السبت، 19 ديسمبر 2020

( الكفاح لاكتشاف اللقاح )


 كم من المجهود والمال يصرف حتى نصل لهذه اللحظة

د/ أحمد بن حامد الغامدي

 

 في الطب أول العلاج تعزيز المناعة ومع ذلك كان اكتشاف التطعيمات الطبية واللقاحات المناعية هي آخر الأسلحة من الناحية التسلسل التاريخي التي تم ضمها لترسانة أسلحة (الحرب على الأمراض). منذ فجر التاريخ وحتى الآن تعرف الأطباء على آلاف الأمراض ومثل ذلك العدد من الأدوية والعقاقير ولكن حتى الآن عدد اللقاحات والتطعيمات الطبية قليل جدا بشكل غريب. من طبيعة الأشياء أن الأمور الصعبة والمكلفة تحتاج إلى محفزات ومغريات جمة لحث البشر على أدائها وبحكم أن اكتشاف وتطوير التطعيمات الطبية عملية صعبة وعدد قليل من الأمراض يمكن إنتاج تطعيم لها فلهذا لابد من (الكفاح لاكتشاف اللقاح). والدوافع لتحقيق إنجازات طبية كبرى متنوعة ويمكن اختزالها بأنها دوافع إنسانية أو مالية أو سياسية وهو ما سوف نحاول استعراضه بشكل مختزل في هذا المقال.

الإمام الكبير الحافظ ابن حجر العسقلاني له كتاب فريد حمل اسم (بذل الماعون في فضل الطاعون) والدافع والمحرك لاهتمام ابن حجر بتأليف هذا الكتاب أنه فجع في عام 883هـ بتسبب الطاعون الكبير الذي أصاب مصر والعالم أجمع (الطاعون الأسود) في مقتل ثلاث من بناته. الفجيعة الإنسانية بفقد الأبناء والبنات من جراء الأوبئة والأمراض كانت هي الدافع والحافز لظهور أهم وأعظم شخصية علمية على الإطلاق في مجال علم اللقاحات الطبية. وذلك هو العالم الفرنسي الشهير لويس باستور وهو وإن كان في الأصل عالم كيميائي إلا أن من الدوافع الحاسمة في اتجاهه لمجال الدراسات والأبحاث الطبية لاكتشاف أسباب بعض الأمراض وطرق الوقاية منها بإنتاج التطعيمات المناعية أنه عانى هو الآخر من وفاة ثلاثة من بناته بوباء التيفوئيد القاتل. لقد دخل باستور التاريخ من أوسع وأزهى أبوابه بكونه أول من اكتشف وطور لقاح طبي في المختبرات العلمية وهو لقاح مرض الكوليرا بالإضافة لاكتشافه للقاح وتطعيم مرض الجمرة الخبيثة ومرض داء الكلب. بالمناسبة من المشهور إن الطبيب الإنجليزي المعروف إدوارد جينر هو أول من اكتشف مفهوم اللقاحات المناعية وهذا وإن كان خطأ تاريخي شائع إلا أنه يقصد به اللقاحات التي تنتج طبيعيا من خلال الحيوانات (مثل الأبقار المصابة بمرض الجدري) بينما كان إسهام لويس باستور أنه أول من أنتج لقاح طبي مصنع في المختبر (بدون أبقار ولكن باستخدام بيض الدجاج !!). من غرائب الصدف في (الارتباط التاريخي) بين لويس باستور وإدوارد جينر أن ولادة أحدهما كانت متزامنة تقريبا بوفاة الآخر فعندما ولد باستور في نهاية شهر ديسمبر من عام 1822م حصلت وفاة جينر بعد ذلك التاريخ بشهر واحد فقط أي في نهاية شهر يناير. حادثة مشابهة إلى حدا ما حصلت قبل ذلك بحوالي مائتين سنة عندما تزامن ولادة ووفاة عملاقي العلم إسحاق نيوتن وغاليليو غاليلي في نفس تلك الشهور من عام 1642 ميلادي.

وبالعودة إلى موضوع إن المشاعر الإنسانية والوشائج الأسرية قد تكون هي الدافع الأكبر في مسيرة كبار العلماء لتحقيق كبرى الاكتشافات الطبية كما حصل مع باستور من جراء وفاة بناته الثلاث نجد هذه الظاهرة شائعة في كتب تاريخ العلوم. فهذا الطبيب الألماني جيرهارد دوماك الذي اكتشف أدوية السلفا وحصل نظير ذلك على جائزة نوبل في الطب لعام 1932م كان من دوافعه لإنتاج أول أدوية مضادات البكتيريا في التاريخ حتى يستطيع إنقاذ حياة طفلته الصغيرة التي كانت تصارع الموت بسبب تعرضها لالتهاب وتسمم بكتيري. بينما يقال إن الطبيب الكندي فريدريك بانتنغ بعد معاناته في مرحلة الشباب من جراء وفاة والدته بسبب مضاعفات مرض السكر لهذا حرص بانتنغ على دراسة الطب ومحاولة إيجاد علاج لمرض السكر ولاحقا اكتشف هرمون الأنسولين وحصل على جائزة نوبل في الطب لعام 1923 ميلادي. وعالمة الكيمياء والصيدلانية الأمريكية جيرترود إليون عندما كانت في سن المراهقة وبعد مشاهدتها لوفاة جدها بسرطان المعدة صممت على دراسة الكيمياء لتتمكن من إنتاج الأدوية لعلاج السرطان وهذا من حصل لاحقا وخصوصا مع مرض سرطان الدم مما حقق لها الحصول على جائزة نوبل في الطب عام 1988 ميلادي.

كما لاحظنا بعض العلماء والأطباء قادتهم وشائجهم الأسرية للتعمق في العلم وعلى العكس من ذلك البعض من العلماء والباحثين قادهم التعمق في العلم للتأثير على علاقاتهم الأسرية ليس فقط في ضعف ترابطهم الأسري ولكن لتوظيف أفراد أسرهم كفئران تجارب أن صح التوصيف. وبالعودة إلى إدوارد جينر فمن الأخطاء التاريخية الشائعة مقولة أنه أول من اكتشف ظاهرة المناعة ضد الأمراض من خلال التطعيم ومن الأخطاء التاريخية الشائعة أيضا الزعم أنه أجرى أول عملية تطعيم بلقاح مرض الجدري على طفله الصغير. وإذا كان جينر هو أول عالم تطعيمات مشهور فإن آخر عالم مشهور في دنيا اكتشاف اللقاحات المناعية هو ولا شك الطبيب الأمريكي جوناس سولك والذي استطاع عام 1955م تطوير لقاح طبي لمرض شلل الأطفال. حتى منتصف القرن العشرين كان ذلك المرض الشنيع يسبب الكثير من المآسي للمصابين به من الأطفال ولأسرهم كذلك ونظرا لفشل المحاولات الأولى من لقاح شلل الأطفال تردد غالبية الأهلي من إعطاء هذا اللقاح لأطفالهم خشية أن يصابوا بهذا المرض المرعب. وهنا حاول سولك أن يكسب ثقة الآباء والأمهات فنشر في وسائل الإعلام صورة وهو يقوم بتطعيم أطفاله الثلاث الصغار بهذا اللقاح الجديد ليثبت لهم فعالية وسلامة التطعيم الجديد.

 الناس على دين ملوكهم .. حتى في الطب

يقولون الغريق يتعلق بقشة والمريض قد يتعالج بالوهم ولذا في الغالب يسهل إقناع المريض بأي علاج مهما كان لأنه في حاله ألم وقلق ولذا يقبل بأي حل متوفر. الحال يختلف تماما مع إقناع الأشخاص الأصحاء بتناول لقاح أو تطعيم يمنع عنهم مرض (محتمل) ولهذا لنجاح حملات التطعيم ضد أي مرض أو وباء لا يكفي توفر المال والخبرة الطبية بل يجب كذلك توفر الدعم السياسي والتشريعات النظامية الملزمة بأخذ اللقاحات المناعية لضمان سلامة صحة المجتمع. في الوقت الحالي وبدرجة واضحة جدا تعتبر الولايات المتحدة من أكثر دول العالم المتقدم التي فشلت بشكل مريع ومخزي في التصدي لجائعة وباء الكورونا. وقد يكون من أسباب ذلك أن هرم السلطة في تلك الديار تولاه شخص غير عقلاني مثل الرئيس دونالد ترامب والذي كان يناصر الحركة المناهضة للقاح خصوصا تطعيم لأطفال. أحد أبرز الأسماء السياسية المعارضة للتطعيم في أمريكا هو روبرت كينيدي الابن والذي في نفس الوقت يعتبر من رموز (نظرية المؤامرة) المتعلقة بالتطعيمات والذي كان يشكك في جدية اكتشاف أي لقاح مفيد ضد وباء الكورونا. الجدير بالذكر والتنويه هنا أنه بمجرد الإعلان عن فوز ترامب بالرئاسة قبل أربع سنوات وقبل دخوله للبيت الأبيض أعلن عن تشكيل لجنة خاصة برئاسة روبرت كينيدي الابن مهمتها التأكد من سلامة التطعيمات وفحص ارتباطها بمرض التوحد وتأثيراتها الطبية الجانبية على الأطفال وهذا كان قرار خاطئ جدا لأن روبرت كينيدي شخص متحيز جدا ضد التطعيمات وليس شخص محايد. وفي مقابل وضع ترامب ثقته في مثل هؤلاء الشاطحين فكريا نجده في المقابل يسخر من الخبير العالمي أنتوني فاوتشي كبير مستشاري الحكومة الأمريكية حيال الأوبئة ويصف ذلك العالم بأنه كارثة وكان يرغب في إقالته من منصبه. وفي مثل هذه الأجواء المتشككة في جدوى القواعد الطبية المتبعة لا غرابة أن نجد شرائح عريضة من الشعب الأمريكي تتقبل مثل هذه الأفكار المغلوطة والمتشنجة الرافضة لنتائج الدراسات الطبية مثل اللقاحات والتطعيمات الجديدة الخاصة بالكورونا أو طريقة التعامل الصحيح مع هذا الوباء وتخفيف أضراره على المجتمع.

ولنجري الآن مقارنة تاريخية عن موقف وتعامل حكام ورؤساء الدول الأوروبية قديما عند ظهور مفهوم التطعيم لأول مرة وكيف ساهموا في الدفاع عن هذا الإنجاز الطبي الهام. عندما حاول الطبيب الإنجليزي إدوارد جينر عام 1797م نشر فكرته الطبية حول أهمية ودور التطعيم في إنقاذ حياة البشر من مرض الجدري رفضت الجمعية الملكية البريطانية نشر البحث الطبي الذي أرسله لهم. ولكن مع الوقت بدأ خبر هذا الاكتشاف في الانتشار حتى وصل أخيرا إلى فرنسا وهنا وجد مساندة كبيرة من قبل الحاكم والجنرال المتفتح ذهنيا نابليون بونبارت. وبالإضافة لإصدار نابليون أوامره بأن يتم تطعيم أفراد الجيش الفرنسي بطريقة جينر الجديدة نجده كذلك وبالرغم من أن فرنسا كانت في حالة حرب مع بريطانيا يقوم بمنح الطبيب جينر ميدالية تكريمية (في نفس الفترة تقريبا منح نابليون عالم الكيمياء البريطاني همفري ديفي ميدالية ذهبية لاكتشافه عنصري الصوديوم والبوتاسيوم ودعاه للحضور لمدينة باريس وفي الواقع الجوانب العلمية في شخصية نابليون تحتاج مقال مستقل). وعندما قام جينر بالشفاعة لدى نابليون بطلب إطلاق بعض الأسرى من الجنود الإنجليزي استجاب نابليون في الحال وذكر أنه لا يمكن أن يرفض له أي طلب.

(الناس على دين ملوكهم) عبارة واستقراء حكيم يصح في الدين والسياسة بل وحتى في الطب فعندما تشكك ترامب من صحة الطب الوقائي وطب الأوبئة وقعت أكبر كارثة طبية في تاريخ أمريكا وفي المقابل حسمت الإمبراطورة البريطانية فكتوريا الجدل المثار في المجتمع عن أهمية وسلامة استخدام غاز التخدير أثناء العمليات الجراحية. في عام 1847م توصل الطبيب الأسكتلندي جيمس سمبسون لاكتشاف أن مخدر الكلوروفورم يمكن استخدامه في تخفيف آلام الوضع والولادة للنساء. ولعدة سنوات استمر الجدل في المجتمع البريطاني حول هذا الأمر ولم يحسم بشكل نهائي إلا بعد ذلك بحوالي ست سنوات عندما وافقت الملكة فيكتوريا على استخدام مخدر الكلوروفورم أثناء عملية ولادتها لطفلها السابع الأمير ليوبولد وليس هذا وحسب بل إنها لاحقا كرمت الطبيب سمبسون بمنح رتبة سير تقديرا لإنجازه الطبي التاريخي.

عندما يكون الحاكم أو الملك أو الرئيس متفهم ومتقبل للأفكار الطبية الجديدة هذا يساعد كثيرا في توفير الدعم المادي لها بالإضافة لتسخير جميع الإمكانات الحكومية والتشريعية لتذليل جميع الصعوبات التي تواجهها. ومن أسباب (تفهم وتقبل) الحاكم للاكتشافات والأفكار الطبية الجديدة أن يكون هو نفسه قد أصيب بمرض عضال في مرحلة ما من حياته وبهذا يستوعب المعاناة التي يحتاج المرضى لمن يخففها عنهم. وبحكم الحديث عن الأمراض والتطعيمات واللقاحات ربما بشكل أو آخر ساعد بعض رؤساء أمريكا في تسهيل تقدم الطب إذا علمنا أن الرئيس الأمريكي فرانكلين روزفلت أصيب بمرض شلل الأطفال بينما الرئيس إبرهام لينكولين تعرض في آخر عمره لمرحلة صحية حرجة بعد إصابته بمرض الحصبة في حين أن الرئيس الأمريكي القديم أندرو جاكسون أصيب في أوائل شباب بمرض الجدري. القائد أو الحاكم عندما يتعرض بشكل شخصي للمآسي والمصائب الناتجة من الأمراض يكون أحرص من غيره على بذل أقصى جهد لمنعها بالكلية أو التقليل من أخطارها. صحيح أن نابليون بونبارت شخصية منفتحة الذهن ومتقبله للعلم ولكن يجب ألا نغفل أنه قبل أن يكرم إدوارد جينر على اكتشافه للقاح ضد مرض الجدري ذاق قبل ذلك بخمس سنوات مرارة الهزيمة والفشل عندما تسبب وباء الطاعون في إنهاء حملته العسكرية على بلاد الشام. وعندما تسبب ذلك الطاعون في مقتل حوالي عشرين ألف جندي من الجيش الفرنسي نفهم الآن لماذا أمر نابليون لاحقا بتطعيم جنود جيشه بلقاح مرض الجدري بل أنه لم يتردد حتى في استخدام هذا اللقاح مع طفله الصغير وهو أمر مستحيل تصوره أن يقوم الرئيس الأمريكي ترامب بتعريض أطفاله أو أحفاده للقاح طبي جديد لا يعرف تماما فعاليته المناعية وسلامته الصحية.


ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق