د. أحمد بن حامد الغامدي
السبت 1447/8/12
في مؤتمر دافوس الاقتصادي الذي عقد الأسبوع الماضي ترددت عبارات الإعجاب والقبول للخطاب الموزون والمسؤول لرئيس وزراء الكندي مارك كارني بينما في المقابل تصاعدت همهمات السخط والاستهجان للخطاب الصفيق والمخبول للرئيس الأمريكي دونالد ترامب. صحيح أن صراحة الرئيس الكندي في الاعتراف بأن (النظام الدولي القديم انتهى .. وعلينا حماية أنفسنا) كان من المفروض أن يثير الهلع والإحباط، ولكن كلامه الموزون الذي يحمل رسائل التنبيه والتحذير أثار جوا من الطمأنينة لأن رجل سياسة حكيم يشخص الداء ويقترح الدواء. يقال الرجال مواقف، ولكنهم كذلك (أقوال) ولهذا كثيرا في التاريخ البشري ما يتم امتداح رجال السياسة بأن أحدهم خطيب مفوه ومتحدث متمكن. وبما أننا في سياق الحديث عن القادة السياسيين من الغربيين فلعل من الملائم الإشارة إلى أن كلا من الرئيس الأمريكي إبراهام لينكون والرئيس جورج واشنطن لهم خطب سياسة بليغة ومؤثرة ولمن يرغب يمكن الاطلاع على بعض تلك الخطب التاريخية وغيرها سوف يجدها في الكتاب الماتع والمميز (خطب غيرت التاريخ) للمؤرخ البريطاني سيمون مونتيفيوري.
بالمناسبة لا يجادل أحد أن أهم وأبرز رجال السياسة في العصر الحديث الذين غيروا التاريخ بواسطة خطبهم السياسية المؤثرة والبليغة من الناحية اللغوية هو رئيس الوزراء البريطاني ونستون تشرشل والذي من الملائم أن نعلم أنه حصل على جائزة نوبل في الأدب في عام 1953م وذلك لأسباب منها خطاباته المشهورة التي كان يذيعها على الشعب البريطاني والعالم أجمع أثناء مجريات الحرب العالمية الثانية. وفي الكتاب سالف الذكر (خطب غيرت العالم) أحدث خطبة تم سردها من ناحية التسلسل الزمني هي (خطاب النصر) الذي ألقاه الرئيس الأمريكي باراك أوباما عشية الإعلان عن فوزه بالانتخابات الرئاسية عام 2008م وإن كان له خطابات أخرى مميزة مثل خطابه في جامعة القاهرة او خطابه في حفل التنصيب له كرئيس أو خطابه عند استلام جائزة نوبل للسلام عام 2009 ميلادي. وبعد هذه الكلمات البليغة والخطب المميزة والتاريخية لرئيس الوزراء البريطاني تشرشل عند استلام جائزة نوبل للأدب أو الرئيس الأمريكي أوباما عند استلام جائزة نوبل للسلام لدي فضول كبير لأعرف ما هي طبيعة كلمة الرئيس الأمريكي الحالي دونالد ترامب لو فاز بجائزة نوبل للسلام لعام 2025م هل كان سوف يقول كلام عاقل وموزون أم إنه كالعادة كان سوف يهذي ويرتجل خطاب وعبارات صادمة ومحرجة.
وهذا بالفعل ما حصل في كلمة الرئيس ترامب في مؤتمر دافوس الاقتصادي الأسبوع الماضي ففي خطاب الهذيان الذي ألقاه بشكل ارتجالي وتمثيلي واستمر لمدة طويلة وصلت لحوالي 72 دقيقة كان أغلبه كلاما مفككا ومكررا وفي بعض مقاطعه كلامي سوقي مثل افتتاحية الخطاب بالعبارة السمجة التي لخبط فيها بين جرينلاند التي يطالب بها وبين الدولة المستقلة أيسلندا حيث قال الجملة العبثية التالية (أيسلندا تحبني .. نادوني بابا .. قالوا: هو والدنا، هو من يديرها).
منذ عقود والجميع يعلم أن رجل الأعمال الثري جدا دونالد ترامب لديه نزعة نرجسية واضحة ومصاب بالغرور والبحث عن الإعجاب المفرط ثم عندما تولى ترامب منصب الرئاسة في فترته الأولى أثارت الحالة النفسية للرئيس ترامب نقاشات واسعة بين خبراء الصحة النفسية والمحللين السياسيين نتج عنها تأكيد بعض الأطباء النفسيين المشهورين أن الرئيس الأمريكي ترامب مصاب باضطراب الشخصية النرجسية. وخلال السنة الأولى من فترة حكم الرئيس ترامب الثانية زادت غرابة تصرفاته السلوكية وقراراته السياسية والاقتصادية المثيرة للقلق والتعجب. ولهذا بدأنا في الفترة الأخيرة نسمع من يردد بأن الرئيس ترامب مصاب بنوع ما من الخلل العقلي، بل البعض يشخص حالته النفسية بأنه من نوع (النرجسية الخبيثة malignant narcissism) وهي مزيج شديد من الاضطرابات النفسية مثل النرجسية المفرطة والسادية وجنون العظمة والسلوك المعادي للمجتمع وانعدام التعاطف.
أيهما أشنع خطيب روما أو خطيب واشنطن
في (الخطاب الرئاسي) الذي ألقاه ترامب في مؤتمر دافوس الثلجي وجه الرئيس إهانات واتهامات للجميع مما أحرج قادة الدول الأوروبية فقد سخر من الرئيس الفرنسي وانتقد رئيس كندا ووجه الاتهامات الصريحة المباشرة للحكومة الدانمركية وسخر من حلف الناتو العسكري. أتوقع أن أغلب رؤساء وقادة الدول الغربية خرجوا من مؤتمر دافوس ومستوى الكراهية والبغض للرئيس الأمريكي قد زاد في قلوبهم وإن لم يصرحوا بذلك لأسباب دبلوماسية لا تخفى ومع ذلك الرئيس ترامب بشخصيته النرجسية غير المبالية غالبا ربما تمتم مع نفسه بالمقولة التي ذكرها مكيافيلي في كتاب الأمير (أن يخافك الناس أفضل من أن يحبوك). وفي الواقع ينبغي التنبيه أن تلك العبارة السابقة التي وردت بصيغة أخرى قريبة هي (من الآمن لك أن يخشاك الناس أفضل من أن يحبوك) مفهومها ومناسبتها قديمة في التاريخ أقدم من كتاب (الأمير) للكاتب الإيطالي المثير للجدل مكيافيلي الذي نشره قبل حوالي خمسة قرون (1513م).
من المحتمل أن أول من قائل تلك العبارة الميكافيلية النفعية هو الإمبراطور الروماني الشنيع (كاليغولا) والذي غالبا قد أقتبسها من المسرحية التراجيدية (أتريوس) للشاعر الروماني القديم لوسيوس أكيوس التي ورد فيها مقولة: دعهم يكرهونني، حتى يخافوا مني (let them hate me, so they fear me) وأحيانا ترد تلك العبارة بالصيغة المختصرة (ليكرهوني ما داموا يخشونني). لقد كان الإمبراطور كاليغولا أحد أبرز أباطرة الرومان الدمويين والمجانين والخطرين جدا على من حولهم كما هو حال الإمبراطور نيرون والإمبراطور تيبيريوس. لدرجة أنه فيما يخص المجرم الأثيم كاليغولا فإنه لم يتردد في قتل والدته أو يتورع عن إنجاب طلفه من السفاح مع أخته هذا فضلا عن اضطهاده لقادة وكبار رجال دولته لدرجة أهانته لأعضاء مجلس الشيوخ الروماني عن طريق جعل حصانه المفضل إنسيتاتوس عضوا في مجلس الشيوخ وكذلك تعيين ذلك الجواد المدلل في منصب (قنصل) وهو أعلى منصب سياسي في روما في ذلك الزمن.
وبحكم أنه يوجد بدرجة ما نوع تشابه بين الطباع النفسية الشاذة والعنيفة بين الرئيس ترامب وبين الإمبراطور كاليغولا حيث إنه من المحتمل أن كلا منهما كان مصابا باضطراب (النرجسية الخبيثة) التي سبق الإشارة لأبرز أعراضها النفسية ومع ذلك فيما يخص مجال الخطابة والقدرة على الحديث الموزون والرصين نجد مرة أن كلا منهما يلجأ لأسلوب التهريج في الخطابة. ليس من فراغ أن نجد العديد من مقدمي البرامج الكوميدية أو بعض صناع المحتوى في وسائل التواصل الاجتماعي يتعمدون تقليد أسلوب ترامب في الخطابة كأسلوب للسخرية منه في طريقته التمثيلية المبتذلة في الإيماءات واستخدام حركات الجسد والوجه والتغيير في نبرة الصوت والتقليد الساخر لطريقة حديث خصومه. وهذا مرة أخرى يقودنا للمقارنة بين إمبراطور روما القديمة كاليغولا وإمبراطور روما الجديدة ترامب في أسلوب الكلام وطريقة الأداء الخطابي ومن حسن الحظ أن المؤرخ الروماني سوتونيوس في كتابه (حياة الأباطرة الاثنا عشر) حفظ للتاريخ العديد من تفاصيل حياة وتاريخ بعض الأباطرة الرومان ومن أشهرهم يوليوس قيصر وصاحبنا الرهيب كاليغولا.
في شهادته على العصر يصور المؤرخ سوتونيوس خطاب كاليغولا بأنه متقلب يتراوح بين الخطابة العاطفية المصاغة بعناية والانفعالات التهديدية الجامحة وكما يصفه بأنه ممثل فصيح ووحش استخدم البلاغة لتهديد مجلس الشيوخ والتباهي بألوهيته وإذلال الآخرين. وما يهمنا هنا أن سوتونيوس فيما يتعلق بوصوف الإداء التمثيلي لكاليغولا أثناء كلماته الخطابية أنه ربما يأتي بسلوك غير متوقع مثل الصراخ المسرحي كما يشير المؤرخ الروماني لعادة كاليغولا في خطاباته في احتقار بعض المسؤولين مثل السخرية من أحد المحافظين ذي الصوت الأنثوي من خلال إطلاق أسماء سخيفة واستفزازية عليه وهذا يذكرنا ولا شك بطريقة ترامب في التنمر على خصومة حذو القذة بالقذة.
وفي الختام أود الإشارة السريعة أن تاريخ الحكام والأباطرة والقادة حافل بالأمثلة لهؤلاء المستبدين الذين استخدموا الأداء التمثيلي في الخطابة لفرض هيمنتهم وتخويف الآخرين والسيطرة عليهم من مثل الدكتاتور (الدوتشي) الفاشي الإيطالي بينيتو موسوليني و(الفوهرر) النازي أدولف هتلر و(الرفيق) الشيوعي الروسي نيكيتا خرتشوف فكل واحد منهم كان له أسلوب مميز في الخطابة لا يخول أحيانا من تصرفات غريبة وسخيفة.

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق