د/ أحمد بن حامد الغامدي
السبت 1447/12/6
عند الشروع في منسك الحج أو العمرة من السنة أن يقول الحاج أو المعتمر (اللهم لبيّك حجاً أو عمرة فإن حبسني حابس فمحلي حيث حبستني) وهذا في فقه الحج والعمرة يسمى (الاشتراط) ومعناها إن تسبب ظرف ما (مثل المرض أو الحوادث أو انتفاء الأمن) في منع الحاج أو المعتمر من إكمال النسك فإن الحاج أو المعتمر يشرع له أن يلغي فعل الإحرام ويخرج من النسك ويرتدي ملابسه ولا شيء عليه حيث ينتهي إحرامه ونسكه في المكان الذي حبس ومنع فيه.
وعبر التاريخ الإسلامي تعرض الجمع الغفير من
الحجاج أو المعتمرين لعدم القدرة على إكمال مناسك الحج والعمرة بعد أن تخطو أرض
الميقات بسبب المخاوف الأمنية مع اقترابهم من حدود الحرم المكي الشريف بسبب الصراع
السياسي. قبل شهور قليلة من موسم حج 199 هـ حصلت ثورة سياسية في مكة قادها أحد
العلويين يدعى الحسين بن الحسن الأفطس والذي استولى على مكة المكرمة ولهذا في حج
ذلك العام وقف الناس بعرفة بلا إمام وصلوا بلا خطبة لفرار أمير مكة داود بن عيسى
العباسي ومعه أشراف بني العباس خوفا على أنفسهم. والغريب أنه بسبب القلاقل السياسية
ربما يتعذر ويتعطل الحج على أهل مكة أنفسهم ففي عام 72 هـ حاصر الحجاج بن يوسف
الثقفي مدينة مكة المكرمة في حربه المشهورة مع عبد الله بن الزبير ومن جراء هذا
(الحبس) الداخلي لم يتمكن أهل مكة من الحج. وفي كتاب التاريخ للإمام الطبري نجد
توثيقا لهذا التأثير السياسي على الحج حيث يقول الطبري (وحجّ الحجّاج بالناس في
هذه السنة، وابن الزبير محصور .. ونحر ابن الزبير بدنا (أي الجمال) بمكة يوم
النحر، ولم يحج ذلك العام ولا أصحابه لأنهم لم يقفوا بعرفة).
كما لا يخفى أنه في جميع مراحل التاريخ
الإسلامي كانت القوى السياسية التي تسيطر على مكة والمدينة وأرض الحجاز إجمالا
تحصل على (الشرعية الدينية) للحكم على بقية الأقاليم العربية والإسلامية باسم
(الخلافة) وهذا ما يفسر تكرار الصراع بين القوى السياسية للسيطرة على مكة المكرمة.
فبالإضافة للصراع بين الأمويين والزبيريين في مطلع السبعينيات من القرن الهجري
الأول والصراع بين العلويين وبين العباسيين على حكم مكة في نهاية القرن الثاني
الهجرين كما سبق الإشارة إليه نجد كذلك أن الصراع والثورات السياسية بين العلويين
وبين العباسيين بدأت في المدينة المنورة قبل مكة المكرمة وذلك عندما ثار أحد نسل
الأمام عليّ رضي الله عنه وهو محمد (النفس الزكية) في المدينة المنورة ضد الخلافة
العباسية في عام 145 هجري. وبالعودة للبلد الحرام في مكة المكرمة نجد أنه في أحداث
حج عام 169 هـ وقعت ما تسمى (معركة الفخ) في أطراف مكة وذلك في يوم التروية الثامن
من شهر ذي الحجة وذلك عندما تقابل جيش الخلافة العباسية مع الثوار من العلويين
بزعامة الحسين بن علي الملقب بالعابد والذي طلب من أهل مكة ومن الحجاج مبايعته
بالخلافة. وكذلك حصلت ثورة أخرى من ثائر علوي هو إسماعيل بن يوسف والذي خرج بمكة في
عام 251 هـ فهرب منه واليها ويذكر المؤرخ عبدالقادر الجزيري في كتابه الهام (الدرر
الفرائد المنظمة في أخبار الحاج وطريق مكة المعظمة) أن ذلك الثائر إسماعيل وقع منه
فساد كبير بمكة. والأخطر من ذلك أن إسماعيل وأتباعه هجموا على الحجاج في يوم عرفة
وقتل من الحجاج ألفا ومائة ولذا هرب بقية الحجاج إلى مكة ولم يقف بعرفة أحد ذلك
العام.
ولا شك أن مثل هذا الصراع المسلح والقتال
الدامي حول أرض مكة المكرمة وفي موسم الحج سوف يربك إتمام مناسك الحج لبعض الحجاج
فإذا انتقلنا بالتاريخ الهجري إلى منتصف القرن الرابع وبالتحديد إلى عام 342 هـ
حصل مرة أخرى صراع للسيطرة على أرض الحرم، ولكن هذه المرة بين البويهيين المهيمنين
على العراق وبين الإخشيديين المهمنين على حكم مصر. في عام 334 هـ سيطر البويهيون
على مدينة بغداد وهذا ما أضعف هيمنة الخلافة العباسية على بقية الأقاليم العربية
لدرجة أن كافور الإخشيدي رغب في تعزيز استقلاله بمصر من خلال اكتساب الشرعية الدينية
لو تمت له السيطرة على البلد الحرام مكة المكرمة. وقد أشار ابن خلدون إلى صراع
السلطة بين بغداد القاهرة حيث يذكر أنه في حج عام 342 هـ وصلت قافلة الحجيج من
العراق وعليها أمير مرسل من قبل معزّ الدولة بني بوية كما وصلت قافلة الحجيج من
مصر وعليها أمير مرسل من قبل كافور الإخشيدي. وفي المجلد الخامس من تاريخ ابن
خلدون نجد هذه العبارة المختصرة لذلك الصراع السياسي في موسم الحج (ثم جاء الحاج
(أي الحجاج) إلى مكة سنة ثنتين وأربعين مع أمير من العراق وأمير من مصر فوقعت
الحرب بينهما على الخطبة لابن بويه ملك العراق أو ابن الإخشيد صاحب مصر فانهزم
المصريون وخطب لابن بويه).
ومن صراع ملوك العراق وحكام مصر للسيطرة على
مكة المكرمة ننتقل لذلك القتال الذي اندلع بين حكام اليمن وحكام الحجاز بهدف
الهيمنة على مواقع مشاعر الحج وأرض الحرم ففي حج عام 653 هـ أراد سلطان اليمن يوسف
بن عمر الرسولي (موحد اليمن ومؤسس الدولة الرسولية) أن يفرض سيطرته السياسية
والدينية على أشراف مكة ولهذا وقع قتال بين جنوده وجنود الشريف أبي نمي محمد بن
الحسن بن قتادة والي مكة. وفي كتاب (سمط النجوم العوالي في أنباء الأوائل
والتوالي) للمؤرخ المكي عبد الملك العصامي نجد وصف هذه الفتنة في موسم حج 653 هجري
وكيف أن عساكر هذين الطرفين (تقاتلوا وسط مكة.. وسُفكت الدماء بالحرم الشريف
وامتلأت البلد منهم رُعباً بحيث لم يصلّ في الحرم أحد ووقع بينهم في أيام الحج
وبين أمير الحاج العراقي فتنة درأها الله تعالى بالصلح، فسلِم المسلمون). ونستمر
مع المؤرخ المكي عبد الملك العصامي حتى نصل إلى حج عام 907 هجري حيث نجده يشير إلى
الصراع على إمارة مكة المكرمة الذي نشب بين الشريف بركات بن محمد من جهة وبين
الشريف أحمد بن محمد بن بركات المعروف بالشريف جازان. وهذا نص كلام المؤرخ العصامي
عند أحداث حج عام 907 هـ (ثم كان بين الشريف بركات والشريف جازان حروب متعددة
ومواقف متكررة لحق ضررها الحاج واختلفت كلمة العربان وخرجوا على الحجاج ونهبوا
أموالهم وقتلوا رجالهم في جميع الطرقات وسائر المنازل).
الطريق إلى مكة في زمن الحرب
وفي هذا السياق من استعراض الصراع السياسي
والديني حول رمزية السيادة على الحرمين الشريفين والتنافس بين العليويين وبين
العباسيين أو بين الخلافة العباسية في العراق والخلافة الفاطمية في مصر وبين أشراف
الحجاز وسلاطين اليمن ربما نفهم لماذا حصلت أكبر كارثة تاريخية في تاريخ الحرمين
وهي هجوم القرامطة الأثيم على الحجاج في عام 317 هجري. التنافس بين القوى السياسة
والجيوش العسكرية لفرض السيادة على المراكز الدينية ذات الرمزية البارزة لاكتساب
الشرعية أو العكس من ذلك تعمد الاعتداء على المواقع المقدسة لبث الرعب وإيصال رسالة
ترهيب بأن تلك القوة على مقدار عالي من الجبروت لدرجة انتهاك المحرمات مما يضمن
لها سيادة الهيبة. وهذا يقودنا للحادثة الشنيعة والجريمة الآثمة التي إجترحها
اللعين أبو طاهر الجنابي القرمطي وجيشه المكون من 900 مقاتل خبيث وذلك عندما هجموا
على الحجاج يوم التروية من حج عام 317 هـ وأحدثوا واحدة من أبشع المجازر في تاريخ
الإسلام التي وقعت بأرض الحرم. يقول الإمام الذهبي في كتابه التاريخي (العبر في
خبر من غبر) عنهم فعلتهم الشنيعة (وقيل إن الذي قتل بفجاج مكة وظاهرها زهاء ثلاثين
ألفا وسبى من النساء والصبيان نحو ذلك). بل إن القرامطة اجترأوا على حرمة الكعبة المشرفة
فقاموا بسرقة الحجر الأسود وحاولوا اقتلاع ميزاب الكعبة وخلع بابها كما قاموا بنهب
كسوة الكعبة وتمزيقها وتقاسمها فيما بينهم.
وكان من جراء هذه الصدمة النفسية الهائلة
التي حصلت في المشعر الحرام أن (تعطل) الحج لسنوات عديدة خوفا من إجرام القرامطة
اللئام وهذا المؤرخ الدمشقي سبط ابن الجوزي في كتابه (مرآة الزمان في تواريخ
الأعيان) يقول (الظاهر أنه لم يحجّ أحد من سنة 317 إلى سنة 326 خوفا من القرمطي).
وبعد (ثورة القرامطة) تحولوا إلى (فتنة القرامطة) حيث ظلوا لسنوات وعقود طويلة وهم
في صراع دامي وصدام حامي ضد الخلافة العباسية وبحكم قرب مواقع نفوذ القرامطة في
منطقة البحرين القديم (الأحساء والقطيف) من أرض العراق لهذا حاول القرامطة دائما
استنقاص هيبة الخلافة العباسية بتعطيل طريق الحجاج من العراق إلى الحجاز. ولهذا
كثير ما يرد في كتب التاريخ أنه مثلا في سنة (335 هـ لم يحجّ أحد من العراق خوفا
من القرامطة) أو عبارة (في عام 338 هـ تحركت القرامطة ولم يحجّ أحد في هذه السنة
من العراق) وهذه العبارات من كتاب (النجوم الزاهرة في ملوك مصر والقاهرة) للمؤرخ
المصري ابن تغري بردي الذي نجده كذلك يكتب قائلا (في عام 384 هـ رجع الحاجّ إلى
بغداد ولم يحجّ أحد من العراق خوفا من القرامطة).
وهذا يقودنا للحديث عن (تعطيل) أداء الحج
للحجاج القادمين من بعض الأقاليم العربية بسبب حالة الاحتقان السياسي والحروب
الأهلية والاقتتال الداخلي في المواقع البعيدة عن البلد الحرام ومشعر الحج. وهنا
مرة أخرى نجد كتاب التاريخ توثق مثل هذه الأحداث بعبارات مثل أنه في عام 441 هـ
(اقتتل الروافض والسنة وجرت ببغداد فتن يطول ذكرها، ولم يحج أحد من أهل العراق)
وهذا الوصف ورد في كتاب (البداية والنهاية) للمؤرخ الكبير ابن كثير. وعلى ذات
النسق، ولكن بالانتقال من العراق إلى الشام ومن الحرب الأهلية العراقية إلى الحرب
الأهلية الأيوبية التي نشبت بين أبناء السلطان العادل الأيوبي وقد كان أطراف صراع
الأخوة على الحكم: السلطان الملك الكامل حاكم مصر وأخيه الملك المعظم حاكم دمشق
والملك الأشرف حاكم الجزيرة والشام. وكانت من تداعيات ذلك أن توقف أداء الحج لمدة
ثلاث سنوات 624-627 هجري وهنا يقول المؤرخ الشامي ابن كثير في حوادث سنة 627 هـ (ولم
يحجّ أحدٌ من أهل الشام في هذه السنة، ولا في التي قبلها، وكذا فيما قبلها أيضًا؛
فهذه ثلاثُ سنين لم يَسِرْ من الشام أحد إلى الحج). وقبل أن نختم نعرج بالحديث إلى
أرض مصر لكي نرصد الصراع بين السلاجقة والفاطميين على حكم الديار المصرية حيث نجد
أنه جراء محاولة أسد الدين شيركوه وابن أخيه صلاح الدين السيطرة على مصر لمصلحة
السلطان السلجوقي نور الدين زنكي ضد الوزير الفاطمي شاور وذلك في عام 563 هـ نجد
أن الحج تعطل تلك السنة على المصريين. وهذا ما سجله الأمام الذهبي في كتابه (تاريخ
الإسلام) عن تأثير ذلك الصراع على قوافل الحجيج فيقول إنه في تلك السنة (لم يحجّ
المصريون لما فيه ملكهم من الويل والاشتغال بحرب أسد الدين).
وبعد أن استعرضنا على عجالة أثر الحروب
والقتال في تعطيل حجّ أهل الأمصار العربية والأقاليم الإسلامية في العراق والشام
ومصر لعل من المناسب قبل أن نغادر أن نعرج على أرض خرسان وما حولها وهي في أجزاء
منها بلاد إيران في زمننا المعاصر. ففي بداية القرن السابع الهجري بدأت جحافل
المغول تغزو شرق العالم الإسلامي وكان من نتائج الشنيعة لذلك انقطاع ركب الحاج
القادم من مناطق خرسان وما وراءها. فمثلا في موسم حج سنة 618 هـ نجد مؤرخ الإسلام
الكبير ابن الأثير في كتابة (الكامل في التاريخ) يقول (لم يحج أحدٌ من بلاد
الأعاجم ولا من همَذان ولا من أصبهان، لخوف الطريق من انتشار الكفرة في البلاد وما
يليها). وكما هو معلوم أن أقاليم همذان واصبهان وخرسان هي في وقتنا الحالي بلاد
فارس وإيران والتي انقطع عنها الحج في سنوات متعددة منذ عام 618 وحتى عام 628 هـ
بسبب الغزو المغولي لتلك الديار وما حولها.
ومع حلول موسم حجّ هذه السنة 1447 هـ ومن المحتمل تعذر وصول بعض الحجاج الإيرانيين بسبب الحصار الجوي والبحري الأمريكي والصهيوني على بلادهم هل سوف يكتب في مستقبل الأيام (وفي تلك السنة لم يكتمل وصول حجاج بلاد فارس وحج منهم عددا قليلا لما في بلادهم من الاشتغال بالحرب مع الصهاينة والأمريكان).





