الخميس، 26 يناير 2017

(زريبة المواشي .. واحة للاكتشافات العلمية )

روث وتربة زريبة الماشي كان مصدر الهام للخيميائيين للبحث عن الذهب والعلماء لاستخلاص الادوية
 
 
 
د/ أحمد بن حامد الغامدي
 
باتفاق أغلب مؤرخي العلوم يعتبر القرن العشرين هو أكثر العصور البشرية زخما بالاكتشافات والاختراعات العلمية الكبرى والمحورية وقبل اختتام ذلك القرن بثلاث سنوات تم الاعلان عن أحد آخر الاكتشافات العلمية المذهلة إلا وهو (استنساخ النعجة دولي). عندما قام عالم الاحياء الاسكتلندي المرشح بقوة للحصول على جائزة نوبل السير إيان ويلموت عام 1997 بالإعلان عن هذا الحدث العلمي الاسطوري لم تكن الصورة الملتقطة له في مختبره العلمي ولكن في زريبة الغنم وهو يحتضن النعجة المدللة دولي. الدرس المستفاد (المظاهر خداعة) ولا تستهين أو تحتقر الشيء التافه والمحتقر فقد يخرج من طياته ورحمه الأمر العظيم الباهر. اسطورة العلم مدام كوري وزوجها الفرنسي بيير كوري توصلا لاكتشافهما لعنصر البولونيوم ومن ثم الحصول على جائزة نوبل من تجارب كانا يجريانها في كوخ مهجور كان يستعمله قسم الأحياء بجامعة السربون لجمع جيف حيوانات التجارب وعندما زارها عالم الكيمياء الألماني وليم أوستوالد (الحاصل علي جائزة نوبل في الكيمياء) في مختبرها أصيب بصدمة ومفاجأة كبيرة حيث وصف مختبر مدام كوري وكأنه (زريبة حيوانات أو مستودع بطاطا).
في الأثر النبوي الشريف (يوشك أن يكون خير مال المسلم غنما يتبع بها شعف الجبال) ولبهيمة الأنعام والماشية إجمالا فوائد اقتصادية ومنافع معيشية متنوعة ولكن من أغربها الفوائد العلمية التي يمكن تحصيها من روث البهائم. ولا أدل على أن روث ومخلفات الماشية يمكن أن تعتبر ثروة قومية يجرم ويمنع التفريط فيها من أن الملك الإنجليزي تشارلز الأول أصدر في عام 1627 مرسوماً ملكياً ينزع فيه من أصحاب المزارع حقيه التصرف في أرضية حظائر الماشية واسطبلات الخيول. والسبب في ذلك أن أعوان الملك كانوا يقومون بشكل دوري بتجميع تربة هذه الزرائب لاستخلاص المخلفات الحيوانية منها والتي لاحقا يتم معالجتها كيميائياً لإنتاج مركب نترات البوتاسيوم منها والذي يعتبر مكون أساسي في تصنيع البارود والمتفجرات. الطريف في الأمر أن المرسوم الملكي الانجليزي السابق الذكر ولنفس الهدف ألزم كافة رعايا الجزيرة البريطانية بتسليم سوائل البول البشري يوميا لأشخاص رسميين من الحكومة. الشيء بالشيء يذكر فإذا كان الملك الانجليزي بلغ التقدم التقني والبحثي (والحاجة بسبب الحرب) إلى محاولة تحويل البول إلى متفجرات فإن عالم كيميائي ألماني توصل لنفس الفرقعة العلمية بطريقة الصدفة لأنه كان بكل بساطة كان يعتقد بأنه بالإمكان استخلاص الذهب من البول. وهذا ما حاوله الخيميائي الألماني هينيغ براند الذي كان مقتنع في النصف الثاني من القرن السابع عشر أن اللون الاصفر للبول البشر يوحي بوجد الذهب فيه ولهذا حاول أن يقوم بتقطير واستخلاص الذهب من البول. وبعد أن قام براند بتجميع حوالي خمسين دلو من البول البشر قام بتخزينها لعدة أشهر في قبو منزله لعدة لكي تتخمر و بعد عدة طرق و محاولات مختلفة للمعالجة الكيميائية توصل أخيرا لمادة شمعية أكتشف بمحض الصدفة أنها بعدة فترة زمنية اصبحت تضيء في الظلام و إذا عرضت للهواء تحترق بشكل سريع مصدره لهب ساطع. و بهذا بدل أن يستخرج هذا الكيميائي الالماني عنصر الذهب من البول أكتشف بمحض الصدفة عنصر الفسفور والذي يمكن استخدامه بشكل أو آخر في الحروب في حال كان على هيئة الفسفور الابيض المجرم استخدامه دوليا والذي استخدمته إسرائيل بشناعة إجرامية ضد المدنيين العزل في قطاع غزة.
وبالعودة لزريبة المواشي ومحاولة تحصيل الثورة منها نجد أن الخيميائي الايطالي بيرنارد تريفيسان في القرن الخامس عشر ليس فقط حاول أن يكتشف حجر الفلاسفة (الذي يحول المعادن إلى ذهب) ويستخلصه من البول ولكن أيضا حاول البحث عنه واستخراجه من روث البهائم ونظرا لطرافة أفكاره وتأثيره بشكل أو آخر في تطور علم الكيمياء كانت قصة حياته هي الفصل الافتتاحي للكتاب البالغ التشويق (قصة الكيمياء : بواتق وأنابيق) للكيميائي الأمريكي برنارد جافي ومن ترجمة الكيميائي والأديب المصري الكبير الدكتور أحمد زكي وقد كان عنوان الفصل الذي حكى قصة الخميائي بيرنارد تريفيسان (البحث عن الذهب في روث البهائم). عالم أخر حاول الاستثمار (العلمي) من وراء حظائر وزرائب المواشي ومُني هو الأخر بفشل اقتصادي مخزي كان ذالكم العالم الالماني نيرنست صاحب القانون الثالث في علم الثرموديناميك والحائز على جائزة نوبل في الكيمياء لعام 1920 ميلادي. وكما هي حال العديد من العلماء هم مبدعون في العلم مفاليس تماما في التجارة. لقد كان العالم نيرنست يمتلك مزرعة شاسعة تحتوي على زريبة كبيرة للبقر وكذلك يوجد بالمزرعة بركة مائية يربي فيها بعض الأسماك النهرية. وبحكم أن نيرنست خبير في علم الثرمودايناميك فقد لفت انتباه في أحد أيام الشتاء ان حظيرة البقر دافئة بشكل ملحوظ وهنا استنتج بشكل صحيح أن سبب هذا الدفء كان ناتج من النشط الأيض الحيوي للأبقار. وهنا خطرت فكرة تجارية مربحة حسب توقعات نيرنست وهي أن يبيع جميع الأبقار التي يملكها وبدلا من تسخين مياه البركة المكلف يمكن توفير التكاليف بتحويل الاستثمار كله في الزراعة السمكية بشرط أن تمتلئ البركة بالسمك وبهذا تقوم بالتسخين الذاتي للمياه الباردة. طبعا بعد هذه التجربة الفاشلة علمياً والكارثيه اقتصادياً لم يحصل إلا تسخين طفيف جدا لمياه البركة بسبب أن المعامل الحراري للماء مرتفع وهي معلومة يعرفها طلاب المدارس فضلا عن عالم حاصل على جائزة نوبل في مجال علم الثيرموديناميك وهو ما يلقي ظلال من الشك على جودة الأبحاث العلمية لهذا العالم !!.
صحيح أن اغلب المحاولات لتحويل دمن الغنم روث البقر إلى ذهب ونقود فشلت ولكن هذا لا يعني أن (كل) تلك المحاولات كان هذا مصيرها فمنذ عام 1859 بدأت الفكرة العلمية المتعلقة بتحويل مخلفات المجاري وروث الحيوانات إلى غازات قابلة الاشتعال (من خلال عملية التخمير أو الهضم بالبكتيريا اللاهوائية)ومن ثم استخدام غاز الميثان الناتج في الطبخ أو توليد الكهرباء. لكن في اعتقادي الشخصي أن الجهة التي نجحت في (تحويل الروث إلى ذهب) بكفاءة عالية هي الحكومة النيوزلندية وذلك لأنها فرضت عام 2003 ضريبة مالية جديدة علي جميع تجار ومزارعي المواشي بحجة أن قطعان المواشي تتسبب في انتاج غاز الميثان وهو ما يؤدي إلى مشكلة الاحتباس الحراري ذات الاضرار الوخيمة على البيئة. الجدير بالذكر أن أصحاب المزارع في نيوزلندا قاموا بعمل مظاهرة حاشدة اغلقت شوارع العاصمة ويلينغتون احتجاجا ضد ضريبة الفساء (fart tax) البشعة هذه.
 
إسهام زريبة البقر في تطور الطب !!
يقال قديما أن آخر العلاج الكي ولكن لو سألت أبو الطب جالينوس ما أول العلاج فلربما قال لك (التمرغ بروث البهائم). لقد كان من الاخطاء المستغربة في تاريخ تطور الطب أن جالينوس كان يعتقد أن وجود وتكون القيح في الجروح دليل على احتمالية الشفاء حيث أن للقيح دور ما في تحقيق العلاج ولهذا نجد أن جالينوس لم يكن يتردد عن وضع روث الماشية في جروح مرضاه لتحفيز تكوين القيح وطبعا الله سبحانه وتعالي وحده يعلم كم تسببت هذه الوصفة الطبية العجيبة من مشكال طبية وتسمم بكتيري. بالرغم من هذه العثرة المخجلة في بداية خطوات مسيرة العلم إلا أنه تم الاكتشاف إن لتربة زريبة المواشية المعفرة بالروث الحيواني بعض الفوائد الطبية والآثار العلاجية الصيدلانية. لو سألت الشخص العادي منا من هو العالم والطبيب الذي يوصف بأنه (أبو المضادات الحيوية) لتوجه الفكر مباشرة للعالم الانجليزي الأسطورة ألكسندر فلمنغ مكتشف البنسلين لكن في الواقع كتب تاريخ العلوم والطب تخصص هذا اللقب (Father of Antibiotics) لعالم الميكروبات الأمريكي سلمان واكسمان الحاصل على جائزة نوبل في الطب عام 1952 نظير أبحاثه حول ميكروبات التربة واكتشافه لعقار ستربتوميسين المضاد الحيوي المستخدم لعلاج مرض السل. الجدير بالذكر أن واكسمان وفريقه البحثي اكتشفوا هذا العقار وعدد كبير من المضادات الحيوية الأقوى من البنسلين التي تفرزها استخلاص بكتيريا مجهرية تعيش في التراب والوحل dirt ولهذا قامت ومجاميع بحثية عديدة بالتنقيب عن البكتيريا والميكروبات المفيدة طبيا في جميع أنواع التربة والأوحال من كل أنحاء العالم. وما يهمنا هنا أنه في عام 1948 اكتشفت باحثتين علميتين من جامعة مدينة نيويورك نوع جديد من الأدوية المضادة للفطريات تم استخلاصه من روث وتربة مزرعة أبقار من ولاية فرجينيا وهذا العقار الصيدلاني فعال في علاج الأمراض المعدية التي تصيب الرئة والدماغ.
لتحقيق أسلوب ابو الطب جالينوس في أن (أول العلاج) التمسد والتمرغ بروث البهائم لابد من التوجه إلى أقرب حظيرة للماشية لتحضير تلك الوصفة الطبية ومن غرائب الصدف أنه بالفعل وجد أن مفهوم وطريقة (أول العلاج) في العصر الحديث تم اكتشافها في زريبة بقر. أحد اركان الطب الوقائي الحديث هو تطعيم الاطفال بالأمصال الطبية وهذه العملية بحق هي (أول العلاج) ولكن ألم تتم لحظة اكتشاف عملية التطعيم vaccination بعد زيارة أحد الأطباء لمزرعة ابقار. كما هو معروف فإن الطبيب الانجليزي إدوارد جنر أكتشف طريقة الوقاية الطبية من مرض الجدري المميت عندما لاحظ أن النساء القرويات الاتي يتعرضن للعدوى بمرض جدري البقر نتيجة عملهن في زرائب البقر لا يصبن بمرض الجدري الخطير وكأنهن بذلك يمتلكن مناعة ضد هذا المرض. وحتى يتأكد الطبيب جنر من صدق ملاحظته الطبية قام بشكل متعمد بتعرض طفل صغير للعدوى بمرض جدري البقر ثم بعد ستة اسابيع عرضه للعدوى بمرض الجدري المميت كان من حسن حظ هذا الطفل (ومن حسن البشرية لاحقا)  أنه لم يتأثر بالعدوى لأنه كان قد اكتسب المناعة المطلوبة. هذا ويعتبر اليوم سلاح التطعيم ضد الامراض من أهم الاكتشافات الطبية عبر العصور والتي بفضل من الله سبحانه وتعالي تم انقاض حياة مئات الملايين من الاطفال عبر عقود الزمن الحديث وكل هذا الانجاز الطبي الحاسم نتج بفضل زريبة البقر.
 
ولهذا ختاما بعد أن قام أحد الادباء القدامى بتأليف كتاب خاص بأهمية الكلب صديق الانسان الوفي وسماه (فضل الكلاب على كثير ممن لبس الثياب) أعتقد أننا لابد أن نسطر لفتة شكر وتقدير للأم الرؤوم وحلوة اللبن البقرة وبعد أن عرفنا دورها في الرفاه الاقتصادي والعافية الطبية لنا ولهذا هي تستحق عن جدارة أن نخصص لها كتاب بعنوان (نزهة الأبصار في تبيان فضائل الأبقار).


ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق