الجمعة، 24 يناير 2020

( اللغة العربية ما زالت تؤذن في مالطا )

لوحة أرشادية في مالطا تثبت تفوق اللغة العربية !!!

د/ أحمد بن حامد الغامدي

اللغة من حيث هي منتج بشري ليست فقط وعاء فكري لنقل الحضارة والثقافة ولكنها من حيث كونها (قوة ناعمة) نجدها بعد انتهاء حروب اللغات إما أن يتم تدميرها وإعطابها أو يتم استلابها وكأنها (غنيمة حرب). بعد حروب الاسترداد الاسبانية وسقوط الأندلس تم طرد الاسلام والعرب من الجزيرة الايبيرية بشكل مهين وشنيع أما اللغة العربية في تلك الديار فأصبح جزء منها مأسور ومعتقل ضمن سياج اللغة القشتالية وكأنها بذلك غنيمة حرب فضل الإسبان منذ زمن ملك قشتاله وليون ألفونسو العاشر (ألفونسو تحكيم) الاحتفاظ ببعض المفردات العربية كما غنموا وحافظوا على العلوم العربية وعلى قصر الحمراء في غرناطة وقصر المورق في إشبيلية. تذكر الباحثة الاسبانية كارمن برافو والمهتمة بدراسة تاريخ وتأثير الحضارة العربية في الأندلس أنها عندما حللت نتائج استفتاء أجرته إحدى المجلات الاسبانية عن أجمل عشر كلمات باللغة الاسبانية، وجدت أن ثماني كلمات من تلك الكلمات العشر الفائزة هي كلمات ذات أصول عربية. كلنا يعرف بشاعة محاكم التفتيش الاسبانية والتعذيب المريع لسلخ المسلمين من دينهم وطردهم من بلادهم ومع كل هذا الاقصاء الحضاري والتطهير الديني إلا إن اللغة العربية (تلك القوة الناعمة والغنيمة الثقافية) وجدت طريقها للتغلغل والبقاء في نسيج الحضارة الاسبانية لدرجة أن بعض التقديرات تشير إلى أن ربع المفردات اللغوية في اللغة الاسبانية الحالية هي عبارة عن كلمات عربية الأصل.
القوة الناعمة العربية ممثلة في اللغة بالرغم من أنها استفزت محاكم التفتيش والاقصاء في الاندلس السليب لدرجة أنه تم في عصر الامبراطور الاسباني فليب الثاني منع المسلمين من التخاطب باللغة العربية وتحريم اقتناء الكتب العربية إلا تلك (اللغة الخالدة) كُتب لها البقاء وهذا أمرر تكرر كثيرا في التاريخ والجغرافيا ففي أزمان متعددة ومواقع متنوعة تمكنت اللغة العربية بشكل أو آخر من الصمود والممانعة. بعد سقوط الخلافة العثمانية لم يكتفي الرجل الصنم مصطفى كمال أتاتورك بمحاربة الدين وفرض العلمانية ولكنه سعى وبشكل متعمد في اجتثاث اللغة العربية من المجتمع التركي ليس فقط بمنع استخدم الأحرف العربية في كتابة اللغة التركية ولكن وصل درجة الفجور به لحظر الآذان باللغة العربية حيث أعتبر رفع الآذان باللغة العربية فعل مخالف للقانون. وفي سياق سياسة التتريك الاقصائية غزى الغازي أتاتورك على بقايا النفوذ العربي في المشهد الحضاري التركي فشكل لجنة خاصة أطلق عليها أسم لجنة صيانة اللغة التركية وكان هدفها الاساسي تخليص وتنقية اللغة التركية من مفردات وكلمات اللغة العربية. ومع كل هذا الاقصاء ضد الدين الاسلامي واللسان العربي ليس فقط عاد الآذان يرفع مرة أخرى باللغة العربية من فوق مآذن المساجد بل ما زالت مفردات اللفة العربية حية وشائعة في اللغة المحكية والمكتوبة التركية حيث يُقدر أن عدد المفردات ذات الأصول العربية المستخدمة في اللغة التركية قد تصل إلى حوالي 15 ألف كلمة. وبحكم أن كل التراث التركي القديم مكتوبا في الأصل بأبجدية الحروف العربية لهذا تم في السنوات الاخيرة إدخال تدريس اللغة العربية كمادة إلزامية في المدارس التركية لتمكين الأجيال الجديدة من قراءة الإرث التركي ومدارسة الدين الاسلامي بلغته العربية الخالدة.
قبل حوالي قرن من الزمن من توقيت منع الآذان باللغة العربية في اسطنبول (في 1932عام  ميلادي) وصل الأديب والكاتب اللبناني المعروف أحمد فارس الشدياق إلى جزيرة مالطا سنة 1826م وهنالك أكتشف أن المثل الدرج (كمن يؤذن في مالطا) أصبح خارج سياق الزمن ليس فقط لأن جزيرة مالطا الصغيرة يقيم بها الاف من المسلمين بل لأن الأغرب من ذلك أن اللغة العربية متوغلة بشكل استثنائي في اللغة المالطية. لا نعلم على وجهة الدقة ما هي قصة المثل الشائع لدينا في العالم العربي (بعد خراب مالطا) لكن نعلم أنه في غابر الزمن تم محو وازالة أي معالم تدل على أن الاسلام حكم تلك الجزيرة لمدة قاربت قرنين ونصف على يد ملوك قبيلة الأغالبة العربية القادمين من تونس. بالرغم من أن جزيرة مالطا خرجت من الحكم الاسلامي في نهايات القرن الحادي عشر الميلادي إلا أن (خراب مالطا) الحقيقي والمتمثل في محو الاسلام منها حصل بسقوطها الثاني عام 1479 ميلادي تحت حكم مملكة أرغون الاسبانية والتي سوف تتحالف بعد ذلك بسنوت قليلة مع مملكة قشتالة لإسقاط آخر معقل للمسلمين في الأندلس وهي مدينة غرناطة التي أحتلت عام 1492 ميلادي كما هو معلوم. والمقصود أن تلك المملكة المسيحية (مملكة أراغون وقشتالة) المتطرفة في التعصب الديني والتي قامت بتجريف الأندلس من مظاهرة الاسلامية لتجعله كالأرض اليباب والخراب هي نفسها من تسبب في (خراب مالطا) لدرجة أنه لم يبقى فيها من يستطيع أن يجاهر بحضوره  للصلاة ولهذا قيل في وصف أي شيء بدون فائدة (كمن يؤذن في مالطا).
وتشير المراجع التاريخية الأوروبية أنه بنهاية القرن الخامس عشر تم طرد عدد كبير من المسلمين من جزيرة مالطا (الشتات العربي يتكرر في كل وقت وحين ألم يقل الشاعر الفلسطيني محمود درويش: وسنسأل أنفسنا في النهاية هل كانت الأندلس ههُنا أم هناك !!) ومن بقي منهم أجبروا جميعا على اعتناق المسيحية وتغيير اسمائهم العربية. ومع ذلك مأساة مسلمي مالطا لم تنتهي فصولا بعد فمنذ منتصف القرن السادس عشر تولى حكم مالطا طائفة دينية مسيحية اكثر تعصبا وشراسة حيث حكمها (فرسان مالطا) لمدة ثلاثة قرون. في بداية الحروب الصليبية في المشرق العربي ظهرت طائفة (فرسان المعبد) لحماية القدس المسيحية من الوقوع في يد المسلمين بعد استرجاعها وبعد ذلك بخمسة قرون سوف يقوم أحفادهم (فرسان مالطا ورودوس) بحماية مدينة روما من السقوط في قبضة الاسطول العثماني المسيطر على البحر الابيض المتوسط. أمر غريب في تاريخ فرسان مالطا تنبغي الاشارة والتنويه إليه يتمثل في كون تاريخهم مشبوه ليس فقط بسبب كونهم فلول وبقايا الحملات الصليبية ولكن توجد شبه قوية بارتباط منظمة فرسان مالطا بالماسونية العالمية والاساطيل البحرية للقراصنة. ما أود الوصول له بعد هذا التطوف التاريخي هو رسم الصورة المعادية للإسلام ورموزه الحضارية في جزيرة مالطا في القرون القديمة ومن ذلك ولا شك التضييق على المظاهر العربية مثل اللغة واللباس. ومع كل هذا العداء ما زالت اللغة المالطية متأثرة ومنذ اكثر من ألف عام باللغة العربية وقت أن حكم العرب جزيرة مالطا وصقلية ولهذا توصف اللغة المالطية بأنها مشتقة من اللهجة العربية الصقلية. بمعنى أن اللغة المالطية في الأساس ليست لغة أصيلة ذات جذور أوروبية  وإنما هي ذات أصول شرقية سامية فينيقية أو عربية على الأرجح. صحيح أن اللغة المالطية الحالية بها العديد من الكلمات والمفردات من اللغة الايطالية والانجليزية لكن اللغة المالطية الأصلية والقديمة يقال أن أكثر من ثلثي كلماتها والعديد من قواعدها النحوية مأخوذة من اللغة العربية وبلهجة تونسية واضحة. بدون مبالغة كل من يزور الجزيرة المالطية الخلابة سوف يصعق من شدة التقارب بين اللغة المالطية واللغة العربية وأشهر نص مكتوب يوثق ويناقش التقارب الغريب بين هاتين اللغتين هو ما ذكرة الأديب اللبناني السابق الذكر أحمد فارس الشدياق في كتابه الفريد (الواسطة في معرفة أحوال مالطا). تحت عنوان (فصل في لغة مالطة) ذكر الشدياق أن اللغة المالطية فرع من الدوحة العربية وشيصة من تمرها وتعجب أنها (لغة محكية) لم يتم استخدامها في الكتابة ولأن أغلب كلماتها تم اشتقاقها بشي من التحوير من اللغة العربية فلهذا كانت لغة هجينة وضعيفة وعليه (نقدها) الشدياق بقولة:
تباً لها لغة بغير قراءةٍ          وكتابةٍ عين بلا أنسانِ
أذنابها ورؤوسها عربية       فسدت وأوسطها من الطلياني
والأمر الملاحظ بشكل جلي في اللغة المالطية أنها ليس فقط تستخدم كم مهول من المفردات العربية بل أن تكوين الجمل اللغوية الطويلة بل وحتى الابيات الشعرية مبني على استخدام تركيب الكلمات العربية ومن ذلك ما ذكره الشدياق من الابيات الشعرية التي سمعها من أهل تلك الجزيرة وبلغتهم المالطية مثل قول الناظم:
المحبوب تا قلبي سافر       ليلي ونهاري نبكيح
جعلتو بدموعي البحر     وبالتنهيدات تا قلبي الريح
كما يقول أحمد فارس الشدياق أن مما سمعه من الشعر المالطي قول أحدهم في الغزل:
ينا اشتقت نجي فوق سدتك         نجي شبيهه تا عصفور
نطفي المصباح بجوانحي       نعطيك بوسه ونرجع نمور

Xi hadd jitkellem bl-Ingliz
العبارة السابقة المكتوبة بالحروف الانجليزية هي ترجمة قوقل من اللغة العربية إلى اللغة المالطية للعبارة العربية (هل يوجد أحد يتكلم الإنجليزية) والتي تصبح باللغة المالطية كالتالي (في حدا يتكلم بالانجليز). وخلال زيارتي لجزيرة مالطا هذا الاسبوع كنت في الواقع عندما أقول (كم تسوا دان إلكتيب) kemm tiswa dan il-ktieb فأن في الواقع كنت أنطق باللغة المالطية العبارة العربية التي تقول: كم تكلفة هذا الكتاب. شواطئ جزيرة مالطا جميلة جدا وإذا أردت أن أعبر عن رغبتي في السباحة في ماء البحر فسوف أنطق ذلك باللغة المالطية كالتالي: أنحوب نعوم في إيلما بحر (inhobb nghum fl-ilma bahar). العبارات الكاملة من اللغة المالطية شبة المتطابقة مع اللغة العربية يجدها الزائر بكل سهولة في اللوحات الارشادية والتحذيرية في شوارع مالطا ومن ذلك مثلا تجد أن اللافتة التحذيرية من رمي القمامة (الزبالة) في الطريق تنطق كالتالي: ترميش زبل فت تريق (tarmix zibel fit-triq). جزيرة مالطا جميلة ونظيفة ومتعة للزائرين ولهذا يحق للسائح لها أن يردد يردد المثل الدراج باللغة المالطية الذي يقول بلهجتهم: فين نحب القلب يمشو الرجلين (fejn thobb il-galb jimxu r-riglejn) والذي يقابله باللغة العربية الفصيحة: حيثما يعشق القلب تتبع الأقدام.
وبعد هذه الامثلة اللغوية السريعة ليس من المستغرب أن نعرف الان أن أكثر من 70 بالمائة من مفردات اللغة المالطية هي مشتقة أو محورة من كلمات عربية. وأوضح ما يكون ذلك في معرفة أن جميع كلمات الاعداد هي مفردات عربية فمثلا لو اردنا أن ننطق تاريخ سنة 1919 ميلادي فهي تنطق كالتالي باللغة المالطية (ألف دسعا ميا وا دسعتاش) elf disa mija u dsatax واخترنا هذا التاريخ باذات لأنه يوافق مرور مائة سنة على إقامة أهم شخصية عربية في جزيرة مالطا وهو الزعيم المصري سعد زغلول عندما قامت قوت الاحتلال الانجليزي بنفيه وبعض رفقائه من مصر إلى مالطا في ذلك التاريخ.

وفي الختام اللغة العربية بالرغم من كل محاولات (حرب اللغات) للاستنقاص من مكانتها وساحة تواجدها هي لغة محفوظة ومباركة وثرية وسوف يكتب لها بمشيئة الله الخلود. في المسيرة البشرية الطويلة عدد ملحوظ من اللغات الكبرى اندثرت (مثل اللغة الفرعونية واللغة الفينيقية) وعدد هائل انصهر في لغات أخرى. ولكن اللغة العربية ما زالت فتية ومتجددة لها كيانها الخاص كما أن لها تواجدها الطاغي والمؤثر في اللغة الفارسية واللغة التركية واللغة الهندية واللغة السواحلية في شرق أفريقيا واللغة الامازيغية في شمال افريقيا بل وحتى اللغة الانجليزية التي دخلها عدد كبير من الكلمات العلمية المستوردة من الحضارة العربية القديمة.


ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق