الجمعة، 28 فبراير 2025

( أحمد شوقي يحدد ثمن الصمود والتحدي )

 

د/ أحمد بن حامد الغامدي

السبت 1446/5/14

في عام 2016م مرت مئوية ما يسمى (الثورة العربية الكبرى 1916م) باهتة وغير محتفى بها في أغلب الدول العربية (باستثناء الأردن لأن المملكة الهاشمية كانت من نتائجها) وربما يعود سبب التجاهل لها لأن من إفرازات ثورة الشريف حسين وتحالفه من الإنجليز في إسقاط نفوذ الدولة العثمانية في المشرق العربي التسبب في فراغ سياسي هائل نتج عنه سيطرة الاستعمار الإنجليزي والفرنسي على العراق والشام وترسيخ وجوده في مصر والسودان وبلاد المغرب. لقد كان من العبث أن يحتفل العرب بمرور 100 عام على الاحتلال العسكري والقهر الأجنبي الذي تسببت فيه (الثورة العربية الكبرى) ومع ذلك أتمنى ألا تمر ذكرى (الثورة العربية الصغرى) بعد أسابيع قليلة إلا وهي قد أخذت نصيبها الكامل من التبجيل والاحتفاء والأهم من ذلك (الاقتداء).

قديما قال الشاعر ربيعة الرقي (شتّان ما بين اليزيدين في الندى) واليوم نقول شتان ما بين الثورتين في العُلى فالثورة العربية الأولى (الكبرى) جلبت المستعمر وتحالفت معه ونامت معه في سريره بينما الثورة العربية التالية (الصغرى) قاومت المحتل ونغصت عليه مضجعه وحاربت وجوده. في الواقع العديد من العواصم العربية تعرضت لذل الاحتلال الذي تزامن مع نهاية الحرب العالمية الأولى، ولكن للأسف لم تحصل مقاومة حقيقة لذلك الاحتلال الغاشم (باستثناء ثورة العشرين في العراق) إلا بعد ذلك بسنوات. ومع ذلك تغير الأمر بشكل جذري منذ عام 1925م ولهذا مع مطلع العام الميلادي الجديد قريبا تحل الذكرى المئوية للثورة العربية الصغرى والتي اشتهرت أكثر باسم (الثورة السورية الكبرى). صحيح أن هذه الثورة ضد المحتل الأجنبي كانت قصيرة المدى وضعيفة الإنجازات العسكرية حيث لم يخرج الاحتلال الفرنسي من سوريا إلا في منتصف الحرب العالمية الثانية إلا أن هذه الثورة المباركة شجعت العرب على مقامة الاحتلال. فمثلا المجاهد الكبير عمر المختار رحمة الله لمع اسمه بعد عام 1925م عندما شرع في مقاومة الاحتلال الإيطالي في الجبل الأخضر في شرق ليبيا بينما الشيخ عز الدين القسام في نفس ذلك العام بدأ في إنشاء نواة الجهاد في فلسطين المحتلة حيث أخذ في تجميع أفراد ما سمى في وقتها (العُصبة القسامية). علما بأن أول عملية بارزة شنها مجاهدي العصبة القسامية ضد الاحتلال الإنجليزي في فلسطين هي ثورة البراق عام 1929م ثم مع استشهاد عزالدين القسام رحمة الله في عام 1936م انطلقت شرارة الثورة الفلسطينية الكبرى.

كما يعلم القارئ الكريم أن مقاومة المحتل والجهاد الذي صاحب الثورات العربية الأولى ضد العدو الأجنبي لم يتكلل بالنجاح لحكمة أرادها الله حيث تم وأد الثورة السورية ضد الاحتلال الفرنسي وإفشال الثورة الليبية ضد الوجود الإيطالي في حين تلاشت الثورة الفلسطينية ضد الحكم البريطاني ومع ذلك حتى اليوم تذكر الأجيال المتعاقبة جهاد ونضال عمر المختار وعزالدين القسام وسلطان باشا الأطرش. من الناحية العسكرية لا تكافؤ ولا تقارب بين القوة المفرطة للجيوش النظامية للدول الكبرى مثل فرنسا وبريطانيا وإيطاليا وبين المقاومة بما تيسر لها من الصمود والتصدي بالحد الأدنى من الأسلحة والتي في الغالب هي مجرد بعض المسدسات والبنادق العتيقة وهي كل ما كانت تملكه حركات الاستقلال العربية القديمة في عام 1925م وما بعدها. المشكلة تمكن أن الاحتلال الغاشم في القديم والحديث هدفه الأول كسر إرادة المقاومة والتنكيل الشديد بالحاضنة الشعبية التي قد تدعم الفدائيين والمجاهدين. وهذا يفسر الآن لماذا يقوم العدو الصهيوني بتعمد التدمير الهائل للمدن والبلدات وتقصد التمادي في سفك الدماء وبث الرعب في مناطق وجيوب المقاومة في فلسطين ولبنان وهذه الأيام وصلت جرائمه حتى أحياء دمشق وكأن التاريخ يعيد نفسه كما حصل قبل قرن من الزمان مع بدايات المقاومة السورية للنضال ضد الفرنسيين.

ودمعٌ لا يُكفكف يا دمشقُ

فبالرجوع للثورة السورية الكبرى التي اندلعت في عام 1925م نجدها في بدايتها انطلقت من مدن الأطراف السورية مثل دير الزور والسويداء بينما كانت المرحلة المفصلية عندما وصل الثوار إلى غوطة دمشق قبل أن يحاولوا السيطرة بعض الأحياء المهمة في وسط العاصمة مثل حي الميدان وحي الشاغور. وهنا جن جنون المحتل الفرنسي مما أسفر لارتكابه لجريمة قصف مدينة دمشق بالمدفعية من فوق قلعة المزة بالإضافة لاستخدام الطائرات مما نتج عنه هدم 600 منزل ومصرع الآلاف من المدنيين العزل واشتعال العديد من أحياء دمشق وذلك في يوم 19 أكتوبر من عام 1925هـ وهي الحادثة التي خلدها شاعر النيل أحمد شوقي بقصيدته المشهورة بعنوان (نكبة دمشق). من غرائب الصدف أن أول زيارة لأحمد شوقي لمدينة دمشق كانت في مطلع شهر أغسطس من عام 1925 هـ وعندما أقام المجمع العلمي العربي حفل تكريم لأمير الشعراء أجتمع كبار شعراء وأدباء ووجهاء دمشق للاحتفاء بأحمد شوقي وفي هذا الحفل ألقيت قصيدة شوقي في مدح دمشق (قُم ناجِ جِلّقَ). ولهذا بعد ذلك بشهرين ونصف عندما بلغت أحمد شوقي أخبار حريق دمشق نتيجة للقصف الفرنسي الأثيم تذكر أحمد شوقي الشعراء والخطباء الذين التفوا حوله في ذاك الأصيل الطلق المحيا ولهذا قارن شوقي ذكرياته عن بهاء دمشق في اليوم الذي زارها بحال دمشق بعد نكبتها وحريقها وفق الأخبار التي بلغته عنها عبر البريد والرسائل البرقية:

سَلامٌ مِن صَبا بَرَدى أَرَقُّ            وَدَمعٌ لا يُكَفكَفُ يا دِمَشقُ

وَبي مِمّا رَمَتكِ بِهِ اللَيالي            جِراحاتٌ لَها في القَلبِ عُمقُ

دَخَلتُكِ وَالأَصيلُ لَهُ اِئتِلاقٌ         وَوَجهُكِ ضاحِكُ القَسَماتِ طَلقُ

وَحَولي فِتيَةٌ غُرٌّ صِباحٌ             لَهُم في الفَضلِ غاياتٌ وَسَبقُ

عَلى لَهَواتِهِم شُعَراءُ لُسنٌ          وَفي أَعطافِهِم خُطَباءُ شُدقُ

لَحاها اللهُ أَنباءً تَوالَتْ               عَلى سَمعِ الوَلِيِّ بِما يَشُقُّ

يُفَصِّلُها إِلى الدُنيا بَريدٌ              وَيُجمِلُها إِلى الآفاقِ بَرقُ

ثم بدأ شاعر النيل يرثي دمشق المنكوبة وينوح عليها ويشير في الحديث إلى هتك أستار نسائها فقد ذكرت بعض المصادر التاريخية إلى أن جيش الاحتلال الفرنسي أطلق على أخل دمشق مليشيات من الشركس والأرمن فنهبوا البيوت واغتصبوا النساء وأشعلوا النيران ولهذا ربما استخدم أحمد شوقي الاعتداء على الفتيات كنوع من المجاز والتمثيل الرمزي للاعتداء على دمشق نفسها وربما قصد به وصف عين الحقيقة:

رُباعُ الخلدِ وَيحَكِ ما دَهاها          أَحَقٌّ أَنَّها دَرَسَت أَحَقُّ

وَأَينَ دُمى المَقاصِرِ مِن حِجالٍ       مُهَتَّكَةٍ وَأَستارٍ تُشَقُّ

إِذا رُمنَ السَلامَةَ مِن طَريقٍ          أَتَت مِن دونِهِ لِلمَوتِ طُرقُ

بِلَيلٍ لِلقَذائِفِ وَالمَنايا                  وَراءَ سَمائِهِ خَطفٌ وَصَعقُ

إِذا عَصَفَ الحَديدُ احمَرَّ أُفقٌ        عَلى جَنَباتِهِ وَاسوَدَّ أُفقُ

سَلي مَن راعَ غيدَكِ بَعدَ وَهنٍ       أَبَينَ فُؤادِهِ وَالصَخرِ فَرقُ

وهنا أنتقل شوقي إلى لوم وتقريع المستعمر وأنه يتحمل كامل وزر الجريمة ففرنسا تتشدق بالحرية لشعبها بينما هي شديدة البطش والظلم للشعوب التي لا تطلب إلا نفس درجة الحرية والاستقلال الذي تتشدق به فرنسا:

وَلِلمُستَعمِرينَ وَإِن أَلانوا            قُلوبٌ كَالحِجارَةِ لا تَرِقُّ

رَماكِ بِطَيشِهِ وَرَمى فَرَنسا         أَخو حَربٍ بِهِ صَلَفٌ وَحُمقُ

إِذا ما جاءَهُ طُلّابُ حَقٍّ              يَقولُ عِصابَةٌ خَرَجوا وَشَقّوا

دَمُ الثُوّارِ تَعرِفُهُ فَرَنسا              وَتَعلَمُ أَنَّهُ نورٌ وَحَقُّ

ثم يختم أحمد شوقي قصيدته الحماسية البديعة ليس فقط بأن يثني على الثوار ورجال المقاومة ويمجد جهادهم النضالي، بل إنه بحكمته وإدراكه لمسارات التاريخ الماضي يعلم بأن (الحرية الحمراء) لها ثمن غال يجب أن يدفع من دماء الثوار وأن سقوط المئات أو الآلاف من الأهالي الأبرياء. بل إن أحمد شوقي يقرر أن القتل والفتك هو في خاتمة المطاف سبب في بناء الدول (ولا يبني الممالك كالضحايا) وأن القتل في الواقع حياة للأمم وأن الوقوع في الأسر في الحقيقة طريق للحرية:

بَني سورِيَّةَ اطَّرِحوا الأَماني        وَأَلقوا عَنكُمُ الأَحلامَ أَلقوا

وَقَفتُمْ بَينَ مَوتٍ أَو حَياةٍ              فَإِن رُمتُمْ نَعيمَ الدَهرِ فَاشْقَوا

وَلِلأَوطانِ في دَمِ كُلِّ حُرٍّ            يَدٌ سَلَفَت وَدَينٌ مُستَحِقُّ

وَمَن يَسقى وَيَشرَبُ بِالمَنايا         إِذا الأَحرارُ لَم يُسقوا وَيَسقوا

وَلا يَبني المَمالِكَ كَالضَحايا         وَلا يُدني الحُقوقَ وَلا يُحِقُّ

فَفي القَتلى لِأَجيالٍ حَياةٌ              وَفي الأَسرى فِدًى لَهُمُ وَعِتقُ

وَلِلحُرِّيَّةِ الحَمراءِ بابٌ               بِكُلِّ يَدٍ مُضَرَّجَةٍ يُدَقُّ

جَزاكُمْ ذو الجَلالِ بَني دِمَشقٍ      وَعِزُّ الشَرقِ أَوَّلُهُ دِمَشقُ

( جديد السياحة الداخلية .. سياحة ما قبل التاريخ !! )

 د/ أحمد بن حامد الغامدي

 السبت 1446/5/7

 في عام 1878م قامت الرحالة الإنجليزية المشهورة باسم (الليدي آن بلنت) هي وزجها ويلفرد بمغامرة السفر من دمشق إلى حائل تلك المدينة التي عشقها زوجها الدبلوماسي قبل أن يراها لدرجة قوله بأنه (لا يمانع أن يقطع رأسه بعد أن يزور مدينة حائل !!). وقبل الوصول إلى مدينة حائل من جهة الشمال كان يجب المرور أولا على قرية جبة التي يقال إن الليدي آن بنت وصفتها بأنها (من أغرب الأماكن في العالم وإنها إحدى مباهج نفود الصحراء) وفي الواقع أستغرب البدو والعرب المرافقين لها عندما طلبت أن تزور موقع جبل أم سنمان لكي تشاهد الرسومات الصخرية المنقوشة من فترة ما قبل التاريخ. في ذلك الزمن أي نهاية القرن التاسع عشر نجد أن عددا قليلا من غير أبناء منطقة حائل كان قد سمع بوجود تلك النقوش المذهلة للحيوانات على الصخور بل إن الرحالة والجغرافي الكبير الهمداني عندما ذكر قرية جبه في كتابه (صفة جزيرة العرب) أهتم فقط بذكر أنها موقع ماء في وسط الرمال.  على كل من المحتمل أن الليدي آن بلنت وزوجها قد علموا بوجود هذه النقوش الصخرية بعد اطلاعهم على وصف الرحالة الإنجليزي ويليم بلغريف لمدينة حائل والتي زارها عام 1865 ميلادي.

ما أود الوصول إليه من هذه المقدمة هو درجة الوعي العالية لبعض الرحالة والمغامرين بالتخطيط الدقيق لتفاصيل رحلة سفرهم مع التحلي بصفة حب الاستطلاع والرغبة الجامحة في اكتساب المعرفة والاستكشاف. ولهذا ونحن اليوم ومع بداية إجازة الشتاء في نهاية الفصل الدراسي الأول وحيث من المحتمل أن تقوم العديد من الأسر والأفراد بالسفر إلى مختلف مناطق المملكة نظرا لأن الأجواء الباردة والفترة القصيرة للإجازة المدرسية هي محفز كبير للسياحة الداخلية. من الجميل أن نلاحظ أنه في العقود الأخيرة بدأنا نشهد في مجتمعنا المحلي ظهور أنواع متقدمة ورفيعة المستوى من أنشطة السياحة الاستكشافية مثل سياحة الكهوف وسياحة رياضة الغوص والسياحة الجيولوجية والسياحة الرياضية والسياحة الأدبية والسياحة الدينية. ومع ذلك نحن ما زلنا بحاجة لجهود إضافية للتنشيط السياحي والتعريف بمواقع ومزارات سياحية متخصصة ذات طابع ثقافي ومعرفي فريد ترتبط بالزمن والعصور التاريخية السحيقة.

من الرائع أن يحرص بعضنا على زيارة القلاع الأثرية في مدننا المختلفة (قلعة وادرين بتبوك وقلعة تاروت بالقطيف وقلعة مارد بدومة الجندل وقلعة القشلة بحائل) ولكن هذه معالم تاريخية حديثة نسبيا ولهذا من الرائع أن تزيد درجة الوعي لمستوى أعلى ونهتم بزيارة المواقع التاريخية المرتبطة بالحضارة الإسلامية. تتمتع المملكة بسبب بعدها الديني وموقعها الجغرافي بميزة كونها ممر قوافل الحجيج ولذا تكثر بها محطات دروب الحجاج فمثلا من مظاهر السياحة التاريخية في طريق الحج العراقي زيارة مدينة فيد الأثرية جنوب مدينة حائل والتي هي أكبر وأهم محطات (درب زبيدة) بينما نجد أن الموقع الأثري لمدينة السرين في محافظة الليث هي أهم محطة قديمة في طريق الحاج اليمني في الفرع الملقب بطريق الحرير البحري.

الوعي السياحي بجدارة بعض المواقع الأثرية بالزيارة ربما يصل مداه لو سافر الواحد منا من مدينة الرياض واتجه جنوبا لمسافة حوالي 700 كيلومتر ليصل للموقع الأثري لقرية الفاو التي كانت عاصمة مملكة كندة إحدى أعرق الممالك العربية قبل الإسلام. بلا شك أن سياحة التاريخ القديم في واقعنا المحلي أبرز موقعها هي مدائن صالح والتي يعود تاريخها للقرن الأول قبل الميلاد زمن مملكة اللحيانيين القديمة ومع ذلك قد يكون من الشيق والمثير زيارة مواقع أثرية أخرى في المملكة تعود لحضارات أخرى عريقة رومانية أو فارسية بل حتى فرعونية. قد لا يعرف البعض أنه توجد أطلال معبد روماني جنوب مدينة تبوك يسمى (معبد روافة) من المرجح أنه بني في منتصف القرن الثاني الميلادي تكريما للإمبراطور الروماني ماركوس أورليوس (الإمبراطور الفيلسوف صاحب كتاب التأملات). والجدير بالذكر أن هذا الموقع أكتشفه الرحالة والمستكشف النمساوي الويس موسل عام 1910م ومن تسبب في شهرته خارج المملكة الرحالة الإنجليزي عبدالله جون فيلبي والذي زار الموقع عام 1950ميلادي.

ومن الصفحات التاريخية المجهولة والمواقع الأثرية النادرة هو وجود بقايا أطلال كنيسة مسيحية قديمة بالقرب من مدينة الجبيل في المنطقة الشرقية ويتوقع أنها شيدت في القرن الرابع الميلادي. وبالمناسبة يذكر المؤرخ العراقي جواد علي في كتابه (المسيحية في الجزيرة العربية قبل الإسلام) أن النصرانية دخلت لجزيرة العرب من جهة العراق ولهذا انتشرت في شرق الجزيرة وأنها كانت في جزيرة تاروت وجزيرة دارين في شرق المملكة. وإذا كان للمسيحية الوافدة من بلاد الرافدين تواجد في شرق جزيرة العرب قبل الإسلام فكذلك كان للإمبراطوريات البابلية والفارسية قبل ذلك نفوذ في غرب جزيرة العرب وبالتحديد في منطقة تيماء التي يقال إن الإمبراطور البابلي نابونيد أقام فيها لمدة عشر سنوات متواصلة. وحتى الآن يوجد جدال بين علماء التاريخ عن سبب تلك الإقامة الطويلة والمتواصلة للملك البابلي في واحة تيماء ولكن نتائج تلك العزلة الطويلة عن عاصمة الحكم في مدينة بابل لا يختلف عليها المؤرخون: لقد تجرأ الملك الفارسي قورش الكبير في توسيع ملكة لدرجة أن أسقط حكم مملكة بابل وبهذا شهدت تيماء آخر ملوك الإمبراطورية البابلية.

على كل حال ما يهمنا هنا أن بئر هداج الهائلة والعجيبة في وسط مدينة تيماء كان أول من حفرها هو الملك البابلي سالف الذكر نابونيد وذلك في منتصف القرن السادس قبل الميلاد وهي حتى اليوم ما زالت تفيض بالماء الغزير بعد 2500 من حفرها لدرجة أنها كانت مضربا للكرم لأنها كانت تسقي 100 جمل في نفس اللحظة.  وكما كان لآخر ملوك الحضارة البابلية العريقة ارتباط غريب بموقع مدينة تيماء نجد كذلك أن لها ارتباط فريد بآخر ملوك الرعامسة الكبار ونقصد بذلك الفراعنة الذين حكموا مصر وما حولها في الأسرتين التاسعة عشرة والعشرين (عصر الرعامسة) وهم كل فرعون حمل اسم: رمسيس أو رعمسيس. تجدر الإشارة إلى أنه في زمن قريب أي في عام 2010م عثر على نقش هيروغليفي عبارة عن خرطوش لاسم رمسيس الثالث على صخرة في منطقة تيماء وهذا الفرعون هو من حكم أرض مصر في نهاية القرن الثاني عشر قبل الميلاد. وبحكم أن واحة تيماء كانت منذ الأزل محطة مهمة على طريق القوافل التجارية لذا من المحتمل أن أحد الرحالة من أرض الفراعنة هو من سجل ذكرياته وولائه لملكة على تلك الصخور ولهذا تعتقد هيئة التراث السعودية احتمالية وجود مزيد من الاثار الفرعونية في منطقة القوافل التجارية القديمة في شمال المملكة وقد أعلنت تدشين مشروع تنقيب للآثار في ذلك المكان الذي أصبح يعرف باسم: موقع رمسيس الثالث.

 من سياحة الكهوف إلى سياحة الأحافير المتحجرة

بمناسبة الحديث السابق عن النقش الفرعوني في واحة تيماء والذي أُكتشف في شهر نوفمبر من عام 2010م وبحكم أننا في بداية هذا الشهر ومع إجازة الشتاء المدرسية وبسبب عشق شرائح واسعة من مجتمعنا للتخييم في البر أثناء البرد لعل من الملائم كذلك جعل واحة تيماء وجهة سياحية داخلية تحقق عشق العيش في الطبيعة مع استكشاف المناطق حول موقع رمسيس الثالث فربما ظفر أحدنا بمزيد من الاكتشافات الأثرية المذهلة. وأثناء البحث الميداني الأثري والسياحة الثقافية لما قبل التاريخ أنصح القارئ (أو الباحث عن الآثار) الكريم أن ينقب ويفتش كذلك في تلك الواحة التيميه عن النقوش الصخرية التي تحتوي الرسومات الحيوانية علما بأن النقش الهيروغليفي لخرطوش الفرعون رمسيس الثالث ملاصق تماما لنقش بديع لحيوان الوعل. وهذا يقودنا إلى أن واحة تيماء هي موقع مثالي مذهل لسياحة ما قبل التاريخ فجبالها وصخورها تحتوي على آلاف النقوش الحيوانية من أشهرها موقع جبال النصلة التي بقربها حصاة النصلة وهي صخرة كبيرة مقسومة إلى نصفين متماثلين وبشق مستوي تماما في منتصفها. ولشكلها المميز حظيت تلك الصخرة منذ الأزل باهتمام كل من شاهدها لدرجة أنه منقوش عليها كتابات ثمودية وكذلك نقوش حيوانية. وعلى ذكر النقوش في منطقة تيماء فبالإضافة للنقوش الفرعونية والثمودية من الغريب أنها تحتوي كذلك على نقوش باللغة اللاتينية (نقوش سرمداء) هذا طبعا غير النقوش الآرامية والنبطية والعربية والنقوش الإسلامية.

في بداية المقال أشرنا إلى خبر إعجاب الرحالة الأوروبيين المتكرر بمنطقة جبة شمال حائل وأنها جنة الباحثين عن النقوش الحيوانية الصخرية (يحتوي جبل أم سمنان لوحدة على أكثر من ألفي نقش لحيوانات مختلفة بأحجام وأشكال متعددة) ولهذا تم في عام 2015م تسجيل الفن الصخري في مدينة جبة في قائمة التراث العالمي لمنظمة اليونسكو. وبالمناسبة على مستوى العالم تعتبر منطقة طاسيلي في جنوب دولة الجزائر الشقيقة هي أشهر موقع دولي في كثرة نقوش الصخرية والتي قد تزيد على 15 ألف نقش ورسم لحيوانات وبشر ما قبل التاريخ ولهذا هذا الموقع الساحر مسجل منذ عام 1982م ضمن قائمة التراث العالمي لليونسكو. ولكن في المقابل ومن وجهة نظري أن إحدى أبرز الميزات الفريدة للمواقع الأثرية في منطقة حائل أنها المكان الملائم للمزج بين سياحة ما قبل التاريخ وسياحة الكهوف وهذه نقطة جذب ووسيلة فعالة لتنشيط السياحة الداخلية. على سبيل المثال يمكن الاستمتاع بمغامرة استكشاف كهف جانين شرق حائل وهو كهف يبلغ طوله حوالي 100 متر وبالقطع سوف يستمتع السائح/المغامر بمشاهدة التشكيلة المتنوعة من نقوش الحيوانات وبعض الرسومات الآدمية وبالخصوص طبعات الأيدي البشرية المتكررة والمنقوشة باحترافية عجيبة. هذه الكفوف وطبعات الأيدي المنقوشة على الصخر قد تفوق في دقتها وصعوبة تنفيذها تلك الكفوف الجميلة وطبعات الأيدي الملونة والتي نالت شهر عالمية منقطعة النظير وهي الموجودة بكهف دي لاس مانوس (كهف الكهوف) في جنوب الأرجنتين. 

والحديث عن الكهوف والرسومات والنقوش الحيوانية يسوقنا للإشارة مرة أخرى إلى تميز واحة تيماء بكل فريد ففيها كذلك العديد من الكهوف التي أصبحت قبلة عشاق مغامرات سياحة الكهوف ونذكر هنا بالذات (غار منيفة) الذي يقع جنوب تيماء ويشتهر مدخلة برسومات صخرية عديدة من أغربها نقش للأرنب البري. ولعلنا نختم الحديث عن سياحة ما قبل التاريخ في منطقة تيماء وأنها تتميز عن جميع مناطق المملكة من حيث إمكانية أن تكون كذلك وجهة سياحية واعدة لما يمكن تسمية (سياحة الأحافير) فبعد ما تميزت تيماء بموقع بئر الملك البابلي ونقش الفرعون رمسيس الثالث فهي أصبحت كذلك موقع (الفيل الأحفوري). وما أود الوصول إليه أنه في واحة تيماء ليس فقط يمكن مشاهدة (نقوش) حيوانات ما قبل التاريخ ولكن أيضا يمكن الاطلاع على الأحافير المتحجرة وعظام حيوانات الزمن السحيق جدا. في عام 2015م أعلنت هيئة المساحة الجيولوجية السعودية عن العثور على بقايا أحافير لأنياب وعظام فيل يتوقع أنه عاش قبل حوالي نصف مليون سنة. ويبدو أن موقع واحة تيماء كانت (ما قبل التاريخ) عبارة عن بحيرة مياه عذبة عاشت حولها العديد من أصناف الحيوانات البرية وبالفعل وجدت أحافير في تلك المنطقة لفرس النهر والنمور والجواميس البرية بل اكتشفت أحافير تماسيح في مناطق أخرى.

والأغرب من ذلك أن منطقة تيماء اكتشفت فيها (الأحفورة البشرية) الأقدم في الجزيرة العربية حيث توصلت البعثة السعودية الألمانية المشتركة للتنقيب الأثري (التي تعمل في موقع تيماء منذ عام 2004م) إلى اكتشاف جزء من عظام الكف لإنسان من المحتمل أنه توفي في ذلك الموقع قبل حوالي 85 ألف سنة وبالمقارنة فإن أقدم عظام بشرية وجدت في أوروبا ترجع فقط لتاريخ 47 ألف سنة وحوالي 70 ألف سنة في جنوب آسيا.

أما وقد وصل بنا سياق الحديث إلى عراقة وقدم التواجد البشري في شمال الجزيرة العربية وأن ذلك يعود لأحقاب ودهور نسيها الزمن لعلنا نختم هذه الجولة السياحية والمسيرة التاريخية والتنشيط الدعائي لسياحة ما قبل التاريخ ومجاهل الماضي بأن نقف أخيرا عند معالم أثرية غريبة ومحيرة وتستحق الزيارة والاستكشاف. من أغرب المعالم الأثرية في المملكة تلك التي تسمى (أعمدة الرجاجيل) والبعض يسميها (رجاجيل الجوف) وهي عباره عن أعمدة حجرية بطول ثلاثة أمتار مبعثرة في سهل رملي يقع جنوب مدينة سكاكا وتشير دراسات علماء الآثار أنها قد تعود في الزمن إلى ما يزيد من 6 آلاف سنة !!. حتى الآن من غير المعروف ما هو الهدف الأساسي لنصب هذه الأعمدة والتي تتطلب جهد بشري كبير وتخصيص موارد هائلة في بيئة شحيحة أصلا وإن كانت ظاهرة نصب الأعمدة الحجرية منتشرة بالذات في القارة الأوروبية وأقرب تشكيل يشبه نسبيا أعمدة (رجاجيل الجوف) نجده في تجمع لأعمدة حجرية عمرها 5 آلاف سنة موجود في جزيرة نائية في شمال أسكوتلندا.

ومن أسكوتلندا نرحل مع سياحة ما قبل التاريخ إلى دولة البيرو في أمريكا الجنوبية فقبل حوالي مئة عام وفي بدايات استخدام الطائرات رصد طيار مدني يحلق فوق جنوب البيرو وجود تشكيلات من الحجارة على شكل حيوانات ضخمة وأشكال هندسية أخرى يعتقد أن تاريخها يعود لأكثر من ألفي سنة. وبفضل هذا الموقع الأثري الصحراوي الذي يعرف اليوم بموقع (خطوط النازكا) وكذلك بسبب آثار حضارة الأنكا في قمم جبال الأنديز (مثل مدينة ماتشو بيتشو) أصبح لدولة البيرو تواجد على خارطة السياحة العالمية حيث يفد إليها سنويا حوالي ثلاثة ملايين سائح أجنبي. وهذا يقودنا لاحتمالية تنمي السياحة الداخلية والخارجية ليس لخطوط النازكا ولكن لخطوط الجوف وهي تشكيلات لتجمعات من الأحجار على شكل دوائر ضخمة أو أشكال مستطيلة مسورة بالصخور. تاريخ هذه المسورات الحجرية مذهل جدا فقد ترجع إلى 9 آلاف سنة من عمر الزمن وأفضل مكان للزيارة السياحية لها هو موقع جبل الظلّيات بمنطقة الجوف. الجدير بالذكر أن العديد من هذه الخطوط الصخرية لم تكتشف إلا في الزمن المعاصر وبفضل استخدام صور الأقمار الفضائية حيث بدأ البعض ينتبه لوجودها بعد تفحص صور خرائط قوقل المقربة وبهذا أسهمت التقنية في السماء (طائرات البيرو والأقمار الصناعية) وليس التنقيب الأثري المباشر على الأرض في صناعة سياحة جديدة تربط بشكل أو آخر ما بين خطوط النازكا وخطوط الجوف.

( الانتخابات الرئاسية الأمريكية .. تاريخ متكرر )

 

 د/ أحمد بن حامد الغامدي

 السبت 1446/4/30

 الأجواء السياسية للانتخابات الرئاسية الأمريكية في نهاية سنة 1956م كان يشوبها شيء من التوتر بسبب تزامنها مع اندلاع العدوان الثلاثي على مصر (حرب 56) وما تلى ذلك من حالة الضبابية في حسم أزمة السويس وهجوم إسرائيل وبريطانيا وفرنسا وهل انتهى ذلك العدوان بالهزيمة أو النصر. وما يهم هنا أنه أثناء حملته الانتخابية في تلك السنة وفي تلك الأجواء المحتقنة بالصراع العربي الإسرائيلي وعد المرشح الرئاسي الأمريكي دوايت أيزنهاور أنه في حال فوزه بتلك الانتخابات سوف يتدخل وينشر السلام في منطقة الشرق الأوسط. طبعا من نافلة القول إنه بعد تلك (الوعود الانتخابية الكاذبة) التي مر عليها حوالي ثلثي قرن من الزمن لم يتحقق أي سلام في منطقتنا العربية واليوم القضية الفلسطينية هي والله المستعان في أسوأ حالة لها.

بعد يومين فقط سوف تقام الانتخابات الرئاسية الأمريكية لعام 2024م وكوسيلة منه لضمان الأصوات الانتخابية للجالية العربية في ولاية ميتشيغن (البعض يلقبها ولاية العرب في أمريكا) أطلق المرشح الرئاسي دونالد ترامب وعودا انتخابية مثيرة للجدل حيث منح مؤيدوه من العرب الأمريكان وعده بأنه سوف ينهي الصراع في الشرق الأوسط وسوف يحقق السلام في المنطقة العربية. وما يثير السخرية في جدية هذه (الوعود الانتخابية) أنه في أثناء تلك التصريحات الجوفاء أعلن داعية يمني هو إمام أحد المساجد في ولاية ميتشيغن أنه (انتزع) وعدا من المرشح الجمهوري ترامب ليس فقط بإنهاء حرب غزة، بل كذلك بمحاربة الإسلامافوبيا ومعاداة المسلمين. والجميع يعلم أن من أسباب شعبية ترامب في حملته الأولى للانتخابات في عام 2016 أنه وعد ناخبيه من البيض العنصريين بأنه سوف يمنع هجرة العرب والمسلمين إلى وسوف يحظر بالذات بعض الجنسيات العربية ومن ضمنها القادمون من اليمن.

قبل أربع سنوات بالضبط وفي مثل هذه الأجواء المشبعة بأخبار الحملات الانتخابية الرئاسية الأمريكية كتبت مقال حمل عنوان (الانتخابات .. بعيدا عن السياسة) ناقشت فيه بشكل مطول علاقة الانتخابات البرلمانية أو الرئاسية بالشعر والشعراء وعالم الأدب والأدباء وذلك كمحاولة للبعد عن مهازل السياسة (المتكررة). وبحكم أنني لست محللا سياسيا ولكني عاشق للتاريخ فسوف أكمل مقال اليوم بإجراء مقارنة بعض الأحداث البارزة في الحملة الانتخابية للمرشح الرئاسي دونالد ترامب مع الأحداث المشابه للعديد من المرشحين لمنصب رئاسة الولايات المتحدة عبر العصور.

المقارنة الأولى كانت بين أيزنهاور وبين ترامب فيما يخص الوعد الانتخابية الزائفة بينما المقارنة الثانية سوف تكون في أبرز ما تعرض له ترامب أثناء حملته الانتخابية وهو محاولة اغتياله بإطلاق النار عليه وإن كان ترامب قد حالفه الحظ ونجى بخدش سطحي في أذنه فإن المرشح الرئاسي من الحزب الديمقراطي وهو روبرت كيندي قد اغتيل عندما أطلق عليه النار في أثناء حملته الانتخابية لمنصب الرئاسة في عام 1968 ميلادي. بينما الرئيس الأمريكي البارز ثيودور روزفلت تعرض هو الآخر أثناء حملته لإعادة انتخابه لمنصب الرئيس للمرة الثالثة، تعرض لمحاولة اغتيال وأصيب بطلق ناري مباشر في صدره قبل أشهر قليلة من موعد انتخابات عام 1912م ولكن هذا المرشح الجمهوري أخفق في إعادة الانتخاب بالرغم من اكتسابه لبعض التعاطف بسبب محاولة الاغتيال الفاشلة التي تعرض لها.

المقارنة الثالثة بين ترامب ومن سبقه عبر التاريخ فيما يتعلق بخوض الانتخابات الرئاسية الأمريكية تتمثل في احتمالية دخول الانتخابات والمرشح الرئاسي قيد الاعتقال والسجن. فيما يخص السيد ترامب وبحكم أنه رئيس (سابق) للولايات المتحدة فهو يمتلك نوعا من (الحصانة) القانونية تجعل عملية سجنه أمرا معقدا نسبيا. ولهذا بالرغم من أن ترامب قد صدرت عليه بالفعل أحكام بالإدانة في 34 تهمة إلا أنه لم يتم تنفيذ هذه الأحكام وإيداعه السجن ومع ذلك، حتى لو تم تنفيذ حكم الحبس فهذا لا يمنعه من حقه الدستوري في الترشح للانتخابات الرئاسية. وهذا ما حصل بالفعل قبل قرن من الزمن وبالتحديد في الانتخابات الرئاسية الأمريكية لعام 1920م عندما حصل مرشح الحزب الاشتراكي الأمريكي (نعم كان من المسموح قديما وجود أحزاب يسارية في أمريكا قبل حقبة مكارثي الكارثية) ورئيس اتحاد العمال الأمريكي يوجين دبس والذي حل في المرتبة الثالثة في الانتخابات بعدما حصل على أكثر من 914 ألف صوت انتخابي. ما تجدر الإشارة إليه أن يوجين دبس كان يدير حملته الانتخابية من السجن حيث كان محكوم عليه بالسجن لمدة سنتين بسبب نشاطه الثوري الاشتراكي الذي قاده لمخالفة قانون خاص يحضر انتقاد الجيش والحكومة أثناء الحرب العالمية الثانية. والطريف في الأمر أن يويجن دبس كان يأمل أنه إذا فاز في تلك الانتخابات وأصبح الرئيس المنتخب فإنه سوف يمنح نفسه (إعفاء رئاسي) وبهذا سوف يخرج مباشر من غرفة السجن إلى غرفة المكتب البيضاوي في البيت الأبيض !!.

 تكرار التنافس بين الأبيض والأسود والرجل والمرأة

الرئيس الأمريكي السابق دونالد ترامب وطوال تاريخه مع وسائل الإعلام وانخراطه في السنوات الأخيرة في الشأن السياسي كان من أبرز صفاته الشخصية أنه رجل سليط اللسان وعنيف في ردود أفعاله ولا يراعي قواعد اللباقة الاجتماعية وضوابط الدبلوماسية السياسية. وبحكم أننا في أجواء الانتخابات الرئاسية الأميركية ومحاولة استقراء الظواهر الانتخابية التي تكررت في التاريخ القديم ففيما يخص سلاطة اللسان والحدة في التعابير للمرشح الانتخابي دونالد ترامب فهو يبدو أنه يسير على خطى سلفه الجمهوري الرئيس ريتشارد نيكسون الذي كان له تصريحات حادة وغير موفقة في حملته الانتخابية لعام 1968ميلادي. وكردة فعل على الهجوم الذي تعرض له نيكسون من الصحافة ووسائل الإعلام بسبب بذاءة ألفاظه هذا ما دفعه لاحقا لإطلاق مقولته المشهورة (يقول الناس أن لغتي سيئة، يا إلهي عليك أن تسمع كلام ليندون جونسون) وهو بهذا يلمز من بذاءة كلام الرئيس الذي سبقه وخصمه في سباق الانتخابات الرئاسية لعام 1968م الرئيس/ المرشح ليندون جونسن قبل أن ينسحب من السباق الرئاسي.

من أبرز الأمور المتعلقة بالانتخابات الرئاسية التي اشترك فيها المرشح ترامب أن المنافس له من الحزب الديمقراطي كان من الجنس اللطيف ممثلا في هيلاري كلينتون البيضاء في انتخابات عام 2016م وكمالا هاريس السمراء في الانتخابات الحالية. وللوهلة الأولى قد يظن البعض أن هذه أول مرة في التاريخ تترشح سيدة أمريكية سوداء للانتخابات الرئاسية بينما في الواقع قبل نصف قرن نجد بالفعل أن سيدة أمريكية سوداء سبقت كمالا بهذه المحاولة الجريئة. وهذا ما حصل في الانتخابات الرئاسية لعام 1972م التي خاضتها السيدة ذات البشرة السوداء شيرلي تشيشولم والتي حاولت أن تكسب ترشيح الحزب الديمقراطي لها لمنافسة المرشح الجمهوري ريتشارد نيكسون لكنها أخفقت. وبما أن الشيء بالشيء يذكر فإن أول امرأة (بيضاء) شاركت في سباق الرئاسة الأمريكية كانت السيدة فيكتوريا وودهل التي سبقت زميلتها السمراء شيرلي بقرن كامل بالتمام وذلك عندما دخلت في عام 1872م في منافسة لمنصب الرئاسة أمام الجنرال يوليسيس جرانت الذي انتصر في الحرب الأهلية الأمريكية ولهذا لم تشكل له تلك السيدة أي عائق حقيقي في الوصول للبيت الأبيض.

وفي مقابل النصر السهل للرئيس يوليسيس جرانت في الانتخابات الرئاسية لعام 1872م واجهات الأمة الأمريكية بأكملها أزمة سياسية وانقسام مجتمعي حاد في الانتخابات التالية والتي أقيمت في نهاية عام 1876م حيث كان السباق الرئاسي متقاربا جدا بين المرشح الجمهوري رذرفورد هايز والمرشح الديمقراطي صاموئيل تيلدن. بالرغم من أن مرشح الحزب الديمقراطي تيلدن فاز بالفعل بأغلبية الأصوات للشعب الأمريكي وبفارق هائل يزيد عن ربع مليون صوت عن منافسه الجمهوري إلا أن العقدة الدائمة في طبيعة الانتخابات الأمريكية أنها تعتمد الفوز فيما يسمى المجمع الانتخابي (electoral college). تلك الفكرة الانتخابية السخيفة تعطي لكل ولاية عدد من الأصوات المختلفة والذي يفوز بأعلى أصوات لممثلي الولايات يفوز حتى ولو كان حصل على أقل عدد من أصوات الشعب الأمريكي نفسه وهذا ما حصل في نهاية المطاف عندما أعلن أن المرشح الجمهوري رذرفورد هايز هو الرئيس القادم للولايات المتحدة بدلا من المرشح الديمقراطي صاموئيل تيلدن. ينبغي ألا ننسى أن الولايات المتحدة في ذلك التاريخ بالكاد كانت تلملم شعثها تداوي جراحها بسبب الحرب الأهلية الأمريكية ولهذا كادت تلك الأزمة أن تعيد انقسام المجتمع الأمريكي إلى (شقين): شق جمهوري وشق وديمقراطي بعد أن كان المجتمع قبل سنوات قليلة منقسم قسمين: قسم للولايات شمالية وقسم للولايات جنوبية.

وهذا يقودنا إلى (تكرار) الإشارة إلى أن بعض ملامح الانتخابات الرئاسية الأمريكية تتكرر عبر الزمن فمثلا حالة الاحتقان في المجتمع الأمريكي نتيجة إفرازات ملابسات الاتهامات المتبادلة بين الرئيس الأمريكي رذرفورد هايز وبين المرشح المحتمل صاموئيل تيلدن ليس فقط (تكررت) قبل أربع سنوات عندما رفض ترامب الاعتراف بهزيمته أمام الرئيس بايدن ولكن من المحتمل أن تكرر بعد أيام لو هزم ترامب العنصري الأبيض أمام امرأة سوداء. قبل أربع سنوات تسبب المرشح الخاسر ترامب في فضيحة وكارثة اقتحام أنصاره لمبنى الكونجرس الأمريكي بينما عندما تأكد قبل عدة أشهر من حصوله على ترشيح الحزب الجمهوري له لخوض سباق الانتخابات الرئيس خرج ترامب بتصريح غريب وبارز حيث (هدد) بأنه في حال خسر الانتخابات القادمة (إذا لم يتم انتخابي، سيكون ذلك بمثابة حمام دم للجميع). ولهذا تشير وسائل الإعلام أن الناخبين الديمقراطيين في الولايات الأمريكية المتأرجحة مثل ولاية بنسلفانيا وجورجيا وميتشيغن وكارولينا الشمالية يشعرون بقلق بالغ من أنه في حال هزم ترامب فسوف تندلع أعمال عنف وتخريب من قبل أنصار ترامب.

 وفي الختام بعد أن أجارينا مقارنة بين القديم والحديث ومن وحي المحطات البارزة في مسيرة الترشح للانتخابات الرئاسية لدونالد ترامب لعل من المناسب ذكر حادثة مميزة في الانتخابات الأمريكية يستبعد أن (تتكرر) في واقعنا الحالي. عدد من استطلاعات الرأي الأولية لسباق الانتخابات الرئاسية الأمريكية لعام 1948م كانت تشير إلى أن المرشح الجمهوري توماس ديوي في طريقه للفوز أمام منافسه المرشح الديمقراطي هاري ترومان ولهذا في ليلة الإعلان عن نتائج تلك الانتخابات كان الفارق بين هذين المرشحين ضئيل جدا وما زال ديوي يتقدم. ونظرا لأن وسيلة الإعلام الرئيسية في تلك الفترة هي الصحف والتي تطبع في العادة قبل فجر اليوم التالي لهذا أتخذ رئيس تحرير جريدة شيكاغو تربيون (منبر شيكاغو) قرارا مستعجلا عندما سمح بأن يطبع عدد الرابع من شهر نوفمبر 1948م من جريدته وهو يحمل عنوان رئيس كبير ينص على أن (ديوي يهزم ترومان). في الواقع من أنتصر في ذلك السباق الرئاسي كان الرئيس هاري ترومان الذي قاد الأمريكان في الحرب العالمية الثانية والذي له صورة مشهورة صباح اليوم التالي للانتخابات وهو يحمل جريدة شيكاغو تريبيون وعلى وجهه ابتسامة واسعة بالنصر في الانتخابات وبالنصر على منبر الصحافة المتحيزة ضده. طبعا في وقتنا المعاصر الأخبار والأحداث (الساخنة) مثل نتائج الانتخابات تعلن لحظة بلحظة وثانية بثانية ومن المستحيل أن يعيد التاريخ نفسه وتقع جريدة محترمة في كارثة الإعلان الخاطئ لنتائج الانتخابات الرئاسية الأمريكية خصوصا إذا كانت التنافس محموم والتقارب كبير بين المرشحين كما هو حال بين ترامب وكاميلا.