د/ أحمد بن حامد الغامدي
اليوم هو السبت الأول من شهر محرم وبداية السنة الهجرية الجديدة ذات الرقم المميز (1444) ونظرا لجوهرية الأثر الكبير للهجرة في مسيرة الدين الخاتم يكثر دائما في مطلع كل سنة هجرية الحديث عن (الدروس والعبر من الهجرة النبوية). وهذا ولا شك جهد مشكور وعمل مبرور ولكن ُيشكل عليه أن توقيت هذه الخطب والمقالات والبرامج الإعلامية عن (الهجرة النبوية) وربطها ببداية شهر محرم أمر غير دقيق نسبياً. والسبب في ذلك أنه يوجد فرق طفيف بين التقويم الهجري وبين الهجرة النبوية فالأول اجتهاد بشري والثانية تدبير إلهي من قبل العليم الحكيم.
في سيرة ابن هشام نجد خبر أن الرسول صلى
الله عليه وسلم بعد أن سمح لبعض أصحابه بالهجرة أقام هو بمكة ينتظر أن يأذن له ربه
في الخروج من مكة والهجرة وهذا يشي بأن الهجرة أمر بالغ الأهمية في تحقيق المستقبل
لهذا الدين وعليه كان تحديد موعدها من الوحي الإلاهي. هذه الحادثة الكبرى في
التاريخ الإسلامي حصلت ليس في الأول من شهر الله المحرم بل بعد ذلك بشهرين تقريبا
وبالتحديد في ليلة 27 من شهر صفر وهو توقيت المغادرة من مكة والبعض يؤرخ للهجرة
النبوية بتاريخ وصول الرسول الكريم إلى المدينة أي في يوم 12 من شهر ربيع الأول.
والمقصود أن التعليق على الهجرة وتحديد معالمها الزمنية هي من الاجتهاد البشري
وكذلك توظيف هذه الحادثة المفصلية في بداية التقويم الزمني للحضارة الإسلامية هو
اجتهاد بشري حكيم وفّق له الملهم المُحدَث الخليفة الفاروق عمر بن الخطاب رضي الله
عنه في القصة المشهورة.
ومع ذلك ما زال موضوع (التقويم الهجري) محلا
للاجتهادات البشرية المتنوعة فمثلا هل يكون عماد هذا التقويم الحساب الفلكي وفقاً
لدوران الأرض حول الشمس أو دوران القمر حول الأرض. وهذا يقودنا للإشارة لما يسمى
(التقويم الهجري الشمسي) والنوع الآخر (التقويم الهجري القمري) وما بينهما من
الفروقات اللافتة للنظر. ففي حين أن التقويم الهجري التقليدي الشائع بينما لا يتم
فيه التوافق بين بداية التقويم وبين توقيت الهجرة النبوية نجد أنه في التقويم
الهجري الشمسي تم اعتماد تثبيت بداية السنة الهجرية بشكل دائم في (أول الميزان)
بمعنى أن الشمس من ناحية فلكية في أول برج الميزان. ما يهمنا هنا أن (1ميزان)
في التقويم الهجري الشمسي هو يوم مشهور جدا في ثقافتنا المحلية فهو يوافق أول يوم
من شهر رجب (اليوم الأول من الشهر السابع: 7/1) وسابقا كان هذا هو (يوم ميلاد) عدد كبير من
أفراد الشعب السعودي الذين لا يعرف بدقة تاريخ ولادتهم فأصبح موعد منتصف العام
خيارا توافقيا مقبولا. وكما هو معلوم يوم (1 ميزان) يتوافق دائما مع مناسبة اليوم الوطني
السعودي وذكرى تأسيس المملكة العربية السعودية. الجديد الآن أن (1
ميزان) هو كذلك التوقيت الذي تم اختياره ليكون أول يوم في التقويم الهجري (الشمسي)
وهذا يعني أنه سوف يكون يوم ثابت في السنة الميلادية ولا يتغير وهو في الواقع يوم
23 سبتمبر. ومن المصادفات الإضافية في هذا اليوم أنه ليس فقط البداية الفعلية
لموسم فصل الخريف (الاعتدال الخريفي) بل هو تقريباً يتوافق كذلك مع موعد توقيت
الهجرة النبوية حيث يوافق (1 ميزان) اليوم الثاني لوصول الرسول صلى الله
عليه وسلم إلى المدينة المنورة حيث دخلها يوم الجمعة 12 ربيع الأول الموافق 24
سبتمبر سنة 662 ميلادي. الجدير بالذكر أن التقويم الهجري الشمسي متبع ومستخدم في
الجمهورية الإيرانية مع اختلاف جوهري يتمثل في أن بداية العام الهجري تكون مع
توقيت بداية فصل الربيع (الاعتدال الربيعي) وطبعا عيد النيروز الفارسي.
المفارقة الكبرى التي قد لا يعلم بها العديد
من القراء الكرام أنه يوجد فرق بين تقويم أم القرى (الرسمي) المعتمد على الدورة
الشمسية وبين التقويم الهجري التقليدي الشائع المعتمد على دورة القمر. كما ذكرنا
في التقويم الهجري (الشمسي) موعد بداية السنة ثابت ويكون في يوم (1
ميزان) أي 23 سبتمبر ولهذا السنة الهجرية الشمسية عدد أيامها 365 يوما وليس 354
يوما كما في السنة الهجرية القمرية الاعتيادية. وبناءً على ما سبق فالتاريخ الهجري
الشمسي الحالي هو اليوم الأول من السنة الهجرية (1401 هجري شمسي) بمعنى أنه يوجد
فرق يبلغ 43 سنة بين التقويم الهجري الشمسي والتقويم الهجري القمري. في الوقت
الحالي توجد ثلاث دول إسلامية تتبع التقويم الهجري هي السعودية وإيران وأفغانستان
والطريف في الأمر أنه في حين أن السنة الحالية رقمها لدينا في المملكة (1444 هجري
قمري) هي في الجمهورية الإيرانية (1401 هجري شمسي). ومثل هذه الاختلافات في تفاوت
أرقام السنوات هذا يقودنا إلى استرجاع الاقتراح الغريب الذي طرحه الرئيس الليبي
الهالك معمر القذافي وذلك بتحويل التقويم الإسلامي من التقويم استنادا على الهجرة
النبوية إلى التقويم بوفاة الرسول صلى الله عليه وسلم. وعليه وفق هذا التقويم
(الجماهيري) القذافي فنحن الآن في اليوم الأول من السنة 1434 الجماهيرية الإسلامية
الليبية إذا كانت بالتقويم القمري أو السنة 1390 الجماهيرية بالتقويم الشمسي.
لا شك في أن تعدد التقاويم وتفاوتات أرقام
السنة الهجرية (هل هي 1444 أم 1401) أمر مربك ومحير لو لم يتم التوافق العام بين
جميع الشعوب الإسلامية على اعتماد (التقويم الهجري القمري أي أن العام الجديد هو
1444 هـ). والطريف في الأمر أنه حتى في التقويم الميلادي (التقويم الغريغوري Gregorian
Calendar) الذائع الانتشار في أغلب دول العالم نجد كذلك أن بعض الدول
والمجتمعات لها مواعيد مختلفة لعدد سنوات هذا التقويم. أحد الأسئلة الشائكة
والصعبة في التاريخ المسيحي هو تحديد الموعد والتوقيت الدقيق لزمن ولادة السيد
المسيح علية السلام وبدون الدخول في التفاصيل نجد أن غالبية العلماء الآن يفترضون
أن هذا الحدث حصل تاريخيا ما بين السنة السادسة قبل الميلاد والسنة الرابعة قبل
الميلاد. وعلية إذا كان التقويم الميلادي يستند بحق على لحظة ولادة نبي الله عيسى
عليه السلام فنحن الآن في الواقع في السنة الميلادية 2016م أو 2018م على خلاف ما
هو شائع بأننا الآن في السنة 2022 ميلادي !! (علما بأن التقويم الميلادي حاليا في
أثيوبيا على سبيل المثال هو 2015م). والأعجب من ذلك أنه توجد تقاويم مسيحية لبعض
المجتمعات النصرانية مختلفة جدا في أرقام سنواتها عما هو شائع الآن فسنة 2022 في
التقويم الميلادي يقابلها السنة رقم 1471 في التقويم الأرمني أو السنة 7530 في
التقويم البيزنطي أو السنة 1738 في التقويم القبطي.
المعذرة من القارئ العزيز في حال ما إذا
سببت له بعض الإرباك في أمر واضح وسهل الاستيعاب مثل تحديد تاريخ اليوم، ولكن
المشكلة أن الشيطان يكمن في التفاصيل كما يقال. اختيار أهل الإسلام لحادثة الهجرة
لبداية التقويم الإسلامي أو اختيار أهل النصرانية ولادة المسيح لبادية التقويم
النصراني أمر سهل الإدراك والقبول ولكن مع الزمن تبدأ (التفاصيل الدقيقة) تتسبب في
بعض المشاكل مثل التي تعرف في علم الفلك بالانجراف الموسمي للفصول في التقويم
الهجري. وهنا نجد علماء الفلك الإسلامي بتكليف من السلاطين والخلفاء يحاولون تصحيح
التقويم الهجري ولذا كثرت الصور المعدلة من هذا التقويم عبر القرون ابتداءً من
القرن الرابع الهجري زمن سلطان السلاجقة جلال الدين ملك شاه الذي أنتج (التقويم
الجلالي) إلى حتى سنوات قليلة خلت عندما أعلن تنظيم داعش إخراج تقويم هجري خاص به.
ونفس هذه الحالة من تعدد التقاويم
والروزنامات نجدها في التاريخ المسيحي ابتداءً من التقويم الجولياني في القرن
الرابع الميلادي ومرورا بالتقويم الغريغوري المشهور وانتهاءً بما يسمى التقويم
العالمي الذي ظهر عام 1930م بل توجد حاليا مواصفة (المعيار الدولي ISO 8601)
تصف التقويم العالمي الموحد.

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق