الجمعة، 25 مايو 2018

( رمضان خارج المألوف )

الصلاة في الفضاء شاقة .. وماذا عن الصيام

د/ أحمد بن حامد الغامدي

في مطلع شهر رمضان المبارك العام الماضي نشر رائد الفضاء الامريكي سكوت كيلي تغريده تويتر تحتوي على صورة فوتوغرافية ألتقطها من الفضاء لمكة المكرمة وذلك بهدف تهنئة المسلمين بحلول شهر رمضان المبارك. الاحتفال بالشهر الفضيل من الفضاء حدث غير عادي ولكنه ليس نادر الحدوث تماما فقبل حوالي عشر سنوات احتفل رائد فضاء آخر بشهر رمضان بمناسك رمضانية مختلفة  حيث حاول الصوم في الفضاء رائد الفضاء الماليزي مظفر شكور المشارك في رحلة فلكية إلى محطة الفضاء الدولية في أواخر شهر رمضان من عام 2007م . لقد حرص مظفر شكور على حسن أداء العبادات الشرعية في الفضاء ولهذا أستعان بفتاوى خاصة من مجلس الفتوى الوطني في ماليزيا لإرشاده لكيفية ضبط تحديد مواقيت الصلاة والصيام وقيام الليل (فضلا عن تحديد القبلة) في محطة الفضاء الدولية التي يتوالى الليل والنهار فيها كل 90 دقيقة !!.
الجدير بالذكر أنه قبل الفتوى الفضائية الماليزية بحوالي عشرين سنة حرص الأمير الشاب سلطان بن سلمان أن يستفتي سماحة الشيخ عبدالعزيز بن باز عن عين تلك الامور الشرعية المستحدثة حيث كان من المتوقع أن تنطلق رحلته الفضائية عبر ماكوك الفضاء ديسكفري في يوم 26 رمضان من عام 1405هـ إلا أن الرحلة تأجلت قليلا ولهذا أنطلق الأمير للفضاء في آخر يوم من رمضان. وإذا كان الامير سلطان بن سلمان هو أول رجل مسلم يصعد إلى الفضاء فإن أول امرأة مسلمة تغزو الفضاء هي رائدة الفضاء الإيرانية أنوشة أنصاري ذات الجنسية الامريكية والتي تعتبر كذلك أول (سائحة فضاء) في التاريخ حيث أنه دفعت حوالي عشرين مليون دولار لكي تقوم بهذه المغامرة الفلكية المذهلة. بقي أن نقول أن الرحلة (السياحية) لهذه السيدة الفضائية المسلمة بدأت في يوم 26 رمضان من عام 1427هـ وبالرغم من أنها اخترقت أجواء السماء في ليله القدر إلا أنه للأسف لا توجد أي أخبار صحفية عنها تشير هل مارست أي من الشعائر الدينية في الفضاء بل لا نعلم إن كانت على الأقل قد احتفلت بعيد الفطر المبارك في محطة الفضاء الدولية.

رمضان في أرض غريبة
لا شك أن الاجواء الرمضانية في ماكوك الفضاء أو محطة الفضاء الدولية بالقطع لها طابعها الخاص ولهذا صرح رائد الفضاء الامير سلطان أن (صيام شهر رمضان في الفضاء تجربة لا تنسى) لكن الحصول على تجربة فريدة ومغامرة شيقة في رمضان قد يمكن تحقيقها دون التحليق مع النجوم. من ذلك مثلا أن تذهب في مغامرة لصعود قمة جبل إيفرست كما فعل مجموعة من الشباب الخليجي الذين تسلقوا أعلى قمة في سلسلة جبال الهيملايا في أواخر شهر رمضان من عام 1433هـ وقد عاشوا مشاعر إيمانية عالية عندما قام أحدهم برفع صوت الأذان في نهار شهر رمضان ومن فوق أعلى قمة على سطح الأرض وبهذا قد يكون هذا هو أقرب صوت للآذان إلى أبواب السماء. في حِسنا الجمعي أرتبط شهر رمضان بالصيف والحر والعطش ولهذا كان من (خارج المألوف) ارتداء الملابس الثقيلة وحمل اسطوانات التنفس بين ثلوج قمم الجبال في شهر رمضان ومع تزايد شعبية تسلق الجبال الشاهقة بين جموع الشباب العربي والمسلم من المحتمل تكرار مثل هذه المشاهد في شهر رمضان المبارك لأن تسلق هذا الجبال أسهل في الغالب في شهور الصيف.
وعلى نفس النسق في الخروج عن المألوف في تجربة الاجواء الرمضانية بين الثلوج والزمهرير بدأت كذلك تنتشر ظاهرة توجه أفراد من الرحالة العرب لزيارة القطب المتجمد الشمالي بل وحتى القطب المتجمد الجنوب الاكثر بعدا والأكثر خطورة والاشد برودة. وبحكم توافق شهر رمضان في هذه السنوات مع فترة الصيف تزداد احتمالية رغبة بعض الرحالة والسياح العرب تجربة الصيام في أرض الجليد. في واقعنا المحلي كان أول من وصل إلى القطب المتجمد الجنوب هما الدكتور مصطفى معمر من جامعة الملك عبدالعزيز والدكتور إبراهيم عالم من جامعة الملك فهد واللذان شاركا في 1989م في رحلة علمية دولية استكشافية للقطب المتجمد الجنوبي استمرت لثلاثة أشهر انتهت في مطلع شهر رمضان المبارك من تلك السنة. الجدير بالذكر أن الرحلات الاستكشافية العلمية العربية للمناطق المتجمدة محدودة ومتقطعة منذ أن بدأها العالم المصري الدكتور سيد زكريا السيد بزيارة القطب المتجمد الجنوبي وحتى نهايتها بمشاركة الدكتور عبدالعزيز اللعبون من قسم الجيولوجيا بجامعة الملك سعود في رحلة استكشافيه دولية للقطب المتجمد الجنوبي عام 2014م. ومع ذلك تبقى التجربة المتميزة في هذا الشأن في العالم الاسلامي من نصيب تركيا حيث تخطط جامعة إسطنبول التقنية بافتتاح محطة أبحاث علمية دائمة لها في القطب المتجمد الجنوبي بدلا من التعاون العلمي المؤقت مع الدول الاخرى. وبحكم أن تشغيل هذه المحطة الدائمة غالبا سوف يتم في شهور الصيف وبهذا سوف تكون الفرصة شبة مؤكدة لوجود مسلمين في قلب القارة المتجمدة قد يرغبون بصيام شهر رمضان في هذه الارض الغريبة.
من جانب آخر ومنذ عقود طويلة تنشط بعض الشركات السياحية الغربية في تنظيم رحلات سياحية للوصول للدائرة القطبية أو حتى لأطراف القارات المتجمدة الشمالية بالذات وكذلك الجنوبية. ولمن يرغب في رحلة سياحية خالدة للقطب المتجمد الشمالي خلال شهر رمضان الحالي توفر شركة سياحية بريطانية متخصصة في هذا المجال رحلة (سفاري جليدية) لمشاهدة الدب القطب والفقمة تبدأ من يوم 11 رمضان ولمدة تسعة ايام وبتكلفة حوالي سبعة آلف جنية استرليني. وبهذه المناسبة تجدر الاشارة إلى إن المغامر السعودي وليد زاهد قد وص في عام 2010 هو وولديه هيثم ومحمد إلى مركز القطب في القارة المتجمدة الجنوبية.
 لكن يبقى مع ذلك لأي سائح أو مغامر الاستعداد لحالة الارباك الحتمية فيما يتعلق بأداء الشعائر التعبدية في منطقة القطبين المتجمدة ففي فصل الصيف من المحتمل في بعض المناطق أن لا تغيب الشمس على الاطلاق أو في أحسن الاحوال يكون الليل لمدة أقل من ساعة علما أنه لن يوجد ظلام الليل المعتاد وإنما ظِلال الغسق الداكنة. وعليه في مثل هذه البيئة الغرائبية البعيدة عن المألوف يصعب تحديد أوقات الصلوات أو تحديد زمن الصيام وبدأ لحظة الافطار أو الإمساك. وتجدر الاشارة بهذه المناسبة أن الجالية الاسلامية في مدينة أولو بشمال فنلندا أو في منطقة نونوفت بأقصى شمال كندا طلبوا فتاوى شرعية خاصة لمشكلة أن النهار في رمضان لديهم قد يصل لمدة 23 ساعة في حين أن بعض المسلمين في حين أن بعض المسلمين بمدينة نوريلسك في سيبيريا الروسية قد يصومون لمدة 21 ساعة باليوم !!.

رمضان في الغربة كربة
إذا كان صيام رمضان في الفضاء تجربة لا تنسى فبدرجة أقل تجربة الصيام في أرض الصقيع وفي بلاد غريبة تجربة تستحق الذكر والتوثيق. ومن أقدم ما نقل لنا في هذا السياق تجربة الرحالة العربي القديم أحمد بن فضلان إلى بلاد البلغار والروس وما يهمنا هنا أنه في عام 309 هجري داهم فصل الشتاء ابن فضلان ورفاقه وهم في مدينة جرجانية غرب أوزباكستان وهنا يصف ابن فضلان كيف أن نهر جيحون جمد من شدة البرد والصقيع لدرجة أن الخيل والبغال أصبح بإمكانها المشي فوقه. ويصف ابن فضلان  أنه من شدة البرد (.. كنت أخرج من الحمام فإذا دخلت البيت نظرت إلى لحيتي وهي قطعة واحدة من الثلج حتى كنت أدنيها من النار) وفي موضوع آخر يصف الملابس الثقيلة التي كانوا يحتاجونها لاتقاء الزمهرير (.. كان كل رجل منا عليه قرطق وفوقه خفتان وفوقه بوستين وفوقه لبادة وبرنس ولا تبدو منه إلا عيناه، وسراويل طاق وآخر مبطن وران وخف كيمخت وفوق الخف خف آخر فكان الواحد منا إذا ركب الجمل لم يقدر أن يتحرك لما عليه من الثياب). وبسبب أن البرد والصقيع منع ابن فضلان ورفاقه من إكمال سفرهم إلى بلاد الصقالبة لذا أدرك شهر رمضان ابن فضلان وهو في هذه الأجواء الرمضانية الشاتيه.
 أخبار وقصص رواد الرحالة العرب زاخرة بالعديد من التشويق ومع ذلك قد لا يعتبر وصف ابن بطوطة مشاهداته للمدن التي توافق مروره بها أثناء شهر رمضان (في سنوات مختلفة) مثل مكة المكرمة ودمشق والقاهرة، لا يعتبر من الأمور (خارج سياق المألوف) بحكم أنها بلاد عربية أصيلة ومعروفة بشكل كامل. لكن في المقابل نجد أن وصف الرحالة ابن جبير الاندلسي لزيارته غير المتوقعة لجزيرة صقلية في شهر رمضان ينطبق وصفها على حديثنا هنا عن (رمضان خارج النسق). في عام 578 هجري سافر ابن جبير الاندلسي لأداء فريضة الحج وفي طريق العودة إلى الاندلس كان قراره (خارج المألوف) أن يسافر على سفينة إيطالية من ميناء مدينة عكا (في حينها ما زالت تحت حكم الصليبيين) بدل أن يبحر مثلا من الإسكندرية وباستخدام سفينة عربية. وعلى كل حال ونظرا لهبوب عاصفة بحرية هوجاء كاد القارب أن يغرق لهم قرب ساحل جزيرة صقلية لولا إغاثة ملك الجزيرة (العاشق للعرب) لهم حيث أشرف بنفسه على عمليات الانقاذ واستقبل جميع الركاب من العرب والفرنجة استقبالا حسنا. وكان نزولهم للسواحل الصقلية في مطلع شهر رمضان من ذلك العام حيث نزلوا بمدينة مسينه والتي وصفها بأنها (وليس فيها من المسلمين إلا نفر يسير من ذوي المهن ولذلك يستوحش بها المسلم الغريب) وهي بهذا على النقيض من عاصمة البلاد مدينة باليرمو التي بها جالية إسلامية كبيرة لدرجة أن لهم فيها اسواق خاصة فضلا عن مساجدهم الكثيرة.  ويذكر ابن جبير أن ملك صقلية المدعو غليام يكثر من استعمال المسلمين (وهو كثير الثقة بالمسلمين وساكن إليهم في أحواله والمهم من أشغاله) ليس هذا فحسب فهذا الملك (أما جواريه وحظاياه في قصره فمسلمات كلهن) ويبدو أن تلك الجواري على ديانة حسنة لدرجة  (أن الافرنجية من النصرانيات تقع في قصره فتعود مسلمه) من تأثير الجاريات المسلمات. ومن أغرب ما ذكر ابن جبير عن هذا الملك المتسامح مع دين الاسلام أنه حصل مره زلزال بالجزيرة وعندما خاف الجميع تفاجأ الملك أنه عندما  (كان يتطلع في قصره فلا يسمع إلا ذاكرا لله ولرسوله من نسائه وفتيانه).
بهذه الاجواء المرحبة والمتسامحة مع الوجود الإسلامي نفهم أن وجود الجاليات المسلمة في يدار الغرب ظاهرة قديمة جدا ونفهم في نفس السياق لماذا أقام الجغرافي والرحالة العربي الكبير الإدريسي لسنوات طويلة وهو يقيم في جزيرة صقلية في كنف ملكها روجر الثاني. وللأسف نكشف معلومة (معروفة للبعض) أنه لهذا الملك المسيحي قام الإدريسي بتأليف كتاب المشهور نزهة المشتاق في اختراق الافاق والذي يعرف كذلك باسم (كتاب روجر). ليس هذا وحسب بل أن (خريطة الادريسي) الفائقة الشهرة كانت بطلب مباشر من الملك روجر للإدريسي بأن يصنع له خريطة وكره من الفضة على هيئة أقاليم الارض السبعة. الجدير بالذكر أن الإدريسي توفي في جزيرة صقلية عام 560م أي قبل وصول ابن جبير لها بثمانية عشر سنة وبعد هذا التاريخ بأكثر من قرنين من الزمان سوف تحصل قصة من أغرب القصص عن رحّال وجغرافي عربي آخر يدعى الحسن الوزان الأندلسي (أو ليون الإفريقي كما يعرف في الغرب). تبدأ القصة العجيبة للحسن الوزان عندما عاد من الحج وكما تعرض ابن جبير للتوقف في صقلية توقفت سفينة الحسن الوزان في جزيرة جربة بتونس وهنالك تعرض للخطف والأسر من قبل القراصنة الايطاليين واقتيد لاحقا إلى مدينة روما كهدية للبابا ليون العاشر الذي أجبره على اعتناق المسيحية وتغيير أسمه إلى ليون الافريقي. وبعد أن اقام الوزان لسنوات طويله في الأسر في روما وقام بتأليف العديد من الكتب أهمها كتاب الجغرافي (وصف أفريقيا) يقال أنه بعد وفاة البابا ليون العاشر ُسمح أخيرا لسميه ليون الإفريقي بالرجوع إلى تونس وهنا استعاد شخصيته الاسلامية وديانته. السؤال الأن هل كان الحسن الوزان أثناء حياة الإقامة الجبرية في روما يصوم شهر رمضان بالخفية وهذا أمر يصعب الجزم به ولكن أسير عربي آخر أقام لعدة سنوات في الحبس في أرض الفرنجة ومع ذلك كانت أشعاره توحي بارتباطه بشعائر دينه وعادات أهله. وهذا ما حصل مع الشاعر العربي الكبير أبي فراس الحمداني الذي كما هو معلوم وقع هو الآخر في الأسر على يد الروم ونقل للحبس في مدينة روما الشرقية (مدينة القسطنطينية) التي أقام فيها لمدة قاربت الأربع سنوات وهنالك من رحم المعاناة والمأساة ولدت قصائد (روميات) أبي فراس الرائعة. ما أصعب الذكريات على الأسير والغريب ولهذا يكون حالهم بعد أن يتقضى شهر الصيام وتحل فرحة العيد كما قال الأول:
هذا هو العيدُ أين الأهلُ والفرحُ             ضاقت به النفسُ أم أودت به القرحُ
وأين أحبابنا ضاعت ملامحهم               من في البلاد بقى منهم ومن نزحوا
ولهذا كان من الأبيات الشعرية التي جادت بها قريحة أبو فراس الحمداني عندما حل عليه عيد الفطر وهو في الأسر:
يا عيدُ ما عُدت بمحبوبِ                 على مُعنى القلبِ، مكروبِ
يا عيدُ قد عُدت على ناظِرٍ              عن كل حسنٍ فيك، محجوبِ

شهر الصيام بعيون غربية
وفي الختام بعد أن عرجنا لذكر طرف مختصر عن ذكريات الرحالة العرب مع شهر الصيام لعلنا نختم بتوجيه الأنظار لزاوية رؤية مختلفة تتمثل في الشهادات التي سطرها الرحالة الغربيين والمتعلقة بشهر رمضان في البلاد العربية التي زاروها. من ذلك مثلا أن الرحالة الانجليزي تشارلز داوتي في كتابه (ترحال في صحراء العرب) ذكر أنه عندما كان في صحراء تيماء مع البدو في حدود عام 1876 وحل عليهم شهر رمضان حصل نقاش بين البدو حول ظهور العلامات الكافية لثبوت دخول الشهر. بل أن النقاش بينهم وصل لدرجة أن بعض الحاضرين رد بقوله (بأن الناس في المدن يعتمدون على الحساب الهندي في تحديد الشهر وإن ذلك الحساب دقيق ولا يخطئ مطلقا) وكأن حال بدو العرب لم يتغير منذ قرون فيما يتعلق بالجدال المتواصل حول رؤية الهلال. ومن غرائب الصدف أنه في نفس تلك السنه أي عام 1876 كان القنصل الأمريكي ألبرت فارمان يسجل انطباعاته عن مظاهر الاحتفال بدخول شهر رمضان في مدينة القاهرة وكيف أن الرجال يخرجون للتلال العالية خلف قلعة صلاح الدين لترائي هلال رمضان (وفور ثبوته يعودون بالبشرى .. وتسير المواكب الرسمية والشعبية المبتهجة في أرجاء القاهرة معلنة بدء صيام رمضان).
 بدون منازع قد يكون الرحالة السويسري يوهان بوركهارت أهم مستكشف أوروبي زار البلاد العربية (اشتهر باكتشافه المزعوم للبتراء في الاردن ومعبد ابو سنبل الفرعوني في أسوان) كما يعده البعض أول رجل غربي يؤدي فريضة الحج. ومن حسن الطالع كذلك أنه وصل لمدينة مكة المكرمة في عام 1814 في بداية شهر رمضان المبارك وبهذا رصد في كتابه البالغ الاهمية (رحلات في شبه الجزيرة العربية) كيف يحتفي أهل مكة بدخول الشهر الكريم وذلك من خلال (إضاءة جميع مصابيح القناطر المعلقة في قباب الحرم والتي يبلغ عددها 152 قبة) وفي هذه الاجواء الرمضانية الباهرة عقد بوركهارت مقارنة بين تجمع الناس في الحرم في ليالي رمضان وبين التجمعات الليلية الاوروبية.
وبحكم أن الصورة تغني عن ألف كلمة كما يقال فلعلنا نختم موضوع نظرة الغربيين عن شهر رمضان بأمر يتعلق بالمشاهدة الفعلية وليس الوصف المكتوب ولهذا من الملائم الاشارة إلى اهتمام بعض فناني الرسم الاستشراقي بتوثيق الشعائر الدينية الاسلامية في لوحاتهم الفنية. وربما من أهم من يمكن ذكره في هذا المجال الرسام التشكيلي الفرنسي إتيان دينييه الذي أعتنق الاسلام عام 1913 وغير اسمه إلى ناصر الدين دينية وقد تميز بشكل خاص بتوثيق المواضيع الدينية والشعائر التعبدية لدى المسلمين في الصحراء الجزائرية. وقد خص ناصر الدين دينيية طقوس شهر رمضان وعاداته بالعديد من اللوحات الفنية ومن أشهرها لوحة (سحور رمضان) ولوحة (غداة رمضان) ولوحة (مراقبة هلال العيد) ولوحة (بعد رمضان).


الثلاثاء، 15 مايو 2018

( الكاريزما السياسية .. رصيد لا ينفذ )

مهاتير محمد كاريزما سياسية طاغية وتواجد مستمر

د/ أحمد بن حامد الغامدي

للمرة الثانية يتم انتخاب مهاتير محمد لمنصب رئيس الوزراء الماليزي وهو في سن متقدم جدا حيث أنه قد تخطى سن التسعين كما أنه قد أنقطع عن الممارسة السياسية لسنوات طويلة منذ استقالته عام 2003م. قد لا يكون مهاتير محمد شخص متجدد الشباب ولكنه بالقطع شخص متجدد الحضور السياسي الطاغي والمؤثر. ففي حين أن بعض محترفي السياسية قد يغيب من المشهد السياسي عند أول انكسار أو هزيمة نجد أن مهاتير محمد ومن هم على منواله يتم تجديد انبعاثهم السياسي بعد كل منعطف حاد في مسيرتهم الملحمية.
في  سن الرابعة والاربعين فقد الطبيب الشاب مهاتير محمد مقعده الانتخابي بعد أن أقيل من البرلمان الماليزي وتم طرده كذلك من الحزب الذي ينتمي إليه ومع ذلك استمرت جذوة الحيوية السياسية له بالتزايد ليصل إلى منصب رئيس الوزراء في عام 1981م. الكاريزما السياسية لمهاتير محمد ضمنت له تحقيق المعجزة مرة ثانية بأن يصل لمنصب رئيس الوزراء وهو يترأس تحالف المعارضة ضد حزبه القديم وبهذا أثبت مهاتير محمد مره بعد مره أن رصيده السياسي زاخر وعامر وأنه يستطيع تكرار الانتصارات حتى بدون دعم قواعده الحزبية وإنما بدعم قواعده الشعبية واحترام الأمة له وثقته فيه وأنه خير من سوف يكون مؤهلا لأن يقطف ثمار استراتيجية (2020) لتطوير الاقتصاد الماليزي التي أعلن عنها عام 1991م.
الشخصيات ذات الحضور التاريخي الطاغي تتبع الحكمة القائلة (السقوط مسموح .. لكن النهوض واجب) لسبب أو آخر قد يتعثر القائد السياسي ولكن إذا كان ذا شخصية كاريزمية فما أسهل أن ينهض واقفا ويعاود المسير. وخير مثال يمكن ذكره في هذا المجال الامبراطور الفرنسي الاشهر نابليون بونابرت الذي لم يواجه قائد عسكري إخفاقات حربية وانتصارات سياسية كما حصل معه. بعد الانتصارات الاولية المذهلة للشاب بونابرت في ايطاليا تعرض لإخفاق مخزي في هزيمته البحرية في أبي قير في مصر وكذلك في اجباره عن التراجع عن حصار عكا وبالرغم من هذا الاخفاق العسكري إلا أن سمعته السياسية والادارية كانت عالية لدرجة أن الامه الفرنسية استدعته عام 1799م  لتولى زمام الحكم في باريس. لقد نهض نابليون بعد فشل حملته العسكرية في مصر وكذلك في مستقبل الايام سوف ينهض مرة ثانية بعد فشل غزوه العسكري لروسيا وعندما اضطر نابليون أن يتنازل عن العرش عام 1814م وتم نفيه إلى جزيرة ألبا الصغيرة أعتقد البعض أن أثر نابليون تلاشى نهائيا من التاريخ. وعندما هرب نابليون من منفاه أعتبر في البداية مجرما وتم تجهيز جيش للقبض عليه ولكن بمجرد من نوله على الاراضي الفرنسية وهو شبه أعزل من السلاح والمرافقين واذا بشخصيته الباهرة تسلب لب الأمة الفرنسية مرة ثانية ويتم إعادة تنصيبه حاكم على البلاد. ثم أخيرا بعد أن تتم هزيمته الاخيرة في معركة واترلو الشهيرة ويتم نفيه إلى جزيرة سانت هيلانه في أقصى جنوب المحيط الاطلسي ظن قادة الدول الاوروبية أنهم تخلصوا منه وإلى الابد وما علموا أن شخصيته الكاريزمية ذات الاثر السياسي الطاغي حتى بعد وفاته هي من سوف تسهل في مستقبل الايام لأبن أخته لويس نابليون أن يحكم فرنسا عام 1848م ويطيح بالملكية مرة ثانية ليصبح أخيرا (الامبراطور نابليون الثالث).
في العصر الحديث ربما لم يحصل سياسي على هالة وبريق ديبلوماسي مثل ما حازه رئيس الوزراء البريطاني ونستون تشرشل أيقونة النجاح السياسي والعسكري في القرن العشرين بل يكفيه أنه رئيس الوزراء الوحيد في التاريخ الذي حاز جائزة نوبل في الأدب بسبب بلاغته اللغوية والخطابية التي صنعت له المجد. وكما حصل مع نابليون صعد تشرشل سلم المجد وهو يسقط ويتعثر مع كل درجة ففي مطلع شبابه دخل البرلمان البريطاني عام 1900م ولكن سرعان ما تم الاطاحة به بسبب أداءه السيء في التمثيل النيابي. واثناء الحرب العالمية الأولى تم اختيار تشرشل لمنصب وزير البحرية البريطانية لكنه طرد من منصبه عام 1915م بعد هزيمته الكارثية في معركة غاليبولي في تركيا. ومع كل هذه الاخفاقات السياسية والعسكرية إلا أن رصيد تشرشل وثقله السياسي كان وبشكل عجيب يتزايد مع الزمن فسرعان ما تم توليته أكثر من منصب وزاري في فترة العشرينات من القرن الماضي ثم توالت بعد ذلك هزائمه في الانتخابات البرلمانية وهي السنوات الحرجة من حياته التي سمها لاحقا (سنوات البرية). في بداية اندلاع الحرب العالمية الثانية تم استدعاء تشرشل للعمل كوزير في الحكومة وبسبب الكاريزمية العالية التي كان يتمتع بها كانت الرسالة التي طمأنت الشعب البريطانية (ونستون، قد عاد)  ولهذا لا غرابة أن يتم بعد ذلك بشهور قليله تعيين (ونستون العائد) في منصب رئيس الوزراء. لقد خلد تشرشل أسمه في كتب التاريخ بنجاحه في حماية الأمة البريطانية من السقوط تحت براثن النازية الغاشمة ولهذا كان لتشرشل مكانة سامية في شعور الأمة الانجليزية لكن الغريب في الأمر أن تشرشل لم ينجح في الانتخابات الرئاسية التي تلت الحرب مباشرة لأن الأمة البريطانية الواعية كانت ترى (أن الرجل الذي يقود الحرب لا يمكنه أن يقود السلام) وهو ما يفسر سبب فشل جميع الانظمة العسكرية الحاكمة والمتسلطة. بقي أن نقول أخيرا عن تشرشل أن قاعدة (الكاريزما السياسية .. رصيد لا ينفذ) ضمنت له أنه بعد ذلك الفشل الغريب عندما تقدم تشرشل لخوض الانتخابات الرئاسية عام 1952 استطاع أن  ينجح فيها بكل يسر بسبب أرثه الزاخر بالخبرة السياسية والعسكرية نادرة الوجود.

كاريزما مهددة بالإفلاس
في كتابه ذائع الصيت والبالغ الاهمية (سيكولوجية الجماهير) أشار المفكر الفرنسي البارز غوستاف لوبون إلى أنه يمكن التلاعب بمواقف الجماهير عن طريق التأثير في (روح الجماعة) مما يتسبب لها في التطرف بالمشاعر وبالتالي تصبح قابلة للتأثر والتصديق. في نفس ذلك الكتاب يأسف غوستاف لوبون بأن الأمه الفرنسية أقل عقلانية من الأمة الانجليزية ولهذا على العكس من الانجليز الذين حرصوا أن يحجموا سلطة تشرشل بعد الحرب العالمية أتخذ الفرنسيون القرار المعاكس بانتخاب الجنرال الفرنسي البارز شارل ديغول (الذي قاد الحرب فهل سوف يقود السلام) لمنصب رئيس الدولة وبالرغم من أن ديغول يوصف بأنه مؤسس الجمهورية الفرنسية الرابعة إلا أن أدائه السياسي بعد الحرب لم يكن على مستوى التطلعات لدرجة أنه استقال بعد شهور قليله من توليه المنصب. وبعد تخبط الحكومة الفرنسية لعدة سنوات بعد الحرب العالمية الثانية وبداية فقدانها المتولي لمستعمراتها والدول التي تسيطر عليها أعلن شارل ديغول في انتخابات عام 1958 أنه (في خدمة البلد) وهنا يتم إعادة انتخاب ديغول ليس فقط لمنصب رئيس الحكومة ولكن لشرف نيل (مؤسس الجمهورية الخامسة). في واقع الأمر الرصيد الكاريزمي لشارل ديغول في وجدان الأمة الفرنساوية لم يكن فائق الوفرة بدليل أنه بعد انتخابه بعشر سنوات خرجت مظاهرات شعبية عارمة ضده في عام 1968 ولهذا عندما تم إجراء استفتاء عام في فرنسا حول أداء ديغول والاصلاحات الادارية التي طلبها و خسر في هذا الاستفتاء ولهذا أعلن ديغول عن تنحيه عن منصبه واعتزاله العمل السياسي تماما.

وفي خاتمة المطاف بالفعل لقد أثبتت الأمة الانجليزية أنها (في بعض الاحيان) قمة في الدهاء وبعد النظر السياسي عندما أصرت على تطبيق شعار (الرجل الذي يقود الحرب لا يمكنه أن يقود السلام). للأسف شعوب كثيره واجهت كوارث هائلة عندما سمحت للقائد العسكري ذو الرصيد الكاريزمي الطاغي أن يطغى ويتولى قيادة دفة الحكم بفردية واستبدادية. في وقعنا العربي ولأسباب معقدة ربما يكون جمال عبد الناصر ربح شعبية هائلة بعد نجاته بأعجوبة من كارثة حرب 56 ولكنه أضاع البلد والامة العربية جمعاء ليس فقط في هزيمة 67 ولكن بترسيخه للأسلوب الحكم السلطوي الغاشم. وعلى نفس النسق قد يكون الزعيم والقائد العسكري الصيني البارز ماو تسي تونغ نجح في مسيرة (الزحف الكبير) العسكرية وثورته السياسية لكنه في زمن السلم فشل فشلا ذريعا (ومهلكا لعشرات الملايين من الشعب) في ثورته الصناعية (مشروع القفزة الكبرى إلى الامام) وثورته الثقافية البائسة ومشروع الاصلاح الزراعي الماحق. وبدرجة أخف نجح الجنرال والقائد العسكري الكولومبي المعروف سيمون بوليفار في تحرير العديد من دول أمريكا اللاتينية من حكم الامبراطورية الاسبانية في مطلع القرن التاسع عشر وبهذا يعتبر بحق الاب الروحي للعديد من دول امريكا الجنوبية مثل كولومبيا وفنزويلا والاكوادور وبيرو وبنما بل أن أسم دولة (بوليفيا) مسمى على أسمه. ومع ذلك عندما انتهت الحرب وبدأ السلام وحاول أن يجمع هذه التكتلات المنفصلة في اتحاد سياسي واحد فشل فشلا ذريعا وبدل من ذلك نشبت بينها حروب طاحنة هي ما تسبب وحتى الان في تخلف وضعف شعوب تلك الامم.
وعلى ذكر مصير دول أمريكا اللاتينية البائس المنسحب من مصير جنرالاتها الأكثر بؤسا تجدر الاشارة إلى أن المصير المحتوم لصاحب الكاريزما المدوية بعد أن يفقد رصيده السياسي ويفلس يصبح على شاكلة (عزيز قوما ذل) وهذا ما دفع الروائي الكولومبي الذائع الصيت والحائز على جائزة نوبل في الادب غابرييل ماركيز لتوظيف هذه الشخصيات الثرية من الناحية الدرامية في بعض أشهر رواياته الادبية. وكما هو معلوم تدور رواية (الجنرال في متاهته) حول حياة الجنرال سيمون بوليفار في أواخر حياته عندما فقد بريقه السياسي وتأثيره الاجتماعي الطاغي بينما رواية (خريف البطريرك) هي صرخة أدبية لإدانة الديكتاتورية منذ بدايتها وطفولتها وحتى خريف العمر لها.

الخميس، 22 مارس 2018

( كُتب غيرت مجرى التاريخ )

الكتب .. تهذيب للطباع وتغيير لمسار البشرية

د. أحمد بن حامد الغامدي
هل يمكن لك أن تتخيل (عالم بلا كتب). لن أنتظر إجابه منك قارئي العزيز لأنه في عالم بلا كتب لن يصلك سؤالي هذا أصلا حيث أن ذلك العالم الافتراضي سوف يكون عالم بدائي وكئيب وصامت لا تواصل عن بعد بين أفراده لانعدام التقنية.والأن لنقلب السؤال ليصبح : هل يمكن تخيل (كتب بلا عالم) شخصيا لا أتخيل ذلك واستبعده وإن كان الاديب والفيلسوف الامريكي رالف إميرسون يقول أن (الكتب هي الآثار الاكثر بقاءً عبر الزمن) وهذه مقوله حكيمة ذات دلالة رمزية بلاغية لكن يصعب تخيل كتب حقيقة تبقى بعد تلاشي العالم المحسوس. ومع ذلك ومنذ فجر البشرية ضمنت الكتب لها (خلود التأثير) وديمومةالأثر المتواصل في تشكيل مجرى التاريخ الانساني في الماضي والحاضر والمستقبل. ومن هنا نفهم مقولة الشاعر الالماني هرمان هسه (دون الكلمات أو الكتب لم يكن ليوجد شيء اسمه تاريخ ولم يكن ليوجد مبدأ الانسانية).
منذ منتصف القرن السابع عشر أعجب الجميع بمقولة الشاعر الانجليزي البارز جون ميلتون (الكتب ليست اشياء ميته على الاطلاق) لكن كل من أدرك كيف تغير الكتب العالم وتعيد تشكيل مسار التاريخ يعلم أن تلك العبارة هي محاولة شاعرية فقط لتوكيد بدهية ملموسة. صفحات الاوراق الرقيقة قد تكون أكثر أثرا في تغيير البشرية من حد السيف أو رصاص البنادق أو حتى كهرباء العلوم ومخترعات التقنية. صحيح أن سلاح البارود أو حتى الطائرات المقاتلة في المدى الزمني القصير تستطيع إعادة تشكيل عالم السياسة  لكن الكلمة الاخيرة للتغيير الدائمهي مجال (عالم الافكار) وهذا بالضبط ما تنجح في تحقيقه الكتب عبر المدى الطويل للزمن فتأثيرها في الغالب بطيء لكن أكيد المفعول (slow but sure).

كتب مفصلية في تاريخ البشرية
نحن نعيش في هذه الأيام الحدث الثقافي الابرز وهو معرض الرياض الدولي للكتاب ولذا لعل من المناسب إعطاء تلميح لهواة الكتب وعشاق القراءة عن تصور عام لبعض أهم وابرز الكتب على مر العصور التي لها دور ملموس في تشكيل مسار الحضارة البشرية. من نافلة القول الاشارة إلى أن تحديد أكثر الكتب أهمية محورية هو حكم  وانطباع شخصي قابل تماما للنقاش والجدل والتصويب.
قوة وديمومة التأثير تأتي من قوة الافكار والرؤى ولا اقوى من أثر التصورات والمعتقدات الدينية ولهذا لا غرابة أن أكثر خمسة أشخاص تأثيراً في التاريخ (وفق كتاب المائة الاوائل لمايكل هارت)هم من مؤسسي الأديان الكبرى. وعلى نفس النسق فإن أكثر الكتب تأثيرا في تاريخ البشرية هي الكتب الدينية. وبحكم أننا نناقش هنا الكتب (البشرية) التي هي من تأليف البشر لذا سوف نستثني ذكر الكتب السماويةالمقدسة والمنزلة من عند البارئ سبحانه وتعالى.وهذا يقودنا لذكر أحد اقدم كتب الاديان الشرقية وهو كتاب الهندوسية المقدس (رج فيدا) والذي هو أدعية وترانيم للشعائر الدينية بينما كتاب (شريعة بالي) يعتبر من أهم الاصول الديانة البوذية وكتاب التعاليم Analects في العقائد الصينية يلقب (بإنجيل كونفوشيوس) نسبة إلى الفيلسوف الصيني المشهور مؤسس الديانة الكونفوشيسية وأخيرا يعتبر كتاب (الأفيستا) أهم كتاب مقدس لدى أتباع الديانة المجوسية الزرادشتية.
كما هو معلوم ليست الكتب المقدسة هي فقط من تشكل معتقدات وافكار أتباع المذاهب الدينية بل العديد من الكتب المؤلفة من رجال الدين لها أثر بارز في حياة البشر مثل كتاب (التلمود) في اليهودية وكتاب (مدينة الله) للقديس المسيحي أوغسطين وكتاب (الخُلاصة الاهوتية) للقديس توما الأكويني وصحائف (القضايا الخمس والتسعون) لمؤسس المذهب البروتستانتي مارتن لوثر.
بينما نجد أن الكتب المفصلية في مسيرة الحضارة الاسلامية كثيرة ومتنوعة وأهمها على الاطلاق كتاب (الجامع الصحيح) للإمام البخاري ثم بعد ذلك كتاب (التفسير الكبير) للإمام الطبري. وبالرغم من تأثير أئمة المذاهب الفقهية في تشكيل معالم الهوية الاسلامية إلا أن ذلك تم في الغالب من خلال فتاويهم وحلقاتهم العلمية أكثر من كتبهم المؤلفة وإن كنا لا نقلل من أهمية كتاب (الموطأ) للإمام مالك أو كتاب (الرسالة) للإمام الشافعي ومجلدات (مجموع الفتاوى) لشيخ الاسلام ابن تيمية. الغريب في الأمر أنه على الرغم من أهمية كتب التوحيد والعقائد الأصولية إلا أن شهرتها شبه مقصورة على طلاب العلم والمتخصصين فكم منا قد قرأ كتاب (لمعة الاعتقاد) لأبن قدامة المقدسي أو كتاب شرح أبن أبي العز للعقيدة الطحاويةأوكتاب (الاعتصام) للشاطبي. ومع ذلك بعض الكتب العقائدية واسعة التداول والأثر في النطاق السلفي مثل العقيدة الواسطية لأبن تيمية وكتاب التوحيد للشيخ محمد بن عبدالوهاب. أما فيما يخص الفرق الاسلامية الأخرى فلكتاب (الكافي) مكانة راسخة في المذهب الشيعي بينما للطرق الصوفية إجلال خاص لكتاب (الفتوحات المكية) لمحي الدين أبن عربي و كتاب (إحياء علوم الدين) لحجة الاسلام الغزالي في حين أن كتاب (الملل والنحل) للشهرستانييعتبر مرجع أساسي لفهم أصول ومعتقدات الفرق والمذاهب الاسلامية المتنوعة.

الكتب السياسية والنضال الفكري
بدون جدال للكتب الدينية والفكرية تأثير خالد في حياة مئات الملايين من البشر عبر العصور ولهذا هي جديرة بمقولة المناضل الامريكي المسلم مالكوم إكس (إن الناس لا تعرف أن كتاباً واحداً يكفي أن يغير حياة الانسان) ولهذا تمتعت الكتب الدينية ومؤلفيها بصفة التبجيل والتقديس. أما الكتب الثورية في مجال السياسة فشقت طريقها إلى مجد الشهرة عبر طريق مفروش بالأشواك والدموع والدماء ومن رحم المعاناة كٌتب لها الانتشار وأصبحت كما قال الكاتب والمؤرخ الاسكتلندي توماس كارليل (معظم الكتب الخالدة نُقشت بدماء كتابها). الكتابة في مجال النقد والتغيير السياسي تكون في الغالب خطرة ولهذا تتسم بروح المغامرة والرغبة الجامعة للتصحيح وهي عناصر هامة لإكساب الكتاب جودة وكيمياء الاقناع والتأثير ومن هذا وذاك نفهم لماذا قال الفيلسوف الالماني نيتشه (من بين كل الكتب لا أحب سوى ما كتبه الإنسان بدمه). أصحاب الفكر السياسي الثوري هم أبعد الناس عن إتباع النصيحة الذهبية للديب العرب ابن الورد عندما قال (جانب السلطان وأحذر بطشه .... لا تُعاند من إذا قال فعل) ولهذا السياسي البريطاني السير توماس مور أحد أبرز رواد الفكر السياسي خالط الملك هنري الثامن وتجرأ على (النقد المبطن) لسياسة حكمه عندما نشر كتاب (اليوتوبيا: المدينة الفاضلة) لكنه في خاتمة المطاف خسر رأسه عندما أعدم في برج لندن عندما عاند الملك في طلاقه الشهير وانشقاقه عن الكنيسة الكاثوليكية. والكاتب والمفكر الفرنسي الشهير جان جاك رسو الذي يعتبر أحد آباء الثورة الفرنسية عندما نشر (خطاب عن عدم العدالة) أثار عليه غضب السلطة الحاكمة وأثرياء من الطبقة الارستقراطية مما جعله يضطر لمغادرة مدينة باريس. ونفس مصير التشرد والنفي تعرض له المفكر والسياسي الانجليزي المعروف جون لوك الذي هاجر إلى هولندا وعاش بها كمعارض سياسي وبها نشر كتابه السياسي المؤثر (مقالتان عن الحكومة). في الواقع فإن أحد أكثر الكتب السياسية تأثيرا في التاريخ كان كتاب (عن الحرية) للسياسي والفيلسوف الانجليزي البارز جون ستيورات ميل وبعد نضال سياسي مشرف فضل أن يقضي العقود الأخيرة من حياته في فرنسا. أما أخطر مفكر سياسي شارك بفعالية في الثورات السياسية الكبرى فهو الكاتب والمفكر الإنجليزي الأصل توماس بين الذي هاجر إلى أمريكا عام 1774 وساهم بعد ذلك بسنة واحدة في انطلاق الثورة الامريكية واستقلالها عن التاج البريطاني. ولهذا ألف توماس بين كتاب (الفطرة السليمة Common sense) الذي هاجم فيه الحكم الملكي وناصر استقلال الشعوب ولهذا يقال أن الجنرال الامريكي جورج واشنطن (أول رئيس للولايات المتحدة) أمر بقراءة هذا الكتاب على جميع الجنود من باب رفع الروحة المعنوية والقتالية لهم كما تجدر الاشارة إلى أن لتوماس بين كتاب سياسي آخر لا يقل أهمية حمل عنوان (حقوق الرجل).
وبعد عقود وقرون من النضال السياسي والثورات الفكرية المزلزلة للأنظمة السياسية انتشرت المبادئ الديمقراطية وحقوق الانسان و(حرية الفكر) لدرجة أن نشر كتب سياسية تحريضية ضد الحكومات أصبح أمر مقبول من الناحية السياسية. ومن أوضح الأمثلة على ذلك أنه في منتصف القرن التاسع عشرقامالمفكر الامريكي هنري ديفيد ثوروبتأليف كتاب خطير بعنوان (العصيان المدني) يحض الشعب الامريكي على مقامة وعصيان طاعة الحكومة الامريكية ومع ذلك لم يتعرض له أحد بسوء. ثم بعد ذلك بحوالي القرن قام الثائر الاحمر الشيوعي تشي غيفارا بنشر كتاب (حرب العصابات) الذي ألهم عشرات الاف من الثوار والانفصاليين السياسيينومع ذلك كان يسمح له بالتنقل بين مختلف دول العالم ومن ضمنها الدول الغربية. وفي وقتنا المعاصر يُتهم استاذ العلوم السياسية الامريكي جين شارب بأنه المنظر أو عراب الثورات السياسية الملونة الاخيرة (مثل ثورة أوكرانيا وثورة جورجيا وثورات الربيع العربي) ذلك من خلال  كتابه (التحرير الذاتي) الذي هو بمثابة دليل إرشادي لكيفية إدارة وتوجيه الثورات السياسية ضد الطغيان والاستبداد.
بقي أن نقول أنه عبر القرون الماضية ظهرت العديد من الكتب المتخصصة في قضايا السياسة الاقتصادية والفكر المالي كان لها أثر محوري في التاريخ البشري الحديث مثل كتاب (ثروة الأمم) للمفكر الاقتصادي الاسكتلندي المشهور أدم سمث وكتاب (رأس المال) للفيلسوف الالماني الشيوعي كارل ماكس وكتاب (النظرية العامة للتوظيف والربا والمال) لعالم الاقتصادي البريطاني جون كينز مؤسس نظرية الاقتصاد الكلي.
فيما يتعلق بتأثير الكتب ذات البعد السياسي داخل النطاق العربي فأثرها بالجملة باهت وضعيف فبالمقارنة مع الموسوعات الضخمة الفقهية عبر العصور لا تزيد كتب السياسية الشرعية عن اصابع اليد الواحدة مثل كتاب (الأحكام السلطانية) للماوردي أو كتاب (غياث الأمم في التياث الظلم) لإمام الحرمين الجويني. وفي العصور الحديثة تكررت مشاكل كتاب الفكر السياسي مع أهل السلطة فرائد الاصلاح العربي خير الدين التونسي صاحب كتاب (أقوم المسالك في معرفة أحوال الممالك) عندما دعا إلى تحقيق العدل والمساواة في حكم الرعية تم التضييق عليه لدرجة أنه أعتزل الحياة العامة لعدة سنوات ثم أخيرا هاجر من تونس إلى تركيا. وكذلك رائد النهضة العربية المفكر السوري عبدالرحمن الكواكبي صاحب كتاب (طبائع الاستبداد ومصارع الاستعباد) تعرض للتهجير من مدينة حلب عندما قاوم بشراسة السلطات العثمانية في بلاد الشام ويقال إنه عند وفاته قتل مسموما. وربما يكون أخطر الكتب الفكرية ذات الأثر السياسي كتاب (معالم في الطريق) لسيد قطب وكتاب (الفريضة الغائبة) لمحمد عبدالسلام فرج وهذه الكتب هي المرتكز الفكري للتنظيمات المسلحة الجهادية والتكفيرية وكما هو معلوم تم إعدام مؤلفي هذه الكتب. الغريب في الأمر أنه حتى مؤلف كتاب (في سبيل البعث) وهو مفكر القومية العربية المشهور ميشيل عفلق لم يسلم من تقلبات السياسة فبالرغم من أنه مؤسس حزب البعث السوري إلا أنه فر بحياته إلىالعراقبعد أن حكم عليه بالإعدام في دمشق والاغرب من ذلك أنه طاردة شؤم السياسية حتى بعد موتهففي عام 2003 وفي حمى اجتثاث حكم حزب البعث من العراق تم تدمير قبره في مدينة بغداد.

تشريح تأثير الكتب العلمية
أحد اشهر الكتب التي ألفها الفيلسوف وعالم الرياضيات البريطاني المعروف برتراند راسل هو كتاب (أثر العلم على المجتمع)الذي ظهر عام 1952 وبالرغم من أن عنوان الكتاب مباشر إلى إنه قوي الدلالة والمعنى لدرجة أن وكالة الفضاء الامريكية ناسا عندما أرادت أن تحتفل بمرور 25 على أنشائها كلفت الاديب والعالم الامريكي المشهور إسحاق عظيموف أن يؤلف كتاب بنفس العنوان. خطورة تأثير العلم في تاريخ البشرية أنه ليس فقط غير اسلوب حياتنا our live لكن ايضا غير اعتقاداتنا our believeولهذا لا عجب أن تتحول بعض كتب أشهر العلماء مثل أينشتاين وداروين من كتب علمية الفحوى إلى كتب فلسفية التأثير. وعلى ذكر كتب الفلسفة ربما كانت تستحق الافراد بالذكر لأنها بالقطع ينطبق عليها التوصيف (كتب غيرت مجرى التاريخ) لكنها على العكس من الكتب الدينية والسياسية والعلمية كان تأثيرها الملموس وطاغي في الماضي فقط أما الأن فكتب الفلسفة الحديثة فبالقطع لا تجد من يقرأها لتقعرها وصعوبتها وبالتالي أصبحت ضعيفة التأثير. منذ القرن السادس عشر بدأ العلم ينفصل تدريجيا عن الفلسفة بينما تم الانفصال الحاسم مع مطلع القرن التاسع عشر وهنا أخذ أثر الفلسفة يتلاشى مع الزمن لدرجة أن أهم واشهر الفلاسفة في القرن العشرين هم من حاول تفسير تاريخ وتطور العلوم (مثل الانجليزي كارل بوبر والفرنسي ميشيل فوكو والامريكي توماس كون) وليس من سخر أدواته الفلسفية لدراسة التاريخ أو السياسية أو الاقتصاد.
وبالعودة لموضوع الكتب العلمية المحورية الأكثر تأثيراً في مسيرة البشرية فإن عملية اختيارها عملية سهلة إلى حداً ما بناءً على قاعدة (وهل يخفى القمر).فمثلا إذا وجدنا أن الطبيب والسير وليم أوسلر مؤسس مستشفى جون هوبكنز الشهير يقول عن كتاب (القانون في الطب) لأبن سينا بأن هذا الكتاب هو (أشهر كتاب في الطب على الاطلاق وأنه ظل الكتاب المرجع في الطب لأطول فترة من أي كتاب طبي آخر) وبهذا نصل إلى بديهة أن اختيار هذا الكتابضمن قائمة الكتب التي غيرت وجهة التاريخ اختيار منطقي لا يختلف عليه أثنان. وعلى نفس النسق يمكن أن نجد مبررات ومسوغات منطقية جدا لتوصيف بعض الكتب العربية والاسلامية القديمة بنفس درجة الاهمية مثل كتاب (الجبر والمقابلة) لعالم الرياضيات الخوارزميوكتاب (المناظر) في علم البصريات لأبن الهيثم. بينما أهم كتب الصيدلة هو كتاب (الجامع لمفردات الأدوية والأغذية) لأبن البيطار وكتاب (صناعة الحيل) لأبن الجزري هو أهم مؤلف في علم الميكانيكا وفي حين برز كتاب (الزيج الجديد) في علم الفلك لأبن الشاطر.
بسبب العلاقة المضطربة بين الدين والعلم في الحضارة الغربية تميزت بعض الكتب العلمية بتحقيقها تأثير فكري وديني بالإضافة لتأثيرها العلمي وهو أمر سبب لمؤلفيها بعض المشكال. من ذلك مثلا عالم الفلك البولندي الشهير نيكولاس كوبرنيكوس لم ينشر كتابه الهام الذي كان بعنوان (عن دوران الأجرام السماوية) إلا قبل وفاته بفترة قصيرة جدا بالرغم من أنه قد توصل لفكرته العلمية منذ سنوات طويلة جدا.لقد علم كوبرنيكوس بأن نظريته عن مركزية الشمس وليس الارض سوف ترفضها الكنيسة وهو ما أنعكس بتصنيف هذا الكتاب ولعدة قرون في قوائم الكتب المحظورة التي كان الفاتيكان يحرم قراءتها. وكما هو معلوم للجميع تعرض العالم الايطالي الاسطورة جاليليو للمحاكمة المشهورة واتهامه بالهرطقة وذلك كنتيجة لأفكاره العلمية التي نشرها في كتاب (حوار حول النظاميين الرئيسيين للكون) وقد تم تحريم ومنع قراءة هذا الكتاب من قبل الكنيسة لفترة قاربت القرنين من الزمن. لا شك أن هذهالكتب العلمية المشهورة تسببت بشكل متدرج في هز واضعاف مكانة الدين المسيحي بسبب حالة العداء غير المبررة بين الدين والعلم لكن أكثر كتاب علمي تسبب في ضرر بالغ للدين كان بلا شك كتاب (أصل الأنواع) للعالم البريطاني المثير للجدل تشارلز دارون والذي عندما نشر نظرية التطور كان من ثمراتها فقدان الديانة المسيحية لمكانتها في المجتمعات الغربية ومن هنا تنامت بقوة ظاهرة الالحاد والتشكيك في الاديان.
في المقابل تجدر الاشارة إلى أن بعض أهم وأشهر الكتب العلمية قد ساعدت كثيرا في ترسيخ مبدأ وجود الخالق الحكيم والمدبر لهذا الكون وهذا ما يستشف من ثنايا وسطور أهم كتاب علمي على الاطلاق وهو كتاب (المبادئ الرياضية للفلسفة الطبيعية) للعالم الانجليزي البارز إسحاق نيوتن وهو الكتاب الذي استعرض فيه القوانين الفيزيائية التي تفسر حركة الاجرام السماوية. ومن الجدير الاشارة إلى أنه في المقدمة العامة للطبعة الثانية من كتاب المبادئ Principia لنيوتن نجد قوله (لا يمكن لهذا النظام البديع من الشمس والكواكب والمذنبات أن يأتي إلا من خلال قصد وسلطان لخالق مبدع).
وختاما نشأت ظاهرة جديدة في القرن العشرين وما بعده تتعلق بأن الكتب العلمية ذات التأثير الطاغي هي ليست الكتب العلمية المتعمقة بل على العكس هي الكتب (ذات الطابع) العلمي المبسط أو ما توصف بالكتب العلمية الشعبية (popular science). ومن أمثلة هذه الكتب التي جذبت عشرات الاف من عباقرة الشباب الناشئ للتخصص في مجال العلوم كتاب (العالم كما أراه) لأينشتاين وكتاب (اللولب المزدوج: قصة اكتشاف تركيب DNA) للعالم الامريكي جيمس واطسون وكتاب ( تاريخ موجز للزمان) للعالم البريطاني المعروف ستيفن هوكنغ وكتاب (الكون) لعالم الفلك الامريكي كارل ساغان وكتاب عن البيئة ومشاكل التلوث بعنوان (الربيع الصامت) للعالمة الامريكية راشيل كارسون وكتاب عن نظرية التطور بعنوان (الجين الأناني) للعالم البريطاني ريتشارد دوكنز.

وماذا عن الروايات الادبية ؟
أحد أبرز الاحداث السياسية في التاريخ الحديث اندلاع الحرب الاهلية الامريكية بسبب تداعيات حركة تحرير العبيد ويقال أن الرئيس الامريكي إبرهام لينكولن استقبل في البيت الابيض الروائية الامريكية هيريتستو مؤلفة رواية (كوخ العم توم) التي تحكي المعاناة الانسانية البائسة للرقيق السود في أمريكا.وبحكم أن تلك الكاتبة كانت سيدة صغيرة الجسم داعبها الرئيس بقولة (إذاً أنتِ السيدة الصغيرة التي الفت الكتاب الذي أشعل تلك الحرب الكبرى). وبالرغم من ذلك ففي الواقع عدد قليل جدا من الروايات أو الاعمال الادبية التي يمكن أن يكون لها تأثيرا كبير وملموس في تاريخ البشرية ولهذا لن نخوض في ذكر الروايات الأدبية أو الأعمال المسرحية أو الدواوين الشعرية التي تستحق توصيف أنها (كتب غيرت مجرى التاريخ). وللدلالة الاضافية لضعف التأثير الاجمالي للأعمال الادبية أن كتاب (المائة الاوائل) ذكر فقط شخصيتين أدبيتين ممن لها تأثير ملموس. أحدهما طبعا الاديب البريطاني الاسطورة وليم شكسبير ومع ذلك جاء في ترتيب متأخر (الترتيب 31 في الأهمية) بينما الكاتب والأديب الفرنسي المشاكس فولتير كان ترتيبه 74 وبالقطع كان ذكره بسبب أفكاره الفلسفية ومواقفه الثورية السياسية والاجتماعية وليس بسبب رواياته المتوسطة الجودة الادبية. ربما يحاجج البعض لأهمية أثر الروايات الادبية أن لها دورا في نشر التفسخ الاخلاقي والعهر كما حصل مع رواية (عشيق الليدي تشارتلي) للكاتب البريطاني ديفيد لورانس أو رواية (مدام بوفاري) للروائي الفرنسي جوستاف فولبيروما شابه ذلك للأعمال الادبية المثيرة للجدل لأوسكار وايد أو هنري ميلر أو جيمس جويس.ومع ذلك تبقى درجة أثر تلك الاعمال (الأدبية) لا تكاد تذكر مع طوفان الفساد الاخلاقي الذي جعل روايات (الأدب المكشوف) قمة في الاحتشام بالمقارنة مع يمكن أن تتسبب فيهبعض وسائل الاعلام والتواصل الجديدة من فساد وتغريب. 


السبت، 10 فبراير 2018

( رجال ماتوا للعلم )

الطبيب لاندشتاينر الحاصل على جائزة نوبل توفي في المختبر .. نهاية يرغب بها بعض العلماء

 د/ أحمد بن حامد الغامدي

نُقل عن سلفنا الصاح من مثل الأمام سفيان ابن عيينة والقاضي أبي يوسف قولهم (العلم لا يعطيك بعضه حتى تعطيه كلك) وهذه قاعدة مَسلكية في دنيا المعرفة تنطبق على كل علم وفن وصنعة. ولهذا أشتهر عن كبار رجالات العلوم والمعرفة في القديم والحديث تفرغهم الكامل للتبتل والانطواء لاكتساب المعرفة ونقلها. وفي مثل هؤلاء العلماء المستغرقين في العلم يصح توصيفهم بأنهم (رجال عاشوا للعلم). وبمناسبة احتفال كلية العلوم بجامعة الملك سعود بمرور ستين سنة على أنشائها وكذلك عقد اجتماع عمداء كليات العلوم بالجامعات السعودية حرصنا أن يحتوي معرض (استكشاف العلوم) التي تنظمه كلية العلوم هذه الايام على جناح خاص يحمل أسم (رجال عاشوا للعلم).
كم غفير من العلماء والمخترعين شغلوا كامل أوقاتهم بالبحث والمعرفة حتى آخر يوم في حياتهم وهذا الوصف (واقع حال) بالفعل وليس (تشبيه لغوي) مبالغ فيه فمثلا العالم البريطاني جون دالتون صاحب النظرية الذرية كان طوال عمره يجرى بشكل يومي القياسات والارصاد الجوية حتي في اليوم الذي مات فيه وهو في سن الثامنة والسبعين. وعالم الرياضيات السويسري ليونهارد أولير أحد أهم علماء الرياضيات في العصر الحديث توفي في سن السادسة والسبعين وفي نفس يوم وفاته كان مشغولا لدرجة كبيرة في إجراء الحسابات الرياضية الخاصة بمدار كوكب أورانوس الذي تم اكتشافه قريبا ليس هذا وحسب بل أنه كان في ذلك الوقت شبه أعمى. وهذا عالم الاحياء الهولندي الشهير لوفنيهوك رائد وابو علم الاحياء الدقيقة ضل لمدة قاربت الستين سنة وهو يستكشف بعدسته المكبرة الشهيرة الكائنات المجهرية وعندما كان على فراش الموت وهو في سن التسعين كان يجهز لتقرير علمي جديد يرغب في إرساله إلى الجمعية الملكية البريطانية. بينما أسطورة العلم اينشتاين شغل نفسه في العقود الأخيرة من حياته لإيجاد نظرية علمية جامعة توحد جميع القوى والظواهر الفيزيائية ولهذا ظل سنوات طويلة يجري ويجرب المعادلات الرياضية المعقدة حتى وهو في المستشفى ولم يتوقف عن ذلك إلا قبل وفاته بيوم واحد فقط.
من هذا وذاك لن نستغرب عندما نعلم أن من أولئك (الراجل الذين عاشوا للعلم) من وافته المنية وقبضت روحة وهو في مختبره العلمي وبين أدوات معمله البحثي. أنظر مثلا لقصة العالم النمساوي كارل لاندستينير مكتشف فصائل الدم المختلفة والحاصل على جائزة نوبل في الطب لعام 1930م فعندما توفي عام 1943م وهو في سن 75 مات على طاولة البحث في مختبره الطبي بمعهد روكفيلر. بينما الكيميائي الامريكي جيلبرت لويس أحد أهم علماء الكيمياء في العصر الحديث والمشهور لجميع طلاب الكيمياء في المرحلة الثانوية من خلال ما يسمى أشكال لويس و أحماض لويس عندما بلغ سن السبعين في سنة 1946م وجده أحد طلبته وهو ميت تحت طاولة الابحاث في مختبرة العلمي بجامعة بيركلي.

ومن العلم ما قتل
الموت على العلماء حق في المختبر أو في الفراش الوثير ومع ذلك موت الفجأة في مختبر كيميائي يثير أحيانا الشك والريبية ولذلك حاول البعض تفسير موت الكيميائي جليبرت لويس المفاجئ في المختبر بأنه ربما تعرض لحالة اختناق بالغازات السامة من إحدى التجارب الكيميائية التي كان يستخدم فيها مركبات السيانيد وإن كان البعض كذلك يشير لوجود شبه انتحار متعمد بسبب ظروف نفسيه كان يمر بها. ولهذا لا غرابة أن نجد  على نفس النسق أن البعض يحاول كذلك تفسير الموت المفاجئ في المختبر للكيميائي السويدي كارل شيله  مكتشف عنصر الاوكسجين الذي توفي وهو بعد في سن 43 بأنه من المحتمل راجع لتسممه بجرعة زائدة من مركبات الزئبق. حيث وجد شيله مطروحا على طاولة التجارب وسط عدد كبير من القوارير الكيميائية وتجدر الاشارة إلى أنه كان من عادته تذوق المواد الكيميائية التي ينتجها وهذا قد يفسر سبب التسمم والوفاة المفاجأة.
إذا كانت الحكمة قديمة تقول (من عاش بالسيف مات به) وما دمنا نحن الان في وارد الحديث عن العلم والعلماء فيمكنا تحوير تلك الحكمة لتصبح (من عاش بالعلم .. مات به). يقال أن الكيميائي الالماني أوجست كيكولي الذي اشتهر في دنيا العلم بحلمه الشهر عن تركيب جزئي البنزين ذكر أن استاذه الكيميائي جوستاس ليبيج قال له (إذا أردت أن تكون كيميائياً مبدعاً فيجب أن تخرب صحتك وإن الذي لا يضحي بصحته لن يذهب بعيدا في علم الكيمياء). عبر التاريخ لقي المئات من العلماء والبحثين نهايتهم المأساوية كنتيجة غير متوقعة من نتائج تجاربهم العلمية فبعضهم قتل في انفجار تجربة وبعضهم تعرض للتسمم الكيميائي في حين حصدت الاشعاعات الفيزيائية ارواح البعض بينما أتلفت العدوى والامراض البكتيرية والفيروسية حياة البعض. من ذلك مثلا أن الانفجارات والحراق المشتعلة أثناء التجارب العلمية أودت بحياة الكيميائي الامريكي روجر جريفن و الكيميائي البريطاني تشارلز مانسيفيلد و الكيميائية الروسية فيرا بوبوفا. وبنفس درجة المأساة توفي الفيزيائي الكندي لويس سلتون والعالم الامريكي سيسل كيلي وعالم الفيزياء الامريكي هاري داغليان حيث ان كلا منهم توفي اثناء تعرضه في المختبر لجرعة عالية وقاتلة من الاشعاعات الذرية.
مصيبة الموت قد تدرك بعض العلماء أثناء ابحاثهم العلمية ولو خارج مختبراتهم البحثية وخصوصا اثناء اجراء البحوث الميدانية فأحد ابرز علماء الجيولوجيا المعاصرين  العالم الالماني ألفرد فاغنر صاحب نظرية الحركة التكتونية المسببة لحركة القارات لاقى حتفه عام 1930م خلال مشاركته في بعثة استكشافيه للقطب الشمالي.  ومن الجليد إلى النار نجد أن عالم البراكين الفرنسي موريس كرافت وزوجته كاتيا اشتهرا علي مستوى العالم بسبب روح المغامرة العالية لديهما في تصوير الافلام الوثائقية عن البراكين لدرجة أنهم كثيرا ما يقومان بالتصوير لمسافة قريبة جدا من سيول حمم اللافا المتدفقة. وللأسف حصل في عام 1991م و أثناء تصويرهما لثوران جبل بركاني في اليابان ان تعرضا للقتل الشنيع بواسطة دخان الرماد البركان الفائق الحرارة. ومن العلماء المشهورين اعلاميا ممن توفوا بشكل أو آخر في أرض ميدان العلم نجد عالم الفلك الامريكي إيوجين شوميكر الذي يعتبر أحد مؤسسي علم الكويكبات وذلك نتيجة لاهتمامه برصد الكويكبات والنيازك التي من المحتمل  أن تصدم بكوكب الارض. كما أهتم بدراسته الحفر التي تنشأ نتيجة لسقوط النيازك على سطح الارض وهذا ما تسبب له في النهاية بحادث سير مريع عام 1994م عندما كان يبحث عن حفر النيازك في استراليا. والمجال لا يتسع لسرد من قتل من العلماء والباحثين والمهندسين أثناء اجراء الدراسات والتجارب على المخترعات العلمية الحديثة مثل مناطيد الهواء أو الطائرات أو الصواريخ الفضائية ووسائل المواصلات المختلفة.

شهداء العلم .. تضحية في محارب العلم
يشتهر عند الكثير توصيف بعض مشاهير العلماء مثل جاليليو ومدام كوري بأنهم (شهداء العلم) بسبب تعرضهم لبعض المضايقات والمشاكل والتي هي من تبعات نشاطهم العلمي لكن أحق من يوصف (بالشهيد العلمي) هو من لا يتردد في التضحية بنفسة في سبيل تقدم البحث العلمي والاكتشاف المعرفي. الجود بالنفس أقصى غاية الجودِ كما قرر ذلك قديما الشاعر مسلم بن الوليد ولهذا العالم الذي يضحي بنفسه لإثبات تجربة علمية هو أحق بوصف شهيد العلم من جاليليو الذي أوذي فقط في سبيل العلم ولم يخسر حياته في ميدان العلوم والابحاث. الطبيب الأمريكي وليم لازير كان أحد أفراد الفريق البحثي الذي توصل لاكتشاف سبب مرض الحمى الصفراء وأن ناقل المرض عبارة عن نوع خاص من البعوض. وللتأكد من هذا الامر قام لازير بإجراء تجربة علي نفسه بأن سمح لذلك النوع من البعوض أن يلدغه وبهذا تسبب بشكل متعمد بإصابته بمرض الحمى الصفراء ثم تفاقم وضعه الصحي إلى أن توفي بعد ذلك بوقت قصير عام 1900م وهو بعد في سن 34 من العمر. وهذا الطبيب الالماني أميل بهرنغ والذي له مكانه مميزة في تاريخ العلم حيث كان أول  شخص يحصل على جائزة نوبل في الطب عام 1901 نظير اكتشافه لعلاج لمرض الدفتيريا المميت. وبعد نجاحه في إيجاد علاج لمرض الدفتيريا نجده لاحقا يكرس جهده وابحاثه لمحاولة اكتشاف علاج لمرض السل لدرجة أنه تبرع بالمال الذي حصل علية من جائزة نوبل وأملاكه الاخرى لأنشاء معهد طبي يساهم في القضاء على مرض السل ولكن الغريب في الامر أنه مات في النهاية بسبب الاصابة بمرض السل.
ظاهرة متكررة في تاريخ الطب أن العديد من الاطباء والباحثين في هذا الحقل الانساني النبيل لا يترددون في أن يجعلوا من أنفسهم (فئران تجارب) بشرية للتأكد من سلامة علاج ما قبل استخدامه من المرضى كما حصل مع الطبيب الكندي فريدريك بانتنج مكتشف دواء الانسولين وطبيب الاسنان الامريكي وليم مورتون أول من استخدم الأيثر في التخدير والطبيب الامريكي جوانس سالك مكتشف تطعيم مرض شلل الأطفال. أما في مجال محاولة اثبات أن سبب معين هو مصدر مرض خطير فنجد كذلك امثلة لبعض الاطباء الذين خاطروا بأنفسهم لخدمة البشرية. من ذلك مثلا أن الطبيب الاسترالي باري مارشال الحاصل على جائزة نوبل في الطب عام 2005م لم يتردد لكي يثبت فرضيته الطبية أن من اسباب مرض قرحة المعدة هو تعرض الجسم لنوع خاص من البكتريا. ولهذا قام باري بابتلاع هذه البكتيريا الخطيرة التي يتوقع أنه تسبب مرض القرحة ولولا أن زوجته أصرت عليه أن يتناول مضاد حيوي مقاوم لتك البكتيريا لكان عرض صحته لخطر محتمل.
في نظري الشخصي أن أكثر الاطباء والعلماء حماقة في موضوع إجراء التجارب على النفس هو الطبيب والجراح الاسكتلندي جون هانتر طبيب الملك البريطاني جورج الثالث. وكمحاولة لفهم كيفية انتقال العدوى بمرض السيلان الفظيع قام في عام 1767م بحقن جسمه ببعض الصديد والقيح من قروح لمريض مصاب بمرض السيلان. العجيب في الأمر أن الطبيب هانتر أختار أن يحقن ذلك الصديد المقيت في عضوه التناسلي وهو ما تسبب في اصابته بمرض الزهري الأكثر خطورة والذي أنهك جسمه ولم يتعافى منه على الاطلاق. وعلى نفس النسق من المغامرة العلمية والحماقة الصحية والتضحية بالنفس في سبيل العلم قام الطبيب الفرنسي نيكولاس تشيرفين في بدايات القرن التاسع عشر بدارسة اسباب مرض الحمى الصفراء حيث كان يعتقد أن هذا المرض غير معدي. وحتى يتأكد نيكولاس من هذا الامر نجده ليس فقط يقوم بالنوم في اسرة بعض المرضى الذين ماتوا بسبب مرض الحمى الصفراء بل نجده وبحماقة مستغربة يقوم بابتلاع القيء الدموي الاسود الذي يصدر عن المرضى. طبعا هذا الطبيب المغامر والجريء نجي من التعرض للخطر المميت بسبب أن مرض الحمى الصفراء في الواقع هو مرض ينتقل عن طريق البعوض وليس بالاحتكاك المباشر بين الاشخاص.
وبالعودة لموضوع (شهداء العلم) تجدر الاشارة إلى أنه في تاريخ تطور علم الكيمياء يوجد مجموعة من العلماء يتم توصيفهم (بشهداء عنصر الفلور) fluorine martyrs وذلك لأنه منذ بدايات القرن التاسع عشر واجه العديد من العلماء مشاكل صحية وحوادث مؤلمة عند محاولة عزل عنصر الفلور. لعل من الملائم التذكير أن معنى اسم عنصر الفلور هو الشيء المهلك أو المتلف ولهذا لاقى العديد من علماء الكيمياء مصرعهم جراء خطورة هذا العنصر. وبالرغم من معرفة العلماء لخطورة التعامل مع أبحاث عنصر الفلور إلا البعض منهم قبل التحدي والمخاطرة في بدايات محاولات عزل وفصل هذا العنصر ومن (شهداء)  التسمم القاتل بغازات الفلور ومركباته نجد أن الكيمائي السويسري جيروم نيكلس و الكيميائي البلجيكي بولين لوييه حيث أن كلا منهما قد خسر حياته متأثرا بالتسمم بغاز فلوريد الهيدروجين. وبحكم أن كلا من عالم الكيمياء البريطاني همفري دافي والفرنسي جاي لوساك كان لهم اسهام كبير في اكتشاف العديد من العناصر الكيميائية لذا حاول كلا منهما عزل عنصر الفلور ولكنهما فشلا بسبب خطورته بل أن همفري دافي كاد يفقد عينه من جراء الغازات الحارقة. ومن هذا نعلم لماذا عندما نجح أخيرا عالم الكيمياء الفرنسي هنري موسان في عزل عنصر الفلور أعتبر ذلك اكتشاف علمي مميز استحق أن ينال عليه جائزة نوبل في الكيمياء عام 1907م.

الانتحار العلمي
عندما نقول أن بعض العلماء (أفنى عمره في العلم) فإننا نقصد ذلك حرفيا فمنهم بالفعل من أختار طواعية (أن يفني) عمره ويتسبب في قتل نفسه منتحرا في سبيل العلم أو بسبب العلم. من أمثلة الانتحار في سبيل العلم يقال أن المهندس الأمريكي توماس برادفورد قام علم 1921م بالانتحار عن طريق استنشاق الغاز السام بعد أن أتفق مع سيدة تزعم أنها تعمل كوسيط مع عالم الأرواح بكيفية التواصل معها وارسال الاشارات لها من العالم الآخر. وكان هدفه من هذا الانتحار أن يثبت للمجتمع العلمي المتشكك بصحة حركة الروحانية spirituality المنتشرة في بداية القرن العشرين وطبعا بعد موته لم تصل منه رساله لأنه كما قال الشاعر الجاهلي عبيد بن البرص (وغائب الموت لا يؤوبُ). أما أخبار العلماء الذين انتحروا ليس في سبيل العلم ولكن (بسبب) العلم فأكثر من أن نستطيع سردها هنا وأغلبها تعود لحالة الاحباط والاكتئاب التي قد تصيب العالم أو المكتشف والمخترع (كما تصيب الشخص العادي) عندما يفشل أو يتعرض للإهانة البالغة أو الاهمال وعدم التقدير. في أوائل القرن التاسع عشر كان عالم الكيمياء الالماني وليم زيمرمان أحد أبرز علماء الكيمياء في جامعة غيسن ولكن مكانته العلمية تلاشت عندما قدم لهذا الجامعة الكيميائي الابرز الشاب جوستوس ليبيغ الذي خطف الاضواء والشهرة منه وعندما طلب زيمرمان منحه مالية من الجامعة للعمل بالخارج رفض طلبه فأحس بالفشل والاحباط مما ادى به الى الانتحار بإغراق نفسه في النهر.
ومن عالم الكيميائي زيمرمان إلى عالم الفيزياء النمساوي بولتزمان تتكرر ظاهرة الاحباط العلمي المؤدي إلى الانتحار وبالرغم من المكانة المرموقة لبولتزمان في كتب تاريخ العلم بسبب معادلته الشهيرة في حساب الانتروبي المتعلقة بالقانون الثاني في علم الثرمودايناميك إلا أن اعتراف المجتمع العلمي بها لم يتم بالشكل المطلوب إلا بعد وفاته. وكما أن بولتزمان كان مدافع متحمس للنظرية الذرية مما جعله يدخل في نقاشات حادة مع بعض العلماء والفلاسفة الذين لم يكونوا مقتنعين تماما بوجود الذرات ومن مجمل كل ذلك تجمعت عليه الضغوط النفسية لدرجة أنه شنق نفسه ومات منتحرا من جراء الشقاء النفسي للعيش بين من يراهم متخلفين عنه علميا. وعلى نفس النسق انتحر الطبيب الألماني هانس برجر الذي خلده التاريخ بأنه أول من سجل في عام 1924 موجات المخ الكهربائية للدماغ البشري ومن ثم طور طريقة الرسم الكهربائي للدماغ المعروفة بـ EEG وكما تذكر كتب تاريخ العلم أن انتحاره كان بسبب تجاهل المجتمع العلمي الالماني لإنجازاته العلمية خصوصا في فتره حكم النظام النازي. الغريب في الأمر أن بعض العلماء يكون سبب انتحاره عدم مقدرته على الاستمرار في التميز العلمي وبالتالي المحافظة على المكانة العلمية المرموقة التي وصل لها وخير مثال لذلك عالم الكيمياء العضوية الألماني فيكتور ماير الذي وصل لرتبة استاذ professor  و هو بعد في 24 وعمل بأعرق الجامعات الألمانية حيث كان بدون منازع من أشهر وأهم علماء الكيمياء في نهاية القرن التاسع عشر. ومع ذلك عندما تقدم في العمر وأصيب بضعف الذاكرة و انعدام القدرة على التركيز الذهني نتج عن ذلك اصابته بحالة نفسية حادة قادته في نهاية المطاف أن توجه في إحدى الليالي الى مختبره العلمي لينهي حياته بتناول سم السيانيد.
ظاهرة انتحار العلماء من أعجب الظواهر في دنيا العلم ولهذا ربما تحتاج مقال مستقل والعجيب أنها متركزه في علماء الكيمياء والالمان منهم بالذات فكذلك أنتحر عالم الكيمياء الالماني أميل فيشر ثاني شخص يحصل على جائزة نوبل في الكيمياء وكذلك عالم الكيمياء الالماني هانز فيشر الحاصل على جائزة نوبل عام 1930م. ومن مشاهير علم الكيمياء المنتحرين كذلك نجد عالم الكيمياء والمخترع الفرنسي نوكلاس لوبلان أحد رواد الصناعات الكيميائية والكيميائي والمخترع الامريكي جورج إيستمان مؤسس شركة كوداك للأفلام التصويرية  وعالم الكيمياء الامريكي والاس كاروثرز مخترع النايلون وعالم الكيمياء البريطاني وليم هنري صاحب قانون هنري في علم الغازات الذي يعرفه جميع طلاب الكيمياء.
وختاما الفناء في العلم واستغراق الاوقات في تحصيله والحياه معه والموت في صحبته هذا فقط ديدن ومصير (عشاق العلوم) وهم قلة في هذا الزمن أم حال أغلبية العلماء والباحثين فالعديد منهم يمارس العلم كوظيفة ومهنة وبالتالي هو بعد سن التقاعد سوف يموت قرير العين في فراشه الوثير وليس في مختبره العلمي كحال رواد العلوم الذين عاشوا وماتوا للعلم. 

الأربعاء، 27 ديسمبر 2017

( أصل الكتاب العربي )

غموض البدايات في تاريخ الكتاب العربي
د/ أحمد بن حامد الغامدي

سؤال سهل ومباشر ومع ذلك إجابته مربكة وغامضة
ما هو أول كتاب تم تأليفه باللغة العربية
جال هذا التساؤل في خاطري هذا اليوم بسبب تضافر وتمازج عدة قضايا ثقافية ومعرفية متداخلة أولها موافقة هذا اليوم لليوم العالمي للغة العربية (يوم الثامن عشر من شهر ديسمبر) وكما أن هذا الاسبوع يتوافق مع فعاليات معرض جدة الدولي للكتاب يضاف إلى ذلك أنني اليوم وصلت في قراءتي لكتاب (تاريخ الكتاب) للباحث البريطاني رودريك كيف إلى الجزء الذي خصصه للكتب العربية وكان يناقش فيها الكتب العربية الطبية والصيدلانية. ومن مجمل هذه المتداخلات تولد في خاطري هذا السؤال الذي أحترت في إيجاد إجابه شافية له (ما هو أصل الكتاب العربي).
كما هو معلوم كان العرب في جاهلية جهلاء وظلالة عمياء انعكست في وصف الامة العربية بأنها أمه (أُمية) كما وردفي الحديث الشريف لا تقرأ ولا تكتب ولم يهذب البداوة العربية الجافية إلا دين الاسلام الخالد ولهذا بالقطع كان (مصحف عمر بن الخطاب) وهو وحي التنزيل الكريم هو أول كتب ظهر في تاريخ العرب. لكن يبقى السؤال من منظور آخر لم يتم  الاجابة عليه فما هو (أول كتاب تم تأليفه باللغة العربية). وإذا كان القران الكريم تم بداية تدوينه في حياة الرسول صلى الله علية وسلم إلا أن تدوين المصدر الثاني لدين الاسلام وهي السنة النبوية والسيرة المحمدية تأخر كثيرا بسبب نهي النبي صلى الله عليه وسلم عن كتابة الحديث (لا تكتبوا عني، ومن كتب عني غير القرآن فليمحه). ومع ذلك أصبح من شبه الثابت عند الباحثين في مجال علوم الحديث وتدوين السيرة أن تقييد العلم الشرعي من غير القرآن الكريم كان موجودا في حياته الرسول الكرم وعصر الصحابة والتابعين من بعده كما قرر ذلك الحافظ أبي بكر الخطيب في كتابه (تقييد العلم). ولكن هذا التقييد كان في الغالب على شكل مجموعة من الورقات المتناثرة أو ما تسمى (الصحف أو الصحيفة) وهي تختلف عن الصورة النمطية المعروفة الآن عن كتاب حيث أنه مجموعة من الاوراق يتم حفظها في غلاف من الورق ويكون لها (عنوان خاص) يميز كل كتاب عن غيره.
غالب الظن أن أول كتاب تم تأليفه باللغة العربية كان في مجال ما يسمى بالسير والمغازي وهو موضوع قريب الصلة بالسيرة النبوية وبحكم أن تدوين الحديث كان في فجر الاسلام  ما يزال داخل دائرة الحظر الشرعي لذلك ربما تساهل البعض من العلماء في أن يجيز لنفسه تأليف كتاب خاص بمواضيع السيرة النبوية يكون مطعم بذكر الاحاديث النبوية الشريفة. وإذا كان علماء الحديث النبوي يقولون (أن تدوين الحديث الشريف لم يبدأ إلا في عصر الإمام ابن شهاب الزهري) وذلك بأمر مباشر من الخليفة الراشد عمر بن عبدالعزيز إلا أنه من المحتمل أن ظهور (أول كتاب عربي) قائم على (التأليف والتصنيف) وليس فقط على (التدوين والتقييد) كان فضل الشرف فيه للكاتب والمؤلف العربي الأول المؤرخ والتابعي الجليل (وهب بن منبه). يشتهر عصر عمر بن عبدالعزيز بأنه (عصر التدوين) ولكن عند استعراض سيرة حياة المشاهير من علماء الحديث في ذلك العصر من أمثال أبان بن عثمان أو عروة بن الزبير أو أبن شهاب الزهري نجد أن كتب التاريخ لا تنسب لهم تأليف (كتاب أو مصنف) علمي مستقل بعنوان خاص. في المقابل نجد أن خير الدين الزركلي في كتابه الأعلام يذكر أن وهب بن منبه المتوفي سنه 110 هجري كان من كتبه التي ألفها كتاب (ذكر الملوك المتوجه من حمير) وإذا علمنا أن وهب بن منبه هو أصلا من اليمن ولقبه (الذماري الصنعاني) لذا قد تكون المفاجأة أن أحد أقدم الكتب المؤلفة باللغة العربية كان حول موضوع تاريخي عن ملوك مملكة حمير وإن كان من المحتمل أن لوهب بن منبه كتاب آخر عن المغازي.
في واقع الأمر صدق من قال أن (العرب ظاهرة صوتية) شغلت في بداية تاريخها بالخطابة والفصاحة والبيان والتبيين ومع ذلك كان للإنتاج الحضاري (في شكله المؤلف والمكتوب) أهمية قليلة نسبيا عندهم. بمقياس زمننا الحاضر أمر غريب ومحير أن أنتاج (أول كتاب أو مؤلف باللغة العربية) أمر لم يكن يثير الاهتمام للمؤرخين والادباء الأوائل أن يقفوا عنده ويحتفلوا به ويطنبوا في الاهتمام به. بل أن الاديب البارز ابن عبدربه في كتابه الموسوعي العقد الفريد أهتم ببيان تفاصيل كيفية (تأريخ الكتاب) بمعنى ما هو الاسلوب العلمي والادبي الصحيح لكيفية أن تكتب تاريخ انتهاءك من تأليف الكتاب ومع ذلك لم يلتفت ابن عبد ربه لذكر ما هو (تاريخ) أول كتاب عربي. ونفس الامر من أغفال ذكر أو كتاب عربي نجده يتكرر في كتاب (صبح الأعشى في صناعة الإنشا) للقلقشندي وبالرغم من أن الكتاب في خمسة عشر مجلد سمين وشمل مقالات متعددة عن دقائق مهنة الكتابة ومتطلباتها وكيف تطورت دواوين الانشاء في تاريخ الاسلام إلا أنه مع ذلك أغفل عن ذكر ما نحن بصدده من محاولة معرفة ما هو أول كتاب تم نشره باللسان العربي المبين.
قديما قيل (أمة أقرأ لا تقرأ) وإذا بنا نكتشف أنها أيضا وللأسف لا (تؤرخ) لما تقرأ أو تكتب !!.

غموض البدايات .. من الكتاب المخطوط إلى الكتاب المضغوط 
كما أحترنا في تحديد ما هو أول كتاب تم تأليفه باللغة العربية لعلنا ننتقل لطرح سؤال لا يقل ضبابية وغموض (ما هو أول كتاب مطبوع باللغة العربية). كما هو معلوم غالب التاريخ الحضاري العربي والاسلامي المتمثل في الكتابة كان يتم من خلال الكتب المطبوعة والمنسوخة باليد ولم تظهر الكتب المطبوعة من خلال الآلات والمطابع إلا في أزمنة متأخرة. السبب في ذلك أنه في زمن الانحطاط الفكري لأمة الاسلامية تدهور الأمر (بأمة أقرأ) أن يتم تحريم طباعة الكتب بواسطة المطبعة الميكانيكية.
في تاريخ الحضارات لحظات محيرة غير مفهومة من ذلك مثلا أن الامبراطور فردريك الثاني الذي استولى عن طريق الصلح على مدينة القدس بعد تحريرها بواسطة صلاح الدين وكان له علاقات حميمية مع الملك الكامل الايويبي ويقال أنه أعجب بالثقافة العربية وشجع على ترجمة كتبها ومع ذلك تصفه كتب التاريخ الأوروبية بأنه رفض دخول الورق إلى أوروبا لارتباط الورق بالحضارة الاسلامية. ولهذا اصدر ذلك الملك قرار امبراطوريا يعتبر أن أي وثقيه حكومية مكتوبة على الورق بأنها لاغية ولا قيمة لها. وفي الطرف الآخر نجد أنه بعد ذلك بحوالي ثلاثة قرون يصدر الخليفة العثماني بايزيد الثاني في عام 1493 فرمانا سلطانيا يقضي بتحريم طباعة الكتب على رعاياه المسلمين ربما بحجة أن المطبعة من اختراع الاعداء المسيحيين أو لأنه كان من عشاق فن الخط العربي وحصل على إجازات في الخط من كبار الخطاطين العثمانيين. يقول البعض أن من أسباب تحريم الطباعة عند الأوائل أن فيها عدم تقدير للنصوص الدينية عندما يتم ضغطها بالمكابس. وكما قلت هذا الفكر السقيم تم في زمن التخلف الفكري للمسلمين اثناء عصور الانحطاط والجمود بدليل أنه في زخم الحضارة العربية ولثلاثة قرون من الزمن تم انتاج العديد من الكتب (( المطبوعة )) بواسطة القوالب الخشبية المنحوتة. وهذا ما كشفته بعض التنقيبات الاثرية في منطقة الفيوم بمصر حيث اكتشفت نصوص حوالي خمسين كتابا مطبوعا مؤلفة جميعا في مواضيع دينية وهذه الكتب المطبوعة محفوظة حاليا بالمكتبة الوطنية في فيينا.
من هذا وذاك نعلم براءة الدين الاسلامي من التشدد الديني الذي منع وحرم استخدام المطابع في البلدان العربية لفترة قاربت الثلاثة قرون منذ اختراع الطباعة الشهير علي يد المخترع الالماني المعرف يوهان غوتنبرغ في منتصف القرن الخامس عشر. وكما هو معلوم أن أول كتاب تم طباعته في التاريخ كان (الانجيل) وذلك علي يد غوتنبرغ فكذلك للأسف الشديد كان أو كتاب مطبوع (باللغة العربية) هو كتاب ديني مسيحي. في واقع الأمر ظهرت المطبعة في ألمانيا في عام 1447م  تقريبا ثم سرعان ما انتشرت في أغلب الدول الأوروبية وفي العالم الاسلامي تم دخولها بالفعل عام 1493م إلى مدينة اسطنبول على يد بعض اليهود المشردين من إسبانيا المسيحية ثم حصل ردة الفعل المتشنجة ضد الطباعة الكتب بالحروف العربية من قبل المسلمين. وعلية بدل أن يكون أول كتاب عربي مطبوع مرتبط بالثقافة الاسلامية أصبح أو كتاب طبع بالحروف العربية هو كتاب (صلاة السواعي) والذي يعرف أيضا بكتاب (الأجبية أو كتاب صلاة الساعات) وهو كتاب الصلوات والادعية اليومية التي يتلوها المسيحيين في صلاوتهم. الجدير بالذكر أن طباعة هذا الكتاب تمت على الارجح عام 1514م في مدينة البندقية الايطالية وبتمويل مباشر من البابا يوليوس الثاني وارسلت آلاف النسخ من هذا الكتاب إلى الطوائف المسيحية في البلدان العربية. والأغرب من ذلك أنه حتى بعد التساهل في انشاء المطابع في العالم العربي كان أول كتاب عربي طبع في داخل الدول العربية هو كتاب ديني مسيحي. وبحكم أن تحريم الطباعة في الدولة العثمانية كان محصورا فقط على رعايا السلطان من المسلمين إلا أن ذلك الفرمان السلطاني خول الاقليات الدينية المسيحية واليهودية أن يكون لهم مطابعهم الخاصة ومن مجمل هذه الظروف العجيبة أصبح اول كتاب مطبوع باللغة العربية هو كتاب (سفر المزامير) والذي طبع عام 1610م في المطبعة المارونية في لبنان على يد رهبان دير مار أنطونيوس.
تشير بعض المصادر التاريخية إلى أنه قبل ظهور أول كتاب عربي مطبوع باللغة العربية في البلاد العربية كانت المطابع في المدن الاوروبية الكبرى قد نشرت حوالي 167 كتاب باللغة العربية غالبيتها العظمى كانت لخدمة الدين المسيحي بل حتى الطبعة الأولى للقران الكريم في عام 1516م في مدينة البندقية أو طباعة كتب قواعد اللغة العربية كانت لأهداف تنصيرية بالدرجة الاولى ولفهم كيفية الرد على الدين الاسلامي. مع نهايات القرن السادس عشر أخذت بعض الجهات المعرفية في الدول الغربية في نشر الكتب المطبوعة باللغة العربية في المعارف الثقافية المختلفة غير تلك المرتبطة بخدمة العقيدة المسيحية ومن ذلك مثلا إعادة أحياء نشر الكتب العربية الكلاسيكية في الطب والجغرافيا والأدب والفلسفة.

وفي الختام كنت قد نشرت نهاية الصيف الماضي مقال بعنوان (المكتبات .. وجهة سياحية منسية) أشرت فيه إلى أن من عناصر الجذب والتشجيع على زيارة المكتبات أن يرغب الشخص في مشاهدة أوائل النسخ التاريخية من كتب مشهورة ومؤثرة في التاريخ البشري. فمثلا قد تزور مكتبة الكونجرس الامريكي في واشنطن أو المكتبة البريطانية بلندن لا لغرض إلا لمشاهدة أول نسخة مطبوعة من الانجيل (نسخة إنجيل غوتنبرغ) بينما وجهتك السياحية قد تكون لمكتبة القديس مارك في مدينة البندقية لمشاهدة المخطوط الاثري لأحد أهم الاعمال الادبية في جميع العصور إلا وهو كتاب الملحمة الشعرية الاغريقية (الإلياذة) التي تحكي قصة حروب طروادة.  وعلى نفس النسق في العالم العربي إذا رغبت في مشاهدة أقدم كتاب عربي مطبوع فيجب ان تكون وجهتك الثقافية إلى الصرح الثقافي الرائع مكتبة عبدالعزيز البابطين بمدينة الكويت والتي تحوي النسخة الاصلية من الكتاب الجغرافي الهام (نزهة المشتاق في اختراق الآفاق) للإدريسي وقد طبع هذا الكتاب في مطبعة مديتشي بمدينة روما عام 1592 ميلادي. أما في مجال الكتب العلمية العربية ذات الأهمية الحضارية الكبرى فيمكن أن تشاهد في مركز جمعة الماجد للثقافة والتراث بمدينة دبي كتاب القانون في الطب للأبن سينا والمطبوع في مدينة روما عام 1593 ميلادي. بقي أن نقول أن من غرائب المصادفات أنك لو رغبت في مشاهدة أول نسخة (مطبوعة) من القرآن الكريم فلن تجدها في مكتبة الازهر بالقاهرة ولا المكتبة الظاهرية بدمشق ولا المكتبة السليمانية بإسطنبول ولكن في مكتبة ديرالفرنسيسكان بمدينة البندقية الايطالية.

الثلاثاء، 17 أكتوبر 2017

( جديد العولمة الثقافية .. أعمال أدبية متعددة الجنسيات )

الروائي ايشيجورو الحاصل على جائزة نوبل في الادب .. هل هو أديب ياباني أم بريطاني

د/ أحمد بن حامد الغامدي

 منح جائزة نوبل للأدب ٢٠١٧ للروائي الياباني الاصل الانجليزي الجنسية كازوا ايشيجورو هذا الأسبوع هل يمثل (عقدة درامية ) محبوكة. وهل يعتبر هذا انجاز أدبي للأمة اليابانية التي ربما لا يتكلم الروائي كازوا ايشيجورو لغتها القومية لأنه انتقل مع اسرته الى بريطانيا وهو في عمر الخمس سنوات وعاش طوال حياته فيها وربما لم يزور اليابان الا كسائح. وهذا الأمر تكرر عام 2021م عندما فاز عبد الرازق  جرنة بجائزة نوبل في الأدب وحيث أنه روائي تنزاني من أصول عربية يمنية وهو مقيم منذ بواكير مرحلة الشباب في بريطانيا وحاصل على جنسيتها وأغلب رواياته البارزة عن طفولته في تنزانيا فهل كتباته عن أدب ما بعد الاستعمارية postcolonial literature يجعله أديب إنجليزي أم أديب أفريقي !!.

اللخبطة الادبية علي الجانب الانجليزية من الرواية قد لا تقل تعقيدا فهل هذا البلد الذي اشتهر بعمالقة الادب الانجليزي مثل شكسبير وديكنيز وجين أوستن وجون ميلتون وفرجينيا  وولف وجورج إليوت وبرنارد شو (والقائمة تطول وتطول) أصبح عاقر من ان تلد نسائه ادباء كبار من أصول انجليزية بحتة. مأساة الادب الانجليزي المعاصر تكمن في أن  أشهر الادباء ( الانجليز ) حاليا هم من أصول مهاجرة فمثلا آخر شخصية أدبية بريطانية حصلت علي جائزة نوبل كانت الروائية دوريس ليسينغ ( الحاصلة علي نوبل في الادب عام ٢٠٠7 ) هي مولودة أصلا  في إيران ونشأت وتعلمت في زيمبابوي. وقبلها الروائي البريطاني فيديادر نيبول الحاصل على جائزة نوبل في الأدب عام 2001 لم تطأ قدمه الجزر البريطانية إلا وهو في عمر الثامنة عشر حيث هو مهاجر من اصول هندوسية ولد في جمهورية ترينيداد التي تقع جنوب فينزويلا فهو بذلك أديب من أصول هندية عاش في أمريكا الجنوبية ثم هاجر إلى بريطانيا. والجدير بالذكر أن  أكثر شخصية أدبية ذات جنسية انجليزية يتم ترشيحها كل سنة لجائزة نوبل في الادب هو سيء الذكر الاديب المرتد سلمان رشدي ذي الاصول الهندية.

الغريب في الأمر أن (استعارة) الأدب الانجليزي للروائيين والكتاب من الشعوب الأخرى ومنحهم الجنسية البريطانية لم تقتصر على شعوب العالم الثالث ولكن حتى مواطني الدول الروبية الأخرى. أوضح مثال في هذا الشأن الروائي والكاتب المسرحي الأنجليزي الجنسية إلياس كينتي هو في الواقع من أصول إسبانية ولكنه ولد في بلغاريا ثم هاجرت اسرته وهو طفل صغير إلى مدينة مانشيستر البريطانية والأغرب من ذلك أن أعماله الادبية التي نال عليها جائزة نوبل في الادب عام 1981 كانت مؤلفة باللغة الالمانية لأنه عاش فترة من الزمن في مدينة فرانكفورت الالمانية وحصل بها على شهادة الدكتوراه في مجال علم الكيمياء من جامعة نمساوية. وقبل مغادرة غرائب الكاتب (الانجليزي الالماني البلغاري الاسباني الأصل) إلياس كينتي لعل من الملائم الاشارة إلى الحادثة الطريفة التي حصلت اثناء حفل تسليم جوائز نوبل. في عام 1981 أثناء حفل توزيع جوائز نوبل حيث التقى الأديب إلياس كينتي السابق الذكر (بالرغم من أنه حاصل على درجة الدكتوراه في الكيمياء لكنه هجر علم الكيمياء تماما إلى مجال الأدب) مع الكيميائي الأمريكي روالد هوفمان أستاذ الكيمياء بجامعة كورنيل والحاصل على جائزة نوبل في الكيمياء في تلك السنة. بقي أن نعرف أنه بعد هذا اللقاء بينهما بفترة من الزمن تولدت الموهبة الادبية للكيميائي هوفمان لدرجة أنه أنتج خمسة دواوين شعرية بالإضافة لتأليفه لعدد من الأعمال المسرحية وكما هجر كينتي العلم إلى الأدب يظهر أن هوفمان قد اصابته هذه العدوى الثقافية.

وبالعودة إلى موضوع (اختلاط الانساب) في الادب الانجليزي وهجرت الادباء الاوروبيين إلى الجزر البريطانية نشير كذلك إلى أن إحدى أهم الشخصيات الادبية النسائية البريطانية وهي الروائية سايبل بيدفورد الحاصلة على جائزة البوكر العريقة في الادب الانجليزي كانت من أصول ألمانية حيث ولدت بالقرب من مدينة برلين ولم تنتقل إلى بريطانيا لتستقر فيها بشكل نهائي بعد إلا وهي في سن السبعين بعد أن قضت عمرها في التنقل بين فرنسا وايطاليا وامريكا. وعلى نفس النسق نجد الروائية البريطانية الجنسية البولندية الاصل روث براوير والحاصلة على جائزة البوكر في الأدب الانجليزي كانت هي الاخرى من مواليد ألمانيا وانتقلت مع أسرتها إلى بريطانيا في سن المراهقة أثناء سنوات الحرب العالمية الثانية مع عشرات الالف من الاسر اليهودية الهاربة من جحيم النازية.

في واقع الأمر أن مشكلة الادب الانجليزي مع جائزة نوبل في الادب لم تقف عند معضلة (تعدد الجنسيات واختلاط الانساب) بل وصل الامر أنه تم منح هذه الجائزة المرموقة لشخصيات بريطانية هم في واقع الحال ليسوا بأدباء او شعراء فلك ان تعلم ان جائزة نوبل في الادب تم منحها عام 1953 لرئيس الوزراء البريطاني ونستون تشرشل ربما لبلاغة وعمق تأثير خطبه السياسية بالإضافة لرقي كتاباته التاريخية. الأغرب من ذلك أن هذه الجائزة الأدبية البحتة تم منحها لعالم الرياضيات والفيلسوف البريطاني المعروف برتراند راسل الذي لم يؤلف اي عمل ادبي او قصيدة شعرية لكن كانت كتابته الفكرية والفلسفية علي درجة عالية من الرقي اللغوي. ورطة أخرى مرتبطة بين جائزة نوبل في الأدب والفائزين بها من الجنسية الانجليزية تمثلت في الحادثة المشهورة عندما تم منح الأديب الانجليزي البارز برنارد شو جائزة نوبل في الأدب لعام 1925 وهنا حصلت الضجة العالمية لرفض برنارد شو قبول استلام الجائزة بسبب معارضته لاختراع إلفرد نوبل لمتفجرات الديناميت ويبدو أن أطراف عددية تدخلت في المضوع من ضمنهم زوجة برنارد شو وحثه على قبولها وهو ما حصل حيث استلمها في عام 1926 وربما كانت تلك ولا تزال أول مرة يعلن فوز شخص بجائزة نوبل في عام ويستلم الجائزة في عام آخر.

وختاما علي كثرة الانتقادات والمفارقات للشخصيات التي تم منحها جائزة نوبل في الادب شبه مغمورة في حين أن لجنة الجائزة ولأسباب غير مفهومة تعمدت وبشكل متكرر حجب هذه الجائزة عن أدباء عالميين من الوزن الثقيل جدا مثل الروائي الروسي تولستوي والكاتب الامريكي مارك توين والاديب الفرنسي أميل زولا أو الاديبة البريطانية المشهورة فرجينيا وولف أو الروائي الايرلندي البارز جيمس جويس. في المقابل وصلت حالة الارتجال في منح هذه الجائزة لشخصيات ضعيفة الانتاج الادبي أنه تم منحها العام الماضي لفنان الاغاني الشعبية الامريكي بوب ديلن طبعا يضاف إلى ذلك الاتهامات المتكررة للتأثيرات السياسية في اختيار الفائزين بهذه الجائزة. ومع كل هذه العشوائية في آليات عمل لجنة هذه الجائزة إلا أنه لم تتكرر (مجاملة) منح هذه الجائزة لأعراق جنسية متعددة ولهذا يقال أنه تم منح هذه الجائزة للأديب العربي نجيب محفوظ الذي بالرغم من كل عبقريته الادبية لم تتحمس لجنة الجائزة بمحه إياها إلا لأسباب سياسية محتملة وكمحاولة منهم للإضفاء نوع توازن بأن تشمل هذه الجائزة جميع القوميات الانسانية. المحزن في الأمر أن الامة العربية العريقة بتاريخها الاديب الاصيل وبتعدد سكانها الكبير لم يحصل إلا أديب واحد منها فقط على جائزة نوبل وهو نفس العدد الذي حصلت عليه جزر موريشيوس وجزر سانت لوسيا التي لا يعرف أحد موقعها على الخريطة الجغرافية لكن جائزة نوبل في الادب الممنوحة لأحد أدباءها رسخت مكانتها على الخريطة الثقافية العالمية. وكما هو معلوم عبر مئات السنين كان للغة الفارسية مكانة كبيرة في مجال الفصاحة الادبية وربما كان بعض المستشرقين يفضلونها في درجة الرقي اللغوي على اللغة العربية ومع ذلك لم يحصل أي اديب فارسي على جائزة نوبل. في حين أنه عندما تم منح هذه الجائزة لثاني شخصية مسلمة إلا وهو الروائي التركي المعروف أورهان باموق كان الدافع السياسي هو غالبا السبب الرئيس في اختياره لهذه الجائزة عام 2006 لأنه كان في تلك الفترة بالذات يتم محاكمته في تركيا بسبب تصريحاته المعادية للحكومة والشعب التركي حيال المذابح التي طالت الارمن والاكراد.

وبعد ماذا بقي من الأدب .. في زمن الحداثة والعولمة والشركات متعددة الجنسيات والرأسمالية المتوحشة فقد كل شيء جميل وأصيل قيمته حتى الأدب فقد هالته ورونقه البديع.