السبت، 23 يونيو 2018

( كرة القدم بعيداً عن الرياضة )

كرة قدم في صورة تذكارية مع ثلاثة من علماء نوبل .. أيش القصة ؟!!

د/ أحمد بن حامد الغامدي

هل يوجد رابط بين لعبة كرة القدم وجوائز نوبل ؟!! سؤال قد يبدو (متسلل) لكنه سؤال مشروع تداوله على أرضية ملعب نادي (مانشستر يونايتد) أحد أعرق الأندية العالمية. مدينة مانشستر البريطانية وثيقة الصلة بتاريخ كرة القدم حيث إن أول دوري رياضي لكرة القدم في التاريخ أنطلق في رحاب مدينة مانشستر عالم 1888م وهي كذلك وثيقة الصلة مع أصغر جسيم (كروي) في الطبيعة إلا وهو (الذرة). للمتخصصين في مجال العلوم كان إدخال مفهوم الذرات أحد أهم الاكتشافات العلمية على مر العصور وقد تم ذلك على يد العالم المعروف جون دالتون الذي قدم النظرية الذرية للمجتمع العلم في عام 1803 ميلادي حيث إنه توصل لهذه النظرية ونشرها اثناء إقامته في مدينة مانشستر. لقد رسم دالتون الذرات على هيئة كرات صغيرة ولهذا لا عجب أنه في عام 2003 عندما أراد المجتمع العلمي ان يحتفل بمرور مائتي سنة على نظرية دالتون الذرية كان ملعب نادي مانشستر يونايتد من ضمن الأماكن الملائمة لهذا الاحتفال. 

ضيف الشرف الرئيس لتلك المناسبة في ملعب نادي مانشستر يونايتد كان عالم الكيمياء البريطاني السير هاري كروتو الحاصل على جائزة نوبل في الكيمياء لعام 1996م لتصنيعه الجزيئي الكيميائي الساحر (الكربون 60 C60) والذي يوصف بأنه أصغر كرة قدم في الطبيعة Buckyball وهو مركب مكون من ستين ذرة كربون متجمعة على شكل كرة قدم نانوية. ولهذا كان برنامج الاحتفال بتاريخ النظرية الذرية أن يلعب العالم هاري كروتو مخترع أصغر كرة في الطبيعة مع اثنين من أبرز نجوم فريق نادي مانشستر يونايتد في ذلك الوقت (أي عام 2003) وهما اللاعب الأورغوياني دييغو فورلان (الفائز بجائزتي الحذاء الذهبي والكرة الذهبية) واللاعب الإيرلندي جون أوشي ومعهم حوالي 350 طفلا تم تعريفهم بشكل مبسط عن عالم الكيمياء وموضوع كرة قدم تقنية النانو المجهرية.

كما هو معلوم أحدث الاكتشافات والمخترعات العلمية المعاصرة مرتبطة بتقنية النانو ولهذا عدد من جوائز نوبل الأخيرة مرتبطة بتقنية النانو تلك التقنية التي بدأت قصتها عام 1985م عندما أكتشف هاري كروتو وزملاءه بالصدفة اختراع أصغر كرة قدم في الطبيعة. إن مركب الكربون 60 C60 مركب مستقر جدا وعندما حاول عالم الكيمياء الأمريكي ريتشارد سمولي الحائز على جائزة نوبل مع هاري كروتو فهم طبيعة الشكل الهندسي المحتمل لهذا المركب توجه لرئيس قسم الرياضيات بجامعة رايس الأمريكية الذي كان رده بكل بساطه (أستطيع أن أشرح لك الموضوع بأكثير من طريقة ولكن بكل بساطة هو شكل كرة القدم). ولهذا الصورة التذكارية الشهيرة للفريق العلمي الذي حصل على جائزة نوبل لإطلاقهم لعصر تقنية النانو كانت تتوسطهم كرة قدم يحملها عالم الكيمياء الأمريكي روبرت كيرل ثالث العلماء الذين حصلوا على جائزة نوبل من وراء كرة القدم تلك.

وبالعودة لمدينة مانشستر وفي مطلع القرن العشرين نجد ظهور اكتشاف علمي ثوري آخر يتعلق بالذرات لم يحصل مثله من زمن اليونان حيث تم نقض التصور الفلسفي أن الذرات غير قابلة للانقسام indivisible وذلك عندما توصل عالم الفيزياء البريطاني المعروف رذرفورد والحاصل على جائزة نوبل عام 1908م لاكتشاف أن الذرة ليست كتلة صماء. وفي قسم الفيزياء بجامعة مانشستر تمت تجربة رقاقة الذهب الشهيرة والتي استنتج منها رذرفورد أن الذرة مكونة من نواة صغيرة ومن مدارات إلكترونية وان حجم النواة أصغر من حجم الذرة بمائة ألف مرة (وهذا ما يعرف بنموذج راذرفورد الذري). بعد أشهر قليلة من تاريخ هذا الاكتشاف العلمي الكبير (والذي تم في عام 1909م) تم افتتاح الملعب الجديد لفريق مانشستر يونايتد (Old Trafford) وبحكم أنه كان أضخم ملعب على الإطلاق في بريطانيا العظمى في تلك الفترة ومن هنا ربما بدأ علماء الفيزياء بمدينة مانشستر يحاولون شرح أبعاد اكتشافهم العلمي بإعطاء المقارنة الشهيرة: (حجم النواة إلى حجم الذرة مثل حجم كرة البراجون الزجاجية الصغيرة إلى حجم ملعب كرة القدم).

ولعلنا نختم أخبار العلماء وارتباطهم بكرة القدم والأندية الرياضية العريقة بأن نذكر أن الكيميائي العربي الكبير أحمد زويل الحاصل على نوبل في الكيمياء عام 1999م قد شارك في عام 2007م كضيف الحفل الرئيس لنادي الأهلي المصري العريق بمناسبة الذكر المئوية لإقامة هذا النادي. وكان لأحمد زويل محاضرة شيقة وفريدة في هذا الحفل بعنوان (ملاعب المستقبل) تدور حول السبل المثلى لرفع حال الأمة العربية والإسلامية من خلال التنشئة العلمية والثقافية والرياضية الصحيحة لجيل المستقبل.

 

علماء نوبل بين الملعب والمختبر

من أوجه الترابط بين جوائز نوبل العلمية ولعبة كرة القدم أن بعض أبرز مشاهير العلماء في العصر الحديث ليس فقط مارسوا اللعبة الرياضية الأولى ولكن البعض منهم مارسها بصورة شبه احترافية. وبحكم أننا كنا قبل قليل في سياق ذكر الاكتشافات العلمية في مجال الذرات فحتى الآن يعتبر (نموذج نيلز بور الذري) هو أكثر النظريات العلمية دقة في هذا المجال ولذلك ليس فقط حصل العالم الدنماركي نيلز بور على جائزة نوبل في الفيزياء عام 1922م ولكنه حتى الآن يعتبر أهم شخصية علمية في العصر الحديث بعد أينشتاين الذي بالمصادفة حصل على جائزة نوبل قبل نيلز بور بسنة واحدة فقط. في أثناء دراسته الجامعية كان نيلز بور لاعب كرة قدم موهوب لدرجة أنه شارك فريق نادي كرة القدم الأكاديمي بعض المباريات أمام فرق رياضية أوروبية. 

وبالرغم من براعته الرياضية إلا أن تعلقه بالعلم كان يسبب له بعض الأحداث الطريفة حيث كان نيلز بور من العلماء البارزين الذين اشتهر عنهم شرود الذهن والانغماس بالتفكير العلمي العميق. الطريف في الأمر أن إحدى حالات الشرود الذهني العميقة حصلت للشاب نيلز بور عندما كان فريقه نادية الدنماركي يلعب مباراة في كرة القدم مع فريق ألماني. المشكلة إن نيلز بور كان يعلب في خانة حارس المرمى ويبدو أن فريق بور كان هو الأفضل في مستوى اللعب لدرجة أن أغلب وقت المباراة كان يمضي والكرة في نصف الملعب الألماني وفي هذه الأثناء بدأ صاحبنا حارس المرمى نيلز بور يشغل نفسه بحل مسألة رياضية سلبت تفكيره بصورة كاملة. وعندما بدأ الفريق الألماني بالهجوم المضاد استطاع أن يختطف هدف سهل عن طريق تسديدة طويلة فشل نيلز بور في صدها وقد أعترف لاحقا أنه كان مشغولا بالفعل في حل مسألة رياضية.

في حين كان نيلز بور يمارس لعب كرة القدم في موقع حارس المرمى نجد عالم آخر حاصل على جائزة نوبل يلعب في موقع رأس الحربة وهداف الفريق وهذا كان عالم الكيمياء المجري الأصل جورج أولاه الحاصل على جائزة نوبل في الكيمياء عام 1994م. في واقع الأمر كانت المهارة الكروية لهذه الكيميائي ضعيفة إلا أنه بسبب طوله البارز أهله ذلك للعب بشكل جيد كمهاجم لفريق قسم الكيمياء بجامعة بودابست التقنية. أما عالم الكيميائي السويسري كورت فوتريخ الحاصل على جائزة نوبل في الكيمياء عام 2002م فربما يكون هو أكثر شخصية علمية مرموقة ما زالت متعلقة بلعب كرة القدم. فمنذ مراحل شبابه المبكر أهتم فوتريخ بلعب كرة القدم حيث كان يلعب في فريق مدينة فاليزيلن بالقرب من زيورخ ونظير تمتعه بصحة جيدة ظل يلعب بصورة ما في الدوري الكروي حتى بعد أن قارب سن الخمسين علما بأنه ما زال يمارس لعب كرة القدم بشكل متقطع وهو على مشارف سن الثمانين. ومن صور تعلق فوتريخ بلعبة كرة القدم حرصه أن يضع في صفحته العلمية للموقع الإلكتروني للمعهد السويسري للتكنولوجيا في مدينة زيورخ العديد من الصور الفوتوغرافية وهو يمارس لعب كرة القدم مع رفقاء دربه الكروي من لاعبي فريق مدينة فاليزيلن حيث نظمت لهم مباراة لم شمل عام 2015 ميلادي. 

في النصف الثاني من القرن التاسع عشر كان الشاب الأسكتلندي وليم رامزي يعمل في مرسى لبناء السفن وعندما كان يعلب كرة القدم مع زملائه تعرض لإصابة خطيرة تسببت في كسر قدمه. وعندما كان في فترة النقاهة والتماثل للشفاء كانت حركة محدودة ولهذا أخذ يشغل نفسه بمطالعة بعض الكتب الثقافية ومن ضمنها كتاب في الكيمياء ومن هنا ومن جراء كرة القدم تعلق هذا الشاب بعلم الكيمياء لدرجة أنه باشر بعد شفائه بالتسجيل في قسم الكيمياء بجامعة جلاسكو. وفي لاحق الايام سوف يحصل السير وليم رامزي على جائزة نوبل في الكيمياء لعام 1904م نظير اكتشافه سته من عناصر الجدول الدوري ذات خواص كيميائية فريدة ولهذا تسمى (العناصر النبيلة). وبعد أن ارتبطت كرة القدم ببدايات حياة السر وليم رامزي ما زالت ترتبط به بعد وفاته وذلك من خلال فريق كرة قدم نادي مدرسة وليم رامزي في مقاطعة باكينغهامشير في جنوب بريطانيا.

 

دربكة كروية في ملاعب الأدب

الصورة النمطية السائدة عن العلماء والمخترعين أنهم غارقون في بحور الجدية والابتعاد عن تضييع الاوقات في اللعب والمرح ومع ذلك استطعنا أن نحشد امثلة لحوالي عشرة من علماء نوبل ارتبطوا بشكل أو آخر بلعبة كرة القدم . الغريب في الامر أنه يصعب استخراج أمثلة متعددة بنفس المقدار لارتباط كبار مشاهير الادباء والمفكرين بلعبة كرة القدم. لا شك أن رجال السياسة يلعبون ويتلاعبون بالشعوب لكن قلة قليلة منهم مارست لعبة كرة القدم باحترافية ويستثنى من ذلك اللاعب الافريقي جورج ويّا الذي ليس فقط أبدع في الملاعب الرياضية بحصوله على جائزة أفضل لاعب كرة قدم في العالم في عام 1995 ولكنه أيضا يجيد اللعب في دنيا السياسة حيث إنه حاليا رئيس الحكومة لجمهورية ليبيريا. وعلى النقيض من العلماء نجد أن بعض أشهر الادباء والروائيين ليس فقط لم يمارسوا لعبة كرة القدم بل كان لهم نظرة سلبية حولها فالروائي والشاعر الانجليزي البارز أوسكار وايد أعتبر لاعبي كرة القدم برابرة. بينما الاديب الانجليزي المعاصر جورج أورويل (صاحب رواية مزرعة الحيوانات وتحفة رواية 1984) كتب عن خطورة التمازج بين القومية والتعصب الكروي فقال (كرة القدم ليس لها علاقة باللعب النظيف .. وهي مرتبطة بالكراهية والغيرة والبجاحة .. هي بعبارة أخرى حرب بدون إطلاق النار).

 وبحكم أن كرة القدم ظهرت في البداية من إنجلترا لذا ومن منطلق امتعاض الأديب الارجنتيني خوخري بورخيس (أحد أهم أدباء امريكا اللاتينية على الاطلاق) من كرة القدم ينقل عنه قوله: كرة القدم واحدة من أكبر جرائم إنجلترا. كل من يعرف الاتجاه الفكري لجورج أورويل وخورخي بورخيس ومعارضتهم الشديدة للاستبداد والطغيان لا يستغرب منهم نفورهم من لعبة كرة القدم لأنهاء من وجهة نظرهم تثير الشحناء بين الشعوب كما يستخدمها الطغاة وخصوصا أباطرة الحكم العسكري في العالم الثالث للإلهاء الشعوب بإنجازات كروية فارغة. ولهذا أيضا نجد أن الروائي التركي المعروف أورهان باموق الحاصل على جائزة نوبل في الأدب لعام 2006 في حواره الشهير مع مجلة دير شبيغل الألمانية أشار إلى أن الطغاة الديكتاتوريين يستخدمون لعبة كرة القدم للتحكم في بلدانهم وتخدير الناس وبهذا تكون كرة القدم هي (أفيون الشعوب).

من المظاهر المشهورة في ميادين الأدب أن المثقفين والمفكرين في الغالب يكرهون لعبة كرة القدم بسبب الحسد من (الساحرة المستديرة) التي سحرت الشعوب لدرجة أن لاعب الكرة ليس فقط يصبح من المشاهير بل كذلك من الأثرياء والوجهاء في المجتمع. لا شك أن العديد من الأدباء والشعراء والمفكرين شعروا بالمرارة لشعبية كرة القدم وعشق الناس لها بينما غالبية أفراد المجتمع لا يكادون يعرفون شيئا عن شعراء وأدباء بلدانهم. ولهذا لخص الأديب المصري الكبير توفيق الحكم الحال الجديد بقوله (انتهى عصر القلم وبدأ عصر القدم) بينما عندما سأل الأديب الأرجنتيني خورخي بورخيس عن سبب شعبية كرة القدم ردا قائلا (كرة القدم منتشرة لأن الغباء منتشر). أما نجيب محفوظ فتعرض لهذا الموضوع في مقطع صادم من رواية (ميرامار) عندما صرخ الصحفي العجوز عامر وجدي الذي تلاشت أيام عزه (أيها الأنذال .. أيها اللوطيون .. ألا كرامة للإنسان عندكم إن لم يكن لاعب كرة).

ومع ذلك تضطرنا (روح الامانة والأخلاق الرياضية) أن نشير إلى أن البعض الآخر من الادباء والمفكرين كان لهم عشق وإعجاب فريد بلعبة كرة القدم ففي حين كان الشاعر خورخي بورخيس السابق الذكر وكنوع من التعبير عن اعتراضه على شعبية كرة القدم يختار بشكل متعمد أن يكون موعد إحدى محاضراته الادبية في نفس توقيت موعد المباراة الاولى للفريق الارجنتين في بطولة كأس العالم عام 1978م نجد في المقابل أن الشاعر الفلسطيني الكبير محمود درويش كان عاشقا متيما بمشاهدة مباريات كرة القدم لدرجة أن قال إنه يفضل متابعة مباراة لكرة القدم بين فرنسا وإسبانيا على حضور أمسية شعرية (حتى لو كان من سيحيي الأمسية الشعرية المتنبي !!!). أما أروع كلمة تقدير تم تدبيجها في فن المديح الكروي فكانت من عبارات الكاتب والروائي الفرنسي البارز ألبير كامو الحاصل على جائزة نوبل في الأدب لعام 1957 حيث قال (كل ما أعرفه عن الأخلاق والالتزام أدين به للعبة كرة القدم) وعندما سأله أحد أصدقائه ماذا يفضل المسرح أم كرة القدم كان جوابه (كرة القدم وبغير تردد) وهو جواب غريب من صاحب رواية (الغريب) وأحد أبرز رموز الثقافة والأدب المعاصرين.

الجدير بالذكر أن ألبير كامو كان من الأدباء القلائل الذين حصلوا على جائزة نوبل في الأدب وفي نفس الوقت اشتهر عنهم ممارستهم لرياضة كرة القدم حيث يلعب في بواكير شبابه كحارس مرمى في نادي كرة القدم بجامعة الجزائر (ألبير كامو ولد في الجزائر عندما كانت تحت الاحتلال الفرنسي). ومع ذلك ينبغي التنبيه إلى أن ارتباط ألبير كامو بكرة القدم كان فقط في أوائل مرحلة الشباب حيث إنه أصيب وهو في سن الثامنة عشرة بمرض السل مما تسبب في اعتزاله تماما للمستطيل الأخضر. وإلى درجة ما نجد أن الأديب العربي الكبير نجيب محفوظ الحاصل على جائزة نوبل في الأدب لعام 1988 مارس هو الآخر لعب كرة القدم في مرحلة الشباب حيث كان يلعب في موقع قلب الدفاع في فريق حي العباسية. ويبدو أن المهارات الكروية لنجيب محفوظ كانت عالية لدرجة أنه قال عن نفسه (كثيرون ممن شاهدوني في ذلك الوقت تنبئوا لي بالنبوغ في كرة القدم وبأنني سألعب لأحد الأندية الكبيرة ومنها إلى الأولمبياد مع المنتخب الوطني) ومع ذلك هجر نجيب محفوظ الكره بمجرد بدايته للدراسة الجامعية وانشغاله بالأدب.

وفي الختام بقي أن أقول بأنني كنت أخطط لأن أعرج على ذكر بعض أبرز الأعمال الأدبية أو حتى الشعرية التي تدور حول لعبة كرة القدم وبالفعل توجد أمثلة متعددة في ثنايا الروايات العربية والأجنبية ولكني صرفت النظر عن ذلك لعدم رغبتي في إطالة المقال أكثر مما حصل وكذلك لإحساسي أن الحبكة الفنية لهذه الأعمال ربما لن تكون عالية. ومما رسخ في تصوري هذا الاستنتاج عندما علمت أن نجيب محفوظ نفسه كتب رواية عن كرة القدم في أوائل شبابه في مرحلة الأربعينيات من القرن العشرين لكنه مزّقها ولم ينشرها ربما بسبب ضعف حبكتها الروائية. ويضاف إلى ذلك أن الروائي التركي أورهان باموق الحاصل على جائزة نوبل في الأدب عندما سأل (بسبب عشقه الكبير لكرة القدم) هل فكر أن يؤلف رواية يكون لها ارتباط بكرة القدم استصعب خوض هذه التجربة الروائية وعلل ذلك لأن كرة القدم مبنية على الأمور البصرية بينما الأدب على الأمور اللفظية مما يجعل تأليف رواية جيدة امرا معقدا.

الجمعة، 25 مايو 2018

( رمضان خارج المألوف )

الصلاة في الفضاء شاقة .. وماذا عن الصيام

د/ أحمد بن حامد الغامدي

في مطلع شهر رمضان المبارك العام الماضي نشر رائد الفضاء الامريكي سكوت كيلي تغريده تويتر تحتوي على صورة فوتوغرافية ألتقطها من الفضاء لمكة المكرمة وذلك بهدف تهنئة المسلمين بحلول شهر رمضان المبارك. الاحتفال بالشهر الفضيل من الفضاء حدث غير عادي ولكنه ليس نادر الحدوث تماما فقبل حوالي عشر سنوات احتفل رائد فضاء آخر بشهر رمضان بمناسك رمضانية مختلفة  حيث حاول الصوم في الفضاء رائد الفضاء الماليزي مظفر شكور المشارك في رحلة فلكية إلى محطة الفضاء الدولية في أواخر شهر رمضان من عام 2007م . لقد حرص مظفر شكور على حسن أداء العبادات الشرعية في الفضاء ولهذا أستعان بفتاوى خاصة من مجلس الفتوى الوطني في ماليزيا لإرشاده لكيفية ضبط تحديد مواقيت الصلاة والصيام وقيام الليل (فضلا عن تحديد القبلة) في محطة الفضاء الدولية التي يتوالى الليل والنهار فيها كل 90 دقيقة !!.
الجدير بالذكر أنه قبل الفتوى الفضائية الماليزية بحوالي عشرين سنة حرص الأمير الشاب سلطان بن سلمان أن يستفتي سماحة الشيخ عبدالعزيز بن باز عن عين تلك الامور الشرعية المستحدثة حيث كان من المتوقع أن تنطلق رحلته الفضائية عبر ماكوك الفضاء ديسكفري في يوم 26 رمضان من عام 1405هـ إلا أن الرحلة تأجلت قليلا ولهذا أنطلق الأمير للفضاء في آخر يوم من رمضان. وإذا كان الامير سلطان بن سلمان هو أول رجل مسلم يصعد إلى الفضاء فإن أول امرأة مسلمة تغزو الفضاء هي رائدة الفضاء الإيرانية أنوشة أنصاري ذات الجنسية الامريكية والتي تعتبر كذلك أول (سائحة فضاء) في التاريخ حيث أنه دفعت حوالي عشرين مليون دولار لكي تقوم بهذه المغامرة الفلكية المذهلة. بقي أن نقول أن الرحلة (السياحية) لهذه السيدة الفضائية المسلمة بدأت في يوم 26 رمضان من عام 1427هـ وبالرغم من أنها اخترقت أجواء السماء في ليله القدر إلا أنه للأسف لا توجد أي أخبار صحفية عنها تشير هل مارست أي من الشعائر الدينية في الفضاء بل لا نعلم إن كانت على الأقل قد احتفلت بعيد الفطر المبارك في محطة الفضاء الدولية.

رمضان في أرض غريبة
لا شك أن الاجواء الرمضانية في ماكوك الفضاء أو محطة الفضاء الدولية بالقطع لها طابعها الخاص ولهذا صرح رائد الفضاء الامير سلطان أن (صيام شهر رمضان في الفضاء تجربة لا تنسى) لكن الحصول على تجربة فريدة ومغامرة شيقة في رمضان قد يمكن تحقيقها دون التحليق مع النجوم. من ذلك مثلا أن تذهب في مغامرة لصعود قمة جبل إيفرست كما فعل مجموعة من الشباب الخليجي الذين تسلقوا أعلى قمة في سلسلة جبال الهيملايا في أواخر شهر رمضان من عام 1433هـ وقد عاشوا مشاعر إيمانية عالية عندما قام أحدهم برفع صوت الأذان في نهار شهر رمضان ومن فوق أعلى قمة على سطح الأرض وبهذا قد يكون هذا هو أقرب صوت للآذان إلى أبواب السماء. في حِسنا الجمعي أرتبط شهر رمضان بالصيف والحر والعطش ولهذا كان من (خارج المألوف) ارتداء الملابس الثقيلة وحمل اسطوانات التنفس بين ثلوج قمم الجبال في شهر رمضان ومع تزايد شعبية تسلق الجبال الشاهقة بين جموع الشباب العربي والمسلم من المحتمل تكرار مثل هذه المشاهد في شهر رمضان المبارك لأن تسلق هذا الجبال أسهل في الغالب في شهور الصيف.
وعلى نفس النسق في الخروج عن المألوف في تجربة الاجواء الرمضانية بين الثلوج والزمهرير بدأت كذلك تنتشر ظاهرة توجه أفراد من الرحالة العرب لزيارة القطب المتجمد الشمالي بل وحتى القطب المتجمد الجنوب الاكثر بعدا والأكثر خطورة والاشد برودة. وبحكم توافق شهر رمضان في هذه السنوات مع فترة الصيف تزداد احتمالية رغبة بعض الرحالة والسياح العرب تجربة الصيام في أرض الجليد. في واقعنا المحلي كان أول من وصل إلى القطب المتجمد الجنوب هما الدكتور مصطفى معمر من جامعة الملك عبدالعزيز والدكتور إبراهيم عالم من جامعة الملك فهد واللذان شاركا في 1989م في رحلة علمية دولية استكشافية للقطب المتجمد الجنوبي استمرت لثلاثة أشهر انتهت في مطلع شهر رمضان المبارك من تلك السنة. الجدير بالذكر أن الرحلات الاستكشافية العلمية العربية للمناطق المتجمدة محدودة ومتقطعة منذ أن بدأها العالم المصري الدكتور سيد زكريا السيد بزيارة القطب المتجمد الجنوبي وحتى نهايتها بمشاركة الدكتور عبدالعزيز اللعبون من قسم الجيولوجيا بجامعة الملك سعود في رحلة استكشافيه دولية للقطب المتجمد الجنوبي عام 2014م. ومع ذلك تبقى التجربة المتميزة في هذا الشأن في العالم الاسلامي من نصيب تركيا حيث تخطط جامعة إسطنبول التقنية بافتتاح محطة أبحاث علمية دائمة لها في القطب المتجمد الجنوبي بدلا من التعاون العلمي المؤقت مع الدول الاخرى. وبحكم أن تشغيل هذه المحطة الدائمة غالبا سوف يتم في شهور الصيف وبهذا سوف تكون الفرصة شبة مؤكدة لوجود مسلمين في قلب القارة المتجمدة قد يرغبون بصيام شهر رمضان في هذه الارض الغريبة.
من جانب آخر ومنذ عقود طويلة تنشط بعض الشركات السياحية الغربية في تنظيم رحلات سياحية للوصول للدائرة القطبية أو حتى لأطراف القارات المتجمدة الشمالية بالذات وكذلك الجنوبية. ولمن يرغب في رحلة سياحية خالدة للقطب المتجمد الشمالي خلال شهر رمضان الحالي توفر شركة سياحية بريطانية متخصصة في هذا المجال رحلة (سفاري جليدية) لمشاهدة الدب القطب والفقمة تبدأ من يوم 11 رمضان ولمدة تسعة ايام وبتكلفة حوالي سبعة آلف جنية استرليني. وبهذه المناسبة تجدر الاشارة إلى إن المغامر السعودي وليد زاهد قد وص في عام 2010 هو وولديه هيثم ومحمد إلى مركز القطب في القارة المتجمدة الجنوبية.
 لكن يبقى مع ذلك لأي سائح أو مغامر الاستعداد لحالة الارباك الحتمية فيما يتعلق بأداء الشعائر التعبدية في منطقة القطبين المتجمدة ففي فصل الصيف من المحتمل في بعض المناطق أن لا تغيب الشمس على الاطلاق أو في أحسن الاحوال يكون الليل لمدة أقل من ساعة علما أنه لن يوجد ظلام الليل المعتاد وإنما ظِلال الغسق الداكنة. وعليه في مثل هذه البيئة الغرائبية البعيدة عن المألوف يصعب تحديد أوقات الصلوات أو تحديد زمن الصيام وبدأ لحظة الافطار أو الإمساك. وتجدر الاشارة بهذه المناسبة أن الجالية الاسلامية في مدينة أولو بشمال فنلندا أو في منطقة نونوفت بأقصى شمال كندا طلبوا فتاوى شرعية خاصة لمشكلة أن النهار في رمضان لديهم قد يصل لمدة 23 ساعة في حين أن بعض المسلمين في حين أن بعض المسلمين بمدينة نوريلسك في سيبيريا الروسية قد يصومون لمدة 21 ساعة باليوم !!.

رمضان في الغربة كربة
إذا كان صيام رمضان في الفضاء تجربة لا تنسى فبدرجة أقل تجربة الصيام في أرض الصقيع وفي بلاد غريبة تجربة تستحق الذكر والتوثيق. ومن أقدم ما نقل لنا في هذا السياق تجربة الرحالة العربي القديم أحمد بن فضلان إلى بلاد البلغار والروس وما يهمنا هنا أنه في عام 309 هجري داهم فصل الشتاء ابن فضلان ورفاقه وهم في مدينة جرجانية غرب أوزباكستان وهنا يصف ابن فضلان كيف أن نهر جيحون جمد من شدة البرد والصقيع لدرجة أن الخيل والبغال أصبح بإمكانها المشي فوقه. ويصف ابن فضلان  أنه من شدة البرد (.. كنت أخرج من الحمام فإذا دخلت البيت نظرت إلى لحيتي وهي قطعة واحدة من الثلج حتى كنت أدنيها من النار) وفي موضوع آخر يصف الملابس الثقيلة التي كانوا يحتاجونها لاتقاء الزمهرير (.. كان كل رجل منا عليه قرطق وفوقه خفتان وفوقه بوستين وفوقه لبادة وبرنس ولا تبدو منه إلا عيناه، وسراويل طاق وآخر مبطن وران وخف كيمخت وفوق الخف خف آخر فكان الواحد منا إذا ركب الجمل لم يقدر أن يتحرك لما عليه من الثياب). وبسبب أن البرد والصقيع منع ابن فضلان ورفاقه من إكمال سفرهم إلى بلاد الصقالبة لذا أدرك شهر رمضان ابن فضلان وهو في هذه الأجواء الرمضانية الشاتيه.
 أخبار وقصص رواد الرحالة العرب زاخرة بالعديد من التشويق ومع ذلك قد لا يعتبر وصف ابن بطوطة مشاهداته للمدن التي توافق مروره بها أثناء شهر رمضان (في سنوات مختلفة) مثل مكة المكرمة ودمشق والقاهرة، لا يعتبر من الأمور (خارج سياق المألوف) بحكم أنها بلاد عربية أصيلة ومعروفة بشكل كامل. لكن في المقابل نجد أن وصف الرحالة ابن جبير الاندلسي لزيارته غير المتوقعة لجزيرة صقلية في شهر رمضان ينطبق وصفها على حديثنا هنا عن (رمضان خارج النسق). في عام 578 هجري سافر ابن جبير الاندلسي لأداء فريضة الحج وفي طريق العودة إلى الاندلس كان قراره (خارج المألوف) أن يسافر على سفينة إيطالية من ميناء مدينة عكا (في حينها ما زالت تحت حكم الصليبيين) بدل أن يبحر مثلا من الإسكندرية وباستخدام سفينة عربية. وعلى كل حال ونظرا لهبوب عاصفة بحرية هوجاء كاد القارب أن يغرق لهم قرب ساحل جزيرة صقلية لولا إغاثة ملك الجزيرة (العاشق للعرب) لهم حيث أشرف بنفسه على عمليات الانقاذ واستقبل جميع الركاب من العرب والفرنجة استقبالا حسنا. وكان نزولهم للسواحل الصقلية في مطلع شهر رمضان من ذلك العام حيث نزلوا بمدينة مسينه والتي وصفها بأنها (وليس فيها من المسلمين إلا نفر يسير من ذوي المهن ولذلك يستوحش بها المسلم الغريب) وهي بهذا على النقيض من عاصمة البلاد مدينة باليرمو التي بها جالية إسلامية كبيرة لدرجة أن لهم فيها اسواق خاصة فضلا عن مساجدهم الكثيرة.  ويذكر ابن جبير أن ملك صقلية المدعو غليام يكثر من استعمال المسلمين (وهو كثير الثقة بالمسلمين وساكن إليهم في أحواله والمهم من أشغاله) ليس هذا فحسب فهذا الملك (أما جواريه وحظاياه في قصره فمسلمات كلهن) ويبدو أن تلك الجواري على ديانة حسنة لدرجة  (أن الافرنجية من النصرانيات تقع في قصره فتعود مسلمه) من تأثير الجاريات المسلمات. ومن أغرب ما ذكر ابن جبير عن هذا الملك المتسامح مع دين الاسلام أنه حصل مره زلزال بالجزيرة وعندما خاف الجميع تفاجأ الملك أنه عندما  (كان يتطلع في قصره فلا يسمع إلا ذاكرا لله ولرسوله من نسائه وفتيانه).
بهذه الاجواء المرحبة والمتسامحة مع الوجود الإسلامي نفهم أن وجود الجاليات المسلمة في يدار الغرب ظاهرة قديمة جدا ونفهم في نفس السياق لماذا أقام الجغرافي والرحالة العربي الكبير الإدريسي لسنوات طويلة وهو يقيم في جزيرة صقلية في كنف ملكها روجر الثاني. وللأسف نكشف معلومة (معروفة للبعض) أنه لهذا الملك المسيحي قام الإدريسي بتأليف كتاب المشهور نزهة المشتاق في اختراق الافاق والذي يعرف كذلك باسم (كتاب روجر). ليس هذا وحسب بل أن (خريطة الادريسي) الفائقة الشهرة كانت بطلب مباشر من الملك روجر للإدريسي بأن يصنع له خريطة وكره من الفضة على هيئة أقاليم الارض السبعة. الجدير بالذكر أن الإدريسي توفي في جزيرة صقلية عام 560م أي قبل وصول ابن جبير لها بثمانية عشر سنة وبعد هذا التاريخ بأكثر من قرنين من الزمان سوف تحصل قصة من أغرب القصص عن رحّال وجغرافي عربي آخر يدعى الحسن الوزان الأندلسي (أو ليون الإفريقي كما يعرف في الغرب). تبدأ القصة العجيبة للحسن الوزان عندما عاد من الحج وكما تعرض ابن جبير للتوقف في صقلية توقفت سفينة الحسن الوزان في جزيرة جربة بتونس وهنالك تعرض للخطف والأسر من قبل القراصنة الايطاليين واقتيد لاحقا إلى مدينة روما كهدية للبابا ليون العاشر الذي أجبره على اعتناق المسيحية وتغيير أسمه إلى ليون الافريقي. وبعد أن اقام الوزان لسنوات طويله في الأسر في روما وقام بتأليف العديد من الكتب أهمها كتاب الجغرافي (وصف أفريقيا) يقال أنه بعد وفاة البابا ليون العاشر ُسمح أخيرا لسميه ليون الإفريقي بالرجوع إلى تونس وهنا استعاد شخصيته الاسلامية وديانته. السؤال الأن هل كان الحسن الوزان أثناء حياة الإقامة الجبرية في روما يصوم شهر رمضان بالخفية وهذا أمر يصعب الجزم به ولكن أسير عربي آخر أقام لعدة سنوات في الحبس في أرض الفرنجة ومع ذلك كانت أشعاره توحي بارتباطه بشعائر دينه وعادات أهله. وهذا ما حصل مع الشاعر العربي الكبير أبي فراس الحمداني الذي كما هو معلوم وقع هو الآخر في الأسر على يد الروم ونقل للحبس في مدينة روما الشرقية (مدينة القسطنطينية) التي أقام فيها لمدة قاربت الأربع سنوات وهنالك من رحم المعاناة والمأساة ولدت قصائد (روميات) أبي فراس الرائعة. ما أصعب الذكريات على الأسير والغريب ولهذا يكون حالهم بعد أن يتقضى شهر الصيام وتحل فرحة العيد كما قال الأول:
هذا هو العيدُ أين الأهلُ والفرحُ             ضاقت به النفسُ أم أودت به القرحُ
وأين أحبابنا ضاعت ملامحهم               من في البلاد بقى منهم ومن نزحوا
ولهذا كان من الأبيات الشعرية التي جادت بها قريحة أبو فراس الحمداني عندما حل عليه عيد الفطر وهو في الأسر:
يا عيدُ ما عُدت بمحبوبِ                 على مُعنى القلبِ، مكروبِ
يا عيدُ قد عُدت على ناظِرٍ              عن كل حسنٍ فيك، محجوبِ

شهر الصيام بعيون غربية
وفي الختام بعد أن عرجنا لذكر طرف مختصر عن ذكريات الرحالة العرب مع شهر الصيام لعلنا نختم بتوجيه الأنظار لزاوية رؤية مختلفة تتمثل في الشهادات التي سطرها الرحالة الغربيين والمتعلقة بشهر رمضان في البلاد العربية التي زاروها. من ذلك مثلا أن الرحالة الانجليزي تشارلز داوتي في كتابه (ترحال في صحراء العرب) ذكر أنه عندما كان في صحراء تيماء مع البدو في حدود عام 1876 وحل عليهم شهر رمضان حصل نقاش بين البدو حول ظهور العلامات الكافية لثبوت دخول الشهر. بل أن النقاش بينهم وصل لدرجة أن بعض الحاضرين رد بقوله (بأن الناس في المدن يعتمدون على الحساب الهندي في تحديد الشهر وإن ذلك الحساب دقيق ولا يخطئ مطلقا) وكأن حال بدو العرب لم يتغير منذ قرون فيما يتعلق بالجدال المتواصل حول رؤية الهلال. ومن غرائب الصدف أنه في نفس تلك السنه أي عام 1876 كان القنصل الأمريكي ألبرت فارمان يسجل انطباعاته عن مظاهر الاحتفال بدخول شهر رمضان في مدينة القاهرة وكيف أن الرجال يخرجون للتلال العالية خلف قلعة صلاح الدين لترائي هلال رمضان (وفور ثبوته يعودون بالبشرى .. وتسير المواكب الرسمية والشعبية المبتهجة في أرجاء القاهرة معلنة بدء صيام رمضان).
 بدون منازع قد يكون الرحالة السويسري يوهان بوركهارت أهم مستكشف أوروبي زار البلاد العربية (اشتهر باكتشافه المزعوم للبتراء في الاردن ومعبد ابو سنبل الفرعوني في أسوان) كما يعده البعض أول رجل غربي يؤدي فريضة الحج. ومن حسن الطالع كذلك أنه وصل لمدينة مكة المكرمة في عام 1814 في بداية شهر رمضان المبارك وبهذا رصد في كتابه البالغ الاهمية (رحلات في شبه الجزيرة العربية) كيف يحتفي أهل مكة بدخول الشهر الكريم وذلك من خلال (إضاءة جميع مصابيح القناطر المعلقة في قباب الحرم والتي يبلغ عددها 152 قبة) وفي هذه الاجواء الرمضانية الباهرة عقد بوركهارت مقارنة بين تجمع الناس في الحرم في ليالي رمضان وبين التجمعات الليلية الاوروبية.
وبحكم أن الصورة تغني عن ألف كلمة كما يقال فلعلنا نختم موضوع نظرة الغربيين عن شهر رمضان بأمر يتعلق بالمشاهدة الفعلية وليس الوصف المكتوب ولهذا من الملائم الاشارة إلى اهتمام بعض فناني الرسم الاستشراقي بتوثيق الشعائر الدينية الاسلامية في لوحاتهم الفنية. وربما من أهم من يمكن ذكره في هذا المجال الرسام التشكيلي الفرنسي إتيان دينييه الذي أعتنق الاسلام عام 1913 وغير اسمه إلى ناصر الدين دينية وقد تميز بشكل خاص بتوثيق المواضيع الدينية والشعائر التعبدية لدى المسلمين في الصحراء الجزائرية. وقد خص ناصر الدين دينيية طقوس شهر رمضان وعاداته بالعديد من اللوحات الفنية ومن أشهرها لوحة (سحور رمضان) ولوحة (غداة رمضان) ولوحة (مراقبة هلال العيد) ولوحة (بعد رمضان).


الثلاثاء، 15 مايو 2018

( الكاريزما السياسية .. رصيد لا ينفذ )

مهاتير محمد كاريزما سياسية طاغية وتواجد مستمر

د/ أحمد بن حامد الغامدي

للمرة الثانية يتم انتخاب مهاتير محمد لمنصب رئيس الوزراء الماليزي وهو في سن متقدم جدا حيث أنه قد تخطى سن التسعين كما أنه قد أنقطع عن الممارسة السياسية لسنوات طويلة منذ استقالته عام 2003م. قد لا يكون مهاتير محمد شخص متجدد الشباب ولكنه بالقطع شخص متجدد الحضور السياسي الطاغي والمؤثر. ففي حين أن بعض محترفي السياسية قد يغيب من المشهد السياسي عند أول انكسار أو هزيمة نجد أن مهاتير محمد ومن هم على منواله يتم تجديد انبعاثهم السياسي بعد كل منعطف حاد في مسيرتهم الملحمية.
في  سن الرابعة والاربعين فقد الطبيب الشاب مهاتير محمد مقعده الانتخابي بعد أن أقيل من البرلمان الماليزي وتم طرده كذلك من الحزب الذي ينتمي إليه ومع ذلك استمرت جذوة الحيوية السياسية له بالتزايد ليصل إلى منصب رئيس الوزراء في عام 1981م. الكاريزما السياسية لمهاتير محمد ضمنت له تحقيق المعجزة مرة ثانية بأن يصل لمنصب رئيس الوزراء وهو يترأس تحالف المعارضة ضد حزبه القديم وبهذا أثبت مهاتير محمد مره بعد مره أن رصيده السياسي زاخر وعامر وأنه يستطيع تكرار الانتصارات حتى بدون دعم قواعده الحزبية وإنما بدعم قواعده الشعبية واحترام الأمة له وثقته فيه وأنه خير من سوف يكون مؤهلا لأن يقطف ثمار استراتيجية (2020) لتطوير الاقتصاد الماليزي التي أعلن عنها عام 1991م.
الشخصيات ذات الحضور التاريخي الطاغي تتبع الحكمة القائلة (السقوط مسموح .. لكن النهوض واجب) لسبب أو آخر قد يتعثر القائد السياسي ولكن إذا كان ذا شخصية كاريزمية فما أسهل أن ينهض واقفا ويعاود المسير. وخير مثال يمكن ذكره في هذا المجال الامبراطور الفرنسي الاشهر نابليون بونابرت الذي لم يواجه قائد عسكري إخفاقات حربية وانتصارات سياسية كما حصل معه. بعد الانتصارات الاولية المذهلة للشاب بونابرت في ايطاليا تعرض لإخفاق مخزي في هزيمته البحرية في أبي قير في مصر وكذلك في اجباره عن التراجع عن حصار عكا وبالرغم من هذا الاخفاق العسكري إلا أن سمعته السياسية والادارية كانت عالية لدرجة أن الامه الفرنسية استدعته عام 1799م  لتولى زمام الحكم في باريس. لقد نهض نابليون بعد فشل حملته العسكرية في مصر وكذلك في مستقبل الايام سوف ينهض مرة ثانية بعد فشل غزوه العسكري لروسيا وعندما اضطر نابليون أن يتنازل عن العرش عام 1814م وتم نفيه إلى جزيرة ألبا الصغيرة أعتقد البعض أن أثر نابليون تلاشى نهائيا من التاريخ. وعندما هرب نابليون من منفاه أعتبر في البداية مجرما وتم تجهيز جيش للقبض عليه ولكن بمجرد من نوله على الاراضي الفرنسية وهو شبه أعزل من السلاح والمرافقين واذا بشخصيته الباهرة تسلب لب الأمة الفرنسية مرة ثانية ويتم إعادة تنصيبه حاكم على البلاد. ثم أخيرا بعد أن تتم هزيمته الاخيرة في معركة واترلو الشهيرة ويتم نفيه إلى جزيرة سانت هيلانه في أقصى جنوب المحيط الاطلسي ظن قادة الدول الاوروبية أنهم تخلصوا منه وإلى الابد وما علموا أن شخصيته الكاريزمية ذات الاثر السياسي الطاغي حتى بعد وفاته هي من سوف تسهل في مستقبل الايام لأبن أخته لويس نابليون أن يحكم فرنسا عام 1848م ويطيح بالملكية مرة ثانية ليصبح أخيرا (الامبراطور نابليون الثالث).
في العصر الحديث ربما لم يحصل سياسي على هالة وبريق ديبلوماسي مثل ما حازه رئيس الوزراء البريطاني ونستون تشرشل أيقونة النجاح السياسي والعسكري في القرن العشرين بل يكفيه أنه رئيس الوزراء الوحيد في التاريخ الذي حاز جائزة نوبل في الأدب بسبب بلاغته اللغوية والخطابية التي صنعت له المجد. وكما حصل مع نابليون صعد تشرشل سلم المجد وهو يسقط ويتعثر مع كل درجة ففي مطلع شبابه دخل البرلمان البريطاني عام 1900م ولكن سرعان ما تم الاطاحة به بسبب أداءه السيء في التمثيل النيابي. واثناء الحرب العالمية الأولى تم اختيار تشرشل لمنصب وزير البحرية البريطانية لكنه طرد من منصبه عام 1915م بعد هزيمته الكارثية في معركة غاليبولي في تركيا. ومع كل هذه الاخفاقات السياسية والعسكرية إلا أن رصيد تشرشل وثقله السياسي كان وبشكل عجيب يتزايد مع الزمن فسرعان ما تم توليته أكثر من منصب وزاري في فترة العشرينات من القرن الماضي ثم توالت بعد ذلك هزائمه في الانتخابات البرلمانية وهي السنوات الحرجة من حياته التي سمها لاحقا (سنوات البرية). في بداية اندلاع الحرب العالمية الثانية تم استدعاء تشرشل للعمل كوزير في الحكومة وبسبب الكاريزمية العالية التي كان يتمتع بها كانت الرسالة التي طمأنت الشعب البريطانية (ونستون، قد عاد)  ولهذا لا غرابة أن يتم بعد ذلك بشهور قليله تعيين (ونستون العائد) في منصب رئيس الوزراء. لقد خلد تشرشل أسمه في كتب التاريخ بنجاحه في حماية الأمة البريطانية من السقوط تحت براثن النازية الغاشمة ولهذا كان لتشرشل مكانة سامية في شعور الأمة الانجليزية لكن الغريب في الأمر أن تشرشل لم ينجح في الانتخابات الرئاسية التي تلت الحرب مباشرة لأن الأمة البريطانية الواعية كانت ترى (أن الرجل الذي يقود الحرب لا يمكنه أن يقود السلام) وهو ما يفسر سبب فشل جميع الانظمة العسكرية الحاكمة والمتسلطة. بقي أن نقول أخيرا عن تشرشل أن قاعدة (الكاريزما السياسية .. رصيد لا ينفذ) ضمنت له أنه بعد ذلك الفشل الغريب عندما تقدم تشرشل لخوض الانتخابات الرئاسية عام 1952 استطاع أن  ينجح فيها بكل يسر بسبب أرثه الزاخر بالخبرة السياسية والعسكرية نادرة الوجود.

كاريزما مهددة بالإفلاس
في كتابه ذائع الصيت والبالغ الاهمية (سيكولوجية الجماهير) أشار المفكر الفرنسي البارز غوستاف لوبون إلى أنه يمكن التلاعب بمواقف الجماهير عن طريق التأثير في (روح الجماعة) مما يتسبب لها في التطرف بالمشاعر وبالتالي تصبح قابلة للتأثر والتصديق. في نفس ذلك الكتاب يأسف غوستاف لوبون بأن الأمه الفرنسية أقل عقلانية من الأمة الانجليزية ولهذا على العكس من الانجليز الذين حرصوا أن يحجموا سلطة تشرشل بعد الحرب العالمية أتخذ الفرنسيون القرار المعاكس بانتخاب الجنرال الفرنسي البارز شارل ديغول (الذي قاد الحرب فهل سوف يقود السلام) لمنصب رئيس الدولة وبالرغم من أن ديغول يوصف بأنه مؤسس الجمهورية الفرنسية الرابعة إلا أن أدائه السياسي بعد الحرب لم يكن على مستوى التطلعات لدرجة أنه استقال بعد شهور قليله من توليه المنصب. وبعد تخبط الحكومة الفرنسية لعدة سنوات بعد الحرب العالمية الثانية وبداية فقدانها المتولي لمستعمراتها والدول التي تسيطر عليها أعلن شارل ديغول في انتخابات عام 1958 أنه (في خدمة البلد) وهنا يتم إعادة انتخاب ديغول ليس فقط لمنصب رئيس الحكومة ولكن لشرف نيل (مؤسس الجمهورية الخامسة). في واقع الأمر الرصيد الكاريزمي لشارل ديغول في وجدان الأمة الفرنساوية لم يكن فائق الوفرة بدليل أنه بعد انتخابه بعشر سنوات خرجت مظاهرات شعبية عارمة ضده في عام 1968 ولهذا عندما تم إجراء استفتاء عام في فرنسا حول أداء ديغول والاصلاحات الادارية التي طلبها و خسر في هذا الاستفتاء ولهذا أعلن ديغول عن تنحيه عن منصبه واعتزاله العمل السياسي تماما.

وفي خاتمة المطاف بالفعل لقد أثبتت الأمة الانجليزية أنها (في بعض الاحيان) قمة في الدهاء وبعد النظر السياسي عندما أصرت على تطبيق شعار (الرجل الذي يقود الحرب لا يمكنه أن يقود السلام). للأسف شعوب كثيره واجهت كوارث هائلة عندما سمحت للقائد العسكري ذو الرصيد الكاريزمي الطاغي أن يطغى ويتولى قيادة دفة الحكم بفردية واستبدادية. في وقعنا العربي ولأسباب معقدة ربما يكون جمال عبد الناصر ربح شعبية هائلة بعد نجاته بأعجوبة من كارثة حرب 56 ولكنه أضاع البلد والامة العربية جمعاء ليس فقط في هزيمة 67 ولكن بترسيخه للأسلوب الحكم السلطوي الغاشم. وعلى نفس النسق قد يكون الزعيم والقائد العسكري الصيني البارز ماو تسي تونغ نجح في مسيرة (الزحف الكبير) العسكرية وثورته السياسية لكنه في زمن السلم فشل فشلا ذريعا (ومهلكا لعشرات الملايين من الشعب) في ثورته الصناعية (مشروع القفزة الكبرى إلى الامام) وثورته الثقافية البائسة ومشروع الاصلاح الزراعي الماحق. وبدرجة أخف نجح الجنرال والقائد العسكري الكولومبي المعروف سيمون بوليفار في تحرير العديد من دول أمريكا اللاتينية من حكم الامبراطورية الاسبانية في مطلع القرن التاسع عشر وبهذا يعتبر بحق الاب الروحي للعديد من دول امريكا الجنوبية مثل كولومبيا وفنزويلا والاكوادور وبيرو وبنما بل أن أسم دولة (بوليفيا) مسمى على أسمه. ومع ذلك عندما انتهت الحرب وبدأ السلام وحاول أن يجمع هذه التكتلات المنفصلة في اتحاد سياسي واحد فشل فشلا ذريعا وبدل من ذلك نشبت بينها حروب طاحنة هي ما تسبب وحتى الان في تخلف وضعف شعوب تلك الامم.
وعلى ذكر مصير دول أمريكا اللاتينية البائس المنسحب من مصير جنرالاتها الأكثر بؤسا تجدر الاشارة إلى أن المصير المحتوم لصاحب الكاريزما المدوية بعد أن يفقد رصيده السياسي ويفلس يصبح على شاكلة (عزيز قوما ذل) وهذا ما دفع الروائي الكولومبي الذائع الصيت والحائز على جائزة نوبل في الادب غابرييل ماركيز لتوظيف هذه الشخصيات الثرية من الناحية الدرامية في بعض أشهر رواياته الادبية. وكما هو معلوم تدور رواية (الجنرال في متاهته) حول حياة الجنرال سيمون بوليفار في أواخر حياته عندما فقد بريقه السياسي وتأثيره الاجتماعي الطاغي بينما رواية (خريف البطريرك) هي صرخة أدبية لإدانة الديكتاتورية منذ بدايتها وطفولتها وحتى خريف العمر لها.

الخميس، 22 مارس 2018

( كُتب غيرت مجرى التاريخ )

الكتب .. تهذيب للطباع وتغيير لمسار البشرية

د. أحمد بن حامد الغامدي
هل يمكن لك أن تتخيل (عالم بلا كتب). لن أنتظر إجابه منك قارئي العزيز لأنه في عالم بلا كتب لن يصلك سؤالي هذا أصلا حيث أن ذلك العالم الافتراضي سوف يكون عالم بدائي وكئيب وصامت لا تواصل عن بعد بين أفراده لانعدام التقنية.والأن لنقلب السؤال ليصبح : هل يمكن تخيل (كتب بلا عالم) شخصيا لا أتخيل ذلك واستبعده وإن كان الاديب والفيلسوف الامريكي رالف إميرسون يقول أن (الكتب هي الآثار الاكثر بقاءً عبر الزمن) وهذه مقوله حكيمة ذات دلالة رمزية بلاغية لكن يصعب تخيل كتب حقيقة تبقى بعد تلاشي العالم المحسوس. ومع ذلك ومنذ فجر البشرية ضمنت الكتب لها (خلود التأثير) وديمومةالأثر المتواصل في تشكيل مجرى التاريخ الانساني في الماضي والحاضر والمستقبل. ومن هنا نفهم مقولة الشاعر الالماني هرمان هسه (دون الكلمات أو الكتب لم يكن ليوجد شيء اسمه تاريخ ولم يكن ليوجد مبدأ الانسانية).
منذ منتصف القرن السابع عشر أعجب الجميع بمقولة الشاعر الانجليزي البارز جون ميلتون (الكتب ليست اشياء ميته على الاطلاق) لكن كل من أدرك كيف تغير الكتب العالم وتعيد تشكيل مسار التاريخ يعلم أن تلك العبارة هي محاولة شاعرية فقط لتوكيد بدهية ملموسة. صفحات الاوراق الرقيقة قد تكون أكثر أثرا في تغيير البشرية من حد السيف أو رصاص البنادق أو حتى كهرباء العلوم ومخترعات التقنية. صحيح أن سلاح البارود أو حتى الطائرات المقاتلة في المدى الزمني القصير تستطيع إعادة تشكيل عالم السياسة  لكن الكلمة الاخيرة للتغيير الدائمهي مجال (عالم الافكار) وهذا بالضبط ما تنجح في تحقيقه الكتب عبر المدى الطويل للزمن فتأثيرها في الغالب بطيء لكن أكيد المفعول (slow but sure).

كتب مفصلية في تاريخ البشرية
نحن نعيش في هذه الأيام الحدث الثقافي الابرز وهو معرض الرياض الدولي للكتاب ولذا لعل من المناسب إعطاء تلميح لهواة الكتب وعشاق القراءة عن تصور عام لبعض أهم وابرز الكتب على مر العصور التي لها دور ملموس في تشكيل مسار الحضارة البشرية. من نافلة القول الاشارة إلى أن تحديد أكثر الكتب أهمية محورية هو حكم  وانطباع شخصي قابل تماما للنقاش والجدل والتصويب.
قوة وديمومة التأثير تأتي من قوة الافكار والرؤى ولا اقوى من أثر التصورات والمعتقدات الدينية ولهذا لا غرابة أن أكثر خمسة أشخاص تأثيراً في التاريخ (وفق كتاب المائة الاوائل لمايكل هارت)هم من مؤسسي الأديان الكبرى. وعلى نفس النسق فإن أكثر الكتب تأثيرا في تاريخ البشرية هي الكتب الدينية. وبحكم أننا نناقش هنا الكتب (البشرية) التي هي من تأليف البشر لذا سوف نستثني ذكر الكتب السماويةالمقدسة والمنزلة من عند البارئ سبحانه وتعالى.وهذا يقودنا لذكر أحد اقدم كتب الاديان الشرقية وهو كتاب الهندوسية المقدس (رج فيدا) والذي هو أدعية وترانيم للشعائر الدينية بينما كتاب (شريعة بالي) يعتبر من أهم الاصول الديانة البوذية وكتاب التعاليم Analects في العقائد الصينية يلقب (بإنجيل كونفوشيوس) نسبة إلى الفيلسوف الصيني المشهور مؤسس الديانة الكونفوشيسية وأخيرا يعتبر كتاب (الأفيستا) أهم كتاب مقدس لدى أتباع الديانة المجوسية الزرادشتية.
كما هو معلوم ليست الكتب المقدسة هي فقط من تشكل معتقدات وافكار أتباع المذاهب الدينية بل العديد من الكتب المؤلفة من رجال الدين لها أثر بارز في حياة البشر مثل كتاب (التلمود) في اليهودية وكتاب (مدينة الله) للقديس المسيحي أوغسطين وكتاب (الخُلاصة الاهوتية) للقديس توما الأكويني وصحائف (القضايا الخمس والتسعون) لمؤسس المذهب البروتستانتي مارتن لوثر.
بينما نجد أن الكتب المفصلية في مسيرة الحضارة الاسلامية كثيرة ومتنوعة وأهمها على الاطلاق كتاب (الجامع الصحيح) للإمام البخاري ثم بعد ذلك كتاب (التفسير الكبير) للإمام الطبري. وبالرغم من تأثير أئمة المذاهب الفقهية في تشكيل معالم الهوية الاسلامية إلا أن ذلك تم في الغالب من خلال فتاويهم وحلقاتهم العلمية أكثر من كتبهم المؤلفة وإن كنا لا نقلل من أهمية كتاب (الموطأ) للإمام مالك أو كتاب (الرسالة) للإمام الشافعي ومجلدات (مجموع الفتاوى) لشيخ الاسلام ابن تيمية. الغريب في الأمر أنه على الرغم من أهمية كتب التوحيد والعقائد الأصولية إلا أن شهرتها شبه مقصورة على طلاب العلم والمتخصصين فكم منا قد قرأ كتاب (لمعة الاعتقاد) لأبن قدامة المقدسي أو كتاب شرح أبن أبي العز للعقيدة الطحاويةأوكتاب (الاعتصام) للشاطبي. ومع ذلك بعض الكتب العقائدية واسعة التداول والأثر في النطاق السلفي مثل العقيدة الواسطية لأبن تيمية وكتاب التوحيد للشيخ محمد بن عبدالوهاب. أما فيما يخص الفرق الاسلامية الأخرى فلكتاب (الكافي) مكانة راسخة في المذهب الشيعي بينما للطرق الصوفية إجلال خاص لكتاب (الفتوحات المكية) لمحي الدين أبن عربي و كتاب (إحياء علوم الدين) لحجة الاسلام الغزالي في حين أن كتاب (الملل والنحل) للشهرستانييعتبر مرجع أساسي لفهم أصول ومعتقدات الفرق والمذاهب الاسلامية المتنوعة.

الكتب السياسية والنضال الفكري
بدون جدال للكتب الدينية والفكرية تأثير خالد في حياة مئات الملايين من البشر عبر العصور ولهذا هي جديرة بمقولة المناضل الامريكي المسلم مالكوم إكس (إن الناس لا تعرف أن كتاباً واحداً يكفي أن يغير حياة الانسان) ولهذا تمتعت الكتب الدينية ومؤلفيها بصفة التبجيل والتقديس. أما الكتب الثورية في مجال السياسة فشقت طريقها إلى مجد الشهرة عبر طريق مفروش بالأشواك والدموع والدماء ومن رحم المعاناة كٌتب لها الانتشار وأصبحت كما قال الكاتب والمؤرخ الاسكتلندي توماس كارليل (معظم الكتب الخالدة نُقشت بدماء كتابها). الكتابة في مجال النقد والتغيير السياسي تكون في الغالب خطرة ولهذا تتسم بروح المغامرة والرغبة الجامعة للتصحيح وهي عناصر هامة لإكساب الكتاب جودة وكيمياء الاقناع والتأثير ومن هذا وذاك نفهم لماذا قال الفيلسوف الالماني نيتشه (من بين كل الكتب لا أحب سوى ما كتبه الإنسان بدمه). أصحاب الفكر السياسي الثوري هم أبعد الناس عن إتباع النصيحة الذهبية للديب العرب ابن الورد عندما قال (جانب السلطان وأحذر بطشه .... لا تُعاند من إذا قال فعل) ولهذا السياسي البريطاني السير توماس مور أحد أبرز رواد الفكر السياسي خالط الملك هنري الثامن وتجرأ على (النقد المبطن) لسياسة حكمه عندما نشر كتاب (اليوتوبيا: المدينة الفاضلة) لكنه في خاتمة المطاف خسر رأسه عندما أعدم في برج لندن عندما عاند الملك في طلاقه الشهير وانشقاقه عن الكنيسة الكاثوليكية. والكاتب والمفكر الفرنسي الشهير جان جاك رسو الذي يعتبر أحد آباء الثورة الفرنسية عندما نشر (خطاب عن عدم العدالة) أثار عليه غضب السلطة الحاكمة وأثرياء من الطبقة الارستقراطية مما جعله يضطر لمغادرة مدينة باريس. ونفس مصير التشرد والنفي تعرض له المفكر والسياسي الانجليزي المعروف جون لوك الذي هاجر إلى هولندا وعاش بها كمعارض سياسي وبها نشر كتابه السياسي المؤثر (مقالتان عن الحكومة). في الواقع فإن أحد أكثر الكتب السياسية تأثيرا في التاريخ كان كتاب (عن الحرية) للسياسي والفيلسوف الانجليزي البارز جون ستيورات ميل وبعد نضال سياسي مشرف فضل أن يقضي العقود الأخيرة من حياته في فرنسا. أما أخطر مفكر سياسي شارك بفعالية في الثورات السياسية الكبرى فهو الكاتب والمفكر الإنجليزي الأصل توماس بين الذي هاجر إلى أمريكا عام 1774 وساهم بعد ذلك بسنة واحدة في انطلاق الثورة الامريكية واستقلالها عن التاج البريطاني. ولهذا ألف توماس بين كتاب (الفطرة السليمة Common sense) الذي هاجم فيه الحكم الملكي وناصر استقلال الشعوب ولهذا يقال أن الجنرال الامريكي جورج واشنطن (أول رئيس للولايات المتحدة) أمر بقراءة هذا الكتاب على جميع الجنود من باب رفع الروحة المعنوية والقتالية لهم كما تجدر الاشارة إلى أن لتوماس بين كتاب سياسي آخر لا يقل أهمية حمل عنوان (حقوق الرجل).
وبعد عقود وقرون من النضال السياسي والثورات الفكرية المزلزلة للأنظمة السياسية انتشرت المبادئ الديمقراطية وحقوق الانسان و(حرية الفكر) لدرجة أن نشر كتب سياسية تحريضية ضد الحكومات أصبح أمر مقبول من الناحية السياسية. ومن أوضح الأمثلة على ذلك أنه في منتصف القرن التاسع عشرقامالمفكر الامريكي هنري ديفيد ثوروبتأليف كتاب خطير بعنوان (العصيان المدني) يحض الشعب الامريكي على مقامة وعصيان طاعة الحكومة الامريكية ومع ذلك لم يتعرض له أحد بسوء. ثم بعد ذلك بحوالي القرن قام الثائر الاحمر الشيوعي تشي غيفارا بنشر كتاب (حرب العصابات) الذي ألهم عشرات الاف من الثوار والانفصاليين السياسيينومع ذلك كان يسمح له بالتنقل بين مختلف دول العالم ومن ضمنها الدول الغربية. وفي وقتنا المعاصر يُتهم استاذ العلوم السياسية الامريكي جين شارب بأنه المنظر أو عراب الثورات السياسية الملونة الاخيرة (مثل ثورة أوكرانيا وثورة جورجيا وثورات الربيع العربي) ذلك من خلال  كتابه (التحرير الذاتي) الذي هو بمثابة دليل إرشادي لكيفية إدارة وتوجيه الثورات السياسية ضد الطغيان والاستبداد.
بقي أن نقول أنه عبر القرون الماضية ظهرت العديد من الكتب المتخصصة في قضايا السياسة الاقتصادية والفكر المالي كان لها أثر محوري في التاريخ البشري الحديث مثل كتاب (ثروة الأمم) للمفكر الاقتصادي الاسكتلندي المشهور أدم سمث وكتاب (رأس المال) للفيلسوف الالماني الشيوعي كارل ماكس وكتاب (النظرية العامة للتوظيف والربا والمال) لعالم الاقتصادي البريطاني جون كينز مؤسس نظرية الاقتصاد الكلي.
فيما يتعلق بتأثير الكتب ذات البعد السياسي داخل النطاق العربي فأثرها بالجملة باهت وضعيف فبالمقارنة مع الموسوعات الضخمة الفقهية عبر العصور لا تزيد كتب السياسية الشرعية عن اصابع اليد الواحدة مثل كتاب (الأحكام السلطانية) للماوردي أو كتاب (غياث الأمم في التياث الظلم) لإمام الحرمين الجويني. وفي العصور الحديثة تكررت مشاكل كتاب الفكر السياسي مع أهل السلطة فرائد الاصلاح العربي خير الدين التونسي صاحب كتاب (أقوم المسالك في معرفة أحوال الممالك) عندما دعا إلى تحقيق العدل والمساواة في حكم الرعية تم التضييق عليه لدرجة أنه أعتزل الحياة العامة لعدة سنوات ثم أخيرا هاجر من تونس إلى تركيا. وكذلك رائد النهضة العربية المفكر السوري عبدالرحمن الكواكبي صاحب كتاب (طبائع الاستبداد ومصارع الاستعباد) تعرض للتهجير من مدينة حلب عندما قاوم بشراسة السلطات العثمانية في بلاد الشام ويقال إنه عند وفاته قتل مسموما. وربما يكون أخطر الكتب الفكرية ذات الأثر السياسي كتاب (معالم في الطريق) لسيد قطب وكتاب (الفريضة الغائبة) لمحمد عبدالسلام فرج وهذه الكتب هي المرتكز الفكري للتنظيمات المسلحة الجهادية والتكفيرية وكما هو معلوم تم إعدام مؤلفي هذه الكتب. الغريب في الأمر أنه حتى مؤلف كتاب (في سبيل البعث) وهو مفكر القومية العربية المشهور ميشيل عفلق لم يسلم من تقلبات السياسة فبالرغم من أنه مؤسس حزب البعث السوري إلا أنه فر بحياته إلىالعراقبعد أن حكم عليه بالإعدام في دمشق والاغرب من ذلك أنه طاردة شؤم السياسية حتى بعد موتهففي عام 2003 وفي حمى اجتثاث حكم حزب البعث من العراق تم تدمير قبره في مدينة بغداد.

تشريح تأثير الكتب العلمية
أحد اشهر الكتب التي ألفها الفيلسوف وعالم الرياضيات البريطاني المعروف برتراند راسل هو كتاب (أثر العلم على المجتمع)الذي ظهر عام 1952 وبالرغم من أن عنوان الكتاب مباشر إلى إنه قوي الدلالة والمعنى لدرجة أن وكالة الفضاء الامريكية ناسا عندما أرادت أن تحتفل بمرور 25 على أنشائها كلفت الاديب والعالم الامريكي المشهور إسحاق عظيموف أن يؤلف كتاب بنفس العنوان. خطورة تأثير العلم في تاريخ البشرية أنه ليس فقط غير اسلوب حياتنا our live لكن ايضا غير اعتقاداتنا our believeولهذا لا عجب أن تتحول بعض كتب أشهر العلماء مثل أينشتاين وداروين من كتب علمية الفحوى إلى كتب فلسفية التأثير. وعلى ذكر كتب الفلسفة ربما كانت تستحق الافراد بالذكر لأنها بالقطع ينطبق عليها التوصيف (كتب غيرت مجرى التاريخ) لكنها على العكس من الكتب الدينية والسياسية والعلمية كان تأثيرها الملموس وطاغي في الماضي فقط أما الأن فكتب الفلسفة الحديثة فبالقطع لا تجد من يقرأها لتقعرها وصعوبتها وبالتالي أصبحت ضعيفة التأثير. منذ القرن السادس عشر بدأ العلم ينفصل تدريجيا عن الفلسفة بينما تم الانفصال الحاسم مع مطلع القرن التاسع عشر وهنا أخذ أثر الفلسفة يتلاشى مع الزمن لدرجة أن أهم واشهر الفلاسفة في القرن العشرين هم من حاول تفسير تاريخ وتطور العلوم (مثل الانجليزي كارل بوبر والفرنسي ميشيل فوكو والامريكي توماس كون) وليس من سخر أدواته الفلسفية لدراسة التاريخ أو السياسية أو الاقتصاد.
وبالعودة لموضوع الكتب العلمية المحورية الأكثر تأثيراً في مسيرة البشرية فإن عملية اختيارها عملية سهلة إلى حداً ما بناءً على قاعدة (وهل يخفى القمر).فمثلا إذا وجدنا أن الطبيب والسير وليم أوسلر مؤسس مستشفى جون هوبكنز الشهير يقول عن كتاب (القانون في الطب) لأبن سينا بأن هذا الكتاب هو (أشهر كتاب في الطب على الاطلاق وأنه ظل الكتاب المرجع في الطب لأطول فترة من أي كتاب طبي آخر) وبهذا نصل إلى بديهة أن اختيار هذا الكتابضمن قائمة الكتب التي غيرت وجهة التاريخ اختيار منطقي لا يختلف عليه أثنان. وعلى نفس النسق يمكن أن نجد مبررات ومسوغات منطقية جدا لتوصيف بعض الكتب العربية والاسلامية القديمة بنفس درجة الاهمية مثل كتاب (الجبر والمقابلة) لعالم الرياضيات الخوارزميوكتاب (المناظر) في علم البصريات لأبن الهيثم. بينما أهم كتب الصيدلة هو كتاب (الجامع لمفردات الأدوية والأغذية) لأبن البيطار وكتاب (صناعة الحيل) لأبن الجزري هو أهم مؤلف في علم الميكانيكا وفي حين برز كتاب (الزيج الجديد) في علم الفلك لأبن الشاطر.
بسبب العلاقة المضطربة بين الدين والعلم في الحضارة الغربية تميزت بعض الكتب العلمية بتحقيقها تأثير فكري وديني بالإضافة لتأثيرها العلمي وهو أمر سبب لمؤلفيها بعض المشكال. من ذلك مثلا عالم الفلك البولندي الشهير نيكولاس كوبرنيكوس لم ينشر كتابه الهام الذي كان بعنوان (عن دوران الأجرام السماوية) إلا قبل وفاته بفترة قصيرة جدا بالرغم من أنه قد توصل لفكرته العلمية منذ سنوات طويلة جدا.لقد علم كوبرنيكوس بأن نظريته عن مركزية الشمس وليس الارض سوف ترفضها الكنيسة وهو ما أنعكس بتصنيف هذا الكتاب ولعدة قرون في قوائم الكتب المحظورة التي كان الفاتيكان يحرم قراءتها. وكما هو معلوم للجميع تعرض العالم الايطالي الاسطورة جاليليو للمحاكمة المشهورة واتهامه بالهرطقة وذلك كنتيجة لأفكاره العلمية التي نشرها في كتاب (حوار حول النظاميين الرئيسيين للكون) وقد تم تحريم ومنع قراءة هذا الكتاب من قبل الكنيسة لفترة قاربت القرنين من الزمن. لا شك أن هذهالكتب العلمية المشهورة تسببت بشكل متدرج في هز واضعاف مكانة الدين المسيحي بسبب حالة العداء غير المبررة بين الدين والعلم لكن أكثر كتاب علمي تسبب في ضرر بالغ للدين كان بلا شك كتاب (أصل الأنواع) للعالم البريطاني المثير للجدل تشارلز دارون والذي عندما نشر نظرية التطور كان من ثمراتها فقدان الديانة المسيحية لمكانتها في المجتمعات الغربية ومن هنا تنامت بقوة ظاهرة الالحاد والتشكيك في الاديان.
في المقابل تجدر الاشارة إلى أن بعض أهم وأشهر الكتب العلمية قد ساعدت كثيرا في ترسيخ مبدأ وجود الخالق الحكيم والمدبر لهذا الكون وهذا ما يستشف من ثنايا وسطور أهم كتاب علمي على الاطلاق وهو كتاب (المبادئ الرياضية للفلسفة الطبيعية) للعالم الانجليزي البارز إسحاق نيوتن وهو الكتاب الذي استعرض فيه القوانين الفيزيائية التي تفسر حركة الاجرام السماوية. ومن الجدير الاشارة إلى أنه في المقدمة العامة للطبعة الثانية من كتاب المبادئ Principia لنيوتن نجد قوله (لا يمكن لهذا النظام البديع من الشمس والكواكب والمذنبات أن يأتي إلا من خلال قصد وسلطان لخالق مبدع).
وختاما نشأت ظاهرة جديدة في القرن العشرين وما بعده تتعلق بأن الكتب العلمية ذات التأثير الطاغي هي ليست الكتب العلمية المتعمقة بل على العكس هي الكتب (ذات الطابع) العلمي المبسط أو ما توصف بالكتب العلمية الشعبية (popular science). ومن أمثلة هذه الكتب التي جذبت عشرات الاف من عباقرة الشباب الناشئ للتخصص في مجال العلوم كتاب (العالم كما أراه) لأينشتاين وكتاب (اللولب المزدوج: قصة اكتشاف تركيب DNA) للعالم الامريكي جيمس واطسون وكتاب ( تاريخ موجز للزمان) للعالم البريطاني المعروف ستيفن هوكنغ وكتاب (الكون) لعالم الفلك الامريكي كارل ساغان وكتاب عن البيئة ومشاكل التلوث بعنوان (الربيع الصامت) للعالمة الامريكية راشيل كارسون وكتاب عن نظرية التطور بعنوان (الجين الأناني) للعالم البريطاني ريتشارد دوكنز.

وماذا عن الروايات الادبية ؟
أحد أبرز الاحداث السياسية في التاريخ الحديث اندلاع الحرب الاهلية الامريكية بسبب تداعيات حركة تحرير العبيد ويقال أن الرئيس الامريكي إبرهام لينكولن استقبل في البيت الابيض الروائية الامريكية هيريتستو مؤلفة رواية (كوخ العم توم) التي تحكي المعاناة الانسانية البائسة للرقيق السود في أمريكا.وبحكم أن تلك الكاتبة كانت سيدة صغيرة الجسم داعبها الرئيس بقولة (إذاً أنتِ السيدة الصغيرة التي الفت الكتاب الذي أشعل تلك الحرب الكبرى). وبالرغم من ذلك ففي الواقع عدد قليل جدا من الروايات أو الاعمال الادبية التي يمكن أن يكون لها تأثيرا كبير وملموس في تاريخ البشرية ولهذا لن نخوض في ذكر الروايات الأدبية أو الأعمال المسرحية أو الدواوين الشعرية التي تستحق توصيف أنها (كتب غيرت مجرى التاريخ). وللدلالة الاضافية لضعف التأثير الاجمالي للأعمال الادبية أن كتاب (المائة الاوائل) ذكر فقط شخصيتين أدبيتين ممن لها تأثير ملموس. أحدهما طبعا الاديب البريطاني الاسطورة وليم شكسبير ومع ذلك جاء في ترتيب متأخر (الترتيب 31 في الأهمية) بينما الكاتب والأديب الفرنسي المشاكس فولتير كان ترتيبه 74 وبالقطع كان ذكره بسبب أفكاره الفلسفية ومواقفه الثورية السياسية والاجتماعية وليس بسبب رواياته المتوسطة الجودة الادبية. ربما يحاجج البعض لأهمية أثر الروايات الادبية أن لها دورا في نشر التفسخ الاخلاقي والعهر كما حصل مع رواية (عشيق الليدي تشارتلي) للكاتب البريطاني ديفيد لورانس أو رواية (مدام بوفاري) للروائي الفرنسي جوستاف فولبيروما شابه ذلك للأعمال الادبية المثيرة للجدل لأوسكار وايد أو هنري ميلر أو جيمس جويس.ومع ذلك تبقى درجة أثر تلك الاعمال (الأدبية) لا تكاد تذكر مع طوفان الفساد الاخلاقي الذي جعل روايات (الأدب المكشوف) قمة في الاحتشام بالمقارنة مع يمكن أن تتسبب فيهبعض وسائل الاعلام والتواصل الجديدة من فساد وتغريب.