الثلاثاء، 25 يوليو 2017

( النضال الفلسطيني وتعاطف الغرباء )

الشابة الامريكية راشيل كوري تضحي بنفسها في سبيل نصرة الفلسطينيين
 
 
د/ أحمد بن حامد الغامدي
 
على نسق الحديث القدسي فإن الناظر إلى أهل السياسة من الغربيين سوف يمقتهم رجالهم ونسائهم إلا بقايا من أهل القلوب الرقيقة المتعاطفة مع مأسي ومصائب الشعوب. الحضارة الغربية تشمل في طياتها أكثر صور التناقض والتضاد وخير من يمثلها في هذا الجانب المفكر والاقتصادي البريطاني البارز أدم سمث فهو من جانب منظر الرأسمالية المقيتة في كتابه الذائع الصيت (ثروة الأمم) بينما هو في المقابل يؤلف كتاب غاية في الانسانية سماه (نظرية العواطف الأخلاقية theory of moral sentiments) الذي ذكر فيه أن من أهم قواعد السلوك الانساني (التعاطف مع الآخرين). ومنذ أكثر من قرنين من الزمان وتأثير أدم سمث الاخلاقي المتسامح والمتفهم لمشاعر الاخرين متزايد في عالم السياسة والادب الغربي لدرجة انه ظهر تيار أدبي ُسمي الاسلوب العاطفي sentimental mode يحرص على التركيز على إظهار المشاعر الاخلاقية المتعاطفة مع الأفراد وقضايا الآخرين. 
ولعل الكاتب والروائي الامريكي المشهور إرنست همنغواي الحائز على جائزة نوبل في الادب عام 1954 (صاحب رواية الشيخ والبحر الذائعة الصيت) هو خير مثال لهذا الاتجاه الادبي ذو المشاعر الانسانية المرهفة. ما يهمنا من الاعمال الروائية لهمنغواي في سياق التعاطف مع القضية الفلسطينية هو روايته الخالدة (لمن تقرع الأجراس) والتي تدور عن شاب أمريكي مغامر (يتعاطف) مع الثوار الاسبان الجمهوريين الذين يقاومون الحكم الاستبدادي للطاغية الاسباني فرانسيسكو فرانكو اثناء الحرب الاهلية الاسبانية. تعاطف الشاب روبرت وتبنيه للقضية العادلة للثوار الاسبان دفعه للتطوع في محاولة تفجير أحد الجسور وهي مهمة شبة انتحارية ومن المحتمل أنه لن ينجو بحياته عند تنفيذها.
وبحكم أن القضية الفلسطينية هي (عنوان القضية العادلة) لذا نجد على أرض الواقع وليس في عالم الخيال العديد من شرفاء العالم من جميع الجنسيات والاديان يتقاطرون زرافاتٍ ووحدانا إلى أرض المحشر ارض فلسطين لنصرة القضية الفلسطينية وكفاح شعبها المناضل. للأسف الشديد وفي العديد من الاقطار العربية نشهد خلال السنوات الماضية تراجع مريع ومتزايد في حماسة الاهتمام و (التعاطف) مع القضية الفلسطينية على المستوى الرسمي وحتى الشعبي والأيام القادمة حبالى يلدن كل عجيبة ويجملن كل خطيئة. ولهذا لعله من الملائم التذكير بأخبار ومواقف العديد من شرفاء العالم من غير المسلمين والعرب الذين ناصروا القضية الفلسطينية وضحوا في سبيل نصرة أهلها بالنفس والنفيس. في الثقافة الغربية (تقرع الاجراس) لأسباب متنوعة من ضمنها أنها أسلوب للتكريم والتقدير للشخص المتوفى ولهذا وبالأذن من همنغواي فإن الجواب على تساؤل: لمن تقرع الاجراس وترفع القبعات وتدوي طلقات المدافع ؟؟ نقول أن هذه الأمور تتم لتكريم (الغرباء) الذين وفدوا على أرض فلسطين للدفاع عن قضيتها العادلة بعد ان تخلى بعض أهل القربى والجيرة من العرب والمسلمين عن قضية الاسلام الاولى.
وكما تطوع الشاب الامريكي روبرت جوردون في رواية لمن تقرع الاجراس في دعم قضية الثوار الاسبان وعرض حياته للخطر وكذلك شارك الشاب الامريكي فردريك هنري في رواية إرنست همنغواي الأكثر شهرة (وداعاً للسلاح)  في الدفاع عن المدن الايطالية ضد الغزو النمساوي لدرجة اصابته بجروح خطيرة نتيجة قذيفة هاون نجد على أرض الواقع شباب من شعوب غير عربية ولا إسلامية يضحون بأنفسهم لنصرة أهل الحق والنضال في فلسطين. وهذا حال ومئال الشابة الامريكية الفاتنة راشيل كوري عضو حركة التضامن العالمية من أجل الشعوب التي ضحت بنفسها على تراب فلسطين عام 2003م عند وقوفها أمام جرافة عسكرية اسرائيلية كمحاوله منها لمنع تخريب مزارع وهدم منازل الاسر الفلسطينية في مدينة رفح بقطاع غزة. وبعد تلك الحادثة المفجعة لقي المراسل الصحفي والناشط السياسي الايطالي فيتوريو أوريغوني مصرعه هو الاخر في سبيل القضية الفلسطينية التي تبناها وناضل عنها لدرجة أنه انتقل للعيش لمدينة غزة منذ عام 2008م تاركا عائلته ووالده المصاب بالسرطان. ونتيجة لعمله مع حركة التضامن العالمية الداعمة للفلسطينيين لذا شاركهم معاناتهم أثناء الحرب الغاشمة على قطاع غزة عام 2009م وقام بنشر كتاب عن تجربته أثناء حرب غزة ثم قُتل بعد ذلك في ظروف غامضة وبهذا يكون هو ثالث متضامن أجنبي يقتل في سبيل دعم القضية الفلسطينية في قطاع غزة.
مناضل سياسي إيطالي آخر عاش بين الفلسطينيين ودفن بعد مماته بينهم هو فرانكو فونتانا الذي عرف باسم الرفيق جوزيف إبراهيم والذي شارك منذ عام 1969م في العمليات الفدائية الفلسطينية من  خلال مشاركته في الجناح العسكري للجبهة الديمقراطية لتحرير فلسطين وذلك بعد أن باع كل أملاك والده وتبرع بها للمخيمات الفلسطينية. يقال أنه أعتنق الاسلام خلال قتاله مع حركة فتح وعندما توفي عام 2015م أوصى أن يدفن في فلسطين أو في إحدى المخيمات الفلسطينية ونُفذت وصيته عندما تم تأمين دفنه في مقبرة الشهداء بمخيم عين الحلوة الفلسطيني في لبنان.
وفي هذا المقام لا يصح لنا ان نغفل ذكر المحامية (الاسرائيلية) فيليتسيا لانغر اليهودية والألمانية الأصل التي دافعت لعقود طويلة من الزمن عن الاف الاسرى الفلسطينيين حيث كانت تجوب مختلف أنحاء الكيان الصهيوني لزيارة المعتقلين الفلسطينيين والدفاع عن حقوقهم الانسانية. وبسبب نضالها (الغريب) مع القضايا العربية بالرغم من جنسيتها الاسرائيلية اتهمت بالخيانة من قبل اليهود وتعرضت للمضايقة والاعتداء خصوصا بعد إصدارها لكتابها الذي بعنوان (بأم عيني) والذي فضحت فيه معاناة الاسرى الفلسطينيين كما انها نشرت تقارير صحفية في كبرى الصحف الدولية ضد التعسف الصهيوني. ولا زالت ذاكرة الطفولة تحمل بقايا الالم والمعاناة عن المسلسل العربي الذي حمل عنوان (بأم عيني) وقامت فيه الممثلة السورية منى واصف بتمثيل دور هذه المحامية اليهودية حيث عرض المسلسل بالصوت والصورة القصص الواقعية لتعذيب الفلسطينيين المنكوبين في ظلام السجن المخيم كما تقول شارة بداية المسلسل الكئيب. 
والقائمة سوف تطول بنا وتتشعب لو سردنا تفاصيل العشرات والعشرات من المناضلين الغربيين الذين اعتنقوا القضية الفلسطينية وارتبط تاريخهم ومستقبل حياتهم بها من مثل السيدة الدنماركية آني هوفر التي زارت في شبابها المخيمات الفلسطينية ومن ثم تزوجت الأديب والمناضل الفلسطيني المعروف غسان كنفاني وكذلك الشاعر الاسكتلندي هنري بيل الذي اشترك مع مجموعة من الشعراء الاسكتلنديين في الذهاب إلى بيت الشعر في فلسطين والتعاون مع عدد من الشعراء الفلسطينيين في انتاج أعمال شعرية. تجدر الاشارة إلى أن كثير من الكتاب الغربين اشتهروا بسبب مؤلفاتهم الداعمة للقضايا الفلسطينية مثل الاكاديمية وعالمة الاثار البريطانية سارة إيرفين صاحبة كتاب (ليلى خالد .. أيقونة التحرير الفلسطيني) ومن كثرة ترددها على فلسطين ألفت كتاب دليل فلسطين وأيضا المناضلة شارين لووك صاحبة كتاب (غزة تحت القصف) والتي كسرت الحصار البحري حول قطاع غزة ووصلت مع أول سفينة مساعدات لها عام 2008م ثم عاشت تجربة القصف العنيف والغاشم لقطاع غزة عام 2009 ميلادي.
 
العنف الثوري والقضية الفلسطينية
منذ منتصف الثمانينات وحتى الان اتسم النضال الفلسطيني بروح المرجعية الجهادية الاسلامية الواضحة أما قبل ذلك فكان الغالب على الحركات والمنظمات النضالية الفلسطينية صبغتها القومية والاشتراكية الطاغية. منذ مطلع السبعينيات الميلادية كان للجبهة الشعبية لتحرير فلسطين بصمتها وأثرها الواضح في طبيعة النضال الفلسطيني من خلال ما سمي بالتنظيم أو العمل الخارجي والذي كان يحمل شعار (وراء العدو في كل مكان). وكان من أبرز الانشطة في هذا المجال قيام المناضلين الفلسطينيين وديع حداد وغسان كنفاني بفتح قنوات اتصال مع الجماعات والمنظمات الثورية الشيوعية الدولية من مثل الجيش الاحمر الياباني حيث دعي بعض أفراده للتدريب في معسكرات الجبهة الشعبية في لبنان. وهنا نصل في سردنا التاريخي للحظات العجيبة في نصرة القضية الفلسطينية بواسطة الشيوعيين الحمر من ملاحدة اليابان والالمان. من الغرباء الذين تعاطفوا مع حركة النضال الفلسطيني الشاب كوزو أوكاموتو الملقب بأحمد الياباني عضو الجيش الأحمر الياباني الذي قام في 30 مايو من عام 1972م مع اثنين آخرين من أبناء بلده باقتحام مطار اللد الاسرائيلي (مطار بن غوريون حاليا وأكبر مطار دولي في الكيان الصهيون) في عملية انتحارية قاموا خلالها بإطلاق النار على المتواجدين في صالات المطار. مما تسبب في مقتل 26 شخص وإصابة حوالي 80 آخرين وكذلك مقتل اثنين من المهاجمين اليابانيين فيما تم اعتقال كوزو أوكاموتو الذي حكم عليه بالسجن المؤبد وإن كان أطلق سراحه لاحقا في صفقة تبادل أسرى. الجدير بالذكر أن أعضاء الجيش الاحمر الياباني الناشطين في النضال الفلسطيني قد يصل عددهم إلى حوالي أربعين عنصر من أشهرهم بالإضافة لأحمد الياباني السيدة فوساكو شيغونوبو الملقبه (مي اليابانية) التي أقامت لفترة طويلة (27 سنة) في لبنان بعد وصولها عام 1971م لكي تنظم كمتطوعة للجبهة الشعبية لتحرير فلسطين.
بلا شك النضال الفلسطيني الاصلي والمستجلب مشروع على جميع ثرى ارض فلسطين ومع ذلك كانت فترة السبعينات فترة زمنية عصيبة ومثيرة للجدل في مسيرة النضال الفلسطيني حيث وصمت دوليا بالإرهاب والعنف والتطرف. السبب في ذلك الصبغة اليسارية والشيوعية في طبيعة النضال الفلسطيني في تلك الفترة حيث نشأت فكرة مشتركة بين الحركات الثورية الشيوعية في مختلف البلدان فحواها أنها لو اشتركت جميعا في مسعى التضامن الثوري اليساري الدولي فهذا من شأنه أن يؤدي في نهاية المطاف إلى اندلاع ثورة اشتراكية عالمية. ومن هنا نفهم لماذا انخرطت حركة الجيش الحمر الياباني في مسيرة النضال الفلسطيني وبنفس الدافع قامت منظمة (بادر ماينهوف) اليسارية التابعة لحركة الجيش الاحمر الألماني بدعم القضية الفلسطينية واعتبارها قضية تحرير عالمية. وكثمرة للتعاون والتدريب المشترك بين منظمة بادر ماينهوف والجبهة الشعبية لتحرير فلسطين قام عناصر من أفراد بادر ماينهوف عام 1977م باختطاف طائرة ألمانية تابعة لشركة لوفتهانزا وطالبوا بتحرير اسرى فلسطينيين من السجون الاسرائيلية. وعلى نفس النسق نفهم سر التعاطف الكبير للقضية الفلسطينية في العديد من الدول اليسارية في أمريكا اللاتينية ومن اشهر من يمثل ارتباط شعوب أمريكا الجنوبية بقضية النضال الفلسطيني شخصية المواطن الفنزويلي (كارلوس الثعلب) الذي اشتهر عالميا عندما قام في عام 1975م بعملية احتجاز أحد عشر وزير نفط لبلدان منظمة أوبك اثناء اجتماعهم في مدينة فيينا وقد كان من ضمنهم وزير النفط السعودي احمد زكي يماني. يقال أن بداية ارتباط كارلوس بالقضية الفلسطينية عندما تعرف على شاب ثوري جزائري كان يتواجد في موسكو ومن ثم انظم كارلوس إلى الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين قسم العمليات الخارجية حيث تدرب على يد جورج حبش ووديع حداد في ضواحي مدينة عمان الاردنية وفي معسكرات لبنان. وخلال سنوات طويلة قام كارلوس بتنفيذ عمليات اغتيال لشخصيات صهيونية أو عمليات تفجير سيارات مفخخة امام صحف فرنسية موالية لإسرائيل وكذلك نفذ محاولة تفجير طائرة تابعة للخطوط الجوية الاسرائيلية كانت تربض في إحدى المطارات الفرنسية.
 
 
 وختاما وبالرغم من كل الملابسات السياسية والفكرية والحركية التي طالت النضال الفلسطيني اثناء سنوات الجهاد والكفاح الطويلة إلا أن عدالة القضية الفلسطينية فوق كل شبه وهي جديرة بكل تعاطف من كل شرفاء العالم. وفي مثل هذه الاوقات العصيبة لا عذر مقبول من الناحية الشرعية أو من ناحية النخوة والشرف العربي لفض اليد عن أخوتنا في الدين والعقيدة والنضال في أرض فلسطين السليبة وكم هو معيب في حقنا أن نخذلهم في حين أن (الغريب) يقتل ويعاني في سبيل نصرتهم ونجدتهم. 


الأحد، 18 يونيو 2017

( دور الشعر في فض الاشتباك السياسي )

إلاما الخُلفُ بينكمُ إلاما         وهذه الضجة الكبرى علاما
 
د/ أحمد بن حامد الغامدي
للسياسة دهاليزها المظلمة وأدغالها الكثيفة ولذا في مثل هذه البيئة الموحشة لا مندوحة للسياسية من أن يكون لها مخالب وأنياب وأن تتسلح بأدوات الصدّ والردّ. ومن الذخيرة (الناعمة) التي في ترسانة رجال السياسية توظيف الأدب والادباء والشعر والشعراء  وبذا منذ أيام العرب الأولى تم توظيف (الشعر السياسي) بكثافة في خضم الصراع السياسي والنزاع الاجتماعي بين القبائل العربية المتناحرة دوما. إن المتتبع لمسيرة الشعر العربي في جميع العصور لابد أن يلحظ ظاهرة (شعر التحريض السياسي) ففي زمن الجاهلية يكفى الصدح ببيت واحد من الشعر لإشعال حرب طاحنة بين قبلتين من مثل أبيات الشاعرة الجاهلية سعاد بنت منقذ التي أذكت حرب البسوس بصرختها المشهورة:
لعمرك لو أصبحت في دار مُنقذٍ     لما ضِيم سعد وهو جار لأبياتي 
وفي العصرين الأموي والعباسي ونتيجة لكثرة الطوائف السياسية والفرق الدينية المتنافسة في النسيج العربي ظهرت التصنيفات والتوصيفات للشعراء بأن منهم  العلويون والزيديون والأمويون والزبيريون والخوارج والشعوبيون وغيرهم وأغلب هؤلاء تخصص بنظم شعر الحماسة والحرب وفي وصف المعارك والقتال وهجاء الاعداء والخصوم ورثاء الابطال والشهداء. وبالرغم من أن العديد من الشعراء والادباء والمفكرين في القديم والحديث انخرطوا في متاهات الشعر السياسي التحريضي والتصعيدي وكأنهم يستلهمون فحوى القصيدة السياسية للشاعر المصري المعروف أمل دنقل (لا تُصالح)، إلا إننا نجد في المقابل كوكبة من الشعراء الذين نظموا قصائد هي من عيون الشعر العربي تدعو للسلم و إصلاح ذات البين ونزع فتيل الخصام السياسي والاحتراب المذهبي.
في بداية القرن العشرين كان كلاً من مصر والسودان دولة واحد ة تعرف بأرض وادي النيل وإن كان كالتاهما تقع تحت الاحتلال الانجليزي وكعادة المحتل الاجنبي في بث الفرقة بين الشعوب الشقيقة حصلت في عام 1924 أزمة سياسية بين البلدين ابتدأت إرهاصاتها بمقتل الحاكم العام الأنجليزي للسودان في أحد شوارع القاهرة وما تلى ذلك من طرد الجيش المصري من السودان. وتدهورت الأمور بعد ذلك تباعاً لدرجة انقسام رجال السياسية في السودان إلى فريقان أحدهما يدعوا إلى الاستقلال عن مصر والانضمام إلى دول التاج البريطاني والآخر يرفع شعار الاستمرار مع مصر في  وحدة وادي النيل. وهنا ثارت عاصفة سياسية هوجاء بين زعماء الاحزاب السياسية وصحفها سواء في مصر أوالسودان ولهذا أنبرى الشاعر الحصيف والوطني المخلص أمير الشعراء أحمد شوقي لمحاولة رأب الصدع ولم الشمل وإصلاح ذات البين. ومن هنا نظم قصيدته الرائعة (شهيد الحق) والتي كانت مخصصة لذكرى رثاء الزعيم المصري مصطفى كامل باشا الذي مات قبل ذلك الحدث بفترة طويلة لكن بحكم شهرته في محاولة  إعادة الجامعة الاسلامية بين الشعوب الاسلامية كان من الملائم توظيف سيرته في التقريب بين زعماء السياسية في البلدين المتنافرين:
إلامَ الخُلفُ بَينَكُمُ إِلاما   وَهَذي الضَجَّةُ الكُبرى عَلاما
وَفيمَ يَكيدُ بَعضُكُمُ لِبَعضٍ   وَتُبدونَ العَداوَةَ وَالخِصاما
وَأَينَ الفَوزُ لا مِصرُ اِستَقَرَّت    عَلى حالٍ وَلا السودانُ داما
وَثِقتُم وَاِتَّهَمتُم في اللَيالي    فَلا ثِقَةً أَدَمنَ وَلا اِتِّهاما
شَبَبتُم بَينَكُم في القُطرِ ناراً    عَلى مُحتَلِّهِ كانَت سَلاما
تَرامَيتُم فَقالَ الناسُ قَومٌ    إِلى الخِذلانِ أَمرُهُمُ تَرامى
وَكانَت مِصرُ أَوَّلَ مَن أَصَبتُم    فَلَم تُحصِ الجِراحَ وَلا الكِلاما
إِذا كانَ الرِماةُ رِماةَ سوءٍ    أَحَلّوا غَيرَ مَرماها السِهاما

في تاريخ الحرب القصيدة الواحدة قد تشعل الحرب وقصيدة أخرى قد تطفئها بينما قصيدة ثالثة قد تتغنى وتبهج بحلول السلام والوئام بين رجالات السياسية المتخاصمين . في زمن إقامة المتنبي في مصر حصل نوع من المشاحنة والخصام  بين كافور الأخشيدي حاكم مصر وبين الأمير أبي القاسم نتيجة حادثة تافهة تتعلق باتصال بعض الاشخاص بأحد غلمان كافور حيث ارادوا أن يفسدوا الأمر على كافور ولهما احتموا بالأمير أبي القاسم طالبه بتسليمهم فجرت بينهما وحشة فترة من الزمن. ولما اصطلحا بعد ذلك نظم المتنبي قصيد جميلة يمدح فيها الصلح وما فيه ن حسم مادة الشقاق والتفرقة التي يسعى لبثها الأعداء وأن الحكمة في تدبر الأمور بفض الاشتباك والتنازع قد تثمر رفع العتاب وزيادة التأخي والوداد كما يقال (لا محبة إلا من بعد عداوة):
حَسَمَ الصّلْحُ ما اشتَهَتْهُ الأعادي
وَأذاعَتْهُ ألْسُنُ الحُسّادِ
وَأرَادَتْهُ أنْفُسٌ حَالَ تَدْبِيـ
ـرُكَ مَا بَيْنَهَا وَبَينَ المُرَادِ
صَارَ ما أوْضَعَ المُخِبّونَ فيهِ
مِن عِتابٍ زِيادَةً في الوِدادِ
وَكَلامُ الوُشَاةِ لَيسَ على الأحْـ
ـبَابِ، سُلطانُهُ على الأضْدادِ
إنّمَا تُنْجِحُ المَقَالَةُ في المَرْ
ءِ إذا وَافَقَتْ هَوىً في الفُؤادِ
إنّمَا أنْتَ وَالِدٌ وَالأبُ القَا
طعُ أحنى من وَاصِلِ الأوْلادِ
لا عَدا الشرُّ مَن بَغَى لكُما الشرّ
وَخَصّ الفَسَادُ أهلَ الفَسَادِ
أنتُمَا مَا اتّفَقْتُما الجِسْمُ وَالرّو
حُ فَلا احتَجتُما إلى العُوّادِ
 
الشعر الجاهلي وتمجيد السلام
شعر الفخر والحماسة من ابواب وفنون الشعر الطاغية في الشعر الجاهلي لما لشخصية العربي القديم من تعلق واهتمام متجذر بالفخر بالأنساب  والتغني بالأمجاد والاستعراض بفضائل الاجداد. ولذا تعددت القصائد والابيات الشعرية العربية القديمة التي يتفاخر فيها الشعراء بانتصارات قبائلهم وببطولات وتضحية فرسانهم. ومع ذلك وفي عز هذه البيئة الجاهلية الطاغية إلا أن فئام من كبار ورموز الشعر العربي كان لها اهتمام بقضايا السلام والوئام بين القبائل المتناحرة . ومن أشهر الحروب بين القبائل العربية القديمة تلك التي اشتعلت بين قبيلتي عبس وذبيان وهي حرب (داحس والغبراء) ولما دامت تلك الحرب حوالي أربعين سنة وتسببت في تورط قبائل أخرى مثل طيئ وهوازن ولهذا تنادى العقلاء من رجال العرب بضرورة انهاء هذه الحرب السخيفة وهنا سعى رجلين كريمين هما هرم بن سنان والحارث بن عوف للصلح بين القبيلتين وتحمل أعباء ديات القتلى. وبلا جدال يستحق هذان السيدان الكريمين المدح والثناء والذكر الحسن أبد الدهر  وهو ما تحقق في معلقة الشاعر الجاهلي زهير بن أبي سلمى حيث كان محورها الأساسي مدح السلم وصناع الحياة والاخاء والثناء على رجال السلام وإصلاح ذات البين الذين قصدهما زهير بأبياته المشهورة:
تَدارَكتُما عَبساً وَذُبيانَ بَعدَما
تَفانوا وَدَقّوا بَينَهُم عِطرَ مَنشِمِ
وَقَد قُلتُما إِن نُدرِكِ السِلمَ واسِعاً
بِمالٍ وَمَعروفٍ مِنَ الأَمرِ نَسلَمِ
فَأَصبَحتُما مِنها عَلى خَيرِ مَوطِنٍ
بَعيدَينِ فيها مِن عُقوقٍ وَمَأثَمِ
عَظيمَينِ في عُليا مَعَدٍّ وَغَيرِها
وَمَن يَستَبِح كَنزاً مِنَ المَجدِ يَعظُمِ
فَأَصبَحَ يَجري فيهُمُ مِن تِلادِكُم
مَغانِمُ شَتّى مِن إِفالِ المُزَنَّمِ
 
وكما هو معلوم في هذه المعلقة الشعرية الخالدة تلك الابيات الحكيمة في التحذير من الحرب والخصام والنزاع وأنها قد تبدأ بشحناء عادية لكن مع الاضرام في نار العداوة قد تؤدي إلى الهلاك المبين واليتم والبوار:
وَما الحَربُ إِلّا ما عَلِمتُم وَذُقتُمُ
وَما هُوَ عَنها بِالحَديثِ المُرَجَّمِ
مَتى تَبعَثوها تَبعَثوها ذَميمَةً
وَتَضرَ إِذا ضَرَّيتُموها فَتَضرَمِ
فَتَعرُكُّمُ عَركَ الرَحى بِثِفالِها
وَتَلقَح كِشافاً ثُمَّ تَحمِل فَتُتئِمِ
فَتُنتَج لَكُم غِلمانَ أَشأَمَ كُلُّهُم
كَأَحمَرِ عادٍ ثُمَّ تُرضِع فَتَفطِمِ
 
وكما استحق السيدان هرم بن سنان والحارث بن عوف تخليد ذكرهما الطيب في صفحات التاريخ لسعيهما في انهاء حرب داحس والغبراء فكذلك يستحق الثناء والمديح قيس بن شراحبيل الملقب بأبن مارية والذي ساهم بدورة في تثبيت الصلح بين قبيلتي بكر وتغلب التي أفنتهم حرب البسوس ولذا استحق أن يمدحه أحد شعراء المعلقات وهو الحارث بن حلزة الذي قال فيه:
فَهَلاَّ سَعَيْتَ لِصُلْحِ الصَّدِيقِ
كَسَعْيِ کبْنِ مَارِيَة َ الأَقْصَمِ
وقيسٌ تداركَ بَكرَ العراقِ
وتَغْلِبَ منْ شرِّها الأعظمِ
وَأصْلَحَ مَا أَفْسَدُوا بَيْنَهُمْ
وذلكَ فِعْلُ الفتى الأكرمِ
وَبَيْتُ شَرَاحِيلَ مِنْ وَائِلٍ
مَكَانَ الثُّرَيّا مِنَ الأَنْجُمِ
 
وختاما سبق لي وأن نشرت مقال بعنوان (الشعراء والثقافة السياسية) ناقشت فيه تميز بعض شعراء العربية الكبار بمعرفتهم السياسية المتوسعة وأحب هنا أن اضيف ميزة وفضيلة إضافية لبعض رموز الشعر السياسي العربي أنهم من دعاة السلام والوفاق بين الشعوب العربية وأنهم غالبا (محضر خير) لإصلاح ذات البين وتخفيف حدة النزاع والصراع السياسي في البيت العربي.


الجمعة، 16 يونيو 2017

( فن صناعة الهزيمة .. نصف قرن على نكسة حرب 67)

الهزيمة النكراء .. تدمير الطائرات المصرية على أرض المطار في نكسة 67
 
د/ أحمد بن حامد الغامدي
 لكل أمرئٍ من دهره ما تعودا كما سطر طيب الذكر أبي الطيب لذا من تعود النصر فقلما يقبل تكرار الهزيمة والعكس صحيح للأسف ولهذا يمكن تلخيص الواقع السياسي والعسكري المخزي للعرب بعد هزائمنا المتوالية أمام الكيان الصهيوني بمقولة (النصر عادة .. وكذلك الهزيمة للأسف) وهي حكمة عسكرية من الطراز الرفيع وإن كان قائله (الامريكي فينس لومباردي) هو مجرد مدرب كره قدم. إن من نكد الدنيا في حياة الافراد والأمم أن يتخذ الآخرين منك (عِظة وعبرة) ولهذا عندما تولى الجنرال جلتيري مقاليد السلطة في الارجنتين عام 1981م صمم منذ البداية على استعادة كرامة بلادة وإعادة ضم جزر الفوكلاند لها وكان يعلم تماما مدى بطش البحرية البريطانية لكنه أعلنها صريحة (إن الأرجنتين ليست العرب وستحارب). للأسف منذ عقود طويلة والأمة العربية جيوشا وشعوبا وحكومات أصابها حالة من الشلل والانبطاح والاستخذاء أمام أعدائها المتربصين ولهذا أصبحنا غنيمة مستباحة ووليمة وقصعة طعام يتنادى لها الأكلة كما في التوصيف البديع للحديث الشريف.
في معاركنا العسكرية والسياسية مع العدو الصهيوني وبقية الاحلاف الصليبية خسرنا منذ البداية الحرب وضيعنا فرصة الانتصار لأننا نكرر دائما خطيئة مبدأ (القبول بالهزيمة). أخطر ما أصبتنا بها كارثة هزيمة حرب 67 أمام اليهود (التي مرت قبل أيام ذكرى يوبيلها الذهبي !!) أنها حطمت الروح المعنوية للأمة العربية والاسلامية ولهذا عندما (قبلت بالهزيمة تلاشت العزيمة) وأصبحت الامة العربية بقضها وقضيها من سقط المتاع وأصبحنا تصرفنا يدٌ كنا نصرفها وبات يملكنا شعب ملكناهُ. أسباب وعناصر (صناعة الهزيمة) متعددة ولكن من أشنعها عدم الاستعداد الفعلي والتجهيز الكامل لخوض المعركة وهو بالضبط ما حصل في هزيمة حرب الخامس من يونيو من عام النكسة والوكسة 1967م التي استعد لها العرب بالحرب الكلامية والظاهرة الصوتية والشعارات الرنانة والجوفاء. الجنرال الامريكي دوغلاس ماكارثر قائد القوات الامريكية في المحيط الهادي أثناء الحرب العالمية الثانية كان هذا المكارثر شخصية كارثية من الناحية السياسية خصوصا عند حماقته في عصيان الرئيس الامريكي ترومان لكنه من الناحية العسكرية كان رجل حرب من الطراز الأول وليت القادة العسكريين العرب استمعوا لحكمته عندما قال (أنه لأمر فادح أن تدخل الحرب وأنت لا تنوي النصر فيها). وهذه هي بالضبط التركيبة الكيميائية لهزيمة حرب 67 فنحن لم نكن نريد القتال وإنما كنا نريد الهياط العسكري وقمع الشعوب بحجة أنه (لا صوت يعلو فوق صوت المعركة).
 
خسارة المعركة أم خسارة الحرب
الغريب في الأمر أنه في علوم فنون الحرب والسياسة يقال خسارة المعركة لا تعني خسارة الحرب (الجميع يقتبسون هنا مقولة الرئيس الفرنسي شارل ديغول: فرنسا خسرت المعركة لكن لم تخسر الحرب) ولكن خسارة معركة واحدة قد تكون في بعض الظروف هي اللحظة الحاسمة في حياة بعض الامبراطوريات والدول فضلا عن مستقبل ألمع القادة العسكريين. على سبيل المثال بسبب خسارة معركة واحدة فقط فقد نابليون بونابرت جدارته بأن يحصل على تصنيف ولقب أعظم القادة العسكريين في جميع العصور حيث أن الرائد العسكري الامريكي مايكل لاننج في كتابه الموسوعي ( القادة العسكريين المائة The Military 100 ) وضع نابليون  في الترتيب الثاني (بعد جورج واشنطن !!) وأعتذر عن جعله في المركز الأول بسبب هزيمته في معركة (واترلو) الشهيرة.
الأغرب من ذلك أن خسارة معركة واحدة قد تسقط إمبراطورية كاملة وهو تقريبا ما حصل مع الامبراطورية البرتغالية ذات المستعمرات المتعددة في مختلف القارات ويقال ان الدول المستقلة الان والتي كانت في وقت ما تحت حكم تاج (إمبراطورية ما وراء البحار البرتغالية) قد تصل لستين دولة. في واحدة من أغرب حوادث التاريخ تلاشت سلطة هذه الامبراطورية بسبب هزيمة عسكرية واحدة تمت على أراضيها والاغرب من ذلك أن تلك الهزيمة لم تكن للجيش البرتغالي نفسه وإنما هزيمة القوات البريطانية عام 1809م أمام الجيش الفرنسي في معركة كورونا. وبهذا سيطر جيش نابليون على كامل الاراضي البرتغالية وفُتح له الطريق كذلك إلى احتلال إسبانيا والتسبب في انفراط عقد المستعمرات البرتغالية والاسبانية خصوصا في قارة أمريكا الجنوبية ثم يأتيك بعد ذلك من يقول إن خسارة معركة واحدة لا تعني خسارة الحرب (زعموا).
في واقع الأمر كارثية خسارة (المعركة) التي تؤدي إلى خسارة (الحرب) متكررة بشكل ملحوظ في تاريخنا العربي فمثلا أغلب تاريخنا المرير مع الحروب الصليبية ربما كان سيختلف لو لم تقع هزيمة العرب غير المتوقعة في حصار مدينة إنطاكية عام 1097م من جيش صليبي شبه مهلهل كان في البداية يسمى (حملة الفقراء) لأنه مكون من المرتزقة غير المتدربين من فلاحين ورعاع أوروبا. وفي التاريخ الإسلامي في الأندلس مثلت هزيمة (معركة) العُقاب عام 609 هـ البداية الفعلية لخسارة العرب (للحرب) ضد نصارى الأسبان والمؤسف حقا أن بعض المؤرخين المسلمين يذكرون أن تعداد جيش المتطوعين المجاهدين العرب في تلك المعركة ربما وصل إلى نصف مليون مقاتل وهو أضعاف عدوهم من جيش الصليبيين. ومباشرة بعد هذه الهزيمة العجيبة والمستهجنة للجيش الإسلامي في الأندلس تساقطت خلال سنوات قليلة المدن الإسلامية الواحدة تلوى الأخرى ولم يبقى منها فقط غير مدينة غرناطة بعد أن كانت الغلبة والتفوق للأمة العربية في الأندلس في زمن حكم المرابطين.  وفي بداية الحملة الفرنسية على مصر نجد أنه بمجرد سقوط حوالي 1500 قتيل فقط من جيش المماليك في معركة الأهرام عام 1798م تلاشت مباشرة عزيمة الصمود والتصدى لدرجة انه بعد ذلك بيوم واحد فقط أرسلت السلطات العثمانية في القاهرة مفاتيح المدينة إلى نابليون بونابرت مما عكس سقوط كامل الأراضي المصرية في حكم الصليبيين الجدد. وعلى نفس النسق في العصر الحديث أصابت هزيمة حرب حزيران 67 أمام اليهود العروبة والاسلام بالشلل التام لمدة نصف قرن والقادم أسوء ولذا نحن بهذه الهزيمة لتلك المعركة خسرنا حرب الوجود والكينونة. بل أنه حتى معركة العاشر من رمضان لعام 1973م (التي قد يعتبرها البعض انتصارا عسكريا !!) كان الهدف النهائي لها ليس استعادة الاراضي العربية المحتلة ولكن فقط تحسين فرصة مصر في محادثات السلام ولهذا بالفعل أفضل وصف لهذه الحرب أنها (حرب العبور) من عالم العداوة إلى عالم التطبيع.
 
الهزائم العسكرية العربية .. محاولة للفهم
في العلوم العسكرية يحظى موضوع (أسباب وعوامل النصر والهزيمة) بأهمية قصوى وبسبب النظرة المادية للأمور تعزى أسباب الهزيمة في الغالب للأخطاء التكتيكية البحتة مثل ضعف كفاءة القائد العسكري أو سوء الاحوال الجوية أو خطأ اختيار موقع المعركة أو ضعف الخطة العسكرية أو عدم كفاءة الأسلحة أو تأخر الإمدادات أو ما شابه ذلك من تفاصيل فنون القتال. الجدير بالذكر أن العالم الغربي ربما مهتم أكثر منا بالدراسة التحليلية المتعمقة لسبب تكرار هزائم الجيوش العربية أمام العدو الاسرائيلي ولهذا ظهر كتاب في عام 2004م بعنوان (العرب في الحرب  Arabs at War) ناقش فيه المحلل العسكري الامريكي كينث بولاك أسباب ضعف كفاءة الجيوش العربية منذ هزيمة حرب عام 1948م أمام اسرائيل إلى هزيمة الجيش العراق عام 1991م أثناء حرب تحرير الكويت. كما توجد العديد من المقالات السياسية والعسكرية الغربية المنشورة بعناوين تهكمية من مثل (لماذا تنهزم دائما الجيوش العربية) أو (لماذا يخسر العرب الحروب) وفي أغلب هذه المراجع يتم التركيز على إرجاع ضعف كفاءة الجيوش العربية الحديثة إلى اسباب في بنية الحضارة والثقافة العربية وطريقة التربية المعرفية وأسباب تقنية عسكرية من مثل نقص المعلومات الحيوية الاستخبارية والعسكرية. 
بينما في المقابل نجد أن النظرة الاسلامية والشرعية لموضوع (أسباب وعوامل النصر والهزيمة) تختلف تماما عن تلك الموجودة لدى الحضارات المادية البحتة. في بداية تاريخنا الاسلامي نجد أن القرآن الكريم أرشد جيل الرواد من صحابة الرسول الكريم لاستخلاص الارشادات التربوية لتهذيب النفوس بعد وقوع هزيمة غزوة أحد والاخفاق المبدئي في غزوة حنين وأن من أسباب الهزيمة وقوع المعصية بمخالفة القائد أو الاعتداد بالنفس فضلا عن أمراض التنازع والخلاف والفرقة. والتربية الايمانية في القرآن والسنة تربط أسباب الهزيمة بموالاة الكافرين والمنافقين وعدم الحذر منهم وكذلك تم التنفير من الخلود للدنيا وطلب ملذاتها مما يفضي إلى ترك إعداد العدة الكافية للقتال. في التصور الاسلامي الهزيمة في حد ذاتها ليست مشكلة ما لم يكن خلفها خلل تربوي أو ضعف إيماني بدليل أنه لم يفصل بين هزيمة معركة مؤته وكارثة غزوة حنين إلا عدة اشهر ومع ذلك لم يحصل لوم للجيش المسلم المنهزم في معركة مؤته لأن سبب هزيمته عسكرية بحته حيث قابل جيشا يفوقه بكثير في القدرة القتالية بينما كان الواقع عكس ذلك تماما في اخفاق غزوة حنين ولهذا تم عتاب الصحابة في سورة التوبة. 
وبمناسبة ذكر هزيمة معركة مؤته وأنه لم يحصل تثريب أو ملامة على (الفرار) و المنسحبين من المعركة والذين وصفهم الرسول الكريم من باب تطيب الخواطر لهم أنهم (الكرار في سبيل الله) تجدر الاشارة إلى أن العديد من مشاهير القادة العسكريين في التاريخ الاسلامي اشتهروا بسبب الهزيمة العسكرية وليس النصر. ينقل عن السياسي الفرنسي دي مونتيل وأحد كتاب عصر النهضة مقولته البليغة (من الهزائم ما هو أكثر مجداً من النصر) وتحقيق ذلك في تاريخنا الاسلامي المكانة العالية لشهداء وقادة معركة مؤته زيد بن حارثة وجعفر بن أبي طالب وعبدالله بن رواحة. الذاكرة الجمعية الاسلامية تخلد سيرة المجاهد الكبير عبدالرحمن الغافقي لأنه أنهزم واستشهد في معركة بلاط الشهداء وربما لو أنه انتصر فيها لما حاز هذه المكانة في كتب التاريخ. وعلى نفس النسق الاجيال العربية الحديثة ترسم صورة بطولية مجيدة للقائد العربي البارز يوسف العظمة لأنه أنهزم بشرف واستشهد في مواجهة الجيش الفرنسي في معركة ميسلون عام 1920م وهو يدافع عن بلاد الشام. أما في أرض الكنانة ومصر العروبة فنجد أن الزعيم العربي الكبير أحمد عرابي عندما دافع عن شرف مصر ضد الغزو البريطاني لها عام 1882م فقد دخل التاريخ من أنصع أبوابه حتى وإن هزم في معركة التل الكبير وتم اعتقاله بطريقة مهينة.
 
وختاما كما هو معلوم فإن غزوة بدر هي أهم وأول نصر في تاريخ الاسلام وبالرغم من أن سورة الأنفال محورها هذا النصر المبين إلا أنها عرجت بشكل ملحوظ على موضوع أسباب وعوامل الهزيمة لأن للنصر سكره وغفلة قد تقود إلى هزيمة قاسية. ومن كان له بعد نظر عميق في دهاليز السياسة وأجواء المعارك يفطن لهذا المعنى ولهذا ينقل عن رئيس الوزراء البريطاني البارز ونستون تشرشل قوله (مشاكل النصر ألطف من مشاكل السياسة ولكنها ليست أسهل) وفي حين نبه الرئيس الامريكي المؤثر توماس جيفرسون لكلفة فاتورة النصر عندما قال (النصر والهزيمة يكلفان نفس الثمن). وبالعودة لسورة الانفال نجد أنها حذرت من أحد أبرز اسباب وعوامل الهزيمة وهي الاختلاف والفرقة والتباغض (ولا تنازعوا فتفشلوا وتذهب ريحكم) بالإضافة للتنبيه على ضرورة أخذ الأهبة التامة للقتال والاستعداد العسكري (وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة). إن الامة الاسلامية بأجمعها اليوم في حالة حرب وقتال ومحنة قاصمة ولا مندوحة لها من رصّ الصفوف ولمّ الشمل والتغاضي عن الإحن والتسامح عن الزلات ورحم الله الشيخ مصطفى السباعي عندما قال (في اختلاف الاصدقاء شماتة الأعداء وفي اختلاف الأخوة فرصة المتربصين).




الخميس، 25 مايو 2017

( السياحة الادبية .. سفر النخبة المثقفة )

الخارطة السياحية الأدبية لبريطانيا .. أجمل الرحلات مع أروع الروايات
 
 
د/ أحمد بن حامد الغامدي
 
بمناسبة مرور 200 عام على وفاة الاديبة البريطانية الكبيرة جين أوستن سنة 1817 يسر شركة رحلات ألبيون Albion Journeys الاعلان عن تنظيمها لبرنامجها السياحي الثقافي الخاص بالاحتفال بجين أوستن Celebrating Jane Austen . العرض يشمل الاقامة لمدة ستة ليالي في فندق ريفي فخم ورحلات سياحية يومية للأماكن التي شهدت ولادة ونشأة الكاتبة الكبيرة والقرى والقصور والمناظر الطبيعية التي ألهمتها العديد من رواياتها الخالدة، كل هذا بقيمة 2590 دولار للفرد الواحد. ما سبق هو إعلان تجاري حقيقي يمثل عينه فقط للعديد من البرامج السياحية التي تقام في العديد من الدول الاوربية وتستهدف تقديم خدمة لعشاق الادب والادباء وهذا الاعلان يتعلق بأشهر وأهم روائية نسائية في الادب الانجليزي حيث أنها مؤلفة الرواية الشهيرة (كبرياء وتحامل pride and prejudice) التي تحولت مرارا لأبرز الافلام السينمائية الرومانسية. وبالمناسبة إذا كان صيف هذا العام 2017 سوف يشهد تنظيم البرامج السياحية للاحتفاء بأهم عنصر نسائي في الأدب فقد كان بالإمكان العالم الماضي التسجيل في برنامج سياحي مشابه للسفر إلى بريطانيا للمشاركة في احتفالات مرور 400 عام على وفاة أسطورة الادب الانجليزي وليم شكسبير.
الثقافة الادبية يمكن أن تعطيك إضاءة معرفية عن أثر نهر المسيسبي في تشكيل شخصية الاديب البارز مارك توين أهم روائي وكاتب أمريكي في جميع العصور. ولكن لبعض الاشخاص ممن لديهم هوس مفرط بالتعلق بأدب مارك توين لن تكتمل لحظات تمتعهم بقراءة رواية (مغامرات توم سوير) إلا إذا ذهبوا بأنفسهم في رحلة سياحية عبر قارب نهري يمخر عباب المسيسبي من ولاية ميزوري باتجاه مدينة نيو أورليانز في جنوب ولاية لويزيانا كما كان يفعل الشاب مارك توين ومن ذلك استهلهم خواطره الادبية. ما سبق ذكره يعتبر نموذج لأقصى أنواع (السياحة الأدبية) نخبوية ثقافية وهو أن تزور بعض الاماكن والمواقع التي أوحت للأديب والكاتب ببعض انتاجه الروائي أو الشعري فمثلا بعض العشاق المغرمين بالروائية البريطانية تشارلوت برونتي يتجشمون مشاق المسير إلى موقع شلالات مقاطعة يوركشاير حيث أُلهمت تشارلوت تأليف رواية (جين أير) في حين أن البعض ربما لن يستوعب تماما أبعاد ورمزية رواية (البؤساء) للأديب الفرنسي المعروف فيكتور هوغو إلا بعد أن يزور سجن الباستيل الفظيع في قلب العاصمة الفرنسية باريس.
في محيطنا العربي ربما نجد من يتباهى بأنه لم يقرأ رواية (زقاق المدق) أو رواية (خان الخليلي) إلا في مقهى الفيشاوي الذي كان يتردد عليه الاديب الكبير نجيب محفوظ في قلب القاهرة الفاطمية حيث استخلص من قلب تلك المناطق الشعبية العتيقة بعض شخصياته المشهورة. فحسب شهادة الكاتب المصري المعروف جمال الغيطاني في برنامجه الفضائي تجليات مصرية فإن الموقع الفعلي (لزقاق المدق) موجود بالفعل في حي الجمالية بالقاهرة ليس هذا فقط بل يزعم الغيطاني أن شخصية (عم كامل بائع البسبوسة) في الرواية مبنية على شخصية حقيقة وما زال أحفاده يقيمون في نفس المكان حتى الان. وقديما قيل الحكم على الشيء فرع عن تصوره فهل يصح أن نقول أن تذوق العمل الادب فرع عن العيش في أكنافه. وإذا عدنا إلى تاريخنا العربي القديم ألا يجدر بنا نحن جيل اليوم أن (نقف على الاطلال) كما كان يفعل الرعيل الأول من فحول الشعراء فمثلا (للتذوق الادبي) لشعر النسيب والغزل الجاهلي لعل من الملائم الوقف عند صخرة عنترة في محافظة عيون الجواء حيث كان يربط عنترة بها ناقته عندما يجلس مع محبوبته في ظل تلك الصخرة الشهيرة ولعلها هي (محبس الناقة) التي عنها عنترة في أبياته المشهورة:
ولقد حبستُ بها طويلا ناقتي      أشكو إلى سُفعٍ رواكد جثَمِ
يا دار عبلة بالجواء تكلمي         وعِمي صباحا دار عبلة واسلمي
   
ما سبق كان نماذج لبعض مظاهر السياحة الادبية ذات الطابع النخبوي التأملي لكن في المقابل قد يوجد بعض (سياح الثقافة) الذين لا يقنعون إلا بزيارة إمكان ذات واقع ملموس وحقيقي يضمن لهم نقش ذكريات فعلية محسوسة مع أديبهم أوشاعرهم المفضل. ومن أوضح الامثلة في هذا الشأن زيارة المتاحف الخاصة ببعض الادباء وهي في الغالب قد نكون المنزل الذي ولد أو عاش أو توفي فيه الاديب المشهور مثل زيارة منزل (متحف) شكسيبر في مدينة سترادفورد الانجليزية أو الاطلاع على الصالون الأدبي لعباس مصطفى العقاد في منزله في حي مصر الجديدة. في حين أن زيارة متحف تشارلز ديكنز في لندن ومشاهدة المكتب الذي ألف عليه رواية (قصة مدينتين) سوف يكون أمرا غاية في البهجة الفكرية لأهل الهوى الروائي خصوصا إذا علمنا بأن القائمين على متحفه حصلوا على منحة مالية استثنائية بمبلغ (1.2 مليون دولار) من الحكومة البريطانية لشراء ذلك المكتب وإضافته لمقتنيات المتحف. إن الاطلاع على المقتنيات الشخصية لبعض الادباء أمر يثير الفضول كما قد يثير الدهشة من ذلك مثلا أن الزائر للمكتبة الشخصية لأمير الشعراء أحمد شوقي في قصره (المتحف حاليا) على كورنيش النيل بالجيزة سوف يصاب بالحيرة لأن مكتبة أكثر الادباء ثقافة سياسية وتاريخية وفكرية مكونة فقط من حوالي ثلاثمائة كتاب لا غير. الغريب في الأمر أن متحف طه حسين  الذي لا يبعد عن متحف أحمد شوقي بأكثر من عدة كيلومترات بامتداد شارع الهرم يحتوي ذلك المنزل الفخم على مكتبة كبيرة تصل إلى حوالى سبعة الاف كتاب علما بأن طه حسين الكفيف كان يعتمد علي غيره ليقرأ له كتبه المتنوعة بكل اللغات فشتان ما بين الاديبين في الندى المكتبي ما بين مقل ومستكثر.
عادة الوقوف على الأطلال في دنيا الأدب قد تقود البعض لزيارة قبور مشاهير الادباء والشعراء فبزيارة واحدة لمبنى البانثيون المهيب في باريس (مقبرة العظماء) يمكنك مشاهدة قبور كبار رجالات الادب الفرنسي مثل فولتير وفكتور هوغو وأميل زولا والكسندر ديماس. أغلبنا يطرب للشعر العربي الفصيح لكن أعتقد أن قراءة (شواهد القبور الشعرية) وهي الابيات الشعرية المكتوبة على قبور الشعراء سوف تكون تجربة أدبية تخلد في الذاكرة. فمثلا يمكن أن تقرأ بيت الشعر المشهور الذي أوصى أبي العلاء المعري أن يكتب على قبره أو تقرأ مطلع القصيدة الرنانة (يا دجلة الخير) على شاهد قبر الشاعر العراقي البارز محمد مهدي الجواهري المدفون في مدينة دمشق في حين أن شاهد قبر أحمد شوقي تم نقش ابيات قصيدته السينية المشهورة عليه ربما من وجهة نظري لورود هذا البيت فيها:
وسَلا مِصرَ هل سَلا القلب عنها       أو أسَا جُرحهُ الزمان المُؤسي
 بينما أبرز وأهم قصيدة يمكن أن تقرأها في هذا السياق هي الابيات الشعرية التي نظمها الشاعر والملك المنكوب المعتمد بن عباد وأوصى أن توضع على قبره وهي معلقة حاليا على جدار ضريحه في مدينة أغمات المغربية ومطلع قصيدة الرثاء الذاتي هذه هي:
قبر الغريب سقاك الرائح الغادي        حقاً ظفرت بأشلاء ابن عبادِ
 
في معية الأدباء ورفقة الشعراء
لبعض عشاق الادب وذوي الهيام بالشعر والشعراء ربما لا تكتمل النشوة الثقافية إلا بالأنس المباشر والالتقاء الفعلي مع الروائي أو الشاعر وبحكم أن (المعية الخاصة) بالجلوس مع كبار ومشاهير الادباء غالبا لا تتاح إلا لذوي الحظوة والجاه لذا فإن البديل لأصحاب الهوس الثقافي أن يقنعوا (بالمعية العامة) بأن يشتركوا مع بقية الجمهور الادبي مثلا في حضور أمسية شعرية لأديب مشهور. على سبيل المثال في منتصف الثمانينات كان من أبرز الادباء المشاركين في مهرجان المربد الشعري في بغداد الشاعر الكبير نزار قباني أما لسماع قصائد الشاعر اليمني الفريد عبدالله البردوني فقد كان ضيف محتفى به في مهرجان أبي تمام في الموصل وللسماع المباشر لقصائد الشاعر البارز محمد مهدي الجواهري فالمقصد المحتمل كان مهرجانات أبي العلاء المعري في دمشق أما عشاق شعر الحداثة فسوف يجدون بغيتهم في مهرجان مدينة جرش الاردنية الثقافي الذي كثيرا ما تردد عليه الشاعر الفلسطيني المناضل محمود درويش قبل وفاته. لاشك أن المهرجانات الادبية والشعرية المنتشرة في أغلب البلدان العربية من مثل مهرجان الجنادرية للتراث والثقافة ومهرجان سوق عكاظ ومهرجان مراكش الدولي للشعر ومهرجان أصيلة الثقافي بالمغرب ومهرجان القاهرة الادبي ومهرجان أدنبره الدولي ومهرجان أكسفورد للأدب ومهرجان برلين الدولي للأدب وغيرها كثيرا جدا في مختلف دول العالم، لا شك أن هذه الفعاليات الادبية تتيح فرصة الجمع بين متعة السياحة و نخبوية الثقافة والفكر.
فرصة ومناسبة إضافية للمعية العامة مع الاديب أو الشاعر كثيرا ما تتم أثناء حفلات تدشين الروايات الادبية الجديدة والدواوين الشعرية الحديثة حيث يصحبها في الغالب قيام المؤلف بتوقيع النسخ التي يشترها عشاق الكتب والاعمال الادبية. بلا جدال يعتبر الكاتب البرازيلي باولو كويلو (صاحب رواية الخيميائي ذائعة الصيت) أهم وأشهر الروائيين المعاصرين على الاطلاق وعندما قام بنشر روايته (ساحرة بورتوبيللو) قبل حوالي عشر سنوات أختار أن تكون أول ترجمة لها للغات الاجنبية باللغة العربية لأن جزء من أحداث الرواية تتم في مدينتي دبي وبيروت. ولهذا قام في عام 2007 بزيارة مدينة دبي بمناسبة حفل إطلاق النسخة العربية من روايته تلك ولذا كانت فرصة ذهبية لعشاق هذا الكاتب المعروف أن يزوروا مدينة دبي للسياحة وكذلك للحصول على صورة سلفي ورواية موقعة من هذا النجم الادبي البارز. ولكن حذاري فإن الحصول على نسخة موقعة من مؤلف مشهور في حفلات تدشين الروايات الجديدة ليست مهمة سهلة على الاطلاق فمثلا عند حفلات اطلاق كل عدد جديد من سلسلة روايات (هاري بوتر) للكاتبة الروائية البريطانية العجيبة جوان رولينغ كانت تتجمع صفوف بمئات المعجبين أمام المكتبات لكي فقط يحصلوا على نسخة جديدة من الرواية حتى ولو كانت غير موقعة من الروائية المحظوظة.
الغريب في بعض حالات الهوس الأدبي أن القراء قد يتعلقون ويعشقون الشخصيات الخيالية التي يخترعها الاديب من بنات أفكاره وقد يعجبون بهذه الشخصيات الوهمية أكثر من إعجابهم بالروائي الذي اخرجها لدنيا الادب. على سبيل المثال عشرات الاف من السايح المترددين على مدينة لندن قد لا يعرفون من هو الاديب آرثر كونان دويل الذي أخترع شخصية المحقق الاسطوري (شارلوك هولمز) بل البعض قد يعتقد أن المحقق شارلوك هولمز هو شخصية حقيقية. ولهذا ومنذ اكثر من مائة عام وزوار مدينة لندن يذهبون لزيارة (البيت الوهمي) للسيد هولمز في مبنى رقم 221 B الواقع شارع بيكر في وسط لندن ولخيبة أملهم لا يجدون إلا بنك مصرفي في نفس الموقع المزعوم. ونتيجة لهذا الهوس السياحي المتكرر عبر الاجيال وافقت أخيرا بلدية لندن منذ عام1990 على افتتاح متحف لشارلوك هولمز علي شارع  بيكر (Baker St.) تقريبا في نفس الموقع المزعوم في قصص السير أرثر كونان دويل الذي لا يوجد هو نفسه  أي متحف خاص باسمه في بريطانيا لدرجة أنه قد تم بيع ممتلكاته الخاصة في المزاد العلني وبهذا أصبحت الشخصية (الوهمية) أهم من المؤلف الذي ابتكرها. وفي واقع الحال فإن السائحين لمدينة باريس أقل حظا من زوار مدينة لندن فبالرغم من أن كاتدرائية نوتردام تعتبر بلا شك من المعالم السياحية البارزة في مدينة باريس إلا أننا قد لا نبالغ أن عدد كبير منهم ربما ما يجذبهم لها هو أنها موقع أحداث رواية (أحدب نوتردام) البالغة الشهرة للروائي الفرنسي الكبير فوكتور هوغو. ولكن بدلا من أن يجد السياح أي أثر لشخصية الاحدب المشوهة كوزيمودو بطل الرواية وهو يقف على تماثيل الجارغول الشهيرة المصممة كمرزاب لتصريف مياه الامطار، بدلا من ذلك فضلت السلطات الدينية الكاثوليكية المتشددة المشرفة على تلك الكنيسة على نصب تمثال خارج الكنيسة للبابا يوحنا بولس الثاني الذي توفي قبل عدة سنوات ووجهة نظرهم أن قداسة المكان لا يمكن تلويثها بترسيخ ارتباط الكنيسة بأحدب مشوهة فضلا عن شخصية الراقصة الغجرية أزميرالدا.
من وجهة نظري أن أعجب شخصية أدبية خيالية تفاعل معها الجمهور بشكل غريب هي شخصية السيد (ليوبولد بلوم) في رواية عوليس Ulysses للروائي الايرلندي المثير للجدل جيمس جويس. منذ صدورها قبل قرن من الزمن عدّت هذه الرواية من أهم الأعمال الادبية الحداثية في القرن العشرين وهي رواية مفرطة في الطول ومع ذلك تدور أحداثها في يوم واحد فقط هو بالتحديد يوم 16 يونيو 1904ميلادي. الغريب في الأمر أن الاف المعجبين بالروائي جيمس جويس يحتفلون سنويا ببطل الرواية فيما يسمى (يوم بلوم Bloomsday) حيث يقومون كل سنة في يوم 16 يونيو بتتبع خط سير السيد بلوم عبر مدينة دبلن الايرلندية كما ورد في الرواية حيث يبدؤون يومهم بالمرور بالقلعة ثم مكتب البريد ثم الصيدلية ثم المقبرة ثم الفندق ثم الخمارة ثم المستشفى الولادة ثم يختتمون أمسيتهم كما ورد في الرواية ببيت الدعارة وفعلا للناس فيما يعشقون مذاهبُ.
 
مزج السياحة الدينية بالسياحة الادبية .. هل تتعدد النية
انتشر في السنوات الاخيرة مفهوم السياحة الدينية وبفرض صحة إطلاق هذا التوصيف هل يمكن أن تتعدد الدوافع السفر لتشمل اكثر من هدف وبهذا قد يسوغ أن يحمل الحاج أو المعتمر المهتم بثقافة المشاعر المقدسة كتاب (الحج في الأدب العربي) للكاتب المعروف عبدالعزيز الرفاعي. وبما إن الحج رحلة دينية فقد كُتب الكثير قديما وحديثا في مجال (أدب الرحلات الحجازية) ولعل اشهرها حاليا روائع: (في منزل الوحي) لمحمد حسين هيكل أو (الطريق إلى مكة) لمحمد اسد أو (الطريق إلى الكعبة) لمصطفى محمود. والغريب في الأمر أن اسماء مواضع وأفعال المناسك مبثوثه في بعض اشعار الغزل الاموي لبعض شعراء اللهو من مثل عمر بن ابي ربيعة والعرجي وعبدالله بن قيس الرقيات ولكن هذا بالقطع سوف يدخل في نطاق الرفث في الحج. من الزيارات ذات الطابع الديني وإن كانت محرمة في شرعنا زيارة التبرك بالقبور والمشاهد والأضرحة وهنا تتضح حالة التمازج بين السياحة الدينية والسياحة الادبية في أعجب صورها. منذ عقود قريبة فقط أخذ يتنامى لدى شرائح من الشعب العراقي أن قبر المتنبي المزعوم وجوده في محافظة واسط شمال مدينة بغداد أن له نوع قدسية وأن لصاحب القبر كرامات ولهذا يقصده الجهلة بغرض طلب الشفاء وتقديم النذور والتوسل بمقام صاحب القبر الأديب في تحقيق الحاجات. وإذا كان قبر المتنبي حديث عهد بالشرك والخزعبلات فإن قبر ومزار (مولانا رومي) في مدينة قونية التركية لجلال الدين الرومي يعتبر منذ مئات السنين مهوى أفئدة أهل التصوف. وبهذا أصبح أحد اشهر شعراء الاسلام هو عينه أحد أقطاب الصوفية الكبار الذي يزور ضريحة عشرات الاف سنويا يتقاطرون عليه من كل بقاع الدنيا بل حتى ومن غير المسلمين فلجلال الدين الرومي كما لعمر الخيام انتشار طاغي في الغرب. نفس المشهد يتكرر في جانب التصوف الشيعي حيث نجد أن قبر أهم شاعر فارسي على الاطلاق وهو سعدي الشيرازي يعتبر في نفس الوقت مزار ديني مشهود وكذلك نجد مزارات دينية  فارسية أخرى عند قبر الشاعر حافظ الشيرازي وقبر الشاعر الفردوسي في مدينة طوس الايرانية.
بقي أن نقول أنه كما شهد الأدب العربي اهتمام بالغ بتنوع الاعمال الادبية المتعلقة (بأدب الرحلات الدينية والحج) فتقريبا نجد نفس الظاهرة عند العديد من الادباء والمثقفين من الحجاج المسيحيين الذين حرصوا أن يوثقوا باسلوب أدبي رفيع اخبار وأحداث رحلاتهم الدينية. وأعرق وأهم الاعمال الروائية في الأدب الغربي في هذا النسق هي تلك المجموعة القصصية المسماة (حكايات كانتربري) التي ظهرت في القرن الرابع عشر من تأليف الاديب الانجليزي جيوفري نشوسر وتدور حول القصص والاحداث العجيبة التي تحدث لعدد من الحجاج (السائحين دينيا) إلى ضريح القديس توماس في كاتدرائية كانتربري شرق انجلترا. سبق وان ذكرنا أن الروائي البرازيلي باولو كويلو هو حاليا أشهر أدبي عالمي على الاطلاق لكنه في بداية مسيرته الادبية ظل لمدة جاوزت العشر السنوات وهو كاتب مغمور تمام حتى نشر في عام 1987 أول رواياته الطنانة وهي (حاج كومبستيلا). وهي رواية تدور أحداثها في شمال إسبانيا حيث يسافر سنويا عشرات الاف من الحجاج بعضهم على قدمية قاصدين كاتدرائية سانتياغو دي كومبيستلا حيث يزعم أن أحد حواري وتلاميذ المسيح عليه السلام مدفون فيها. ولهذا تعتبر تلك الكنيسة مقصدا ومزارا للحجاج الكاثوليك عبر طريق القديس مار يعقوب في حين أن الاف من (السياح الاوروبيين) يقصدون نفس المكان بمشاعر مزدوجة من المتعة السياحية والصفاء الروحي وعشق الطبيعة.
 
وختاما قد تتشعب بنا دروب السياحة الأدبية كثيرا وما سبق كان فقط لوحات إرشادية متنوعة تعطي إلماحة لتشعب دروب هذا الموضوع الشيق. ويبقى أن نقول أن (السائح الادبي) في الدول الغربية والأوروبية لن يخشى الضيعة فبحكم ان السياحة الادبية والثقافية صناعة رائجة في تلك البلدان بعوائد مالية تجاوز خانة عشرات الملايين من الدولارات لذا فإن سوق هذه التجارة على درجة عالية من التنظيم وتنوع الخيارات. توجد حاليا العديد من (الخرائط السياحية الادبية) للعديد من الدول والمدن الغربية التي توضح للسائح أماكن وطبيعة المعالم السياحية للروايات الادبية المؤلفة في الجزر البريطانية على سبيل المثال أو بإمكانك أن تحصل على خريطة سياحية ادبية لمدينة نيويورك توضح الأماكن السياحية المرتبطة بأشهر الكتاب والشعراء والرسامين الذين عاشوا في تلك المدينة الصاخبة. وأما من يرغب في معلومات تفصيلية عن الادباء والاماكن السياحية المرتبطة بهم فيمكنه الاطلاع على كتب أدلة الارشاد السياحي الادبي  literary guides والتي توجد منها تشكيله كبيرة لأغلب المدن والدول المشهورة بالنهضة الادبية لدرجة أنه يتوفر للمهتمين بالأدب الانجليزي بالذات قاموس خاص من قواميس أكسفورد يتعلق فقط بإعطاء معلومات عن الامكان السياحية الادبية والثقافية في بريطانيا.
 للأسف الشديد مثل هذه الخدمة الارشادية السياحية مفقودة في بلادنا العربية وإن كانت مدينة القاهرة بالذات مرشحة بجدارة لكي يصدر عنها كتب إرشادية سياحية أدبية شيقة وحتى تصدر مثل هذه الكتب المتخصصة سوف أكتفي في مستقبل زيارتي لأرض المحروسة بأن أحمل مرة ثانية معي كتاب الاديب المصري جمال الغيطاني (ملامح القاهرة في ألف عام) كمرشد سياحي مقبول.