الثلاثاء، 26 مايو 2026

( الحج في زمن الحرب )

د/ أحمد بن حامد الغامدي

السبت 1447/12/6

عند الشروع في منسك الحج أو العمرة من السنة أن يقول الحاج أو المعتمر (اللهم لبيّك حجاً أو عمرة فإن حبسني حابس فمحلي حيث حبستني) وهذا في فقه الحج والعمرة يسمى (الاشتراط) ومعناها إن تسبب ظرف ما (مثل المرض أو الحوادث أو انتفاء الأمن) في منع الحاج أو المعتمر من إكمال النسك فإن الحاج أو المعتمر يشرع له أن يلغي فعل الإحرام ويخرج من النسك ويرتدي ملابسه ولا شيء عليه حيث ينتهي إحرامه ونسكه في المكان الذي حبس ومنع فيه.

 وعبر التاريخ الإسلامي تعرض الجمع الغفير من الحجاج أو المعتمرين لعدم القدرة على إكمال مناسك الحج والعمرة بعد أن تخطو أرض الميقات بسبب المخاوف الأمنية مع اقترابهم من حدود الحرم المكي الشريف بسبب الصراع السياسي. قبل شهور قليلة من موسم حج 199 هـ حصلت ثورة سياسية في مكة قادها أحد العلويين يدعى الحسين بن الحسن الأفطس والذي استولى على مكة المكرمة ولهذا في حج ذلك العام وقف الناس بعرفة بلا إمام وصلوا بلا خطبة لفرار أمير مكة داود بن عيسى العباسي ومعه أشراف بني العباس خوفا على أنفسهم. والغريب أنه بسبب القلاقل السياسية ربما يتعذر ويتعطل الحج على أهل مكة أنفسهم ففي عام 72 هـ حاصر الحجاج بن يوسف الثقفي مدينة مكة المكرمة في حربه المشهورة مع عبد الله بن الزبير ومن جراء هذا (الحبس) الداخلي لم يتمكن أهل مكة من الحج. وفي كتاب التاريخ للإمام الطبري نجد توثيقا لهذا التأثير السياسي على الحج حيث يقول الطبري (وحجّ الحجّاج بالناس في هذه السنة، وابن الزبير محصور .. ونحر ابن الزبير بدنا (أي الجمال) بمكة يوم النحر، ولم يحج ذلك العام ولا أصحابه لأنهم لم يقفوا بعرفة).

كما لا يخفى أنه في جميع مراحل التاريخ الإسلامي كانت القوى السياسية التي تسيطر على مكة والمدينة وأرض الحجاز إجمالا تحصل على (الشرعية الدينية) للحكم على بقية الأقاليم العربية والإسلامية باسم (الخلافة) وهذا ما يفسر تكرار الصراع بين القوى السياسية للسيطرة على مكة المكرمة. فبالإضافة للصراع بين الأمويين والزبيريين في مطلع السبعينيات من القرن الهجري الأول والصراع بين العلويين وبين العباسيين على حكم مكة في نهاية القرن الثاني الهجرين كما سبق الإشارة إليه نجد كذلك أن الصراع والثورات السياسية بين العلويين وبين العباسيين بدأت في المدينة المنورة قبل مكة المكرمة وذلك عندما ثار أحد نسل الأمام عليّ رضي الله عنه وهو محمد (النفس الزكية) في المدينة المنورة ضد الخلافة العباسية في عام 145 هجري. وبالعودة للبلد الحرام في مكة المكرمة نجد أنه في أحداث حج عام 169 هـ وقعت ما تسمى (معركة الفخ) في أطراف مكة وذلك في يوم التروية الثامن من شهر ذي الحجة وذلك عندما تقابل جيش الخلافة العباسية مع الثوار من العلويين بزعامة الحسين بن علي الملقب بالعابد والذي طلب من أهل مكة ومن الحجاج مبايعته بالخلافة. وكذلك حصلت ثورة أخرى من ثائر علوي هو إسماعيل بن يوسف والذي خرج بمكة في عام 251 هـ فهرب منه واليها ويذكر المؤرخ عبدالقادر الجزيري في كتابه الهام (الدرر الفرائد المنظمة في أخبار الحاج وطريق مكة المعظمة) أن ذلك الثائر إسماعيل وقع منه فساد كبير بمكة. والأخطر من ذلك أن إسماعيل وأتباعه هجموا على الحجاج في يوم عرفة وقتل من الحجاج ألفا ومائة ولذا هرب بقية الحجاج إلى مكة ولم يقف بعرفة أحد ذلك العام.

ولا شك أن مثل هذا الصراع المسلح والقتال الدامي حول أرض مكة المكرمة وفي موسم الحج سوف يربك إتمام مناسك الحج لبعض الحجاج فإذا انتقلنا بالتاريخ الهجري إلى منتصف القرن الرابع وبالتحديد إلى عام 342 هـ حصل مرة أخرى صراع للسيطرة على أرض الحرم، ولكن هذه المرة بين البويهيين المهيمنين على العراق وبين الإخشيديين المهمنين على حكم مصر. في عام 334 هـ سيطر البويهيون على مدينة بغداد وهذا ما أضعف هيمنة الخلافة العباسية على بقية الأقاليم العربية لدرجة أن كافور الإخشيدي رغب في تعزيز استقلاله بمصر من خلال اكتساب الشرعية الدينية لو تمت له السيطرة على البلد الحرام مكة المكرمة. وقد أشار ابن خلدون إلى صراع السلطة بين بغداد القاهرة حيث يذكر أنه في حج عام 342 هـ وصلت قافلة الحجيج من العراق وعليها أمير مرسل من قبل معزّ الدولة بني بوية كما وصلت قافلة الحجيج من مصر وعليها أمير مرسل من قبل كافور الإخشيدي. وفي المجلد الخامس من تاريخ ابن خلدون نجد هذه العبارة المختصرة لذلك الصراع السياسي في موسم الحج (ثم جاء الحاج (أي الحجاج) إلى مكة سنة ثنتين وأربعين مع أمير من العراق وأمير من مصر فوقعت الحرب بينهما على الخطبة لابن بويه ملك العراق أو ابن الإخشيد صاحب مصر فانهزم المصريون وخطب لابن بويه).

ومن صراع ملوك العراق وحكام مصر للسيطرة على مكة المكرمة ننتقل لذلك القتال الذي اندلع بين حكام اليمن وحكام الحجاز بهدف الهيمنة على مواقع مشاعر الحج وأرض الحرم ففي حج عام 653 هـ أراد سلطان اليمن يوسف بن عمر الرسولي (موحد اليمن ومؤسس الدولة الرسولية) أن يفرض سيطرته السياسية والدينية على أشراف مكة ولهذا وقع قتال بين جنوده وجنود الشريف أبي نمي محمد بن الحسن بن قتادة والي مكة. وفي كتاب (سمط النجوم العوالي في أنباء الأوائل والتوالي) للمؤرخ المكي عبد الملك العصامي نجد وصف هذه الفتنة في موسم حج 653 هجري وكيف أن عساكر هذين الطرفين (تقاتلوا وسط مكة.. وسُفكت الدماء بالحرم الشريف وامتلأت البلد منهم رُعباً بحيث لم يصلّ في الحرم أحد ووقع بينهم في أيام الحج وبين أمير الحاج العراقي فتنة درأها الله تعالى بالصلح، فسلِم المسلمون). ونستمر مع المؤرخ المكي عبد الملك العصامي حتى نصل إلى حج عام 907 هجري حيث نجده يشير إلى الصراع على إمارة مكة المكرمة الذي نشب بين الشريف بركات بن محمد من جهة وبين الشريف أحمد بن محمد بن بركات المعروف بالشريف جازان. وهذا نص كلام المؤرخ العصامي عند أحداث حج عام 907 هـ (ثم كان بين الشريف بركات والشريف جازان حروب متعددة ومواقف متكررة لحق ضررها الحاج واختلفت كلمة العربان وخرجوا على الحجاج ونهبوا أموالهم وقتلوا رجالهم في جميع الطرقات وسائر المنازل).

الطريق إلى مكة في زمن الحرب

وفي هذا السياق من استعراض الصراع السياسي والديني حول رمزية السيادة على الحرمين الشريفين والتنافس بين العليويين وبين العباسيين أو بين الخلافة العباسية في العراق والخلافة الفاطمية في مصر وبين أشراف الحجاز وسلاطين اليمن ربما نفهم لماذا حصلت أكبر كارثة تاريخية في تاريخ الحرمين وهي هجوم القرامطة الأثيم على الحجاج في عام 317 هجري. التنافس بين القوى السياسة والجيوش العسكرية لفرض السيادة على المراكز الدينية ذات الرمزية البارزة لاكتساب الشرعية أو العكس من ذلك تعمد الاعتداء على المواقع المقدسة لبث الرعب وإيصال رسالة ترهيب بأن تلك القوة على مقدار عالي من الجبروت لدرجة انتهاك المحرمات مما يضمن لها سيادة الهيبة. وهذا يقودنا للحادثة الشنيعة والجريمة الآثمة التي إجترحها اللعين أبو طاهر الجنابي القرمطي وجيشه المكون من 900 مقاتل خبيث وذلك عندما هجموا على الحجاج يوم التروية من حج عام 317 هـ وأحدثوا واحدة من أبشع المجازر في تاريخ الإسلام التي وقعت بأرض الحرم. يقول الإمام الذهبي في كتابه التاريخي (العبر في خبر من غبر) عنهم فعلتهم الشنيعة (وقيل إن الذي قتل بفجاج مكة وظاهرها زهاء ثلاثين ألفا وسبى من النساء والصبيان نحو ذلك). بل إن القرامطة اجترأوا على حرمة الكعبة المشرفة فقاموا بسرقة الحجر الأسود وحاولوا اقتلاع ميزاب الكعبة وخلع بابها كما قاموا بنهب كسوة الكعبة وتمزيقها وتقاسمها فيما بينهم.

وكان من جراء هذه الصدمة النفسية الهائلة التي حصلت في المشعر الحرام أن (تعطل) الحج لسنوات عديدة خوفا من إجرام القرامطة اللئام وهذا المؤرخ الدمشقي سبط ابن الجوزي في كتابه (مرآة الزمان في تواريخ الأعيان) يقول (الظاهر أنه لم يحجّ أحد من سنة 317 إلى سنة 326 خوفا من القرمطي). وبعد (ثورة القرامطة) تحولوا إلى (فتنة القرامطة) حيث ظلوا لسنوات وعقود طويلة وهم في صراع دامي وصدام حامي ضد الخلافة العباسية وبحكم قرب مواقع نفوذ القرامطة في منطقة البحرين القديم (الأحساء والقطيف) من أرض العراق لهذا حاول القرامطة دائما استنقاص هيبة الخلافة العباسية بتعطيل طريق الحجاج من العراق إلى الحجاز. ولهذا كثير ما يرد في كتب التاريخ أنه مثلا في سنة (335 هـ لم يحجّ أحد من العراق خوفا من القرامطة) أو عبارة (في عام 338 هـ تحركت القرامطة ولم يحجّ أحد في هذه السنة من العراق) وهذه العبارات من كتاب (النجوم الزاهرة في ملوك مصر والقاهرة) للمؤرخ المصري ابن تغري بردي الذي نجده كذلك يكتب قائلا (في عام 384 هـ رجع الحاجّ إلى بغداد ولم يحجّ أحد من العراق خوفا من القرامطة).

وهذا يقودنا للحديث عن (تعطيل) أداء الحج للحجاج القادمين من بعض الأقاليم العربية بسبب حالة الاحتقان السياسي والحروب الأهلية والاقتتال الداخلي في المواقع البعيدة عن البلد الحرام ومشعر الحج. وهنا مرة أخرى نجد كتاب التاريخ توثق مثل هذه الأحداث بعبارات مثل أنه في عام 441 هـ (اقتتل الروافض والسنة وجرت ببغداد فتن يطول ذكرها، ولم يحج أحد من أهل العراق) وهذا الوصف ورد في كتاب (البداية والنهاية) للمؤرخ الكبير ابن كثير. وعلى ذات النسق، ولكن بالانتقال من العراق إلى الشام ومن الحرب الأهلية العراقية إلى الحرب الأهلية الأيوبية التي نشبت بين أبناء السلطان العادل الأيوبي وقد كان أطراف صراع الأخوة على الحكم: السلطان الملك الكامل حاكم مصر وأخيه الملك المعظم حاكم دمشق والملك الأشرف حاكم الجزيرة والشام. وكانت من تداعيات ذلك أن توقف أداء الحج لمدة ثلاث سنوات 624-627 هجري وهنا يقول المؤرخ الشامي ابن كثير في حوادث سنة 627 هـ (ولم يحجّ أحدٌ من أهل الشام في هذه السنة، ولا في التي قبلها، وكذا فيما قبلها أيضًا؛ فهذه ثلاثُ سنين لم يَسِرْ من الشام أحد إلى الحج). وقبل أن نختم نعرج بالحديث إلى أرض مصر لكي نرصد الصراع بين السلاجقة والفاطميين على حكم الديار المصرية حيث نجد أنه جراء محاولة أسد الدين شيركوه وابن أخيه صلاح الدين السيطرة على مصر لمصلحة السلطان السلجوقي نور الدين زنكي ضد الوزير الفاطمي شاور وذلك في عام 563 هـ نجد أن الحج تعطل تلك السنة على المصريين. وهذا ما سجله الأمام الذهبي في كتابه (تاريخ الإسلام) عن تأثير ذلك الصراع على قوافل الحجيج فيقول إنه في تلك السنة (لم يحجّ المصريون لما فيه ملكهم من الويل والاشتغال بحرب أسد الدين).

وبعد أن استعرضنا على عجالة أثر الحروب والقتال في تعطيل حجّ أهل الأمصار العربية والأقاليم الإسلامية في العراق والشام ومصر لعل من المناسب قبل أن نغادر أن نعرج على أرض خرسان وما حولها وهي في أجزاء منها بلاد إيران في زمننا المعاصر. ففي بداية القرن السابع الهجري بدأت جحافل المغول تغزو شرق العالم الإسلامي وكان من نتائج الشنيعة لذلك انقطاع ركب الحاج القادم من مناطق خرسان وما وراءها. فمثلا في موسم حج سنة 618 هـ نجد مؤرخ الإسلام الكبير ابن الأثير في كتابة (الكامل في التاريخ) يقول (لم يحج أحدٌ من بلاد الأعاجم ولا من همَذان ولا من أصبهان، لخوف الطريق من انتشار الكفرة في البلاد وما يليها). وكما هو معلوم أن أقاليم همذان واصبهان وخرسان هي في وقتنا الحالي بلاد فارس وإيران والتي انقطع عنها الحج في سنوات متعددة منذ عام 618 وحتى عام 628 هـ بسبب الغزو المغولي لتلك الديار وما حولها.

ومع حلول موسم حجّ هذه السنة 1447 هـ ومن المحتمل تعذر وصول بعض الحجاج الإيرانيين بسبب الحصار الجوي والبحري الأمريكي والصهيوني على بلادهم هل سوف يكتب في مستقبل الأيام (وفي تلك السنة لم يكتمل وصول حجاج بلاد فارس وحج منهم عددا قليلا لما في بلادهم من الاشتغال بالحرب مع الصهاينة والأمريكان). 

( الضوء وعصر الأنوار )


 د/ أحمد بن حامد الغامدي

 السبت 1447/11/29

 يتوافق اليوم السبت (16 مايو) مع اليوم العالمي للضوء وبالرغم من الأبعاد الأدبية والفنية للضوء وكذلك الارتباطات والآثار الدينية والفلسفة له إلا أن (عالم الضوء) وأغلب ما يتعلق به اليوم هو مجال حكر على العلماء والمخترعين بدلالة أن مناسبة اليوم العالمي للضوء وتوقيتها في يوم السادس عشر من شهر مايو ترتبط باختراع أهم وأبرز أجهزة الضوء: جهاز الليزر. وقبل ذلك بعدة سنوات وبالتحديد في عام 2015م تم تخصيص تلك السنة لتصبح السنة الدولية للضوءInternational Year of Light (IYL 2015)  وكان ذلك نتيجة أقتراح وطلب مقدم من قبل الجمعية الفيزيائية الأوروبية بينما كان إسهام أهل التصوير الفوتوغرافي الضوئي أو مبدعي الأدب أو أهل الفكر في فعاليات وأنشطة وبرامج تلك السنة محدودا. الطريف في الأمر أنه يوجد كتاب فكري ذو طابع فلسفي ذائع للأديب والروائي الياباني تانيزاكي تم تعريبه تحت عنوان (في مديح الظلال) أظهر فيه احتفاء الثقافة والحضارة اليابانية القديمة بالظلام والظلال أكثر من النور الباهر.

على كل حال في نهاية تلك السنة الضوئية كتبت مقالا مطولا حمل عنوانا (قبسات من النور في ختام السنة الضوئية للضوء 2015) خصص الجزء الأكبر منهم كما هو متوقع للاستعراض بعض أبرز وأغرب الأخبار والقصص عن مشاهير العلماء وارتباطهم بالأبحاث الضوئية كما هو حال العالم المسلم الحسن بن الهيثم (كان اختيار عام 2015 بالذات للاحتفال بالسنة الدولية للضوء لأنها تتوافق مع مرور ألف عام منذ نشر ابن الهيثم عن نظريته العلمية عن الضوء) وإسحاق نيوتن وأينشتاين وألبرت مايكلسون وغوستاف كيرتشوف وكريستيان دوبلر وغيرهم كثير.

ومع ذلك وبمناسبة اليوم العالمي للضوء أود فقط أن أعيد نشر الجزء الأخير من ذلك المقال والذي سلط بعض (الأضواء الكاشفة) لدور مشاهير المفكرين والفلاسفة والأدباء في عصر الأنوار مع مزيد معلومات وأخبار عن إسهاماتهم بشكل أو آخر في إجراء الأبحاث والدراسات ذات الطابع العلمي عن الضوء.

 الأبحاث الضوئية في عصر التنوير

صحيح أن ارتباط عصر التنوير (أو عصر الأنوار) بالضوء واضح لكل ذي عينين بدلالة المسمى اللغوي لهذه الحركة الفلسفية والفكرية والثقافية وحتى العلمية، ولكن الذي يخفى أن عدداً من أشهر رموز عصر التنوير كان لهم ارتباط وتجارب علمية حقيقية بمجال أبحاث علم الضوء. من ذلك مثلاً، أن الأديب الألماني الكبير يوهان غوتيه بالإضافة لأبحاثه العلمية المتنوعة في علم الجيولوجيا وعلم النبات وعلم التشريح واهتماماته بعلم الكيمياء وعلم الفيزياء نجده أنه عندما نشر في عام 1810م وهو في عمر الستين تقريباً كتابه العلمي عن دراسة الضوء والذي سماه (نظرية في الألوان) كان يعتقد أنه بسبب هذا الكتاب العلمي سوف تتذكره الأجيال القادمة وليس بسبب إنتاجه الأدبي. وكما هو متوقع لم يكن غوتيه عالما بالمعنى الحقيقي ولهذا (نظرية غوتيه عن الألوان) كانت خاطئة من الناحية العلمية ولهذا الأجيال القادمة نست تماما هذه الجوانب العلمية من حياة غوتيه ولم يخلد التاريخ له إلا إنتاجه الأديب. مشكلة غوتيه في نظرية الألوان أنه عارض وناقض نظرية عملاق العلوم إسحاق نيوتن عن الألوان التي نشرها في حدود عام 1704م والتي أشار فيها بأن الضوء الأبيض هو عبارة مزيج من جميع ألوان الطيف وليس مجرد ضوء نقي أو شفاف. في حين أن غوتيه زعم أن الألوان تظهر نتيجة التداخل والاستقطاب بين الضوء والظلام فمثلا اللون الأزرق ينشأ من إضعاف الضوء بواسطة الظلام في حين أن اللون الأصفر ينشأ من إضعاف الظلام بواسطة الضوء. والطريف في الأمر أن اهتمام غوتيه بتأثير (الظلام) استمر معه حتى آخر لحظة في حياته فيزعم البعض أنه قبل أن يموت كانت الإضاءة ضعيفة في غرفة نومه ولهذا كأنه طلب أن تفتح النوافذ ولذا كانت آخر كلماته قبل الوفاة (مزيدا من الضوء Mehr Licht).

بقي أن نقول إن نظرية نيوتن عن الألوان نشرها في كتابه العلمي المعروف (البصريات Opticks) وعنوان هذا الكتاب يقودنا للحديث عن الفيلسوف الفرنسي البارز رينيه ديكارت المشهور بلقب أبو الفلسفة الحديثة الذي كان له هو الآخر اهتمامات علمية متعددة لدرجة أنه نشر في عام 1637م كتابا صغيرا حمل عنوان (بصريات). والغريب ليس فقط أن فيلسوف العلوم ديكارت صاحب الكتاب المشهور (مقال عن المنهج) سبق نيوتن في الكتابة عن البصريات، ولكنه سبقه كذلك في التفكير العلمي السليم في تفسير ظاهرة ألوان الطيف لقوس قزح وأنها ناتجة لحصول عملية انكسار الضوء refraction داخل قطرات المطر الصغيرة المعلقة في الجو. وعلى ذكر ظاهرة انكسار الضوء تجدر الإشارة إلى أن جودة الفهم العلمي لدى ديكارت قادته كذلك لدراسة ظاهرة ضوئية وبصرية أكثر تعقيدا وهي عملية انحراف وحيود الضوء diffraction عند مروره في الأجسام المختلفة. ومع ذلك هذا لا يعني أن ديكارت لم يقع في أخطاء علمية كما حصل مع غوتيه ومن ذلك مثلا أنه كان يعتقد أن عملية انكسار الضوء في قطرات الماء لتشكيل ألوان الطيف لقوس قزح سببها أن الألوان المختلفة ناتجة من اختلاف ميل جسيمات الضوء للدوران بسرعات مختلفة. كما أن ديكارت أخطأ كذلك خطأ فاحش عندما أعتقد أن الضوء ينتقل بسرعة أعلى عندما يمر في الأوساط الكثيفة مثل الماء مقارنة بانتقاله في الأوساط الخفيفة مثل الهواء وسبب هذا اللبس ناتج من نظرية ديكارت بأن عملية انتقال الضوء تحصل كنوع من الضغط أو الفعل الميكانيكي الفوري الذي ينتقل عبر حيز مملوء بالمادة وهذا خلاف الفهم العلمي الحديث أن الضوء ينتقل على شكل موجات حتى خلال الفراغ.

وبالمناسبة حتى مطلع القرن العشرين كان علماء الفيزياء وفلاسفة الطبيعة على حد سواء يعتقدون أن الضوء لا يستطيع الانتقال في الفراغ وإنما عبر وسيط غير مرئي أو محسوس سموه (الأثير). وهذا يقودنا للحديث عن أحد أبرز فلاسفة عصر الأنوار وهو الألماني إيمانويل كانت والذي في بداية حياته أهتم بعلم الفلك وقام بتوظيف رصد العلماء للضوء القادم من بعض الأجسام الفلكية مثل السديم بين النجوم لوضع نظرية خاصة عن كيفية نشوء المجموعة الشمسية (نظرية السديم). وما يهمنا هنا أن إيمانويل كانت في أواخر عمره نشر كتاب علمي وفلسفي بعنوان (ما بعد العمل Opus Postumum) وفيه ناقش كانت مادة الأثير Ether التي كان يعتقد بأنها مادة دقيقة تملأ الفراغ وأنها وسيلة نقل القوى الطبيعية مثل الضوء والحرارة وأن مادة الأثير تعتبر شرطا أساسيا للتفاعل مع العالم المادي.

 الضوء في عصر فولتير

في السابق كان لدى أهل الفكر والعلم شغف (عام) بالمعرفة ولهذا نجد في الحضارة الإسلامية عددا كبيرا من العلماء الذين يبرعون في تخصصات معرفية متعددة واستمرت هذه الظاهرة إلى عصر النهضة وبداية عصر الأنوار حيث كما لاحظنا عددا لا بأس به من المفكرين والكتاب مثل غوتيه وديكارت وإيمانويل كانط كانت لهم اهتمامات ومساهمات علمية وتجريبه بالإضافة لإنتاجهم الأدبي والفلسفي وكأنهم بذلك يحققون الشعار الذي أبرزه ونشره إيمانويل كانت (تجرأ على المعرفة Dare to Know). ومع ذلك وفي بعض الأحيان عملية طلب المعرفة العلمية بالذات قد تحتاج لشيء من التحفيز والتنشيط ومن ذلك مثلا أن الشاب إيمانويل كانت أنجذب أكثر لمجال العلوم عندما شاهد إعلانا لأكاديمية العلوم الألمانية في برلين يدعو الباحثين والعلماء للمشاركة في مسابقة علمية لمحاولة دراسة وفهم مشكلة عدم الانتظام في دوران الأرض وهنا شارك الشاب إيمانويل كانت وأقترح أن جاذبية القمر تسبب في إبطاء سرعة دوران الأرض حول نفسها.

وفي ذات السياق والنسق فيما يتعلق بتحفيز الشباب للمشاركة في الدراسات والأبحاث العلمية نجد أن الشاب الفرنسي فرانسوا أوريه (المشهور لنا جميعا باسمه المستعار: فولتير) يشاهد هو الآخر إعلانا لأكاديمية باريس للعلوم يدعو الباحثين والعلماء للمشاركة في مسابقة علمية لمحاولة دراسة وفهم (طبيعة النار). ولهذا قام فولتير في عام 1738م وفي سعيه للفوز بالجائزة المالية لأفضل مقالة علمية تناقش طبيعة النار ومصدر الضوء بالتعاون مع عشيقته المرأة الأرستقراطية إيملي دو شاتلييه لإجراء عدد من التجارب الكيميائية لإشعال وحرق مواد مختلفة وقياس وزنها قبل وبعد عملية الاحتراق وهذا يذكرنا بعالم الكيمياء الفرنسي لافوازيه وطريقة اكتشافه لعنصر الأوكسجين. في الواقع كان هدف فولتير من تلك التجارب الإجابة على السؤال المنطق هل للنار وزن أو لا وفي نهاية هذه التجارب العلمية التي تمت في قصر السيدة دو شاتيليه كانت وجهة نظر فولتير أن النار عبارة عن شيء ذي طبيعة مادية في حين كان وجهة نظر السيدة دو شاتلييه أن النار ليست ذات طبيعة مادية وأن الحرارة والضوء لهما علاقة تجمعهما. وطبعاً لم يفز أي منهما بالجائزة لكن ويبدو أن نتائجهما العلمية كانت على درجة مقبولة من الجودة بحيث إنها تم نشرها مع ثلاث مقالات فازت بالجائزة.

للوهلة الأولى يظهر أن الخبرة العلمية التي أكتسبها فولتير لها ارتباط بعلم الكيمياء ونظرية الفلوجستون التي دحضها لافوازيه ومع ذلك كان لفولتير ارتباط هائل بعلم الفيزياء والضوء وأسطورة العلم الحديث: إسحاق نيوتن. في بداية حياته الفكرية المشاكسة اضطر فولتير للهرب من فرنسا إلى بريطانيا وهناك تعرف على نظريات وكتب نيوتن عن البصريات وعن الجاذبية وعلم الرياضيات. صحيح أن فولتير وعشيقته إيملي دو شاتيليه لم ينجحا في الفوز بالجائزة العلمية والمجد العلمي ولكنهما تعاونا معا في إدخال علوم وفلسفة نيوتن إلى الإمبراطورية الفرنسية حيث نجد أن السيدة دو شاتيليه قبل وفاتها بأيام قليلة تكمل ترجمة كتاب نيوتن (المبادئ الرياضية للفلسفة الطبيعية) والذي عرض فيه نظريته عن الجاذبية وقوانين نيوتن الثلاثة للحركة. في حين نجد أن فولتير من شدة عشقه وأعجابه بعملاق العلوم نيوتن يؤلف كتابا خاصا عن علوم نيوتن سماه (عناصر فلسفة نيوتن) بينما في كتابة الآخر المسمى (الرسائل الإنجليزية) نجد أن العديد من فصوله تتعلق بأفكار نيوتن حول الجاذبية وعلم البصريات.

ونختم بالعودة لعنوان مقال اليوم (الضوء في عصر الأنوار) فهذا المفكر والأديب الذي يعتبر فخر فرنسا وأعني بذلك فولتير نجد أن المؤرخ الأمريكي ويل ديورانت في كتابة (قصة الحضارة) يقوم بتسمية القرن الثامن عشر بعصر فولتير (Age of Voltaire) وهي نفس لفترة التي شهدت بداية (عصر الأنور). وبقي في خاتمة المقال أن نسلط (الضوء) على العلاقة بين فولتير وفيزياء الضوء فكما سبق وان أشرنا كان للفيلسوف والمفكر الفرنسي رينه ديكارت تصور علمي عن الضوء وظاهرة حيود الضوء تختلف عن أفكار نيوتن في علم البصريات. وبسبب طغيان المنهج الديكارتي والفلسفة الديكارتية Cartesianism تأخر قبول علماء فرنسا لأفكار نيوتن حول طبيعة الضوء حتى قام فولتير بترجمة أفكار وكتب نيوتن من اللغة الإنجليزية إلى اللغة الفرنسية. وهنا مع الزمن تقبل أغلب العلماء في فرنسا نظرية نيوتن حول الضوء وأنه مكون من جسيمات متناهية الصغر (corpuscular) خلاف لنظرية ديكارت بأن الضوء يتصرف أشبه بسائل داخل دوامة. ومن خلال كتاب (عناصر فلسفة نيوتن) الذي قام بتأليفه فولتير تعرف القارئ الفرنسي على نظريات وتجارب نيوتن في علم البصريات مثل تفسير ظواهر انكسار الضوء وكذلك حيود وانحرف الأشعة الضوئية واستخدام المرايا في تصنيع التلسكوبات العاكسة والتي تعرف باسم تلسكوبات نيوتن.

( العطر .. حكاية كيميائية )

د/ أحمد بن حامد الغامدي

 السبت 1447/11/22

 صحيح أن عددا لا بأس به من الأدباء الألمان حصلوا على جائزة نوبل مثل توماس مان وهيرمان هسه وغونتر غراس ومرتا مولر ومع ذلك لم تحظ رواية أو قصة أدبية ألمانية من الشهرة والانتشار مثل ما حصل مع رواية (العطر) للكاتب الألماني المعاصر باتريك زوسكند. منذ أن تم نشرها في عام 1985م لاقت هذه الرواية نجاحا تجاريا كبيرا فهي تعتبر واحدة من أكثر الروايات الألمانية مبيعا في القرن العشرين حيث بيع منها أكثر من 20 مليون نسخة (وبهذا تخطت مبيعات الرواية الألمانية عن الحرب العالمية الأولى: كل شيء هادئ في الجبهة الغربية) وتُرجمت إلى 48 لغة وبقيت في لائحة أفضل الروايات مبيعا لمدة 9 تسع سنوات ولاحقا تحولت إلى فيلم سينمائي ناجح.

لا أنكر أن شهادتي في علم الكيمياء مجروحة بحكم مهنتي الجامعية في هذا التخصص الذي يوصف بأنه (العلم المركزي والمحوري Central Science) ومع ذلك لا أبالغ ولا أتبجح عندما أقول إن للكيمياء دورا مركزيا ومحوريا في أسباب النجاح التجاري والفني المدوي لتلك الرواية والفلم السينمائي المقتبس منها. الشخصية المركزية لرواية العطر هو شاب بائس يدعى جان باتيست غرونوي يعمل في مهنة العطارة وتصنيع العطور وأحد أبرز مشاهد الفيلم عندما يتعلم هذا العطار الشاب على يد (المعلم بالديني master Baldini) العطار الإيطالي العجوز الذي يعيش في عاصمة العطور مدينة باريس. في بداية حياته التعيسة كان الشاب غرونوي يعمل في مدبغة جلود شنيعة الرائحة ولكن بعد ذلك ينتقل للعمل كمتدرب في معمل صناعة العطور لدى المعلم بالديني والذي يرشد غرونوي لفهم أساسيات صناعة العطور. ثم تحصل المعجزة عندما يتفوق المتدرب العطار الشاب على معلمه ويستطيع بفضل حاسة الشم القوية لديه لاختيار أفضل المواد الكيميائية لغلط وتصنيع وصفات عطرية مذهلة ومميزة من ناحية جودة العطور والنجاح التجاري. 

في مشهد حابس للأنفاس من الفيلم السينمائي يمكن متابعة العطار الشاب غرونوي وهو يثير استغراب المعلم بالديني عندما بدأ فجأة بدون خبرة سابقة في صناعة العطور في مزج خليط من تسع مواد كيميائية موجودة في قوارير زجاجية متباعدة. وحسب النسخة العربية المترجمة من رواية العطر نجد أسماء هذه المواد الكيميائية التي خلطها غرونوي لتحضير نوع فاخر من العطور يسمى عطر (الحب والروح) والذي يتألف من مزج: خلاصة زهر البرتقال، زيت الليمون الحلو، زيت القرنفل، زيت الورد، روح النارنج، ندى البحر، صبغة المسك وبلسم العهبر. في الرواية الأدبية الأصلية وفي المقطع السينمائي نجد أن المعلم بالديني في بداية الأمر استهجن طريقة وأسلوب غرونوي في خلط ومزج تلك المواد الكيمائية السائلة من القوارير ووصف أسلوب غرونوي بأنه (لعب أطفال). وهذا هو المقطع من الرواية الذي يصف ردة فعل المعلم بالديني لأسلوب غرونوي في أداء تجاربه الكيميائية لتحضير العطر (صاح بالديني بغضب وهلع: توقف! يكفي! توقف من فورك! كفى! ضع الزجاجة الآن على الطاولة ولا تلمس أي شيء آخر أفهمت لا شيء آخر).

وعلى خلاف طريقة وموقف المعلم بالديني في توبيخ وزجر وانتهار الشاب غرونوي من لمس القوارير الزجاجية ومنعه وتعنيفه من تجريب خلط ومزج المواد والسوائل الكيميائية لتصنيع عطر فريد يسرنا أن نعلن بأن قسم الكيمياء بجامعة الملك سعود يدعو من يرغب في تجربة (كيمياء صناعة العطور) أن يشارك يوم الإثنين القادم 24 ذو القعدة في فعالية ( تركيبة ). هذه الاحتفالية الكيميائية الفريدة تهدف إلى تثقيف الجمهور العام بالجوانب الكيميائية في تركيب وصناعة العطور وتشمل على معرض مصاحب يستعرض تاريخ العطور وتطورها عبر الحضارات وعرض مكونات العطور وموادها الخام. أما أهم وأجمل ما في هذه الفعالية الكيميائية التثقيفية والترفيهية فهو تجربة (مختبر العطور) وهي تجربة تفاعلية تُمكن الزائر من تصميم عطره الخاص مع السماح له بخلط ما يشاء من الزيوت والمحاليل والمواد الكيميائية دون أن يزجره أحد أو يمنعه من أن يجرب بنفسه ما يشاء.

صحيح أنه مع مقدم الإجازة الصيفية يمكن للبعض منا السفر إلى عاصمة العطور باريس وبالتحديد إلى (متحف باريس للعطور) أو السفر إلى مدينة الضباب لندن وبالتحديد إلى (نادي تجربة العطور) حيث يجب أن يدفع مبلغ في حدود 30 يورو في فرنسا أو مبلغ 70 جنية إسترليني في بريطانيا لكي يحصل على دورة تدريبية مختصرة تنقل له تجربة أساسيات صناعة العطور والتي تنتهي بتمكينه من تصنيع (عطره الخاص). وبالإضافة لتكاليف السفر الباهظة سوف تكون تلك تجربة كيميائية غالية الثمن وبعيدة النجعة بينما بزيارة بهو كلية العلوم (مبنى 5) بعد يومين يمكن بمشيئة الله خوض تجربة فريدة مجانية في رحاب الكيمياء وفي أجواء العطور الباذخة.

 عطر البنفسج من مسرح شكسبير إلى سجاد الرياض

وبعيدا عن باريس ولندن وبحكم أننا في مدينة (الرياض) التي يحمل اسمها كل معاني الحدائق الزاخرة بالنباتات والزهور ولهذا منذ الزمن العربي القديم اشتهرت هذه المنطقة بأجوائها المنعشة مع (صبا نجد). وبحكم أن أبرز وأجمل الزهور الموجودة في هضبة نجد وما حولها هي نبتة وعشبة (الخزامى) ذات الاسم الأنيق بالعربي الفصيح (أو بالفرنسية الرشيقة: اللافندر Lavender).  وبعد أن تم اختيار لون زهر الخزامي الفائق الجمال (اللون البنفسجي) لكي يكون هو اللون المستخدم في مراسم الاستقبال الرسمية في المملكة (السجاد البنفسجي) ربما نحتاج كذلك أن نحتفي بموروثنا الشعبي مع الخزامي وجعل (عطر الخزامى) يستخدم في المناسبات الرسمية والاحتفالات الشعبية.

وبما أن سيرة الخزامى انفتحت فتجدر الإشارة إلى أنه في صيف عام 2002م قامت شركة مسرح شكسبير Royal Shakespeare Company والتي تشتهر بمختصرها اللفظي (RSC) وبمناسبة تدشين عروض مسرحية (حلم ليلة منتصف الصيف)، قامت بالطلب من الجمعية الكيميائية الملكية البريطانية Royal Society of Chemistry والتي تعرف كذلك بمختصرها اللفظي (RSC) بأن تقوم الجمعية الكيمائية بتحضير عطر أو محلول (جرعة الحب Love Potion). الحبكة الدرامية في مسرحية شكسبير (حلم ليلة منتصف الصيف) ذات الخيال الفنتازي قائمة على مادة كيميائية هي أشبه بعطر الغرام الذي عندما يتم رشها على أي شخص أو يتم تقطيرها في عينه يحصل مفعول سحري يجعل الشخص يقع في غرام أول شيء يشاهده بعد أن يفتح عينيه. وهنا وكنوع من التشويق والدعاية للعرض المسرحي وكأسلوب لتمازج العلم مع الأدب طلبت شركة مسرح شكسبير (RSC) من الخبراء في الجمعية الكيميائية البريطانية (RSC) أن يقوموا بتحضير ذلك العطر الغرامي أو جرعة الحب الخيالية. وهنا قام بعض علماء الكيمياء العضوية من أعضاء الجمعية الكيميائية البريطانية بالرجوع لنص مسرحية حلم ليلة منتصف الصيف وبالتحديد إلى المشهد الأول من الفصل الثاني وفيها نجد أن ملك الجن أوبيرون يعطي خادمة تعليمات خاصة لكيفية الحصول على عصارة (جرعة الحب) وأنه سوف يستخلصها من عشبة herb لون زهورها الصغيرة (بنفسجي purple). وبعد البحث والتحري توصل علماء الجمعية الكيميائية البريطانية إلى أنه وفق عالم النباتات الزهرية المنتشرة في أرض اليونان القديمة (تقع أحداث مسرحية حلم ليلة منتصف الصيف في غابة سحرية بالقرب من مدينة أثينا) فإن تلك العشبة الزهرية من المحتمل أنها نبتة (البنفسج البري Wild Pansy). ولهذا بالفعل أثناء العروض الفعلية للمسرحية الكوميدية حلم ليلة منتصف الصيف التي قدمت في صيف عام 2002م في مدينة ستراتفورد أبون آفون التي ولد فيها شكسبير، كان الممثل الذي يؤدي دور خادم ملك الجن أوبيرون يحمل قارورة زجاجية صغيرة لونها بنفسجي داكن بزعم أنها تحتوي على سائل أو عطر جرعة الحب الذي يتم تقطيره في عين ملكة الجنيات تيتانيا.

ومن العشبة البنفسجية اليونانية (البنفسج البري) إلى العشبة البنفسجية السعودية (الخزامى) وكما قام علماء الكيمياء العضوية من أعضاء الجمعية الكيميائية البريطانية بإضفاء بعض الإضافات والمحسنات لعصارة عشبة البنفسج البري مثل خلطها مع القرنفل والفلفل الأبيض وشذا اليوسفي والليمون العطري. ولهذا أقترح على الزملاء الكرام في الجمعية الكيميائية السعودية أو خبراء الكيمياء العضوية في قسم الكيمياء بجامعة الملك سعود تحضير وتصنيع عطر (فخامة الخزامى) الذي يمكن استخدامه ورشه في المناسبات الرسمية وذلك عندما يمر كبار رجالات الدولة والوفود الأجنبية على سجاد بنفسج اللافندر الباذخ. وكما استطاع العطار الشاب غرونوي في رواية العطر ودون خبرة سابقة في صناعة العطور من تحضير عطر (الحب والروح) أو كم استطاع خبراء الكيمياء العضوية في الجمعية الكيميائية البريطانية من تحضير عطر وسائل (جرعة الحب). أتوقع هذا الأسبوع مع وجود تشكيلة كبيرة من المواد والسوائل والزيوت العطرية المستخدمة في صناعة العطور والتي سوف تعرض في معرض بهو كلية العلوم، أتوقع أن الزملاء الأفضال في قسم الكيمياء سوف يستطيعون الخروج بفكرة بحثية شيقة وفريدة في إنتاج عطر باذخ وفخم يمكن استخلاص عصارته الأولية من عشبة الخزامى المشبعة بنسيم (صبا نجد). 

 

( عيد العمال وروائع الروايات العالمية )


 د/ أحمد بن حامد الغامدي

السبت 1447/11/15

قبل أكثر من أسبوع بدأت في قراءة مسرحية (موت بائع متجول) للروائي الأمريكي البارز آرثر ميلر والذي بوفاته عام 2005م يعتبر دون منازع هو آخر عمالقة الأدب الأمريكي وبالرغم من أن تلك المسرحية قصيرة نسبيا إلا أنني تعمدت ألا أنهي قراءتها إلا يوم أمس الجمعة والمتوافق مع عيد العمال العالمي. كما هو معلوم الموعد الشائع لعيد العمال أو عيد العمل (labour Day) يقع في اليوم الأول من شهر مايو وهو رمز عالمي لنضال الطبقة العاملة من أجل حقوقها وتجسيد للتضامن والقوة الجماعية. ونظرا لأن طريق نضال العمال كان مرتبطا بالمعاناة والظلم والنضال ولهذا يرتبط اللون الأحمر بيوم العمال، رمزاً للدماء التي أُريقت في المطالبة بالحقوق. وبحكم أن يوم الأول من مايو May Day يعتبر في أغلب دول العالم يوم إجازة رسمي ولهذا تكثر في يوم العمل والعمال العديد من المسيرات النقابية في الشوارع والاستعراضات الاحتفالية والحفلات الخطابية والتجمعات التضامنية التي تشهدها المدن الكبرى. وقد يسافر بعض السياح بشكل متعمد في مطلع شهر مايو لمشاهدة تلك المسيرات والعروض المهرجانية في (الساحة الحمراء) في موسكو أو ساحة تيانانمان (الميدان السماوي) في وسط العاصمة الصينية بكين.

ولكن بعيدا عن السياسة التي تشبعنا منها خلال الأسابيع الماضية لعل من الملائم تلطيف الأجواء ونسيان عالم السياسة بالارتماء في أحضان دنيا الأدب وعالم الروايات من خلال إعطاء لمحة خاطفة لمجال وفن (أدب العمال). وبحكم أن التيار اليساري يركز على الصراع الطبقي بين العمال والكادحين وبين أصحاب الأموال والرأسمالية المتوحشة فلهذا ليس من المستغرب أن (رواد) الأدب العمالي وأبرز أسماء الكتاب والروائيين والشعراء في هذا الفن الأدبي هم من أصحاب الفكر الاشتراكي والليبرالية اليسارية. وبالعودة للأديب الأمريكي آرثر ميلر فصحيح أنه لا يوصف في العادة بأنه كاتب أو مفكر اشتراكي أو شيوعي ومع ذلك له اتجاهات يسارية واضحة كما في مسرحيته (ساحرات سالم) التي استخدمها كعمل أدبي رمزي ضد هستيريا محاربة الشيوعية في أمريكا في الخمسينيات وهي الفترة الكارثية الشنيعة المعروفة بالمكارثية. وعلى كل حال تعتبر مسرحية (موت بائع متجول) نموذج مباشر وبديع من الناحية الفنية الأدبية في تجسيد معاناة البائع العجوز وابنيه العاطلين عن العمل وصراعهم مع أرباب الأعمال وأصحاب الشركات الجشعين مما يؤدي إلى تدهور الحالة الصحية والنفسية لأب الأسرة التي تتضافر وتتكاثر عليه الضغوط لدرجة أنه يشرع في الانتحار.

ومن ذلك العنوان الحاد والمباشر لمسرحية (موت بائع متجول) التي ظهرت في عام 1949م قام الكاتب المصري سليمان فياض بتأليف رواية قصيرة حملت عنوان وفكرة مشابهه (وفاة عامل مطبعة) والتي نشرها في عام 1984م والتي تعطي إضاءة لمعاناة العمال في بيئة العمل وجشع صاحب المطبعة في عدم تأمين وسائل الحماية اللازمة مما يؤدي إلى تعرض عامل المطبعة لمرض قاتل بسبب المواد الكيميائية المستخدمة في الطباعة. وفي الواقع خطورة ما تسمى (الأخطار المهنية) في بيئة العمل خصوصا التعامل مع المواد الكيميائية السامة تم تسليط الضوء عليها منذ فترة طويلة من الزمن خصوصا بعد ظهور رواية الاستقصائية (فتيات الراديوم) والذي سردت فيه الكاتبة الأمريكية كيت مور القصة الحقيقية المأساوية لعاملات مصانع الساعات في عشرينيات القرن الماضي واللاتي تعرضن لتسمم إشعاعي قاتل بسبب طلاء ميناء الساعات بـمادة عنصر الراديوم المضيئة. والجدير بالذكر أنه حتى تتمكن الكاتبة كيت مور من توثيق تلك القصة المأسوية بشكل جيد سافرت آلاف الكيلومترات للاطلاع على الأوضاع في ذلك المصنع كما قامت بزيارة منازل الفتيات ومقابلة أفراد اسرهن، بل إنها زارت كذلك قبور تلك الفتيات البائسات.

كتاب الأدب العمالي والنزول لأرض الواقع

المدخل السابق يقودنا للحديث عن حرص بعض الأدباء بدوافع من المشاعر الإنسانية والأفكار الليبرالية اليسارية التي اعتنقوها لتقصى أوضاع العمال والكادحين ونسج أعمال أدبية بالغة الأهمية والتأثير بالإضافة لجودتها الفنية والروائية. فهذا الكاتب والصحفي الأمريكي أبتون سينكلير يؤلف رواية أدبية تحمل عنوان (الغابة) نشرها في عام 1904م وتدور أحداثها عن معاناة العمال الأجانب المهاجرين الذي يتوفى بعضهم بسبب تعرضهم للمواد الكيميائية والتلوث بالعناصر السامة أثناء عملهم في مصنع تعبئة اللحوم في مدينة شيكاغو. بالإضافة لتغطية تلك الرواية النموذجية في فن (الأدب العمالي) للأخطار المهنية والاستغلال الوظيفي للعمال من قبل رؤساء الأموال ومخاطر عمالة الأطفال، ساهمت تلك الرواية في كشف الفساد الحكومي في التغاضي عن نقص الرقابة الصحية والبلدية في قطاع صناعة الأغذية. ولقد بلغ من درجة تأثير رواية (الغابة) في الرأي العام الأمريكي أن الرئيس الأمريكي في ذلك العصر أي ثيودور روزفلت أمر بتشكيل لجنة تحقيق في فساد صناعة تعبئة اللحوم وهذا ما نتج عنه قوانين برلمانية تهدف لضبط صناعة الأغذية وفي خاتمة المطاف أدت تلك الرواية عن الأدغال في داخل المصانع الحديثة إلى ظهور إدارة الأغذية والأدوية الأمريكية (FDA) المشهورة وذات الهيمنة القوية.

بقي أن نقول إن الكاتب والصحفي الأمريكي أبتون سينكلير حتى يتمكن بشكل متقن من تأليف تلك الرواية قام بالعمل بشكل متخفّ لمدة سبعة أسابيع في أحد مصانع اللحوم في شيكاغو حتى يستطيع التوثيق الدقيق لحجم معاناة العمال والمخاطر الصحية والبيئة لصناعة الأغذية. وهذا يذكرنا بقيام الأديب البريطاني البارز جورج أورويل صاحب الأعمال الروائية ذات الصبغة اليسارية مثل رواية (مزرعة الحيوانات) ورواية (1984) المضادة لممارسات الحكم الاستبدادي الشمولي. وكما حاول الروائي الأمريكي أبتون سينكلير اكتشاف حياة المعناة للعمال في مدينة شيكاغو الصناعية الضخمة نجد كذلك أن الروائي الإنجليزي جورج أورويل يحاول أن يتعرف عن قرب عن حياة المعاناة للعمال في مدينة مانشستر الصناعية الضخمة ولهذا قام في عام 1936م برحلة إلى أحياء العمال في مدينة مانشستر ومدينة ليفربول وكذلك اهتم بزيارة مواقع عمال المناجم في منطقة يورك شاير. وكما أن رواية (الغابة) التي تكشف معاناة العمال كثيرا ما يتم المقارنة بينها وبين رواية (كوخ العم توم) التي تكشف معاناة العبيد والرقيق في أمريكا فكذلك كتاب (الطريق إلى وايجن بيير The Road to Wigan Pier) الذي سجل فيه جورج أورويل مشاهداته عن حياة العمال في شمال إنجلترا كثيرا ما يتم مقارنته مع الكتاب بالغ الأثر في الأدب الاشتراكي (حالة الطبقة العاملة في إنجلترا) من تأليف فريدريك أنجلز. وفي الواقع نجد أن غريدريك أنجلز قد تعمد الإقامة لمدة سنتين في مدينة مانشستر لكي يدرس أوضاع العمال فيها وبعد ذلك بثلاث سنوات نشر في عام 1948م هو وزميله كارل ماركس وثيقة (البيان الاشتراكي) وبهذا أعلانا انطلاق وظهور الاشتراكية من قلب مدن وعواصم الثورة الصناعية.

وكما رصد ودرس الأديب الإنجليزي جورج أورويل أوضاع ومعاناة عمال المناجم في شمال بريطانيا ثم وظف معرفته الشخصية في رصد اختلال العدالة الاجتماعية ما بين العمال والأثرياء والحكومات، في التخطيط للحبكة الدرامية في بعض أعماله الأدبية نجد كذلك أن نجم الأدب الفرنسي الروائي إميل زولا يقوم في عام 1884م بزيارة مدن مناجم الفحم في شمال فرنسا وينزل بالفعل إلى عمق أحد هذه المناجم لكي يرصد ويدرس أحوال العمال فيها ومن ثم يوظف ذلك في كتابة روايته المؤثرة (جيرمنال Germinal). بعض النقاد يعتبرون رواية جيرمنال هي واحدة من أفضل عشر روايات في الأدب الفرنسي وأنها رواية فاصلة في حياة إميل زولا الأدبية ولهذا لا غرابة أن زولا كان فخورا دائما بهذه الرواية ويقال إنه عندما توفي تجمع حشد من العمال في جنازته وأخذوا يهتفون لموكب الجنازة بقولهم (جرمينال، جيرمنال). تدور أحداث هذه الرواية في شمال فرنسا خلال النصف الثاني من القرن التاسع عشر وتوثق إضراب عمال مناجم الفحم وما يتعرضون له من القمع على يد الشرطة والجيش.

وعلى ذكر (الإضرابات العمالية) كوسيلة للاحتجاج والمقاومة لشجع أصحاب الأموال وملاك المصانع وظلمهم للعمال والكادحين لعل من الملائم الإشارة إلى رواية (الشمال والجنوب) من تأليف الروائية الإنجليزية إليزابيث غاسكل والتي نشرتها في عام 1855م والتي عكست الانقسام المجتمعي وصراع الطبقات في العصر الفيكتوري الإنجليزي والفرق بين الشمال الصناعي الغني والجنوب الريفي الفقير وهذا ما أدى إلى الصدام في أحد المصانع بين العمال وأصحاب رأس المال والذي تفاقم إلى درجة الإضراب والامتناع عن العمل. وتجدر الإشارة إلى أنه قبل سنة واحدة فقط من نشر رواية (الشمال والجنوب) نجد أن أسطورة الأدب الإنجليزي أي الروائي تشارلز ديكنز يبدع روايته المؤثرة (أوقات عصيبة) والتي تدور أحداثها في مدينة خيالية تسمى كوك تاون Coketown وهي نموذج للمدن الصناعية في العصر الفيكتوري. وكما هو معلوم عن تشارلز ديكنز أنه في أغلب أعماله الأدبية كان يحاول أن يعطة لمحة عن الجانب المظلم للثورة الصناعية وسحقها للشرائح الضعيفة من المجتمع وخصوصا الأطفال والنساء. وبحكم أن تشارلز ديكنز قد عانى طفولة كئيبة وقاسية كما تعرض والده للسجن بسبب الديون لذا نجد تشارلز ديكنز في هذه الرواية بالذات شديد السخط من أصحاب المصانع ولهذا رسم صورة شنيعة عن ملاك المصانع حيث يصف أحدهم بأنه (رجل خال من المشاعر) ويصف آخر بأنه (قاس، أناني، كذاب ومحتال). الغريب في الأمر أن تشارلز ديكنز عاش أغلب حياته في مدينة لندن وأغلب قصصه المشهورة تدور أحداثها في أحياء لندن ومع ذلك نجده (كما هي الحال مع جورج أورويل وإميل زولا) يسافر عام 1839م إلى مدينة مانشستر لكي يزور المصانع بها حيث كان مصدوما من بيئة العمل التي لا تراعي حقوق العمال ولا سلامتهم. وفي ضوء ما سبق عن معاناة الطبقة الكادحة مع الظروف الاقتصادية الخانقة والظلم الواقع على العمال والمهاجرين ربما نعلم لماذا قام الأديب الأمريكي جون ستاينبيك (الحاصل على جائزة نوبل في الأدب لعام 1962م) بتسمية روايته البارزة التي تصور حياة العمال المهمشين في مدن جنوب كالفورنيا زمن الكساد الكبير باسم (عناقيد الغضب).

قبل أن نغادر أودّ أن أعرج على مقولة (من رحم المعاناة يولد الإبداع) ودليل هذه الملاحظة الحكيمة هو خلود روائع الأعمال الروائية العالمية في مجال فن (أدب العمال) التي أبدعها الأدباء الكبار من أمثال جورج أورويل وإميل زولا وتشارلز ديكنز بعد أن نزلوا إلى أرض الواقع ورصدوا بشكل مباشر معاناة الكادحين من العمال في المصانع والمناجم والشركات. وفي المقابل يعجب الناظر عندما يجد أن مشاهير أدباء وشعراء الفكر الشيوعي مثل الأمريكي جاك لندن والتشيلي بابلو نيرودا بل وحتى الروسي الأحمر ماكسيم غوريكي فشلوا في أن يجسدوا معاناة طبقة العمال في أعمال أدبية رفيعة المستوى. أما في واقعنا العربي فتوجد بعض الروايات الأدبية التي يمكن تصنيفها في فن (الأدب العمالي) وبعضها ذات جودة فنية رفيعة مثل رواية (وردية ليل) لأديب المصري إبراهيم أصلان والتي تدور أحدثها عن حياة عامل تلغراف يعمل في الفترة المسائية. وفيما يتعلق بمجال الصناعات في الوطن العربي تعتبر صناعة الغزل والنسيج من أهم الصناعات في الجمهورية المصرية وبالخصوص في مدينة المحلة ولهذا عددا من الروايات المصرية تعطي سردية أدبية لحياة ومعاناة عمال غزل المحلة. وفي هذا الشأن يمكن أن نذكر رواية (الرحلة) للكاتب المصري فكري الخوري ورواية (حلم على النهر) من تأليف الأديب جاري النبي الحلو والذي ولد في مدينة المحلة والذي خصص أربع من رواياته الأدبية لتجسيد أوضاع وأحوال عمال الغزل والنسيج في قلعة الصناعة المصرية مدينة المحلة الكبرى.

( مشاهداتي الكيميائية في السياحة والسفر )


 د/ أحمد بن حامد الغامدي

 السبت 1447/11/8

 عبر السنوات الماضية كنت أسعد دائما عندما أتلقى دعوة من قبل طلاب نادي الكيمياء بجامعة الملك سعود لإلقاء محاضرة ثقافية ذات طابع علمي كيميائي ولهذا قبلت الطلب الكريم من الزميل الفاضل علي القحطاني من قسم الكيمياء والابن الطالب خالد آل دعبش مدير نادي الكيمياء بتجديد اللقاء مع طلاب نادي الكيمياء، ولكن ما أثار استغرابي هذه المرة أنهم رغبوا في أن يكون موضوع اللقاء له علاقة برحلاتي خارج المملكة. وبعد تردد وشعور بالإحراج عن الحديث عن رحلاتي السياحية أقدمت يوم الإثنين الماضي بعرض محاضرة حملت عنوان (مشاهداتي الكيميائية أثناء السياحة والسفر) ونظرا لأنني كثرا ما كتبت مقالات ثقافية تدور حول السياحة والسفر وثقافة الرحلات لهذا أحببت أن أحول محتوى محاضرة نادي الكيمياء الأخيرة إلى مقال ثقافي عن السياحة العلمية.

من الأقوال الحكيمة للفيلسوف البريطاني فرانسيس بيكون (السفر بالنسبة للشباب جزء من التعليم وبالنسبة للكبار جزء من الخبرة) ومصداق هذه المقولة يعرفه الزملاء أعضاء هيئة التدريس عندما يشاركون في المؤتمرات والندوات العلمية خارج المملكة حيث يكتسبون مزيدا من (الخبرة) المهنية من المعلومات الحديثة التي يكتسبونها ومن العلاقات التي تنشأ بينهم وبين رواد المؤتمرات. ومع ذلك توجد (خبرة) إضافية تتجسد باكتساب معرفة عن البلدان التي يسافرون لها من التعرف على أبرز المعالم السياحية والحضارية لذلك البلد. ولله الحمد حضرت 13 مؤتمرا علميا دوليا في بلدان مختلفة من أبرزها الصين والتشيك وماليزيا والسويد وسنغافورة وفيتنام وهذا ما أتاح لي فرصة ثمينة للتعرف على أبرز معالمها الثقافية ومواقعها الحضارية في أثناء البرامج والأنشطة الثقافية والاجتماعية على هامش تلك المؤتمرات.

ومن ذلك مثلا أنه في عام 2013م شاركت في مؤتمر تاريخ الكيمياء التاسع المقام في رحاب جامعة مدينة أوبسالا السويدية التي لها ارتباط وثيق بتاريخ الكيمياء ففي قسم الكيمياء في هذه الجامعة الفريدة قام العلماء باكتشاف حوالي 11 عنصرا من عناصر الجدول الدوري وهذا عدد كبير لا تصل له حتى أعرق الجامعات الأوروبية المشهورة. ويضاف لذلك أن عالم الكيمياء السويدي البارز جاكوب برزيليوس الذي تخرج من جامعة أوبسالا أكتشف عددا من العناصر الكيميائية مثل السيليكون والثوريوم والسيلينيوم والسيريوم والزركونيوم. وهنا تأتي قصة أول (مشاهدة كيميائية) في السفر والترحال ففي رحاب جامعة أوبسالا يقع متحف غوستافيانوم المشهور عالميا بقطعه الأثرية عن شعوب الفايكنغ وكذلك بأجنحته العلمية والطبية خصوصا مسرح التشريح. ومما لفت نظري فيه وجود الجناح العلمي الذي يحتوي على عدد كبير من الأجهزة العلمية والزجاجيات الكيميائية التي استخدمها علماء الجامعة في اكتشاف تلك العناصر الكيميائية من خلال أجهزة التحليل الطيفي spectroscopy الكلاسيكية.

ومن السويد نتجه جنوبا نحو مدينة براغ عاصمة دولة التشيك والتي حضرت فيها في عام 2012م مؤتمر الاتحاد الأوروبي للعلوم الكيميائية الرابع الذي استضاف عددا من العلماء الحاصلين على جائزة نوبل. ومدينة براغ كثيرا ما توصف بأنها من أجمل المدن الأوروبية وهي بهذا قبلة للسياح وعشاق السفر لمشاهدة قلعة براغ وكنيستها الضخمة وجسر تشارلز الذي ينتصب على جنباته 30 تمثالا ومنحوتة لشخصيات مشهورة في التاريخ الأوروبي. ومن الناحية العلمية أبرز المعالم السياحة في مدينة براغ ساعتها الفلكية التي تعود للقرون الوسطى وطبعا المزار السياحي الرائع (زقاق الذهب Golden Lane). في نهاية القرن السادس عشر كانت قلعة براغ هي مقر الحكم للإمبراطور رودولف الثاني والذي كان مهووسا بعلم الخيمياء وتحويل المعادن إلى ذهب. ولهذا قام هذا الإمبراطور برعاية أشهر الخيميائيين في عصره وفتح لهم محلات صغيرة في أسفل قلعة براغ وبحكم أن مهنتي كيميائية ومدونتي الثقافية اسمها (الخيميائي) لهذا كان يجب عليّ أن أزور درب الذهب ذاك وأن ألتقط الصور مع المحل رقم 22 الذي أقام فيه فترة من الزمن الروائي التشيكي البارز فرانز كافكا.

 زيارة متاحف أهل الكيمياء

كما سبق وأن ذكرت أنا بفضل الله حضرت 13 مؤتمرا علميا في دول مختلفة كنت فيها أسلك سلوك (العالم بشغف السائح) بمعنى أنني على هامش تلك المؤتمرات أصبح سائح يستكشف المعالم السياحية والثقافية. وفي المقابل أثناء رحلاتي وسفرياتي السياحية والتي بلغت ولله الحمد 56 دولة كثيرا ما كنت أسلك سلوك (السائح باهتمام العالم) بمعنى أنني كنت أحرص على زيارة المعالم والمواقع العلمية المميزة في بعض تلك الدول التي أزورها بهدف السياحة. دون تخطيط مسبق حصل أن زيارتي السياحة لدولة روسيا حصلت في عام 2019م والذي تصادف أنه نفس عام (السنة الدولية للجدول الدوري) والتي كانت تهدف للاحتفال بمرور 150 سنة على توصل عالم الكيمياء الروسي المشهور ديمتري مندلييف في عام 1869 لفكرة الجدول الدوري للعناصر الكيميائية. ولهذا كان من أهم وأبرز المواقع التي زرتها في مدينة سان بطرسبرج الروسية متحف مندلييف في قسم الكيمياء بجامعة سانت بطرسبرج حيث التقطت العديد من الصور مع أجهزته وزجاجياته الكيميائية وكذلك طبعا مع الرسومات العلمية والأشكال الأولية للفكرة المتعلقة بالجدول الدوري للعناصر الكيميائية. كما زرت في نفس تلك المدينة التمثال الكبير لمندلييف والذي يوجد خلفه جدول كبير للعناصر الكيميائية المرسوم على جدار أحد المباني الضخمة.

وفي صيف عام 2015م قمت مع بعض الزملاء الكرام برحلة سياحية إلى فرنسا وبلجيكا وهولندا وعندما وصلنا إلى مدينة بروكسيل كأن من أهم معالمها السياحية المشهورة على مستوى العالم (البرج الذري Atomium). وفي الواقع هذه التحفة العمرانية هي عبارة عن (مجسم كيميائي) للتركيب البلوري لجزئي عنصر الحديد المكون من تسع ذرات على شكل كرات ضخمة.  وهذا المجسم الضخم يتم استخدامه كمتحف ومعرض علمي وفي أعلى كرة أو ذرة في قمة البرج يوجد مطعما ومقهى يعطى منظرا عاما لمدينة بروكسيل.

ومن مقهى برج ذرات الحديد في بروكسل إلى مقاهي الحي اللاتيني في باريس حيث اكتشفت بالصدفة أنا والزملاء الكرام وجود مقهى يحمل اسم عالم الكيمياء الفرنسي جاي لوساك الذي ربما يعرفه جميع الطلاب بقانونه عن الغازات الكيميائية. وغير بعيد عن مقهى جاي لوساك وجامعة السوربون يقع معهد مدام كوري (معهد الراديوم) والذي قصدناه بهدف زيارة (متحف كوري) ولكن للأسف وجدناه مغلقا وهو في الأصل المختبر الصغير الذي كانت تجري فيه السيدة ماري كوري أبحاثها العلمية. تجدر الإشارة إلى أنه في نفس هذا المختبر الصغير اكتشفت عالمة الكيمياء الفرنسية إيرين كوري مع زوجها فريدريك جوليو ظاهرة النشاط الإشعاعي الاصطناعي وبهذا حصلا على جائزة نوبل في الكيمياء لعام 1935ميلادي. وبالمناسبة إيرين هي ابنة مدام كوري من زوجها بيير كوري الذي حصل معها على جائزة نوبل في الفيزياء عام 1903م ثم قتل بشكل مأساوي عام 1906م عندما دهسته عربة ثقيلة ولهذا ظلت السيدة كوري بعد تلك الفاجعة وهي تلبس السواد حدادا عليه. وعندما زرت متحف مدام كوري في وسط مدينة وارسو عاصمة بولندا تأكد لي سبب تسميتها بـ (الأرملة السوداء) ففي ذلك المتحف العديد من الصور الكبيرة لها وهي بملابسها السوداء وكذلك تم عرض العديد من نماذج الملابس السوداء التي كانت تلبسها. في الواقع مدام كوري هي بولندية الأصل ولهذا أول عنصر مشع اكتشفه أطلقت عليه اسم (بولونيوم) تكريما لبلدها الأصلي ولهذا بمناسبة مرور 100 عام على ولادة ماري كوري قامت الحكومة البولندية بتحويل المنزل الذي نشأت فيه إلى متحف علمي مميز الذي زرته عام 2023 ميلادي.

ومن المتاحف العلمية ذات الشهرة الدولية التي زرتها (متحف نوبل) في وسط البلدة القديمة لمدينة ستوكهولم عاصمة السويد وهو متحف مخصص للكيميائي ورجل الأعمال ألفرد نوبل مخترع الديناميت وصاحب جائزة نوبل العريقة. ومن الطرائف أنه في هذا المتحف يمكن أن تشتري أصبع ديناميت عبارة على قطعة أسطوانية من الشكولاتة كما يمكنك أن تشتري نسخة من الوصية التي كتبها نوبل بخصوص جائزته المشهورة. وبما أن سيرة جائزة نوبل انفتحت فهذا يقودنا للربط بينها وبين أشهر العلماء في زمننا المعاصر ففي متحف نوبل شاهدت مقطع فيديو يعطي معلومات عامة عن عالم الكيمياء العربي أحمد زويل الحاصل على جائزة نوبل في الكيمياء عام 1999ميلادي. ومن أهم الاكتشافات العلمية في القرن العشرين اكتشاف التركيب الكيميائي للحمض النووي DNA الذي توصل له العالم الأمريكي جيمس واطسون والعالم البريطاني فرانسيس كريك والحاصلان على جائزة نوبل في الطب عام 1963م وما يهمنا هنا أنهما توصلا لهذا الاكتشاف التاريخي في مختبر كافنديش بجامعة كامبريدج العريقة. في يوم 28 فبراير من عام 1953م أعلن كلا من واطسون وكريك أنهما اكتشفا (سر الحياة) وكان ذلك الإعلان في حانة النسر The Eagle الملاصقة لجامعة كامبريدج وبالتالي أصبح ذلك المكان مزارا سياحيا وعلميا وهذا ما دفعني مع الزميل العزيز الدكتور عبدالكريم الخليفي للدخول والجلوس في نفس الركن من ذلك المقهى الذي كان يتناقش فيه واطسون وكريك وزملاؤهما عن مستجدات أبحاثهم حول علم الجينات. وقبل ذلك في عام 2023م زرنا مع رفيق السفر الدائم الأستاذ فهد أبو عوه مدينة بورنو التشيكية والتي تحتضن متحف عالم الوراثة غريغوري مندل الذي يعرفه جميع طلاب المدارس بتجاربه المشهورة عن الصفات الوراثية السائدة والمتنحية للبازلاء الصفراء أو الخضراء أو الملساء أو المجعدة.

 تماثيل مشاهير العلماء وقبورهم

من الظواهر الشائعة في مختلف بلدان العالم أنه يتم تكريم الشخصيات البارزة من أهل الفكر والأدباء والعلماء بنصب تماثيل لهم في الميادين العامة والحدائق وفي المتاحف ولهذا حصل وأن التقطت الصور مع تماثيل مشاهير العلماء مثل جلوسي على فخذ التمثال الكبير لأينشتاين في حديقة أكاديمية العلوم الأمريكية في واشنطن وكذلك التصوير مع تمثال العالم البريطاني تشارلز دارون الموجود في متحف التاريخ الطبيعي في لندن. وفيما يتعلق بتماثيل مشاهير علماء الكيمياء فكما سبق وأن ذكرت أنني شاهدت تمثال عالم الكيمياء الروسي مندلييف في مدينة سانت بطرسبرج وكما يوجد في أحد شوارع مدينة مانشستر يوجد تمثال لعالم الكيمياء البريطاني البارز جون دالتون صاحب النظرية الذرية. للأسف تمثال أهم علماء الكيمياء في العصر الحديث وهو الكيميائي الفرنسي لافوازييه مفقود حاليا لأنه أثناء الحرب العالمية الثانية تم تدميره ومن ثم صهر معدن التمثال وأعيد استخدامه، ولكن في المقابل حصل عن طريق الصدفة البحتة أن شاهدت والتقطت الصور مع تمثال كيميائي آخر يعتبر المنافس الشرس للافوازيية. في تاريخ العلوم يوجد جدال حول من هو مكتشف عنصر الأوكسجين هل هو الفرنسي لافوازية أو الكيميائي السويدي كارل شيله والذي يعتبر من أهم علماء الكيمياء في السويد ولهذا عندما كنت أتجول مع الزملاء الأفاضل في الحديقة الملكية في مدينة ستوكهولم تفاجأت بمشاهدة تمثال عالم الكيمياء السويدي كارل شيله. وفي مناسبة أخرى عندما كنت أتمتع بالمناظر الطبيعية المذهلة لمدينة آنسي الفرنسية على سفوح جبال الألب عندما لفت نظري تمثالا برونزيا في أسفله مجسمات لمركبات كيميائية وعندما اقتربت منه وجدت أنه تمثال عالم الكيمياء الفرنسي كلود برتوليه الذي كان أشهر العلماء الذين أخذهم معه نابليون في حملته وغزوه لمصر.

بعض التماثيل النصفية المصغرة Bust توضع على شواهد قبور أو في مدخل أضرحة مشاهير العلماء كالتمثال النصفي لجاليلو جاليلي في قبره في مدينة فلورنسا وهذا يقودنا إلى مجسم ضريح إسحاق نيوتن في كنيسة ويستمنستر في لندن حيث التقطت عشرات الصور لقبر نيوتن ولقبور العديد من مشاهير العلماء المدفونين في (ركن العلماء) بالقرب من قبر نيوتن. حيث يمكنك أن تقف بقرب قبور أبرز العلماء على الإطلاق: مايكل فارداي وأرنست رذرفورد وجون طومسون واللورد كالفن وجيمس ماكسويل، بل وحتى العلماء الملحدين مثل تشارلز دارون وستيفين هوكنغ !!. أما في مقبرة العظماء في باريس (البانثنون) فبعد مشاهدة قبور وتماثيل فولتير وجان جاك رسو وفيكتور هوغو وقفت أمام ضريح مدام ماري كوري وهو القبر الوحيد الذي لاحظت أنه توجد عليه باقات الزهور.

 مع الكيمياء العربية في رحلات السفر

للأسف كل ما سبق ذكره من المشاهدات الكيميائية أثناء السياحة والسفر لها ارتباط بعلماء الكيمياء الأوروبيين وكان من النادر جدا رصد وملاحظة مشاهدات لها علاقة بالرعيل الأول من علماء الكيمياء العرب والمسلمين في الدول العربية. ومع ذلك يمكن لمح بعض المشاهدات الخيميائية القديمة كما في حالة جهاز تقطير الورد الطائفي الذي شاهدته في مهرجان الورود في صيف مدينة الطائف أو في بعض المعروضات من الزجاجيات الكيميائية والأفران التي كان يستخدمها الخيميائيين قديما وتعرض نماذج لها في بعض متاحف الحضارة الإسلامية. من ذلك مثلا ركن الكيمياء القديمة في متحف الشارقة للحضارة الإسلامية أو متحف تاريخ العلوم والتكنولوجيا في الإسلام والموجود في إسطنبول والملاصق لمسجد آيا صوفيا. وبالمناسبة هذا المتحف شارك في تجهيزه العالم والمؤرخ التركي الألماني المشهور فؤاد سيزكين والذي أنشأ (متحف معهد العلوم العربية والإسلامية) في فرانكفورت. وأتوقع أن متحف (العلوم والتقنية في الإسلام) في جامعة الملك عبدالله (كاوست) ربما تم تجهيزه بالتعاون معهد تاريخ العلوم العربية والإسلامية بجامعة فرانكفورت على نسق ما حصل مع متحف تاريخ العلوم العربية والإسلامية في جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية. وفي مدينة غرناطة يوجد متحف علمي ضخم يدعى (حديقة العلوم) وأحد أبرز الأقسام فيه هو جناح (الأندلس والعلم) وقد تفاجأت كثيرا من إعجاب وحرص الإسبان على المحافظة والافتخار بمساهمة الحضارة الأندلسية في تقدم العلوم. بالمناسبة أمام مدخل حديقة العلوم يوجد كرسي جلوس يوجد عليه تمثال لأينشتاين يحرص العديد من زوار المتحف على التصوير مع عبقري العلوم.

 مشاهدات سياحية وومضات كيميائية

وفي الختام هذه وقفات سريعة ومشاهدات خاطفة لبعض المواقع التاريخية والمعالم السياحية التي لها ارتباط بذرات العناصر والجزيئات والمركبات الكيميائية:

القنبلة الذرية التي سقطت على مدينة هيروشيما انفجرت في الساعة 8:15 من صباح يوم 6 أغسطس وفي عام 2024 كنت وأسرتي في ذلك التوقيت بالضبط عند موقع التفجير المريع للذرات الكيميائية. سبق لي أثناء زيارتي لدولة بولندا أن زرت معسكر الاعتقال النازي الشنيع (أوشفيتز) وزرت المتحف الخاص بالهولوكوست ودخلت إلى غرفة الإعدام بغاز (زيكلون ب) وهو أحد أشكال المركب الكيميائي سيانيد الهيدروجين.

وكذلك شاهدت جبل النار (يانار داغ) وهو تلة صخرية بالقرب من مدينة باكو عاصمة أذربيجان وهي تشتعل بالنار الدائمة المستمرة منذ آلاف السنين وكذلك في باكو شاهدت أقدم بئر بترول في العالم. وبحكم أن نسبة الأملاح في مياه البحر الميت تبلغ حوالي عشرة أضعاف متوسط ملوحة المحيطات (حوالي 30g في 100 ml) ولهذا الملمس الزيت لهذه المياه غريب جدا وكذلك السباحة فيها لا تحتاج مهارة لأنه يستحيل الغرق فيها وهذه أحد فوائد الكيمياء المسلية.

( السردية التاريخية المسيسة .. اكتشاف أستراليا وتسمية أمريكا نموذجا )


 د/ أحمد بن حامد الغامدي

 السبت  1447/11/1

يوم غد الأحد الموافق 19 أبريل ربما يكون يوما عاديا في التاريخ وقد يكون أهم ما فيه خبر أو معلومة أنه في ذلك يوم 19 أبريل من عام 1777م تم اكتشاف أستراليا على يد القبطان والمستكشف البريطاني المشهور جيمس كوك.  وبالرغم من أن شيوع وصف القبطان جيمس كوك بأنه مكتشف أستراليا إلا أن هذه المعلومة يثار حولها لغط وجدال كثير كما يثار اللغط حول معلومة أن مكتشف أمريكا هو كريستوفر كولومبس. وفي تاريخ الرحلات البحرية والاستكشافات الجغرافية لا يستغرب أن يتم تكرار اكتشاف بعض الأقاليم الجغرافية المنعزلة مثل كندا وأستراليا وأمريكا والقارة المتجمدة الجنوبية على يد عدد من الشعوب أو المغامرين والرحالة من مختلف الجنسيات والدول. وهنا يظهر السؤال لماذا تكون دائما للغلبة للرحالة والمستكشفين الغربيين والأوروبيين في نسبة الفضل لهم في هذه الاكتشافات الجغرافية ويتهم هضم ونسيان أسبقية غيرهم من الشعوب.

من أسباب ذلك هو هيمنة الإمبراطوريات والدول الأوروبية في القرون الماضية مما رسخ من ظاهرة (المركزية الأوروبية Eurocentrism) والتي تعني أن الأوروبيين ينظرون بشكل متحيز للحضارة الغربية ولهم بهذا رؤية للتاريخ والعالم متمركزة عليهم فقط فالمعارف والأفكار والاكتشافات لا يعترف بها إلا إذا كانت عن طريقهم. ولهذا وفق ما يعرض في كتاب التاريخ المعاصرة فإن من (اكتشف) شلالات بحيرة فيكتوريا في وسط أفريقيا هو المغامر الأسكتلندي ديفيد ليفينغستون بالرغم من أن من هذه الشلالات معروفة منذ آلاف السنين لشعوب زامبيا والذين يطلقون عليها اسم: الدخان ذو الرعد (موسي وا تونيا). نفس هذه المهزلة تتكرر في محيطنا العربي عندما تزعم كتب التاريخ الأوروبية أن من اكتشف مدينة البتراء الأثرية في الأردن قبل قرنين من الزمن هو الرحالة السويسري يوهان بركهارت بالرغم من أن بدو العرب والأنباط لم يغادروا قط هذه المنطقة. ومن الوقاحة أن الغرب ينسبون لبركهارت أيضا بأنه هو من اكتشف معبد أبو سنبل الفرعوني الضخم في منطقة أسوان بجنوب مصر بينما هو في الواقع كان يتنقل كسائح بين هذه المناطق الأثرية ومسترشدا بالسكان المحليين الذين قادوه لها وعرفوه بها.

ومع كل ما في ظاهرة (المركزية الأوروبية) من الشطط والتعسف وانعدام الأمانة العلمية والتاريخية في الحكم على الوقائع التاريخية أو الأحداث السياسية إلا أنه من الغريب أن نجد مستوى إضافيا من الشطط والتحيز لدرجة أنه يمكن أن نرصد وجود ظاهرة يمكن تسميتها (المركزية الإنجليزية) أو حتى (المركزية الأمريكية). وهذا يعني أن السردية التاريخية وعملية التوثيق للوقائع التاريخية يتم تشكيلها وعرضها وتفسرها على هوى ومزاج الجنتلمان الإنجليزي أو الويسترن والكابوي الأمريكاني وهذا ولا شك يقلل من مصداقية السردية التاريخية عندما تصبح متأثرة بالسياسة والهيمنة الحضارية للدول الكبرى.

وبحكم أن يوم غد الأحد 19 أبريل يتوافق مع اليوم المزعوم لاكتشاف القارة الأسترالية إذ نجد أنه منذ القرن التاسع عشر (عصر سيادة الإمبراطورية البريطانية) وأغلب كتب التاريخ والجغرافيا ومراجع المعلومات العامة تشير إلى أن مكتشف أستراليا هو القبطان الإنجليزي جميس كوك في يوم 19 أبريل من عام 1777م بينما في الواقع من أول من أكتشفها من الأوروبيين كان البحار الهولندي ويليام جانزون في عام 1606ميلادي. وبحكم البحار الهولندي ويليام جانزون كان في الأساس يقود سفينة لشركة الهند الغربية الهولندية التي كان تستهدف اكتشاف مناطق تجارية جديدة ولهذا عندما وصل لشواطئ أستراليا أطلق عليها بكل بساطة اسم (هولندا الجديدة). تجدر الإشارة إلى أن شعوب المحيط الهادي (البولينيزيون) كانوا على علم مسبق وتواصل شبه مستمر مع أستراليا، بل حتى الحضارة الصينية القديمة كان لها تواصل قديم مع أستراليا لدرجة أن سجلات حديقة الحيوان الإمبراطورية في بكين تشير لوجد حيوان الكنغر فيها كما قام الأسطول البحري الصيني في عام 1422م بقيادة البحار المسلم المشهور تشنغ خه (المعروف عربيا باسم حجي محمود شمس) قام باستكشاف ورسم خرائط الساحل الشرقي لأستراليا قبل ثلاثة قرون ونصف من الاكتشاف المزعوم للقبطان جيمس كوك لأستراليا.

والمقصود أنه بسبب الصفاقة والعنجهية التي ينظر بها الغربيون والأوربيون لبقية شعوب وحضارات العالم لذا لم يكونوا يعترفون بأي فضل أو معرفة سابقة لهم ولذا من جراء (المركزية الإنجليزية) لم يعترف الإنجليز بأسبقية البحار الهولندي في اكتشاف أستراليا قبل جيمس كوك بأكثر من 170 سنة. بل توجد بعض الإشارات التاريخية إلى أن أول من شاهد ورصد السواحل الأسترالية هم البحارة البرتغاليون في حدود عام 1522م وذلك لأن الأسطول البرتغالي عندما احتل إندونيسيا في عام 1512م سمع البرتغاليين من السكان الأصليين بوجود جزيرة كبيرة في الجنوب من الأرخبيل الإندونيسي يسمونها (جزيرة الذهب) ولهذا تم أرسل سفينة برتغالية في مهمة سرية لاكتشاف تلك الجزيرة الأسطورية. وبالرغم من إن منطقة جنوب شرق آسيا كانت منطقة نفوذ للإمبراطورية البرتغالية كما كانت قارة أمريكا الجنوبية منطقة نفوذ للإمبراطورية الإسبانية (وفق معاهدة توردسيلاس التي وقعت في عام 1494م) إلا أن الإسبان حاولوا الوصول إلى القارة الأسترالية. وهذا ما حصل بالفعل عندما وصل المستكشف الإسباني والبحار لويس توريس إلى شمال أستراليا في عام 1606م (أي نفس عام وصول المستكشف الهولندي ويليام جانزون) واكتشافه المضيق البحري بين أستراليا وجزيرة غينيا الجديدة الذي عرف حتى اليوم باسم مضيق توريس.

من هذا وذاك تتبين لنا جناية تأثير السياسة في مجريات توثيق السردية التاريخية فبسبب التنافس الكبير في القرن الثامن عشر والتاسع عشر بين الإمبراطوريات الكبرى في القارة الأوروبية مثل بريطانيا والبرتغال وهولندا وإسبانيا وفرنسا رفض الإنجليز بكل غرور الاعتراف بأسبقية الدول الأوروبية الأخرى (فضلا عن الصين) في اكتشاف القارة الأسترالية. وبسبب نفوذ الإمبراطورية البريطانية وقوتها العسكرية والاقتصادية والحضارية أصبح أغلب الناس وحتى الآن يتقبلون المعلومة الخاطئة بأن أول من اكتشف أستراليا هو القبطان الإنجليزي جيمس كوك وهذا دليل على تأثير (المركزية الإنجليزية) في تشكيل الحقائق التاريخية المغلوطة، بل والمفبركة أحيانا.

 تسمية أمريكا راجعة للتاجر البريطاني أم الرحالة الإيطالي

منذ منتصف القرن السابع عشر إلى منتصف القرن الثامن وصلت حالة الصراع ذروته بين الأساطيل البريطانية والأساطيل الهولندية للسيطرة على طرق الملاحة البحرية في جنوب شرق آسيا ونتيجة لذلك نشبت سلسلة من الحروب البحرية بين بريطانيا وهولندا في بحر الشمال وفي بحر المانش (القنال الإنجليزي) بلغت أربع حروب منفصلة بدأت أولها عام 1652م وآخرها عام 1784م ونتيجة لهذا الاحتقان السياسي والنزاع الحربي نفهم لماذا قام الإنجليز بتحريف التاريخ وعدم الاعتراف بأن البحار الهولندي جانزون هو أول من أكتشف أستراليا. وعلى نفس النسق وفي ذات السياق وبسبب حرب الاستقلال الأمريكية عن التاج البريطاني يمكن أن نفهم لماذا لم يقبل الأمريكان أن ينسبوا فضل تسمية قارة (أمريكا) إلى التاجر البريطاني ريتشارد أميريكي (Richard Amerike) وقبلوا بكل أريحية أن تسمية (أمريكا) سببها تكريم المستكشف الإيطالي أميريجو فسبوتشي (Amerigo Vespucci).

في أبريل من عام 1777م زعمت بريطانيا أنها اكتشفت القارة الأسترالية وبالتالي كسبت أرض شاسعة جديدة، ولكن في الواقع أنه قبل ذلك بأشهر قليلة وبالتحديد في شهر يوليو من عام 1776م خسرت بريطانيا أهم مستعمراتها وذلك عندما تم الإعلان عن استقلال أمريكا وخسارة العرش البريطاني للقارة الأميركية الهائلة. في الواقع تلك المستعمرات على الساحل الشرقي من أمريكا ظلت لفترة طويلة تعرف باسم عام هو (المستعمرات البريطانية الثلاثة عشر) أو مستعمرات أمريكا البريطانية وبعد الاستقلال أصبحت تعرف لفترة مؤقتة باسم (المستعمرات المتحدة United Colonies) ثم بعد الاستقلال بأشهر قليلة ظهر الاسم المعروف (الولايات المتحدة الأمريكية). ولكن بالعودة لسبب تسمية القارة (الأمريكية) بهذا الاسم بالذات ربما تجمع كتاب التاريخ في أمريكا أن التسمية راجعه للبحار الإيطالي من فلورنسا (أميريجو فسبوتشي Amerigo Vespucci) والذي من الغرائب أنه من المؤكد أن قدمه لم تطئ على الإطلاق أراضي أمريكا الشمالية وأن رحلاته واستكشافاته اقتصرت على أمريكا اللاتينية وخصوصا البرازيل وذلك في حدود عام 1501ميلادي.

في المقابل نجد أن التاجر والمستثمر البريطاني (ريتشارد أميريكي Richard Amerike) من مدينة بريستول الميناء التجاري الهام في غرب إنجلترا قام في عام 1497م بتمويل الرحلة الاستكشافية للبحار الإيطالي من البندقية جون كابوت والذي يعتبر أول مستكشف أوروبي يصل إلى السواحل الشرقية لأمريكا الشمالية. وبحكم أن رحلة الاستكشاف هذه كانت ممولة من قبل التاجر البريطاني (أميريكي Amerike) لهذا يقترح بعض المؤرخين أنه من المحتمل أن المكتشف الإيطالي جون كابوت قام بإطلاق اسم عائلة التاجر أميريكي على أرض العالم الجديد. وبالرغم من أن الرحالة الإيطالي من مدينة البندقية وصل إلى أمريكا الشمالية قبل أربع سنوات من وصول الرحالة الإيطالي من مدينة فلورنسا إلى أمريكا الجنوبية إلا أن قصة ارتباط المكتشف الإيطالي جون كابوت بالتاجر البريطاني ريتشارد أميريكي تلاشت مع الزمن وأهملت. وبسبب حالة العداء بين الأمريكان والبريطانيين بعد حرب الاستقلال الأمريكية وكمحاولة لإضعاف المركزية الإنجليزية في مقابل المركزية الأمريكية لهذا ربما تعمد أهل السياسة ورجال التاريخ في أمريكا إهمال أحياء سردية سبب تسمية أمريكا وأنها أقرب للمنطق أن تكون متعلقة بالتاجر البريطاني ريتشارد أميريكي أكثر من ارتباطها الضعيف بالرحالة الإيطالي أميريجو فسبوتشي.

 وفي الختام ومع حالة الصراع والقتال في منطقة الخليج العربي هذه الأيام وفي ضوء التنافس الحاد بين الأطراف المختلفة حول مشكلة (مضيق هرمز) لعلنا نفهم لماذا الآن بالذات يحاول كل طرف أن يرسخ سردية تاريخية خاصة به. فالرئيس الأمريكي غريب الأطوار يرغب في تسميته بـ (مضيق ترامب) في حين أن البعض منا يقترح اختلاق سردية جديدة بتسمية المضيق بـ (مضيق خالد بن الوليد) بينما أهل الحكم في إيران سوف يستميتون في السيطرة عليه وفي المحافظة على اسمه القديم (مضيق هرمز) والذي يعزز من وجهة نظرهم تغيير تسمية الخليج العربي إلى الخليج الفارسي.