الأحد، 9 ديسمبر 2018

( فن الحرب )

دور الاعمال الفنية في توثيق الحروب والقتال

د/ أحمد بن حامد الغامدي

بالإذن من الفيلسوف الصيني القديم سون تزو سوف استعير عنوان كتابه الجذاب (فن الحرب The art of war) ليس للحديث عن الاستراتيجيات العسكرية وفنون القتال ولكن لتسليط الضوء على (رسالة الفن) ودور الاعمال التشكيلية المتنوعة في خدمة (المجهود الحربي) في تعبئة المشاعر الداعمة للحرب والقتال أو في المقابل التنفير من النزاع المسلح والحث على نشر السلام. منذ فجر التاريخ استخدم الحكام والملوك والقادة الرسم والنحت واللوحات الفنية لتمجيد وتخليد انتصاراتهم العسكرية فهذه جدران معبد أبو سنبل الفرعوني في أسوان تؤرخ المنحوتات المنقوشة عليه الانتصارات العسكرية للفرعون رمسيس الثاني وهو يطارد بعربته الحربية الجنود الفارين من أعدائه الحيثيون بعد انتصاره (المزعوم) عليهم في معركة قادش. وحتى اليوم يعتبر أكبر وأهم وربما أغلى (عمل فني) يتعلق بالحرب والقتال هو اللوحة الفسيفسائية للإسكندر المقدوني Alexander Mosaic  التي تصور انتصاره الحربي الهام على الامبراطور الفارسي داريوس الثالث. وقد تم اكتشاف هذه التحفة الفنية العجيبة في مكان عجيب حيث وجدت تحت انقاض مدينة بومبي الرومانية المنكوبة وقد كانت اللوحة عبارة عن ارضية من الموزاييك وجدت في بيت أحد الاثرياء من سكان بومبي الايطالية في القرن الثالث قبل الميلاد.
ليست الانتصارات الحربية هي فقط من تخلد ذكر القادة والحكام بل وحتى اللوحات الفنية المحكمة الابداع فشهرة نابليون بونابرت الطاغية جزء منها ولا شك صورته الساحرة وهو يمتطي حصانه العربي الرمادي الشهير عندما كان يعبر جبال الالب مع فرقة سلاح المدفعية في جيشه وهو في طريقة لخوض معركة مارنجو ضد مملكة النمسا. من الجدير الاشارة إلى أن عنوان لوحة نابليون السابقة الذكي هو (نابليون يعبر جبال الألب) Napoleon Crossing the Alps ونتيجة لدور هذه اللوحة الفنية في بيان عبقرية نابليون في تخطي (الصعاب) في سبيل تحقيق النصر العسكري لهذا لا غرابة أن أهم لوحة فنية تبين عبقرية التكتيك الحربي للجنرال الامريكي جورج واشنطن (أول رئيس للولايات المتحدة) أثناء حرب الاستقلال عن الامبراطورية البريطانية حملت عنوان (واشنطون يعبر نهر ديلاوير).
من الواضح أنه هذه الاعمال الفنية واللوحات التشكيلية لم يتم انتاجها بمحض الوطنية الخالصة ولكن لتوظيفها في الابعاد السياسية كوسيلة (لتزيين وتزييت) الحاكم والقائد العسكري بدليل أن كتب ومراجع تاريخ الفنون والرسم التشكيلي احتفظت بأسماء العديد ممن يمكن وصفهم (برسامي البلاط) وهم أشخاص من محترفي مهنة الرسم يتم توظيفهم في القصور الملكية و المؤسسات الحكومية مثل الجيش لرسم وتوثيق الاحداث السياسية والمناسبات الكبرى. الغريب في الأمر أن هذه الظاهرة سوف تخفت كثيرا في العصور الحديثة لدرجة أن أشهر وأهم الاعمال الفنية الحديثة المتعلقة بالحروب اصبحت تلك التي (تنتقد وتعارض) الحرب وليس تلك التي تمجد الانتصارات العسكرية. لم تصدم الحضارة البشرية بحادثة أبشع من الحرب العالمي الأولى ولهذا ومنذ بداية القرن العشرين اصبحت الحرب والمعارك العسكرية تعتبر بؤرة مركزة للقبح والشقاء والجنون. من الالقاب المشهورة للحرب العالمية الاولى أنها (حرب الخنادق) أو (حرب الغازات) ولهذا في الوقت الحالي أشهر لوحتين فنيتين عن تلك الحرب الكبرى هي الرسمة الصادمة للسير الانجليزي وليم أوربن والمتعلقة بتصوير المنظر الفظيع لقتلى الجنود الألمان المجمدين في الثلوج داخل خنادقهم الموحشة. بينما كارثة خسائر دول الحلفاء مثلتها بجدارة مستحقة اللوحة التشكيلية الشهيرة للرسام الانجليزي المبدع جون سارغنت والتي تصدم كل من يشاهدها حتى الآن وذلك لأنها تمثل صف طويل من الجنود الانجليزي مصابين بالعمى نتيجة تعرضهم للغازات السامة (لهذا اسم هذه اللوحة Gassed) وهي لوحة تلخص حالة الضعف البشرية حتى لمن لم يقتل في معمعة الحروب.
نقطة جديرة بالتنويه وهي أنه كان للحرب العالمية الاولى تأثير هائل وحاد على الفن التشكيلي والادب بشكل عام ففي مدينة زيورخ السويسرية وفي عز سنوات الحرب أي في عام 1916م ظهرت الحركة الدادائية وهي حركة ثورية مناهضة بل ومعادية للفن والادب الكلاسيكي وقد نتجت كردة فعل حادة معادية للحرب وأثرت على مجمل الحراك الثقافي الاوروبي. ومن رحم حركة دادا Dada ولدت حركة الفن السريالية ولهذا لا غرابة أن نجد كبار مشاهير رسامي الفن السريالي لديهم العديد من اللوحات التشكيلية الفائقة الشهرة موضوعها الاساسي مناهضة الحرب وأهوالها.  في مقال سابق تم نشره تحت عنوان (في زمن الحرب .. اللوحة الفنية اقوى من ألف خطبة) قمت باستعراض اشهر اللوحات الفنية العالمية التي ناقشت ويلات وأهوال الحروب الاهلية وتم تشبيه كارثة ومأساة مدينة حلب السورية بكارثة مدينة جورينكا الاسبانية التي خلدها الرسام البارز بابلو بيكاسو في لوحته السريالية الفظيعة التي حملت أسم تلك المدينة المنكوبة.  وكذلك نجد أن اشهر رموز الفن التشكيلي السريالي المعاصر وهو الاسباني سلفادور دالي أشهر لوحاته على الاطلاق تلك المتعلقة بالحروب والقتال مثل لوحة (وجه الحرب) ولوحة (هاجس الحرب الاهلية). وعلى نفس النسق يمكن أن نستشف أن أهوال ومآسي الحرب العالمي الأولى كان عامل التحفيز لظهور وانتشار موجات جديدة في دنيا الفن التشكيلي من الحركة التكعيبية والانطباعية وغيرها ومن هذا كانت الاعمال الفنية لبعض رموز الفن الحديث متأثره بتجربتهم الشخصية المباشرة في ساحات القتال كما حصل مع  الرسام الانجليزي ويندهام لويس والرسام الألماني أوتو ديكس والرسام البولندي ديفيد بومبيرج والرسام الانجليزي بول ناش وغيرهم كثير.
على كل حال في السابق كان للأعمال الفنية واللوحات التشكيلية دور في نقل المعلومة (بل وتخليدها كما في نقوش رمسيس والإسكندر) وتوصيف الحدث ولكن فيما يخص الحروب المعاصرة أنتشر في القرن العشرين استخدام التقارير الصحفية المصحوبة بالصور الفوتوغرافية أو التغطية التلفزيونية وهذا ربما يفسر عدم وجود أي لوحات تشكيلية ذائعة الصيت عن الحرب العالمية الثانية فضلا عن الحروب الأكثر حداثة مثل حرب فيتنام وحرب العراق بل وحتى مأساة البوسنة وغيرها.

وفي الختام بقي علي أن أشير للدافع الذي حثني على التفكير بطرح هذا الموضوع الفني في هذا التوقيت بالذات ومرجع ذلك إلى أنه مر علي خلال الاسبوع الماضي موقفين جددا لي الاهتمام بموضوع توظيف الأعمال الفنية في توثيق المعارك الحربية. شهد بداية الاسبوع الثاني من شهر نوفمبر لعام 2018م مرور ذكرى مائة سنة على انتهاء الحرب العالمية الثانية وحيث أنها تسمى في كتب التاريخ (بحرب الكيميائيين) لهذا قمت بإعادة نشر مقالي الذي كتبته في بداية الاحتفالات المئوية بإندلاع تلك الحرب الكبرى ولم أجد أي صورة تربط بين الحرب العالمية الكبرى والكيمياء أفضل ولا أشهر من لوحة الغازات السابقة الذكر للرسام الانجليزي جون سارغنت والتي ساهمت بالفعل في ترسيخ ربط الكيمياء بتلك الحرب الشنيعة.
الموقف الثاني حصل عندما كنت أقرأ قبل أيام في كتاب (السلطان والملكة) للمؤرخ والباحث البريطاني جيري بروتون وهو كتاب يناقش بالتفصيل العلاقة غير المعروفة بين الملكة الانجليزية الشهير إليزابيث الأولى والسلطان التركي البارز سليماني القانوني ومن بعد حفيده مراد الثالث وقد وصفت جريدة وول ستريت الامريكية هذا الكتاب بأنه يبين كيف شكل المسلمون الثقافة والتجارة والآداب الانجليزية.  ما يهمنا هنا أنه في عام 1554م حصل ما يمكن توصيف (بزواج القرن) بين الملكة البريطانية ماري (الأخت الكبرى للملكة إليزابيث وابنه الملك هنري الثامن أهم ملك إنجليزي في التاريخ على الاطلاق) وبين الامير فيليب الثاني الذي سوف يصبح ملك إسبانيا والبرتغال والذي هو وبدون منازع أهم واقوى ملك مسيحي في عصره. وفي حفل الزفاف حصل العروسان على هدايا ثمينة لكن أكثرها أهمية وأغلاها كما يصف الكتاب هي الهدية المقدمة من الملك تشارلز الخامس والد الامير فيليب وكانت عبارة عن أثنى عشرة قطعة قماشية ضخمة جدا مطرزة  بخيوط الذهب والفضة والحرير مرسوم عليها كلها مشاهدة من المعركة الحربية (احتلال تونس) التي خاضها الملك الإسباني تشارلز الخامس ضد الاتراك واستطاع أن يحتل إقليم تونس في عام 1535م ويهزم اسطول القائد المسلم خيرالدين بربروسا الذي أقض مضاجع المسيحيين في ذلك الزمن. حقاً يا لها من هدية غريبة التذكير بالقتل والحرب في أجواء الفرح والاعراس الملكية.
بقي أن أقول أنه قد يعتبر البعض منا الحديث عن الصور والاعمال الفنية نوع من الترف وحتى لو نحينا جانبا المقولة الحكيمة التي تنص على أن (الصورة اقوى من ألف كلمة) فربما لا مهرب لنا من أن نتفق واقع مقولة أحدهم عندما صرح (أنا لا أثق في الكلمات أنا اثق فقط بالصور).



ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق