د. أحمد بن حامد الغامدي
السبت 1447/8/5 الموافق 24 يناير
منذ عدة سنوات اشتريت كتاب السيرة الذاتية (الأيام) لطه حسين وبالرغم من أهمية وشهرة ذلك الكتاب إلا أنني تكاسلت عن قراءته ربما لطول الكتاب فهو في الأصل نشر في ثلاثة أجزاء وعدد صفحاته يتخطى الخمسمائة صفحة وأنا بالجملة لا أفضل قراءة الكتب المطولة. ثم فجاءة قبل حوالي أسبوعين تحمست كثيرا لقراءة تلك السيرة الذاتية الشيقة والملهمة وبدون تخطيط مسبق انتهيت من قراءتها يوم أمس الجمعة. كما هو معلوم أعطى طه حسين في الجزء الأول من ذلك الكتاب توصيفا وتصويرا بالغ السوء والسوداوية عن نظم الدراسة قديما في الكتاتيب في القرى المصرية في مطلع القرن العشرين كما سوّد صفحات عديدة في تشويه شخصية محفظ القرآن ومعلم الطلاب في الكُتاب حتى وإن كان يسميه (سيدنا).
من المصادفات التوافق غير المقصود بين انتهائي من قراءة كتاب الأيام لطه حسين يوم أمس في حين أن اليوم السبت 24 يناير يتزامن مع اليوم العالم للتعليم وهو الحدث السنوي المعرفي والتربوي البارز والذي حمل قبل عدة سنوات شعار (تغيير المسار، إحداث تحول في التعليم). وفي منظور أننا في زخم عصر الذكاء الاصطناعي وبحكم أنه من المتوقع أنه هذه التقنية المذهلة سوف (تغير المسار) في طرق التدريس لهذا سوف تثمر في نهاية المطاف تحقيق شعار اليوم العالمي للتعلمي سالف الذكر (إحداث تحول في التعليم). ولكن من العجائب ونحن في زمن الذكاء الاصطناعي والتعليم عن بعد وتوظيف التقنية الرقمية في التربية والتعليم أن نجد أن الأساليب التقليدية في التعليم مثل الكتاتيب والكتابة بالطباشير على السبورة يمكن أن يكون لها نوع إسهام في التعليم المعاصر.
وهذا يقودنا للربط بين نظام الكتاتيب التي ضجّ وسخط منها طه حسين قبل قرن من الزمن وبين التوجه الرسمي للحكومة المصرية قبل عدة أشهر فقط للدعوة للعودة إلى إحياء عصر الكتاتيب في القرى والمحافظات والأقاليم المصرية فقد أعلن رئيس الوزراء المصري مصطفى مدبولي عن توجهات رئاسية بدراسة إمكانية عودة الكتاتيب في القطر المصري. ونظرا للدور التاريخي والعريق لمنظومة الكتاتيب في تعليم مبادئ الكتابة والقراءة وتحفيظ القرآن الكريم لهذا يتوقع في حالة تم الاعتماد النهائي لهذا المبادرة أن تساهم بشكل أو آخر في كونها رافدا للتعليم النظامي حتى وإن نفذت هذه المبادرة من قبل وزارة الأوقاف. وما أود الوصول إليه أنه حتى وإن كنا في زمن التعليم الرقمي وعصر الذكاء الاصطناعي فإن هذا لا يعني أن أساليب ووسائل التعليم يجب دائما أن تكون متقدمة وعلى أعلى طراز ومثال من التقدم فحتى الأساليب التقليدية العتيقة يمكن إعادة توظيفها وتفعيلها.
وكما بادرت الحكومة المصرية على لسان رئيس الوزراء بالإعلان عن العودة لاستخدام منظومة الكتاتيب نجد قبل ذلك بسنة قيام رئيس وزراء الحكومة النرويجية الإعلان عن العودة لأساليب التدريس التقليدية باستخدام الكتب الورقية ومحاولة تقليل الاعتماد على الرقمنة والتعليم الإلكتروني في المدارس النرويجية. وهذه ليست ( ردة ) وانتكاسة في التعليم، ولكنها شجاعة علمية ومكاشفة إدارية ونظامية أن بعض تقنيات ووسائل التعليم فائقة التطور مثل التعليم الرقمي توجد بها بعض المشاكل الجوهرية التي قد تتطلب التراجع الجزئي عنها.
أساليب التعليم العتيقة .. قديمك نديمك
وفي الواقع توجه وزارة التعليم النرويجية استخدام الكتب الورقية المطبوعة في عملية التدريس تعني ولا بد بأن العملية التدريسية تتطلب كذلك قيام الطلاب باستخدام الكتابة بالأقلام على الدفاتر وعلى لوح السبورة سواء كانت سبورة ذكية أو سبورة تقليدية. وهذا يقودنا للتنبيه إلى أن من المصادفات كذلك أن اليوم السبت 24 يناير وإن كان هو (اليوم العالمي للتعليم) المتطور والحديث فإن يوم أمس الجمعة 23 يناير كان يوافق (اليوم العالمي للكتابة بخط اليد) والذي له أهداف متعددة. وما يهمنا هنا في سياق اليوم العالمي للتعليم أن العودة للأصول والتقاليد الموروثة في الكتابة باليد بدل استخدام الأطفال للكتابة على لوحة المفاتيح أن هذا من شأنه أن يعزز عند الطلاب مهارات الذاكرة والتفكير وتنشيط الدماغ وتحسين التهجئة وهذه مكاسب تعليمية على درجة عالية من الأهمية. ومن المفاهيم التعليمية والتربوية التي تم التشنيع عليها في فترة ما ثم عادت للظهور والقبول النسبي لها مفهوم التعليم بالتلقين والحفظ فإذا تم إعادة إحياء تقاليد التدريس في الكتاتيب فلماذا لا يعاد السماح بشيء من أسلوب التعليم بالتلقين والحفظ في مدارسنا خصوصا في منظور أن الثقافة الإسلامية العريقة كانت تعتمد في جوانبها الدينية والأدبية على عادة الحفظ وتلقين الطلاب النصوص وترديدها حتى يضبطوا حفظها واستحضارها. بل حتى في المجتمعات الغربية الحديثة وبالرغم من نفورهم من طريقة التلقين Indoctrination في التربية والتعليم إلا أن بعض المفكرين والتربويين في تلك الديار يقبل بدرجة ما من عملية التلقين خصوصا في مجال الأخلاق وتعريف الأطفال مبادئ العدل والصدق والأمانة والتعاطف وكذلك البعض منهم يقبل المستويات الأولية من التلقين للأطفال الصغار لغرس المعلومات المبدئية في التهجئة والحساب وما شابه ذلك.
بل الأعجب من ذلك أن الغالبية العظمى من نظريات التربية الحديثة وكذلك لوائح وأنظمة وزارات التعليم في أغلب بلدان العالم تمنع وتحظر استخدام العقاب الجسدي والضرب في العملية التربوية ومع ذلك نجد أن دولة متقدمة جدا في مستويات التعليم مثل سنغافورة ما زالت حتى الآن تسمح باستخدام الضرب بالعصا في المدارس وإن كانت تجعل ذلك مقصورا لمعاقبة التلاميذ الذكور دون الإناث. وحتى عام 2021م كانت كوريا الجنوبية تسمح بشكل من أشكال الضرب في المدارس وكذلك الحال في النظام التعليمي في جزيرة تايوان كان النظام حتى عام 2005م يسمح بقيام المعلمين بضرب الطلاب بهدف ضبط سلوكهم في المدارس، وهذه دول كما هو معلوم متقدمة دائما في الاختبارات الدولية لقياس جودة التعليم. وحتى اللحظة الحالية نجد أنه في 17 ولاية من ولايات أمريكا وخصوصا الولايات الجنوبية مثل تكساس وفلوريدا وفرجينيا وكارولاينا يعتبر الضرب والعقاب الجسدي مشروع وقانوني في المدارس الحكومية وعدد الولايات أكبر من ذلك لو تم رصد هذه لظاهرة في المدارس الأهلية.
من هذا وذاك نعلم أن مسيرة التربية والتعليم في العصور الحديثة لا تمضي في اتجاه واحد متصاعد إلى الأمام وإنما هي مسيرة متذبذبة يحصل ما بين فترة وأخرى العودة إلى الأساليب والمناهج التعلمية القديمة مثل التعليم بالتلقين والحفظ والتعليم الورقي التقليدي والتعليم الإلقائي المتمركز حول المعلم. وبمناسبة الحديث عن مركزية دور المعلم في المنظومة التعليمة وبالرغم من ظهور مفاهيم وتقنيات تعليمية حديثة تحاول تحجيم دور المعلم مثل أساليب التعليم التعاوني بين الطلاب أو طريقة الفصل الدراسي المقلوب أو تقنية التعليم الذاتي عن طريق الإنترنت والمنصات الرقمية أو المنهجية البسيطة المتمثلة في التعليم باللعب أو المنهجية المعقدة المسماة التعليم القائم على المشاريع إلا أن كل تلك التقنيات والأساليب التعليمية لم تستطع أن تزيح المعلم عن دوره المركزي حتى جاء زمان الذكاء الاصطناعي.
نحن الآن في قمة الثورة الصناعية الرابعة والبعض يستشرف ويتوقع قرب حلول الثورة الصناعية الخامسة وفي كل الحلات هذه الثورات الصناعية الحالية أو المستقبلية تعتمد بشكل محوري على (الذكاء الاصطناعي) وبالرغم من كل إمكانيات وإيجابيات ومميزات الذكاء الاصطناعي إلا أنه يثير القلق والتخوف والحذر. ومن أبسط وأوضح المشاكل المتعلقة بالذكاء الاصطناعي أنه من المحتمل أنه سوف يزيح شرائح واسعة من البشر من وظائفهم وأعمالهم والبعض يتنبأ بأن للذكاء الاصطناعي تأثيرا ودورا هائلا في المنظومة التعليمية في المستقبل وأنه ربما قد أقترب بالفعل زمن إزاحة المعلم عن دوره المحوري والمركزي في عملية التعليم. فمن خلال توظيف الذكاء الاصطناعي في التعليم الافتراضي والتعليم الذكي والتكيفي والتي من خلالها سوف يتم تعزيز مفهوم (التعليم الذاتي) وعليه بالتأكيد سوف تقل كثيرا الصلة والرابطة التراتبية بين الطالب والمعلم مما يؤدي في نهاية المطاف إلى تهميش دور المعلم وتعريض الطلاب لمخاطر الذكاء الاصطناعي المتمثلة في جانب منها في مشكلة ما يسمى (الهلوسة) وهي إعطاء الذكاء الاصطناعي لمعلومات وإرشادات وأحكام غير دقيقة وأحيانا خاطئة تماما وربما تكون ضارة.
وعليه أعتقد أنه بالفعل فيما يخص التربية والتعليم هي في الواقع (منظومة) تشمل أشياء وأدوات ومفاهيم وتقنيات مختلفة ومتعددة ويجب في جميع الحالات ألا يتم التركيز على جانب واحد من هذه الجوانب مثل ما حصل سابقا من تضخيم دور الكمبيوتر أو الإنترنت والآن الذكاء الاصطناعي. فإذا كنا بعد قرن من الزمن من تشويه طه حسين للكتاتيب ومعلمي الصبيان نجد أن تلك الحاضنة التربوية والتعليمة ما زالت يمكن أن تؤدي دورا إيجابيا في زمن الثورة الصناعية الرابعة وعصر الذكاء الاصطناعي وعليه ينبغي ألا نفرط بسهولة في كل المكتسبات والوسائل والتقنيات التربوية.

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق