الثلاثاء، 11 أكتوبر 2016

( أمريكا .. حيث تملك القوة لا مكان للعقل )

بعد نصب العلم الأمريكي على سطح القمر هل صحيح أنهم فكروا في احتلال القمر
 
د/ احمد بن حامد الغامدي
عبر القرون يُكن المجتمع  الامريكي تقدير واحترام خاص لمن يوصفون (بالآباء المؤسسين) وهم رجال السياسة الذين ساهموا في التوقيع على إعلان الاستقلال الامريكي أو مشهد التوقيع على الدستور الامريكي وقد كان أحد أبرز هؤلاء الرواد السيد جيمس ماديسون رابع رئيس للولايات المتحدة والملقب بأبو الدستور الأمريكي. في الواقع اشتهرعن الرئيس جيمس ماديسون ليس فقط دفاعه المستبسل عن الديمقراطية ولكن الاهم من ذلك اشتهربفكرهالثاقب وفلسفته لضرورة كبح جماح استغلال قوة السلطة المطلقة. ولهذا يعتبر الرئيس جيمس ماديسون من اكثر رؤساء الدول الديمقراطية الذين يتم تداول مقولاته الحكيمة في شؤون الحريات والديمقراطية من مثل قوله ( عندما تسود السلطة الزائدة فلا يأمن الشخص على نفسه أو افكاره أو ممتلكاته ) أو مثل قوله (في الحقيقة كل الرجال الذين يملكون القوة هم جديرون بأن لا نثق بهم).
في واقع الأمر كأني بالرئيس الامريكي العتيد ماديسون بمقولاته تلك يقصد فيمن  يقصد رجال السياسة بمن فيهم أعضاء الكونجرس الامريكي الحاليين الذين هم مثال صارخ لقاعدة السلوك البشري (السلطة المطلقة .. مفسدةٌ مطلقة) لأن إدارة الحكومة الامريكية الحالية وبرلمانها التشريع يتصرفون وكأنهم الحاكم بأمره وسي السيد المطاع في الحلبة السياسية الدولية. عندما صوت اعضاء الكونجرس الامريكي الاسبوع الماضي في واشنطن بأغلبية ساحقة مع قبول قانون جاستا (العدالة ضد الارهاب) من المرجح أنه كان يعميهم الشعور بالقوة وغطرسة العنجهيه المعروفة للكاوبوي من عدم مراعاة بديهيات أسس القانون الدولي الذي ينظم العلاقة بين الدول. المثير للسخرية حقا أنه لا يفصل إلا عدة مئات من الكيلومترات بين مقر البرلمان الامريكي الكابيتول هيل في واشنطن وبين مقر الامم المتحدة في مدينة نيويورك التي تنظم العلاقة بين الدول ذات السيادة الكاملة ومع ذلك وقع المشرعين الامريكان في خطأ قانوني مريع حيث انهم لو طلبوا حضور فطاحل خبراء القانون الولي من جامعة هارفرد من مدينة بوسطن القريبة نسبيا من عاصمة الاستكبار لكان يبنوا لهم الخطل والسفة السياسي الذي هم مقدمين عليه.
الحكومة الامريكية تمتلك زمام قوة اقتصادية وعسكرية وعلمية هائلة و (زائدة) ولهذا صدق الرئيس ماديسون في توقعه وبعد نظره أنه عندما تسود السلطة الزائدة فلا أمان للشعوب والافراد ولكن هناك نصيحة إضافية من الرئيس ماديسون لرجال السياسة في بلده الذين قد يعميهم الغرور ويدفعهم الطمع لابتزاز الشعوب الأخرى ونهب مقدراتها حيث يقول (تداول الثقة خيرا من تداول المال). أن الولايات الأميركة من المحتمل بمثل قانون جاستا سيء السمعة أن تنهب وتتداول أموال الدول الأخر لكنها بالقطع سوف تخسر ثقة المجتمع الدولي بها حيث لن يقبل لها أحد أن تحكم العالم على مبدأ (اذا كانت العصا في يدي .. فالحق في فمي).
عنجهية القوانين وغطرسة القوة
للأسف من يتتبع التاريخ البشري عبر العصور يتبين له عن يقين أن (الظلم من شيم النفوس) كما قال المتنبي وأن الاشخاص أو الدول التي لا تظلم تفعل ذلك لأنها ضعيفة أو تخشى شراً أكبر:
الظلم من شيم النفوس فإن تجد          ذا عفةٍ فلعلة لا يظلمُ
فمن المستحيل أن تجد أمه أو دولة متفوقة عسكريا تكون في نفس الوقت متفوقة أخلاقيا فهذه الأمم الاوروبية في عز عصر الانوار في القرن التاسع عشر وبعد أن تشبعت بأفكار الحرية والمساواة وحقوق الانسان وفصل السلطات وإذا بها فجأة تسكر بنشوه القوة والسلطة وتتنكر للأفكار والمبادئ التي صاغها فلاسفتها الكبار مثل جون لوك وفولتير وروسو وسبينوزا ومونتسكيو وتتحول تلك الامم من داعية للتحرير إلى قوة استعمار وقهر للشعوب الأخرى.
بكل تجرد ربما من المبالغة الاعتراض على رجال السياسة في بلاد العم سام أنهم لم يستمعوا للمبادئ النبيلة للرئيس ماديسون بعد مرور قرنين من الزمان بتغليب الحكمة والعقل حال تمتعك بمزايا القوة الفائضة بينم واقع السياسة الامريكية المخزي يشير إلى أن الرئيس الامريكي الذي خلف ماديسون مباشرة وهو الرئيس جيمس مورنو كان أكثر من رجال الكونجرس الحاليين صفاقة وعنجهية في ضرب عرض الحائط بقواعد التعامل بين الحكومات والأمم وأصول القانون الدولي. في عام 1823 أعلن الرئيس الامريكي جيمس مونرو ما يعرف (بمبدأ مونرو) والذي ينص على أن الولايات المتحدة لن تسمح بتكوين أي مستعمرات اوروبية جديدة في نصف الكرة الغربي أي بالتحديد في الامريكيتين الشمالية والجنوبية وأن أمريكا اللاتينية هي الحديقة الخلفية للولايات المتحدة ولن تسمح لأي دولة عظمى أن تدخل هذه  منطقة النفوذ الخاصة بها.
إن الدول والامبراطوريات الممتلئة نعمة وقوة وسلطة تفصل القوانين كما تشاء وتغير قواعد اللعب حسب ما تهوى وخذ على ذلك مثلا القانون التعسفي العجيب الذي اختطته الامبراطوريات الكبرى فيما بينها حيث نجد أنه في نهايات القرن الخامس عشر وقعت اتفاقية بين الامبراطورية البرتغالية والامبراطورية الاسبانية اشتهرت بمعاهدة تورديسيلاس تمتلك بموجبها اسبانيا جميع البلدان والاراضي الجديدة التي سوف تكتشف غرب المحيط الاطلسي (تشمل دول امريكا الجنوبية) في حين تمتلك البرتغال أي اراضي تكتشف شرق خط التقسيم سواء تلك الدول  الموجودة في افريقيا أو جنوب شرق اسيا وكأن بقية الدول والكيانات السياسية الأخرى غير موجودة و (لا يستأذنون وهم شهودُ).
 
هذه العنجهية والاستكبار الاستعماري مارسته امبراطورات أوروبية متعددة قامت بكل وقاحة واستكبار بإعلان قارات وبلدان وشعوب أخرى أنها تحت حكمها وسلطتها لمجرد أنها أرسلت بعثة استكشافية من عدة سفن يقوم قائد وكابتن هذه الفرقة الاستكشافية الجغرافية بغرس علم بلاده في تراب الأراضي المكتشفة ويعلنها أرض تحت سلطة العرش الملكي لدولته كما حصل مع المستكشف القبطان البريطاني جيمس كوك وإعلانه قارة استراليا تابعة للعرش البريطاني وهو ما تكرر بشكل أو آخر مع مشاهير المستكشفين مثل الاسباني فرانسيسكو بيزارو في البيرو ومواطنه هيرنان كورتيز في المكسيك والانجليزي ليفينجستون في وسط افريقيا. ومن الطرائف في هذا الصدد أنه بعد أن قام رائد الفضاء الامريكي بز ألدرن بغرس العلم الأمريكي على سطح القمر وإلقاء تحية العلم في اللقطة الفوتوغرافية المحفورة في وجدان الشعب الأمريكي في أواخر عام 1969 ولأن النشاط الامريكي استمر بعد ذلك لعدة سنوات على سطح القمر ولهذا من باب الطرافة يقال أن المجتمع الدولي خشي أن تعلن أمريكا احتلال القمر ولذا تم إبرام (اتفاقية القمر The Moon Treaty) والتي تنظم نشاط الدول على القمر والاجرام السماوية الأخرى.
 
وبتنحية المزاح الفلكي جانبا إن من يدرس ويستعرض وقائع التاريخ يعلم أننا لا نبالغ أو نهول في التجني على الامريكان وطموحهم الاستعماري وهذا كما كررنا سلوك جميع الدول والامبراطوريات التي تمتلك (فائض القوة والسلطة). في التاريخ غير البعيد ألم تقوم الامبراطورية البريطانية في منتصف القرن التاسع عشر وهي في قمة أوج تفوقها العسكري بإجبار الامبراطورية الصينية العريقة بفتح اسواقها لتجارة الأفيون والمخدرات بعد أن هزمت في (حرب الأفيون) الشهيرة. وبنفس درجة العنجهية الاستعمارية الصفيقة ألم تقم الجمهورية الفرنسية في نفس تلك الفترة تقريبا بالتدخل في قلب العالم العربي عندما ارسلت حملة عسكرية إلى لبنان بحجة عجيبة أنها تريد إعادة تسكين الموارنة (الذي اعتبرتهم رعايا فرنسيين بالرغم من كونهم عرب ومواطنين يتبعون للدولة العثمانية) إلى قراهم التي تم تهجيرهم منها على يد الدروزوبهذه الحجة تم انتزاع لبنان من أراضي سوريا الكبرى ومن هنا بدأ مسلسل تقسيم الدول والاقاليم العربية قبل قرن ونصف من الان.
 
وفي الختام بقي أن نقول أنه مما يثر الحنق والغضب أنه ليس فقط الدول الغربية (تستأسد وتتنمر) عندما تزداد سلطتها وقوتها الاقتصادية بل نجد أنه حتى الشركات التجارية الكبرى يصيبها داء الغطرسة والعنجهية حذو القذة بالقذة. وهذا ما حصل بالضبط امع لشركة البريطانية القديمة (شركة الهند الشرقية) والتي في بادئ الأمر منحت مرسوم ملكي يخولها احتكار التجارة البريطانية مع الهند في بداية القرن السابع عشر وسرعان ما أنتهى بها الأمر أن تحولت من مشروع تجاري بحت إلى مؤسسة تحكم جميع الولايات الهندية وجميع مستعمرات التاج البريطاني في أسيا وبالطبع كان لها جيش مستقل ذاق منه الهنود الويلات والقتل والتدمير. وفي بداية النصف الثاني للقرن العشرين ظهر مصطلح سياسي ظريف هو (جمهوريات الموز) دلالة على هشاشة الأنظمة السياسية ومنشأ هذا المصطلح عندما قامت بعض شركات الفاكهة الأمريكية (مثل شريكة شيكويتا التي ارتبط اسمها وشعارها بأصابع الموز) في عام 1954 بالمساندة المالية والدعائية من خلال الاستخبارات الأمريكية في إسقاط حكومة غواتيمالا المنتخبة ديمقراطيا لأنها أرادت أن تحجم احتكار الشركات الأمريكية لتجارة الفاكهة بين الولايات المتحدة ودول أمريكا الوسطى.
والشيء بالشيء يذكر فإذا استطاعت شركات الموز الصغرى إسقاط الحكومات إلا تستطيع الشركات الكبرى مثل شركات البترول العملاقة أو شركات الأدوية من إسقاط الحكومات وتغيير الخارطة السياسية للدول وهذا بالفعل ما حصل قبل فضيحة الموز بسنة واحدة فقط عندما تأمرت الحكومات الغربية بالتعاون مع الاستخبارات الأمريكية والبريطانية بدعم مالي من شركة النفط الانجليزية والأمريكية مثل شركة موبيل  في التخطيط والتنفيذ لانقلاب عام 1953 في إيران والذي نتج عنه إسقاط حكومة رئيس الوزراء الإيراني المشهور محمد مصدق الذي كان يجهز لتأمم جميع شركات النفط التي تعمل في إيران. وعلى نفس النسق نجد حاليا أن شركة النفط البريطانية العملاقة PB لها تأثير سياسي كبير في إفساد ورشوة رجال السياسية في نيجيريا وغيرها من حكومات العالم الثالث. وفي امريكا اللاتينية مرة أخرى وليس بعيدا عن جمهوريات الموز توجد مؤشرات حاسمة أن شركة الاتصالات الامريكية الكبرى AT&T قد تعاونت مع الاستخبارات الأمريكية CIA في تدبير الانقلاب العسكري الدموي ضد رئيس دولة تشيلي الليندي المغدور به. 
على كل حال البعض يعتقد بوجود (حكومة العالم الخفية) المزعومة والخيالية ولو حصل وجودها يوما ما فلا أعتقد أنها ستكون إلا تحالف الشركات الاقتصادية العملاقة والأخطبوطية التي تعرف باسم (الشركات متعددة الجنسيات) والذي يصف بعضهم نشاطهم السياسي الاثيم بأنه (الاحتلال الصامت) للسياسة الدولية وطليعة موت الديمقراطية  ولكن هذا موضوع جدلي كبير يحتاج وقفة مستقلة ومقال خاص.


ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق