الأربعاء، 27 يناير 2021

( المربعانية بين العرب والإنجليز !! )


 المربعانية هل هي فقط فلكلور شعبي

د/ أحمد بن حامد الغامدي

  يوماً ما قال الأديب الإيرلندي المشاكس أوسكار وايد (الحديث عن الطقس هو الملاذ الأخير للخيال) والغريب في الأمر أن أوسكار وايد وهو يحاول التقليل والتحقير من أهمية (سواليف الجو) فاته أنه قبل ولادته هو شخصيا بحوالي عشر سنوات تم نشر إحدى أهم وأشهر الروايات في الأدب الإنجليزي (مرتفعات وذرينغ). تلك الرواية التي كانت العمل الأدبي الوحيد الذي انتجته الكاتبة إيميلي برونتي وبالقطع هي رواية لا ينقصها الخيال كما إنها متخمة بسواليف وأحاديث الجو. أولاً كلمة (وذرينغ) في عنوان الرواية هي من كلمة wuthering والتي هي مأخوذة من كلمة الطقس weather ولكن بلهجة مقاطعة يوركشاير في شمال شرق إنجلترا. ثانيا أحاديث وأخبار الطقس متكررة بشكل ملحوظ في هذه الرواية فمثلا ترد كلمة الربيع 25 مرة والشتاء 23 مرة والصيف 22 مرة.

الطقس المتقلب يصعب التنبؤ بحالته المستقبلية ولهذا هو مغري للحديث والدردشة حوله كما إن السؤال أو التعليق عن حالة الطقس (يذيب حاجز الجليد) بين الأشخاص المصابين بالبرود الاجتماعي وبالتالي ينفع هذا التكتيك في كسر حاجز الصمت بين الغرباء. ما سبق ذكره موجود في طبيعة أفراد المجتمع الإنجليزي ولهذا أصبح الجنتلمان الإنجليزي هو أكثر شخص بين الأجناس البشرية حديثا عن أحوال الطقس. في البلاد العربية الطقس دافئ أو حار في أغلب أشهر السنة والشذوذ البارز هو ما يحصل في أشهر الشتاء حيث يتغير المناخ بشكل جذري وندخل في دائرة (الطقس المتقلب). وبسبب تشابه تذبذب أجواء الشتاء سواء في بلاد العرب أو أرض الإنجليز نجد أن تلك (البيئة) خصبة ليس فقط للدردشة والحديث ولكن (على عكس مما استبعده أوسكار وايد) هي بيئة وأجواء تحفيز الخيال لاختلاق واختراع العديد من الأساطير والأمثال الشعبية التي لا تجد لها مقابل في أجواء الصيف الاعتيادية.

بعد غد (أي يوم الإثنين القادم) سوف يكون مبتدأ فصل الشتاء بشكل فعلي حسب علم الفلك والذي يضبط بدقة زمن الشتاء ما بين ظاهرتي الانقلاب الشتوي (21 ديسمبر) والاعتدال الربيعي (20 مارس). في مقابل هذه الفصول الفلكية المنضبطة نجد العديد من الشعوب لها موروث شعبي أشبه بالفلكلور في تحديد مواعيد (الفصول النجمية) والتي ليس لها في الغالب أسباب علمية منضبطة. في مورثنا الشعبي الدارج يوجد زعم شائع أن (شدة البرد) تقع خلال موسم المربعانية الذي يمتد لمدة أربعين يوما والمثير للشك أن بداية مربعانية الشتاء على خلاف الظواهر الفلكية المنضبطة يوجد فيها اختلاف كبير وجدل متكرر فهل هي تبدأ في الأول من شهر ديسمبر أو السابع من ذلك الشهر. الإشكال الآخر يكمن أنه وفق إحصائيات علم الأرصاد الجوية فإن أغلب أيام الشتاء الأشد برودة تقع في شهر يناير وشهر فبراير. وربما كمخرج من التناقض بين الزعم أن المربعانية هي أشد البرد وأن أيام فبراير (شباط) هي الأبرد فعلياً وحسياً ما دفع البعض لنسج القصة المعروفة في الموروث الشعبي عن المربعانية وهي توصى ولدها شباط بقولها (يا وليدي ترى أنا مريت ولا ضريت) بمعنى أن بردها كان خفيفا وليس ضارا كما هو برد شهر شباط/فبراير. وفي تكملة المثل الشعبي أن برد المربعانية لم يؤثر إلا في الأشخاص ضعاف الأحوال المادية الذين لا يستطيعون شراء حطب السمر وأكل التمر (ما قويت إلا اللي شبوبه ليف وأكله دويف) وهذا تأكيد إضافي أن برد المربعانية في الغالب ليس قارصاً. ويضاف لذلك أن عند الشعوب الأخرى أمثال شعبية تعزز ملاحظة أن أشد أيام الشتاء بردا هي في آخر الشتاء وليس في أوله ولهذا يقال في بلاد الشام (خبي فحماتك الكبار لجدك آذار) بمعنى وفر وقود حطبك الكبير لشدة برد شهر مارس. وعلى ذكر بلاد الشام وما جاورها من أرض فلسطين المباركة تجدر الإشارة إلا أن المربعانية عندهم ليس فقط تختلف عن مربعانيتنا في التسمية (تدعى بالأربعينية) ولكن هي كذلك تتوافق بشكل سليم مع بداية فصل الشتاء الفلكي من 22 ديسمبر وحتى 31 يناير مما يعزز فرصة أن تكون المربعانية عندهم متوافقة أكثر مع الأيام الأشد برودة.

وهذا التوافق الصحيح بين شدة البرد التي تبدأ من 22 ديسمبر والرقم (أربعون) موجود في العديد من الحضارات الآسيوية كما هو الحال مع مربعانية جبال الهملايا الهندية المسماة تشيلي كلان (chillai kalan) أو مربعانية الشعب الفارسي في إيران المسماة شب تشيله (shabe chellh). وفي حين أننا بعيدين من ناحية التوقيت الصحيح لبداية المربعانية عن الأشقاء من عرب الشمال والجيران من الشعوب الأخرى إلا إننا نتوافق بشكل غريب مع (مربعانية روسية) غير متوقعة. من المعروف أنه في فصل الشتاء في مناطق الدائرة القطبية الشمالية تختفي الشمس لفترة طويلة ويستمر الظلام المتواصل لعدة أسابيع. وما يهمنا هنا هو ذكر مدينة مورمانسك الروسية التي تدخل كل سنة في فصل الشتاء بما يسمى ظاهرة (الليل القطبي) المتواصل والذي يستمر لمدة أربعين يوما هي تلك الممتدة من يوم الثاني من ديسمبر وحتى يوم الحادي عشر من شهر يناير وهي تقريبا نفس توقيت موسم المربعانية في بلادنا. ومع ذلك الأغرب من قصص وأخبار الطقس ليس المربعانية الروسية المظلمة ولكن المربعانية الإنجليزية الممطرة. منذ أكثر من ألف عام وحتى يوم الناس هذا تنتشر في البلاد الإنجليزية أسطورة مناخية طريفة تقول إنه إذا حصل وهطل المطر في يوم عيد القديس سويثن فهذا يعني أن السماء سوف تستمر تهطل بالمطر لمدة أربعين يوما متواصلة. لمن يعرف (أو عانى من تجربة كائبة) الجو البريطاني في فصل الشتاء لن يستغرب كثيرا من هذه الأسطورة الفلكلورية الإنجليزية لأن الجو الماطر هنالك كثير ما يستمر لعدة أسابيع. المفارقة ووجه التعجب في هذه الأسطورة أن يوم عيد القديس سويثن ليس في الشتاء ولكن في عز الصيف حيث يقع في يوم 15 يوليو ومن هنا نادر جدا أن يستمر المطر لكل تلك الفترة المربعانية المتواصلة. في وسط القارة الأوروبية نجد (مربعانية ماطرة) أخرى مشابهة بدرجة كبيرة للمربعانية الإنجليزية مع بعض الاختلافات الطفيفة فهي تتعلق بعيد القديس ميدارد والذي يقع في يوم الثامن من شهر يوليو ولكن مع بقاء جوهر الأسطورة الأصلي: إذا هطل المطر في ذلك الصيف في يوم عيد القديس فيتوجب على يمن صدق بهذه الخرافة أن يحمل مظلته معه لمدة أربعين يوما.

بقي أن نقول قبل أن نغادر عالم الأساطير والطقس أن الرقم (40) يقصد به في الغالب الكثرة وطول المدة ولا يقصد به المعنى الحرفي لذلك الرقم الحسابي. وكما نقول في اللغة الدارجة (عشرون مرة قلت لك ألا تفعل ذلك الأمر) فبالطبع نحن نقصد أننا كثيرا ما كررنا عليك التنبيه. وعلى نفس النسق عندما نسمع عن الظاهرة المناخية المسماة (رياح الخماسين) وهي الرياح الرملية العاتية التي تهب من الصحراء الكبرى وتستمر (لفترة طويلة) من الزمن ومن هنا نفهم أن الرقم (خمسون) في تسمية تلك الظاهرة المناخية ليس المقصود منه أن تلك الرياح تستمر لمدة 50 يوما بالفعل. وأعتقد أن هذا هو المقصود في موروثنا الشعبي بموسم (المربعانية) وأنها دلالة على فترة زمنية طويلة من الأجواء الباردة.

 الطقس وأيام العرب

الجدير بالذكر أن الحديث والمسامرة بذكر أخبار وقصص (موسم المربعانية) ليس قديما في الثقافة العربية والموروث الشعبي. فالمتصفح لكتب الأنواء والمواسم المناخية لدى العرب لا يجد ذكر لمصطلح (المربعانية). فهذا مثلا كتاب الأزمنة والأنواء لعالم الفلك ابن الأجدبي والمتوفى في منتصف القرن السابع الهجري وبالرغم من أنه يذكر أوقات دخول الفصول المناخية كما نعرفها اليوم وارتباطها بالأبراج السماوية مثل بداية الشتاء مع دخول برج الجدي. وكذلك يذكر الكتاب المطالع النجمية المشهورة لدينا مثل سعد الذابح وسعد بلع وسعد السعود وسعد الأخبية كما يذكر المؤلف كل الأمثلة الشعبية المتداولة لدينا حتى الآن عن هذه المطالع النجمية ومع ذلك لا توجد أي إشارة لكلمة (المربعانية). بل إن الموروث الشعري العربي القديم يركز في رصد ظاهرة الفصول المناخية وتغير الأجواء والطقس ليس على دخول البروج السماوية ولكن على ظهور النجوم. فكما هو معلوم ظهور نجم (الثريا) يرتبط بدخول فصل الشتاء وهطول الأمطار وهذا ما نجده في مطلع القصيد فائقة الرونق للشاعر الأموي ذو الرمة والتي استهل قصيدته بالدعاء بهطول المطر على دار محبوبته وقت حلول نوء نجم الثريا:

يا دار ميّة بالخلصاء فالجردِ               سُقيا وإن هِجتِ لأدنى الشوق للكمدِ

مُجلجل الرعد عرّاصا إذا إرتجست     نوءُ الثريا أو جبهة الأسدِ

وقوله في موقع آخر:

أمنزِلَتَي مَيَّ سلامٌ عليكما              على النأي والنائي يودّ وينصحُ

ولا زال من نوء السِماك عليكما      ونوء الثريا وابلٌ متبطحُ

 وأما فصل الصيف اللّهاب فيتوافق معه ظهور نجم (الشعرى اليمانية) ويكفي للاستشهاد بالعلاقة بينهما ذكر بيت الشعر الساخن الذي وصف فيه الشاعر الجاهلي الشنفرى كيف أنه في أحد أيام الحر الشديد وقت ظهور نجم الشعرى تتقلب الأفاعي على الرمضاء وتتململ:

ويومٍ من الشّعرى يذوب لُوابُهُ        أفاعية في رمضائه تتململُ

 وفي المقابل فإن ضهور نجم (سهيل) يكون متوافق مع نهاية فصل الصيف وبداية انكسار حدة الحر والقيظ ومن هنا وظّف أحد الشعراء خيبة الأمل وحظه العاثر حتى مع الطقس:

جاء سهيلٌ بالحرور والفزع        قد كنت أرجو نفعه فما نفع

 وبمناسبة ذكر أشعار العرب الأثرية الغابرة والمرتبطة بالطقس والفلك أليس من الغريب أن موروثنا الأدبي والحضاري العتيق نعلم عنه أدق تفاصيله بينما موروثنا الشعبي القريب أشبه بالأساطير التي لا نعرف كيف ظهرت. وبالرغم من مئات الدواوين الشعرية المخطوطة وآلاف الكتب الأدبية التراثية المطبوعة إلا أنه في القرون الزمنية الأخيرة (عصور الانحطاط) دار الزمان دورته ورجعت أشعار العرب وأخبارهم تتداول بالمشافهة وليس بالتدوين والكتابة. قد لا نعلم كيف وأين ومتى ظهر مصطلح (المربعانية) لأن الأجيال التي سبقتنا انتشر فيها الجهل والأمية ولهذا لم يوثقوا لنا ما الأبعاد الحقيقة لحكايا الشتاء المبهمة مثل برد العجوز وبياع الخبل عباته أو كيف أن للعقارب سم ودم ودسم. المخجل حقا أنه بعد أن كان يجمع أشعار العرب كبار أهل اللغة من أهلها من مثل المفضل الضبي والأصمعي وأبي زيد القرشي وصل بنا الحال أنه قبل قرنين من الزمن لم يحفظ الشعر النبطي القديم من الضياع إلا بعض المستشرقين. لفهم ودراسة كيف ظهر فلكلور الشعر النبطي يمكن أن نستفيد من جهود المستشرق الألماني ألبريت سوسين الذي كان أول من جمع ديوان الشعر النبطي وكذلك الرحالة والمستشرق الفرنسي شارل هوبر الذي أكمل مسيرة سوسين وجمع في منتصف القرن التاسع عشر ثلاث دواوين للشعر النبطي. بينما بسبب انعدام التوثيق للموروث الشعبي المتعلق بالظواهر المناخية ليس لنا إلا الخيال لمحاولة تفسير فلكلور موسم المربعانية.


ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق