الأربعاء، 27 يناير 2021

( دور الأطفال في تاريخ الطب )


 كيف تحول إهتمام الطب من تطعيم الأطفال إلى تطعيم العجائز

د/ أحمد بن حامد الغامدي

 في تاريخ العلوم يعتبر القرن التاسع عشر هو الفترة الحاسمة في مرحلة ظهور العلوم الحديثة وهذا يشمل بشكل أوضح انبثاق (عصر الطب الحديث). أبرز ما تطور في مجال الطب الحديث هو ظهور لقاحات وتطعيمات الأمراض وكذلك أدوية الأمراض المعدية ولاحقا المضادات الحيوية. في مرحلة بدايات و (طفولة) عصر الطب الحديث حصل توافق فريد بين نمو وتطور العلم الطبي الجديد والوليد وبين ظهور الأطفال في العديد من القصص والأحداث واللوحات الفنية والصور الفوتوغرافية التي توثق لتلك المرحلة من تاريخ الطب. طبعا دور الأطفال في تقدم الطب نتج من خلال تأديتهم لدور المريض الذي يتلقى العلاج ولهذا يستحقون تسليط الأضواء الكاشفة على ما قاموا به في هذا المجال أسوة بما قمنا به قبل عدة أشهر من نشر مقال (دور المريض العربي في علاج البشرية) والذي ربطنا فيه بين واقعنا المريض وبين اكتشاف مسببات أمراض خطيرة مثل الكوليرا والملاريا والتيفوئيد والتي حصل مكتشفوها من العلماء على جائزة نوبل في الطب.

المفارقة تكمن أنه في الأسابيع الماضي وفي أغلب بقاع العالم وبينما كانت كاميرات البث وفلاشات التصوير توثق الحدث التاريخي المميز بلحظة إعطاء التطعيم الجديد لوباء الكورونا كانت الأنظار مركزة على العجائز وكبار السن الذين حقنوا باللقاح. بينما سابقاً نجد في أغلب اللحظات التاريخية المفصلية لتطور علم الطب كان (الأطفال) هم من أسند لهم دور البطولة وحصلوا على الشهرة وفلاشات التصوير ولوحات التوثيق. في حين تابع مئات الملايين من البشر بترقب وحماس (اللقطة التلفزيونية) لتطيعم الجدة البريطانية مارغريت كينان بلقاح شركة فايزر المضاد لفيروس كورونا، نجد أن أول عملية تطعيم في التاريخ تمت ربما بدون أي جمهور أو شهود على الإطلاق. ومن المفارقات إن أول تطعيم لفيروس الكورونا كان للعجوز مارغريت البالغة من العمر 90 عاما نجد أنه قبل ذلك بحوالي قرنين من الزمن كان التطعيم الأول في التاريخ والذي قام به الطبيب الإنجليزي المشهور إدوارد جينر كان لطفل صغير يبلغ من العمر ثماني سنوات فقط. ذلك الطفل الذي يحمل اسم جيمس فيبس كان ولد البستاني الذي عمل في حديقة الدكتور جينر ونظرا لشهرة هذه الحادثة الطبية المفصلية في تاريخ العلم تم تخليدها بعدة لوحات فنية رسمت في أزمان مختلفة أشهرها تلك التي نفذها الرسام الإنجليزي إرنست بورد في مطلع القرن العشرين. هذا الطفل الذي ساهم في القضاء على مرض الجدري المخيف عاش لفترة طويلة في كنف الطبيب إدورد جينر لدرجة أنه عندما توفي الطبيب أوصى لذلك الولد (الشاب في حينها) أن يرث كوخ وبيت صغير كان له والجدير بالذكر إن كلا من الطبيب إدورد جينر وجيمس فيبس دفنا في نفس المقبرة في مدينة بيركلي البريطانية.

طفل آخر أرتبط لفترة طويلة من عمره مع أحد عمالقة الطب والعلوم وهذا ما نجده في قصة العالم الفرنسي الشهير لويس باستور والطفل المريض جوزيف مايستر. كما هو معلوم كان لويس باستور أول شخص يستطيع إنتاج اللقاحات الطبية والتطعيمات المناعية في المختبر لأمراض شنيعة مثل الكوليرا والجمرة الخبيثة. المهم في سردنا التاريخي هو ما توصل له باستور في عام 1886م من اكتشاف تطعيم مناعي فعال ضد مرض السعار (سعار الكلب rabies). في هذه الأثناء تعرض الطفل جوزيف البالغ من العمر تسع سنوات للعض من قبل كلب مسعور ولقد كان الموت محققا لهذا الطفل لولا رعاية الله الذي سخر له وجود باستور ليحقنه باللقاح في الوقت المناسب. وكما حصل مع الطفل جيمس فيبس الذي ارتبطت حياته مع الطبيب جينر نجد كذلك فإن الطفل جوزيف استمرت علاقته مع باستور وبعد أن بلغ وأصبح رجلا كان يعمل حارساً في بوابة معهد باستور الطبي بمدينة باريس. وكما تم تخليد قصة الطفل جيمس ببعض اللوحات الفنية التخيلية حصل نفس الأمر مع الطفل جوزيف والذي ظهر في عدد كبير من الرسومات والأعمال الفنية التي توثق لحظة حقن الطفل جوزيف كأول شخص يعالج بالتطعيمات المناعية المحضرة في المختبر.

كل الأحداث السابقة المتعلقة بقصص التطعيم (والقصص التالية المرتبطة باستخدام الأدوية والمضادات الحيوية) لم يتم توثيقها في نفس لحظة وقوعها حيث لم يكن قد شاع بعد استخدام الصور الفوتوغرافية في ذلك الوقت. بينما الحدث الإعلامي والطبي المشترك والبالغ الأهمية الذي حصل في شهر مارس من عام 1953م عندما تم لأول مرة تجربة اللقاح الجديد ضد مرض شلل الأطفال وذلك عندما تم تطعيم الطفل ذي التسع سنوات بيتر سولك واثنين من إخوته الصغار أمام كاميرات الصحافة ووسائل الإعلام التلفزيونية. بقي أن نقول إن من قام بعملية التطعيم هو والد أولئك الأطفال الثالثة وهو الطبيب الأمريكي جوناس سولك الذي طور لقاح شلل الأطفال وبحكم أن التجارب الأولية لهذا اللقاح لم تكن ناجحة تماما لهذا حاول سولك بث روح الطمأنينة لدى الآباء والأمهات بتجريب الأولي للتطعيم الجديد على أطفاله الثلاثة.

 طفولة طب .. من وخزة اللقاح إلى جرعة الدواء

كما كان للأطفال الدور الجوهري في أخذ أوائل اللقاحات الطبية المكتشفة حديثا كان لهم مشاركة تاريخية في تجربة الأدوية الجديدة قبل المرضى الكبار. ولنبدأ القصة بذكر الطبيب الألماني إميل بهرنج والذي يعتبر أول شخص في التاريخ يحصل على جائزة نوبل في الطب عام 1901م نظير اكتشافه لعلاج لمرض الدفتيريا المميت. الجدير بالذكر أن الدكتور بهرنج أشتهر بلقب (منقذ الأطفال) بسبب أن مرض الدفتيريا كان يحصد أرواح عشرات الآلاف من الأطفال سنويا. قبل فترة قصيرة من الآن عندما تلقت العجوز الإنجليزية مارغيرت كينان السابقة الذكر لقاح مرض فيروس الكورونا علقت لوسائل الإعلام بقولها (إنها أفضل هدية عيد ميلاد مبكرة يمكن أن أتمنى الحصول عليها) وفي الواقع حدث مشابه إلى حدا ما حصل قبل حوالي 130 سنة. تقول القصة إنه في ليلة عيد الميلاد Christmas Eve من عام 1891م كانت طفلة صغيرة تصارع مرض الدفتيريا القاتل في مستشفى مدينة ماربورغ الألمانية وهنا قام ولأول مرة في التاريخ الدكتور بهرنج باستخدام الطريقة الطبية الجديدة المتمثلة باستخدام المصل والعلاج المضاد antitoxin  لمثل هذا النوع من الأمراض المعدية. بلا شك لو صحت هذه القصة لتلك الفتاة فربما كانت تلك بالفعل أهم وأثمن هدية يمكن أن يحصل عليها أي مريض مسيحي في عيد الميلاد.

وعلى نفس النسق بين المزاوجة بين الماضي والحاضر والتنقل بينهما فكما نجد أن الطبيب الأمريكي جوناس سولك يستخدم لأول مرة في التاريخ لقاح شلل الأطفال في تطعيم أبنه البكر بيتر فكذلك نجد أن العالم والطبيب الألماني غرهارد دوماك الحاصل على جائزة نوبل لعام 1939م ومكتشف أدوية السالفا قام بتجربتها لأول مرة على طفلته هايدغارد المريضة بتسمم الدم. في عام 1932م تعرضت تلك الطفلة الصغيرة ذات الست سنوات لحادث بسيط ومع ذلك كاد أن يقضي على حياتها حيث تعرضت إحدى أصابعها لوخز إبرة ملوثة مما عرضها للتسمم البكتيري. وحيث أن دوماك كان قد أنهى اختباراته الأولية على حيوانات المعامل وثبت له فعالية عقار البرونتوزيل كأول أنواع المضادات الحيوية في تاريخ الطب ولهذا لم يتردد دوماك أن يجربه على ابنته المريضة كمحاولة لأنقاض حياتها من الموت المحتوم. وعلى ذكر (المضادات الحيوية) فلا شك أن أشهرها على الإطلاق هو دواء البنسلين وكذلك يذكر في كتب تاريخ العلم أن أول من تم علاجه البنسلين هو رجل شرطة بريطاني يدعى ألبرت الكسندر تتشابه قصته مع ابنة دوماك من أنه هو الآخر تعرض لتسمم بكتيري قاتل بسبب تعرض وجه لخدش بشوكة وردة !!. قصة هذا الشرطي المسكين حصلت في مستشفى مدينة أكسفورد وذلك في عام 1940م بينما الدراسات التاريخية الأكثر دقة تقول إن الاستخدام الأول لعقار البنسلين من المحتمل أنه تم قبل ذلك بعشر سنوات كاملة في مستشفى مدينة شيفيلد الإنجليزية عندما قام الطبيب سيسل بين (أحد تلاميذ أسطورة الطب ألكسندر فلمنج مكتشف البنسلين) بمعالجة ثلاثة من الأطفال الرضع بعقار البنسلين وذلك ضد مرض بكتيري خطير يصب أعين الأطفال حديثي الولادة.

 في الوقت الحالي الخطورة الصحية من الوباء الأخير للفيروس يتعرض لها أكثر كبار السن ولهذا كان الاهتمام بهم أوضح والأولوية لهم في العلاج والتطعيم مبرره ومقدرة. ومع ذلك علاج ورعاية الأطباء للأطفال والصغار لها رمزيتها في الوعي الجمعي للبشرية لأنها عناية وحماية لرصيد المستقبل الإنساني. ولهذا لا غرابة أن نجدد العديد من القصص والأخبار لمشاهير الأطباء في كل العصور وارتباطهم من الأطفال وعلاجهم وتشخيص لأمراضهم. ومن ذلك أيضا تخليد وتوثيق علاقة الأطباء بالأطفال في العديد من اللوحات الفنية فبالإضافة لما سبق ذكره عن لويس باستور وإدوارد جينر نجد كذلك لوحات ورسومات فنية مشهورة لأبي الطب أبقراط وهو يشخص ويفحص كبد طفل عاري الصدر. بينما في تاريخنا العربي والإسلامي انتشرت رسمه فنية نشاهد فيها ما يزعم أنه الطبيب العربي الكبير ابن سينا وهو يشخص مرض طفل ثري من خلال تفحص إحدى عينية في حين لوحة فنية أخرى تنسب للطبيب الكبير الرازي وهو ينظر في حلق طفل جالس أمامه في غرفة مليئة بالأدوات الكيميائية والتجهيزات الصيدلانية.


ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق