلاق نشأ وتربى وأقتدى الغرب في الأزمان الحديثة.
وفي مثل هذه البيئات الأوروبية قليلة الشرف وانعدام السلوك المنضبط لا نعجب أن نجد أن المجتمع الأمريكي المعاصر يثير استغراب العالم بدرجة السفالة في فضيحة جيفري إبستين في حين أن المجتمع الإيطالي في مدينة البندقية أفرز في القرن الثامن عشر شخصية (كازنوفا). وهو الرجل اللعوب وزير النساء الذي ولد في البندقية والذي تبجح في كتابه (قصة حياتي) بأنه كان على علاقة جنسية مع 116 امرأة ذكرهن بالاسم ولهذا أصبح اسمه مرادفا لمعنى الرذيلة والعهر واستغلال النساء والتلاعب بهن كما هو كذلك حال زير النساء الإسباني (دون جوان) أو الراهب الروسي الشنيع (راسبوتين) الذي عاث فسادا في نساء وسيدات بلاط إمبراطورية روسيا القيصرية.
الفضائح الجنسية .. أرث أوروبي أصيل
من أبرز الشخصيات الأوروبية المتورطة في فضيحة جيفري إبستين وجزيرة العهر التي يمتلكها نجد أن اسم الأمير البريطاني أندرو دوق يورك والأخ الشقيق الوحيد للملك الإنجليزي الحالي تشارلز الثالث. والمشكلة الكبرى المتعلقة بالأمير أندرو أن الفتاة القاصر (فيرجينيا جيوفري) التي وجهت الاتهام له بالاعتداء الجنسي عليها انتحرت قبل عدة أشهر بعد ان نشرت كتابا عن مأساتها مع شبكة إبستين الخبيثة وقد أثارت تلك المذكرات التي بعنوان (فتاة لا تخص أحداً) ضجة كبيرة لأنها اتهمت كذلك رئيس الوزراء الصهيوني إيهود باراك بأنه مارس معها الجنس بوحشية وسادية مفرطة. وعلى ذكر الفضائح الجنسية للعائلة المالكة البريطانية الجميع يعلم أن الأمير تشارلز قبل أن يصبح ملك ظل لسنوات طويلة وهو يخون زوجته الأميرة ديانا مع المرأة المتزوجة كاميلا باركر والتي تطلقت من زوجها لتصبح لاحقا الملكة كاميلا علما بأن الأميرة ديانا في مقابلة تلفزيونية مشهورة اعترفت بأنها هي الأخرى كانت تخون زوجها الأمير تشارلز ودخلت في علاقات جنسية مع بعض الرجال.
وإذا كان الملك الحالي وأخوه كلا منهما ارتبط بفضيحة مدوية فكذلك الملكة إليزابيث الثانية عبر السنوات نشر عنها إشاعات لم تثبت عن علاقة غرامية لها خارج الزواج مع اللورد بروشيستر في حين أن أختها الوحيدة الأميرة مارغريت كانت توصف بأنها الأميرة المتمردة وتسببت في العديد من الفضائح الأخلاقية للأسرة الحاكمة بسبب علاقتها الجنسية وكذلك بسبب زواجها وطلاقها المتكرر. ولهذا الفضائح الأخلاقية للعائلة المالكة البريطانية كانت ولا تزال في زمن الأمير العجوز أندرو أخو الملك والأمير الشاب هاري ابن الملك مصدر لا ينضب من سواليف النميمة والقيل والقال للشارع البريطاني وأخبار الصحف الصفراء وجرائد التابلويد. ولهذا أصبحت أخبار أمراء وأميرات بريطانيا على كل لسان وهذا ما يفسر عبر السنوات ظهور العشرات من الكتب المخصصة بالكامل لسرد وكشف فضائح عائلة قصر وندسور المالكة مثل كتاب (فضائح القصور الملكية) للكاتب والمؤرخ الإنجليزي توم كوين أو كتاب (العائلة المالكة والفضيحة الملكية) للمؤلف البريطاني رونالد غوه.
والمقصود أن عددا كبيرا من الأمراء والملوك وأفراد الأسر الحاكمة في الدول الأوروبية وأصحاب النفوذ والسلطة والمال في أمريكا الشمالية في القديم والحديث ينتشر فيهم الفساد الأخلاقي والتهتك والسلوكي بشكل شنيع ومن ذلك أن الأميرة ميت ماريت ولية عهد النرويج كُشف النقاب هذا الأسبوع أن لها علاقة وثقيه بالمجرم جيفري إبستين. في حين أن ماريوس وهو الابن الأكبر للأميرة النرويجية سالفة الذكر يواجه هذه الأيام 38 تهمة جنائية من ضمنها اغتصاب أربع نساء وحيازة مخدرات وقد تم اعتقاله قبل أيام بسبب قضايا اعتداء.
وفي الختام ننتقل من الحاضر إلى الماضي ومن اليوم إلى الأمس لنعطي لمحة سريعة تثبت أن الانحطاط الأخلاقي والفضائح الجنسية متوارثة ومتواصلة بين الأجيال المتوالية من الطبقة الحاكمة في المجتمعات الأوروبية والغربية وأن ما حصل في جزيرة الشيطان لإبستين ليس جزيرة معزولة وحفلة مجون وإسفاف وحيدة وغير مكررة. ولنبدأ بالتاريخ بالبريطاني وكيفي أن نشير أن أول ملوك بريطانيا على الإطلاق وهو (ويليام الفاتح) كان في الأصل ولد زنا حيث كان الابن غير شرعي للدوق روبرت الأول دوق نورماندي وفي حين أنه والده الدوق يعرف باسم: روبرت الرائع كان خصوم ويليم الفاتح يلقبونه باسم (ويليم ابن الحرام William the Bastard). وكما يقول المثل الإنجليزي الفصيح الولد سر أبيه (like father like son) فلعل من الملائم أن نشير إلى أن ابن ويليام اللقيط أو ويليام ابن الحرام وهو الملك الإنجليزي هنري الأول كان هو الآخر على درجة منحطة من العهر والمجون لدرجة أنه أنجب من عشيقاته ومحظياته من العوائل النبيلة حوالي 25 طفلا غير شرعي.
ومن الملك الإنجليزي هنري الأول إلى الملك الفرنسي هنري الثالث والذي ليس من فراغ كان يلقب بـ (هنري ابن العاهرة) فهو الآخر كان بلاطه يعج بالعشيقات والمومسات وزاد على ذلك أنه كان شاذ جنسيا ولهذا كان في حاشيته الخاصة فريق من الشباب المائع وقد كان الملك هنري الثالث نفسه تزين بحلي وملابس النساء كما توجد إشاعات بأنه كان على علاقة آثمة مع شقيقته. ولا نكشف سرا عندنا نقول إن عددا كبيرا من ملوك وأمراء أوروبا وفي مختلف العصور أشتهر عنهم فسادهم الأخلاقي الفاضح ويمكن أن يؤلف المرء من تلك المخازي كتبا ومجلدات طوال ومع ذلك واختصارا للمقال سوف نبقى مع ملوك بريطانيا وفرنسا ممن اسمهم (الملك هنري). فهذا مثلا الملك الفرنسي هنري الرابع تم تخليده في التاريخ الأسود بأنه رجل كان يخون زوجته الأولى ومن بعدها زوجته الثانية مع عدد كبير من العشيقات والمحظيات اللاتي كان لهن مكانة وتأثير طاغ على البلاط الفرنسي. والغريب أن ذلك الملك الفرنسي اشتهر بأنه احتفظ بحيويته الجنسية حتى وهو في سن الشيخوخة ولهذا كان الفرنسيون يطلقون عليه لقب (الفارس الأخضر) وهذا ليس للدلالة على أنه رجل نبيل وشجاع وإنما شيء مشابه في ثقافتنا عندما نقول عن شخص محب بشغف للنساء بأنه (قلبه خضر) ولهذا في الثقافة الفرنسية تقريبا من معاني وصف هنري الرابع بأنه الفارس الأخضر أي هو رجل شبق جنسيا ولهذا يخاف أن يفسد أخلاق النساء.
وتلك قصة هنري الرابع الفرنسي مع زوجتيه التي خانهما وأما قصة هنري الثامن البريطاني مع زوجتيه التي قتلهما هي قصة مشهورة فهذا الملك الإنجليزي مثل سلفه الملك الفرنسي هنري الرابع تزوج كل منهما أكثر من زوجه وطلق بهدف الحصول على طفل ذكر يكون ولي عهد العرش الملكي. وطبعا كلا منهما كان لديه العشرات من محظيات البلاط ومن العشيقات، ولكن هنري الثامن البريطاني دخل كتب التاريخ من أوسع أبوابه وظهر في العديد من الأفلام السينمائية بسبب أحداث ومفاجآت القصة الدرامية (الملك هنري الثامن وزوجاته الستة). وما يهمنا هنا لتدليل على الفساد الأخلاقي المستشري في أروقة البلاط الملكي أن الزوجة الخامسة لهنري الثامن وهي الشابة كاترين هوارد كانت على علاقة غرامة قبل زواجه بالملك العجوز ومن حماقتها أن تلك العلاقة استمرت ولهذا ثبت عليها أنها ارتكبت الزنا مما أعتبر خيانة للملك فأمر بإعدامها. أما الزوجة الثانية للملك هنري الثامن وهي السيدة آن بولين فهي وإن كانت أنجبت للملك هنري الثامن ابنته المشهورة (الملكة إليزابيث الأولى) لكنها فشلت في أن تنجب له ولد ذكر ولهذا يقال إنه تم إزاحتها وإعدامها بعد تم توجيه تهم خبيثة ضدها بأنها كانت على علاقة جنسية مع عدد من الرجال في القصر الملكي كما اتهمت بارتكاب خطيئة زنا المحارم مع أخيها. وبالمناسبة تشير الدراسات التاريخية أن الملكة العذراء (إليزابيث الثانية) وبالرغم من عذريتها المزعومة إلا أنها في الواقع قد وقعت في علاقات غرامية مع عدد من الرجال كان بعضهم متزوجا مثل عشيقها المقرب حامل لقب إيرل ليستر.
يقول الأديب الفرنسي ألكسندر دوما (فقط إليزابيث الإنجليزية وكاترينا الروسية عرفتا كيف تكونا عشيقات وإمبراطورات في آن واحد) وهو بذلك يفتح السيرة الشنيعة للإمبراطورية الروسية الشمطاء كاترينا الثانية والتي كان لها عبر السنوات 22 عشيقا بعضهم من كبار جنرالات الدولة والبعض الآخر منهم وخصوصا الشباب صغار السن كانوا يعيشون في أجنحة خاصة في قصرها في حين أنه من المحتمل أن بعض أطفالها كانوا من الزنا ومن شبه المؤكد أنها خططت لقتل زوجها الأبلة وضعيف الشخصية الإمبراطور بطرس الثالث والذي تعاونت مع بعض عشاقها من الجنرالات على الانقلاب عليه وعزله وتولى العرش من بعده.
خلال الأسبوع الماضي ترددت كثيرا عبارات الصدمة والمفاجأة والاستغراب من فساد أهل السلطة والمال والحكم في أمريكيا وأوروبا، ولكن في الواقع هذا هو حالهم في الأمس واليوم.

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق