الاثنين، 26 يناير 2026

( تذبذب التعليم بين الكتاتيب والذكاء الاصطناعي )

د. أحمد بن حامد الغامدي

 السبت 1447/8/5 الموافق 24 يناير

 منذ عدة سنوات اشتريت كتاب السيرة الذاتية (الأيام) لطه حسين وبالرغم من أهمية وشهرة ذلك الكتاب إلا أنني تكاسلت عن قراءته ربما لطول الكتاب فهو في الأصل نشر في ثلاثة أجزاء وعدد صفحاته يتخطى الخمسمائة صفحة وأنا بالجملة لا أفضل قراءة الكتب المطولة. ثم فجاءة قبل حوالي أسبوعين تحمست كثيرا لقراءة تلك السيرة الذاتية الشيقة والملهمة وبدون تخطيط مسبق انتهيت من قراءتها يوم أمس الجمعة. كما هو معلوم أعطى طه حسين في الجزء الأول من ذلك الكتاب توصيفا وتصويرا بالغ السوء والسوداوية عن نظم الدراسة قديما في الكتاتيب في القرى المصرية في مطلع القرن العشرين كما سوّد صفحات عديدة في تشويه شخصية محفظ القرآن ومعلم الطلاب في الكُتاب حتى وإن كان يسميه (سيدنا).

من المصادفات التوافق غير المقصود بين انتهائي من قراءة كتاب الأيام لطه حسين يوم أمس في حين أن اليوم السبت 24 يناير يتزامن مع اليوم العالم للتعليم وهو الحدث السنوي المعرفي والتربوي البارز والذي حمل قبل عدة سنوات شعار (تغيير المسار، إحداث تحول في التعليم). وفي منظور أننا في زخم عصر الذكاء الاصطناعي وبحكم أنه من المتوقع أنه هذه التقنية المذهلة سوف (تغير المسار) في طرق التدريس لهذا سوف تثمر في نهاية المطاف تحقيق شعار اليوم العالمي للتعلمي سالف الذكر (إحداث تحول في التعليم). ولكن من العجائب ونحن في زمن الذكاء الاصطناعي والتعليم عن بعد وتوظيف التقنية الرقمية في التربية والتعليم أن نجد أن الأساليب التقليدية في التعليم مثل الكتاتيب والكتابة بالطباشير على السبورة يمكن أن يكون لها نوع إسهام في التعليم المعاصر.

وهذا يقودنا للربط بين نظام الكتاتيب التي ضجّ وسخط منها طه حسين قبل قرن من الزمن وبين التوجه الرسمي للحكومة المصرية قبل عدة أشهر فقط للدعوة للعودة إلى إحياء عصر الكتاتيب في القرى والمحافظات والأقاليم المصرية فقد أعلن رئيس الوزراء المصري مصطفى مدبولي عن توجهات رئاسية بدراسة إمكانية عودة الكتاتيب في القطر المصري. ونظرا للدور التاريخي والعريق لمنظومة الكتاتيب في تعليم مبادئ الكتابة والقراءة وتحفيظ القرآن الكريم لهذا يتوقع في حالة تم الاعتماد النهائي لهذا المبادرة أن تساهم بشكل أو آخر في كونها رافدا للتعليم النظامي حتى وإن نفذت هذه المبادرة من قبل وزارة الأوقاف. وما أود الوصول إليه أنه حتى وإن كنا في زمن التعليم الرقمي وعصر الذكاء الاصطناعي فإن هذا لا يعني أن أساليب ووسائل التعليم يجب دائما أن تكون متقدمة وعلى أعلى طراز ومثال من التقدم فحتى الأساليب التقليدية العتيقة يمكن إعادة توظيفها وتفعيلها.

وكما بادرت الحكومة المصرية على لسان رئيس الوزراء بالإعلان عن العودة لاستخدام منظومة الكتاتيب نجد قبل ذلك بسنة قيام رئيس وزراء الحكومة النرويجية الإعلان عن العودة لأساليب التدريس التقليدية باستخدام الكتب الورقية ومحاولة تقليل الاعتماد على الرقمنة والتعليم الإلكتروني في المدارس النرويجية. وهذه ليست ( ردة ) وانتكاسة في التعليم، ولكنها شجاعة علمية ومكاشفة إدارية ونظامية أن بعض تقنيات ووسائل التعليم فائقة التطور مثل التعليم الرقمي توجد بها بعض المشاكل الجوهرية التي قد تتطلب التراجع الجزئي عنها.

 أساليب التعليم العتيقة .. قديمك نديمك

وفي الواقع توجه وزارة التعليم النرويجية استخدام الكتب الورقية المطبوعة في عملية التدريس تعني ولا بد بأن العملية التدريسية تتطلب كذلك قيام الطلاب باستخدام الكتابة بالأقلام على الدفاتر وعلى لوح السبورة سواء كانت سبورة ذكية أو سبورة تقليدية. وهذا يقودنا للتنبيه إلى أن من المصادفات كذلك أن اليوم السبت 24 يناير وإن كان هو (اليوم العالمي للتعليم) المتطور والحديث فإن يوم أمس الجمعة 23   يناير كان يوافق (اليوم العالمي للكتابة بخط اليد) والذي له أهداف متعددة. وما يهمنا هنا في سياق اليوم العالمي للتعليم أن العودة للأصول والتقاليد الموروثة في الكتابة باليد بدل استخدام الأطفال للكتابة على لوحة المفاتيح أن هذا من شأنه أن يعزز عند الطلاب مهارات الذاكرة والتفكير وتنشيط الدماغ وتحسين التهجئة وهذه مكاسب تعليمية على درجة عالية من الأهمية. ومن المفاهيم التعليمية والتربوية التي تم التشنيع عليها في فترة ما ثم عادت للظهور والقبول النسبي لها مفهوم التعليم بالتلقين والحفظ فإذا تم إعادة إحياء تقاليد التدريس في الكتاتيب فلماذا لا يعاد السماح بشيء من أسلوب التعليم بالتلقين والحفظ في مدارسنا خصوصا في منظور أن الثقافة الإسلامية العريقة كانت تعتمد في جوانبها الدينية والأدبية على عادة الحفظ وتلقين الطلاب النصوص وترديدها حتى يضبطوا حفظها واستحضارها. بل حتى في المجتمعات الغربية الحديثة وبالرغم من نفورهم من طريقة التلقين Indoctrination في التربية والتعليم إلا أن بعض المفكرين والتربويين في تلك الديار يقبل بدرجة ما من عملية التلقين خصوصا في مجال الأخلاق وتعريف الأطفال مبادئ العدل والصدق والأمانة والتعاطف وكذلك البعض منهم يقبل المستويات الأولية من التلقين للأطفال الصغار لغرس المعلومات المبدئية في التهجئة والحساب وما شابه ذلك.

بل الأعجب من ذلك أن الغالبية العظمى من نظريات التربية الحديثة وكذلك لوائح وأنظمة وزارات التعليم في أغلب بلدان العالم تمنع وتحظر استخدام العقاب الجسدي والضرب في العملية التربوية ومع ذلك نجد أن دولة متقدمة جدا في مستويات التعليم مثل سنغافورة ما زالت حتى الآن تسمح باستخدام الضرب بالعصا في المدارس وإن كانت تجعل ذلك مقصورا لمعاقبة التلاميذ الذكور دون الإناث. وحتى عام 2021م كانت كوريا الجنوبية تسمح بشكل من أشكال الضرب في المدارس وكذلك الحال في النظام التعليمي في جزيرة تايوان كان النظام حتى عام 2005م يسمح بقيام المعلمين بضرب الطلاب بهدف ضبط سلوكهم في المدارس، وهذه دول كما هو معلوم متقدمة دائما في الاختبارات الدولية لقياس جودة التعليم. وحتى اللحظة الحالية نجد أنه في 17 ولاية من ولايات أمريكا وخصوصا الولايات الجنوبية مثل تكساس وفلوريدا وفرجينيا وكارولاينا يعتبر الضرب والعقاب الجسدي مشروع وقانوني في المدارس الحكومية وعدد الولايات أكبر من ذلك لو تم رصد هذه لظاهرة في المدارس الأهلية.

من هذا وذاك نعلم أن مسيرة التربية والتعليم في العصور الحديثة لا تمضي في اتجاه واحد متصاعد إلى الأمام وإنما هي مسيرة متذبذبة يحصل ما بين فترة وأخرى العودة إلى الأساليب والمناهج التعلمية القديمة مثل التعليم بالتلقين والحفظ والتعليم الورقي التقليدي والتعليم الإلقائي المتمركز حول المعلم. وبمناسبة الحديث عن مركزية دور المعلم في المنظومة التعليمة وبالرغم من ظهور مفاهيم وتقنيات تعليمية حديثة تحاول تحجيم دور المعلم مثل أساليب التعليم التعاوني بين الطلاب أو طريقة الفصل الدراسي المقلوب أو تقنية التعليم الذاتي عن طريق الإنترنت والمنصات الرقمية أو المنهجية البسيطة المتمثلة في التعليم باللعب أو المنهجية المعقدة المسماة التعليم القائم على المشاريع إلا أن كل تلك التقنيات والأساليب التعليمية لم تستطع أن تزيح المعلم عن دوره المركزي حتى جاء زمان الذكاء الاصطناعي.

نحن الآن في قمة الثورة الصناعية الرابعة والبعض يستشرف ويتوقع قرب حلول الثورة الصناعية الخامسة وفي كل الحلات هذه الثورات الصناعية الحالية أو المستقبلية تعتمد بشكل محوري على (الذكاء الاصطناعي) وبالرغم من كل إمكانيات وإيجابيات ومميزات الذكاء الاصطناعي إلا أنه يثير القلق والتخوف والحذر. ومن أبسط وأوضح المشاكل المتعلقة بالذكاء الاصطناعي أنه من المحتمل أنه سوف يزيح شرائح واسعة من البشر من وظائفهم وأعمالهم والبعض يتنبأ بأن للذكاء الاصطناعي تأثيرا ودورا هائلا في المنظومة التعليمية في المستقبل وأنه ربما قد أقترب بالفعل زمن إزاحة المعلم عن دوره المحوري والمركزي في عملية التعليم. فمن خلال توظيف الذكاء الاصطناعي في التعليم الافتراضي والتعليم الذكي والتكيفي والتي من خلالها سوف يتم تعزيز مفهوم (التعليم الذاتي) وعليه بالتأكيد سوف تقل كثيرا الصلة والرابطة التراتبية بين الطالب والمعلم مما يؤدي في نهاية المطاف إلى تهميش دور المعلم وتعريض الطلاب لمخاطر الذكاء الاصطناعي المتمثلة في جانب منها في مشكلة ما يسمى (الهلوسة) وهي إعطاء الذكاء الاصطناعي لمعلومات وإرشادات وأحكام غير دقيقة وأحيانا خاطئة تماما وربما تكون ضارة.

وعليه أعتقد أنه بالفعل فيما يخص التربية والتعليم هي في الواقع (منظومة) تشمل أشياء وأدوات ومفاهيم وتقنيات مختلفة ومتعددة ويجب في جميع الحالات ألا يتم التركيز على جانب واحد من هذه الجوانب مثل ما حصل سابقا من تضخيم دور الكمبيوتر أو الإنترنت والآن الذكاء الاصطناعي. فإذا كنا بعد قرن من الزمن من تشويه طه حسين للكتاتيب ومعلمي الصبيان نجد أن تلك الحاضنة التربوية والتعليمة ما زالت يمكن أن تؤدي دورا إيجابيا في زمن الثورة الصناعية الرابعة وعصر الذكاء الاصطناعي وعليه ينبغي ألا نفرط بسهولة في كل المكتسبات والوسائل والتقنيات التربوية.


 

( تجربة الرحالة العرب مع الثلج والصقيع )


د/ أحمد بن حامد الغامدي

 السبت 1447/7/28

 قبل عدة أسابيع ومع بداية الإجازة الدراسية التي تحمل اسم (إجازة الخريف) كتبت مقالا حمل عنوان (إجازة الخريف والسياحة الشتوية) ناقشت فيه تاريخ تحول العطلة المدرسية من موسم الشتاء إلى موسم الصيف وعرجت في نهاية المقال لمفهوم (السياحة الشتوية). وبحكم أننا كنا في أسبوع الإجازة المدرسية التي تتوافق مع الأسبوع الثاني من شهر يناير ولهذا شريحة لا بأس بها من رواد السياحة الخارجية شرقا أو غربا ربما أمكنهم التمتع بأجواء وفعاليات السياحة الشتوية. للجيل الأول من عشاق السياحة الخارجية كان الغالبية العظمى منهم يمم وجهه شطر الدول الأوروبية لكي يحظى بفرصة الاستمتاع بعالم الثلج ولكن في العقود الأخيرة اكتشف العديد من السياح الخليجيين والعرب أنه يمكن أن يحققوا تجربة السياحة الشتوية بتكلفة أرخص وكفاءة جيدة لو اتجهوا شرقا نحو دول وسط آسيا وبالذات الجمهوريات الإسلامية أي دول (الستان) مثل كازخستان وطاجيكستان وتركمانستان وقيرغيزستان بإضافة للدول القريبة منها مثل أذربيجان وجورجيا.

قبل عدة سنوات استمتعت مع أسرتي بتجربة السياحة الشتوية في منتجع وتلفريك غابلا في شرق مدينة باكو عاصمة أذربيجان حيث أتيحت لنا فرصة التزلج على الجليد مع مختلف الألعاب الثلجية المتنوعة والشيقة. وهذا ما شجعني أن أكرر هذه التجربة السياحة الماتعة بالسفر قبل أيام إلى مدينة ألماتي في جنوب كازخستان وزيارة منتجع شيمبولاك الجبلي والذي يوفر تجربة التزلج على الجليد في العديد من المنحدرات متدرجة الصعوبة. بإضافة للأنشطة التقليدية الشيقة في الفعاليات الشتوية مثل جولات ركوب الخيل بين الثلوج أو رحلات مركبات الزلاجات يمكن في كازخستان فرصة تحقيق تجربة الزلاجات التي تجرها الكلاب وهي كلاب سيبيرية قوية من نوع الهاسكي ولهذا تعرف تلك الزلاجات باسم (عربات الهاسكي). الأغرب من ذلك أنه توجد رحلات عبر الثلوج باستخدام الزلاجات التي تجرها غزلان الرنة وكأنها بذلك عربات سانتا كلوز الحمراء المشهورة. وبالرغم من أن صورة الزلاجات الثلجية التي تجرها الكلاب مألوفة لنا جميعا من لقطات الأفلام السينمائية وصور الرسوم المتحركة إلا أن مشاهدتها على أرض الواقع لها طابع خاص وتجربة فريدة. وإذا كانت الدهشة والتشويق من مشهد زلاجات الكلاب بالغة بالرغم من معرفتنا السابقة لهذا المنظر فكيف كان حال رواد الرحالة العرب عند مشاهدتهم لأول مرة في حياتهم الزلاجات الخشبية التي تجرها الكلاب السيبيرية وهذا ما حفز الفضول لدي لاستقراء وسرد بعض النصوص من أدب الرحلات التي تصف تجربة الرحالة العرب مع الثلج والصقيع .. بل وحتى زلاجات الكلاب.

في كتاب (تحفة النظار في غرائب الأمصار وعجائب الأسفار) يذكر ابن بطوطة أنه عندما وصل إلى أرض البلغار في جنوب روسيا حاليا وأقترب من تخوم المناطق السيبيرية التي تغيب عنها الشمس في فصل الشتاء ولهذا تسمى (أرض الظلمة). وهنا نجد أن ابن بطوطة يقول (وكنت أردت الدخول إلى أرض الظلمة والدخول إليها من بلغار، وبينهما أربعون يوما ثم أضربت عن ذلك لعظم المؤنة وقلة الجدوى، والسفر إليها لا يكون إلا في عجلات صغار تجرها كلاب كبار، فإن تلك المفازة فيها الجليد فلا تثبت قدم الآدمي ولا حافر الدابة فيها والكلاب لها الأظفار فتثبت أقدامها على الجليد). ثم يكمل ابن بطوطة في وصف هذه الكلاب السيبيرية المدربة وغالية الثمن ومن المحتمل أنه قد شاهدها وهي تجر تلك الزلاجات فيقول (والدليل بتلك الأرض هو الكلب الذي قد سار فيها مرارا كثيرة، وتنتهي قيمته إلى ألف دينار ونحوها، وتربط العربة إلى عنقه ويقرن معه ثلاثة من الكلاب ويكون هو المقدّم وتتبعه سائر الكلاب بالعربات فإذا وقف وقفت، وهذا الكلب لا يضربه صاحبه ولا ينهره، وإذا حضر الطعام أطعمَ الكلاب أولاً قبل بني آدم وإلا غضب الكلب وفر وترك صاحبه للتلف).

إذا كانت رحلة ابن بطوطة لأرض البلغار وهي تقريبا حاليا جنوب غرب روسيا كانت في حدود سنة 734 هجري الموافقة لسنة 1333 ميلادي وفيها وصف زلاجات الكلاب فلعلنا ننتقل بالتاريخ إلى عام 1840 ميلادي ونعبر عبر الجغرافيا إلى مدينة سانت بطرسبرج عاصمة الإمبراطورية القيصرية الروسية التي وصلها في ذلك التاريخ الرحالة المصري محمد عياد الطنطاوي وعاش بها سنوات طويلة يدرس بها اللغة العربية في معهد اللغات الشرقية. وما يهمنا هنا هو وصف الشيخ الرحالة محمد عياد الطنطاوي في كتابة الضخم (تحفة الأذكياء بأخبار بلاد الروسيا) حالة البهجة والسرور في الشتاء عندما ينزل الثلج ويبدأ الناس في استخدام الزلاجات في اللهو على الثلج. يقول يصف الزلاجات (سماها الجرّار) التي بدون عجلات وتمر عل الجليد بسرعة وعجله (وفي أيام الشتاء يركبن الجرّار وهو عربة بلا عجل لكن يزلقها الثلج فتمشي بالعَجَل، وهو أسهل المركوبات وفي أول هجوم الثلج يتسارع الناس إلى ذلك زرافات ووحدلنا ويسرون عن نفوسهم بذلك أحزانا وقلت:

في الثلج أغدو للصفا              في عربات الزّحلقه

فبتربوغ (بطرسبرج) كلها        حصيرة مزحلقه )

 الصورة النمطية للزلاجات الثلجية شائعة ومعروفة للجميع سواء كان الذي يجر تلك الزلاجات (أو الجرارات حسب مقولة الطنطاوي الروسي) الكلاب أو الغزلان أو الخيول أو حتى البشر، وكذلك من الصورة النمطية الشائعة في أرض الجليد استخدام لوح التزحلق عل الجليد snowboard أو الزلاجات الطويلة والعصي skis and poles وكل هذه الأشياء محاولة تجربتها أو حتى مشاهدتها على الطبيعة وبشكل مباشر أمر بالغ المتعة والتشويق. ومرة أخرى نجد في تراثنا العربي العريق المتعلق بأدب الرحلات بعض المشاهدات المباشرة التي نقلها الرحالة العرب عن المشي والتزلج فوق الجليد والثلج باستخدام ألواح وعصي التزلج. ومن كتاب (تحفة النظار) لابن بطوطة إلى كتاب (تحفة الأذكياء) للرحالة المصري الطنطاوي نصل إلى كتاب (تحفة الألباب ونخبة الأعجاب) للرحالة الأندلسي أبي حامد الغرناطي الذي انتهى من تأليف هذا الكتاب في عام 557 هجري (الموافق 1162م) وفيه يذكر تفاصيل رحلاته إلى أرض الخزر والبلغار والمجر وهنا نصل إلى وصفه لزيارة أرض اليورا وهم قوم يسكنون شمال شرقي الفولجا. يقول أبو حامد الغرناطي عند حديثه عن ألواح الزلاجات (والطريق إليهم في أرض لا يفارقها الثلج أبدا ويتخذ الناس لأرجلهم ألواحاً ينحتونها طول كل لوح باع وعرضه شبر، مقدم ذلك اللوح ومؤخره مرتفعان من الأرض وفي وسط اللوح موضع يضع فيه الماشي رجله وفيه ثقب قد شدوا فيه سيورا من جلود قوية يشدونها على أرجلهم. وفي يده اليمن عصى بطول الرجل وفي أسفل العصى مثل كرة من الثياب .. يعتمد على تلك العصى على الثلج ويدفع العصى خلف ظهره كما يصنع الملاح في السفينة فيذهب على ذلك الثلج بسرعة. ولولا تلك الحيلة لم يمكن أحد أن يمشي هناك البتة وأي حيوان مشى عليه يغوص في ذلك الثلج إلا الكلاب والحيوان الخفيف كالثعلب والأرنب فإنه يمشي عليها بخفة وسرعة).

 معاناة رواد الرحالة العرب مع الصقيع

 في الواقع إقامتي أنا أسرتي في أذربيجان قبل سنوات أو كازخستان هذا الأسبوع بهدف السياحة الشتوية، كانت لفترة قصيرة وقت إجازة منتصف العالم الدراسي ولهذا لم نتعرض كثيرا أو طويلا لمشاكل الأجواء الباردة خصوصا موجات الصقيع المزعجة. وهذا طبعا خلاف واقع الرحالة العرب القدماء الذين غامروا باكتشاف المناطق الباردة في دول وسط آسيا أو الأقاليم الجغرافية القريبة من روسيا فالسفر لتلك البقاع القاصية من الأرض والعودة منها تحتاج لأسابيع عديدة بل أشهر وفي بعض الحالات عدة سنوات. وبالعودة للحديث عن الرحالة الأندلسي أبي حامد الغرناطي الذي تجدر الإشارة إلى أنه أقام لمدة ثلاث سنوات في أرض البلغار بل لقد تزوج منهم ولهذا تعرض في مناسبات عديدة لمعاناة شديدة مع الصقيع والجليد. فمن ذلك قوله في كتابه آنف الذكر تحفة الألباب (وسمعت ببلغار وهي مدينة في آخر بلاد الإسلام .. ويشتد فيها البرد حتى إذا مات لأحد ميت لا يقدر على أن يدفنه ستة أشهر لأن الأرض تكون كالحديد ولا يمكن أن يحفر فيها قبرا، ولقد مات لي بها ولد وكان في آخر الشتاء فلم أقدر على دفنه فبقي في البيت ثلاثة أشهر حتى أمكن دفنه وبقي الميت كالحجر).

وأما وإن سيرة المعاناة مع الصقيع والجليد في أرض البلغار قد فتحت فهذا يتوجب علينا الإشارة إلى أن أول وأشهر الرحالة العرب الذين وصولوا إلى تلك الديار حول حوض الفولجا هو الرحالة المشهور ابن فضلان التي وصلها في عام 309 هجري. قبل أن يصل ابن فضلان لأرض البلغار حبسه الثلج والجليد لمدة أربعة في مدينة جرجانية التي تقع حاليا في أوزباكستان يقول ابن فضلان (فأقمنا بالجرجانية أياما وجمد نهر جيحون من أوله إلى آخره وكان سمك الجمد سبعة عشر شبرا وكانت الخيل والبغال والحمير والعجوب تجتاز عليه وهو ثابت لا يتخلخل). ثم علّق ابن فضلان بقوله (فرأينا بلدا ما ظننا إلا أن بابا من الزمهرير قد فتح علينا منه ... ولقد رأيت الأرض تتشقق فيها أودية عظام لشدة البرد وإن الشجرة العظيمة لتنفلق نصفين لذلك). الجدير بالذكر أن اسم (الجرجانية) هو الاسم القديم لمدينة خوارزم أو خيوة في غرب أوزباكستان والطريف في الأمر أن الجغرافي والرحالة الكبير ياقوت الحموي عندما زار خوارزم في عام 616 هجري صادفها في وقت الزمهرير ولهذا كتب عنها تلك العبارة الشهيرة التي وردت في كتابه الشيق معجم البلدان. يقول ياقوت الحموي بعد أن ذكر كلام ابن فضلان وخطأه في بعض الأمور (وقد كنت اجتهدت أن أكتب شيئا بها فما كان يمكنني لجمود الدواة حتى أقرّبها من النار وأذيبها، وكنت إذا وضعت الشربة على شفتي التصقت بها لجمودها على شفتي ولم تقاوم حرارة النفس الجماد).

وإذا كان ياقوت الحموي من شدة زمهرير الصقيع تلتصق شفته على الملعقة فهذا ابن فضلان عندما كان هو الآخر في مدينة خوارزم يقول (كنت أنام في جوف بيت وفيه لبود تركية مدثر بالأكسية والفراء وربما التصق خدي على المخدة). ومن الطرائف أنه من شدة الصقيع ربما جمد بخار الماء بسرعة على الجسم والشعر فهذا ابن فضلان يقصّ علينا ما حصل له في مدينة خوارزم التي سبق وأن ذكر أن نهر جيحون تجمد فيها بعمق سميك (وقد كنت أخرج من الحمام فإذا دخلت البيت نظرت إلى لحيتي وهي قطعة من الثلج حتى كنت أدنيها إلى النار). ونفس هذا المشهد الثلجي المضحك حصل مع عميد الرحالة العرب ابن بطوطة عندما وصل في فصل الشتاء إلى مدينة حدودية بين الصين ومنغوليا وشمال كازخستان تسمى بابا سلطوق فنجده يكرر ذكر نفس الظاهرة (وكنت أتوضأ بالماء الحار بمقربة من النار فما تقطر من الماء قطرة إلا جمدت لحينها، وإذا غسلت وجهي يصل الماء إلى لحيتي فيجمد فأحركها فيسقط منها شبه الثلج، والماء الذي ينزل من الأنف يجمد على الشارب). ومن الغرائب أن هذه الأجواء الجليدية القاسية في مدينة خوارزم وبالرغم من أنه أصبح يضرب بها المثل في شدة الزمهرير إلا أن بعض الرحالة العرب يمكن أن يمر على مناطق أكثر برودة منها. ومن ذلك أن ابن فضلان في عام 309 هـ عندما غادر خوارزم باتجاه أرض البلغار مرّ في الطريق بمنطقة تدعى (جيت) ونزل عليهم ثلج كثيف حتى أن الجمال كانت تمشي فيه إلى ركبها ثم توغلوا بأرض الترك في مكان قفر أصابهم في برد شديد ولهذا يقول ابن فضلان (لقد لقينا من الضر والجهد والبرد الشديد وتواصل الثلوج الذي كان برد خوارزم عنده مثل أيام الصيف).

ونختم معاناة الرعيل الأول من الرحالة العرب مع الصقيع مع الزمهرير بإعطاء لمحة لطبيعة وكمية الملابس الشتوية الثقيلة التي كان يرتديها بعض الرحالة العرب عندما يصادف مرورهم أو إقامتهم في مناطق وأقاليم شديدة البرودة. ولنبدأ بأول الرحلة العرب الذين عاشوا تجربة الزمهرير وهو ابن فضلان فهذا وصف لدولاب الملابس الذي كان يرتديه لتجنب الزمهرير (وكان كل رجل منا عليه قرطق وفوقه خفتان وفوقه بوستين وفوقه لبادة وبرنس ولا تبدو منه إلا عيناه، وسراويل طاق وآخر مبطن وران وخف كيمخت وفوق الخف خف آخر فكان الواحد منا إذا ركب الجمل لم يقدر أن يتحرك لما عليه من الثياب). وكما كان ابن فضلان يكثر من ارتداء الملابس حتى ما يستطيع أن يركب دابته فكذلك الحال حذو القذة بالقذة مع ابن بطوطة الذي يقول عن ملابسه التي يرتديها في مناطق الجليد والصقيع (وكنت ألبس ثلاث فروات وسروالين أحدهما مبطّن، وفي رجلي خفّ من صوف وفوقه خفّ مبطّن بثوب كتان وفوقه خفّ من البرغالي وهو جلد الفرس مبطّن بجلد ذئب) ثم ذكر معاناته مع ركوب الدابة فقال (وكنت لا أستطيع الركوب لكثرة ما علي من الثياب حتى يُركبني أصحابي) !!.

في عام 1971م زار الكاتب والصحفي والرحالة المصري المعروف أنيس منصور، زار بلاد الاتحاد السوفيتي للمرة الثالثة، ولكن هذه المرة وثّق رحلته المميزة تلك في كتابه الشيق (أطيب تحياتي من موسكو) وهو من لحظة خروجه من باب الطيارة التي هبطت في مطار موسكو يصف لنا برودة الأجواء في أرض الجليد الروسية. ثم يذكر توصف ساخر وطريف عن كثرة الملابس التي يرتديها الروس والتي تذكرنا بدولاب الملابسة الذي كان يرتديه ابن فضلان وابن بطوطة فيقول (والملابس التي يرتديها الروس كثيرة وكثيفة .. كوم من الملابس البالطو وتحت البالطو الجاكيته والبلوفر والقميص والفانيلا والكالسون والجورب والحذاء المبطن بالصوف، وفق الرأس الطاقية من الفرو يسمونها الشبكة .. وهذه (الشيلة) هي التي تجعل الروسي يمشي يدك الأرض بخطوة واسعة).

وربما النصيحة الحكيمة أنه وقت الصقيع يفضل عدم الخروج من المنزل فهذا عميد الرحالة العرب الشيخ محمد بن ناصر العبودي عندما زار مدينة ألماتي الكازخستانية في بداية ربيع عام 1992م أخبروه أهلها أن درجة الحرارة في الشتاء قد تصل إلى 25 درجة تحت الصفر وعندها ينصح الناس أن يبقوا في منازلهم لأنه إن تعرضوا لهذا البرد الشديد دون تدفئة أو لباس ثقيل كاف فإن أطرافهم تتجمد. 

 

( أمريكا و 200 سنة من البلطجة في الحديقة الخلفية اللاتينية )

د/ أحمد بن حامد الغامدي

الأحد 1447/7/15

في عام 1813م وكنتيجة للأطماع التوسعية للدولة الأمريكية الوليدة حديثا حاول الجيش الأمريكي احتلال الأراضي الكندية ونتج عن ذلك التسبب في حرق مدينة تورينتو ولهذا كان رد الإمبراطورية البريطانية الهجوم الكاسح على العاصمة واشنطن مما أسفر عن حرق أغلب المباني الحكومية ومن ذلك مبنى البيت الأبيض وذلك كردة فعلة انتقامية لحريق ترونتو. طبعا في تلك اللحظة كانت الأمة الأمريكية في أضعف لحظاتها، ولكنها سرعان ما تعافت من ذلك الهجوم والانكسار الخطير واستطاعت بعد سلسة هزائم عسكرية ضد الجيش الإنجليزي من العودة بقوة للمسرح الدولي لدرجة أنه في عام 1923م أي حوالي قبل قرنين من الزمن صدر ما يسمى (مبدأ مونرو). وهو البيان الذي أعلنه الرئيس الأمريكي جيمس مونرو بأن الولايات المتحدة الأمريكية لن تسمح لأي من الدول الاستعمارية الأوروبية من التدخل في دول نصف الكرة الغربي وبالتحديد في دول أمريكيا الجنوبية والتي تعتبرها أمريكا الحديقة الخلفية لها.

ويوم أمس أعلن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بالأفعال وليس بالأقوال إن الزمن قد تخطى (مبدأ منورو  Monroe Doctrine) إلى عصر ومرحلة (مبدأ دونرو Donroe Doctrine) وهو مبدأ جديد في السياسة الدولية اشتقه الرئيس ترامب من اسمه الأول (دونالد). وإذا كان مفهوم مبدأ مونرو القديم قائما على قاعدة (ضمان استقلال كل دول أمريكا الوسطى وأمريكا الجنوبية ضد التدخل والاستعمار الأوروبي أو التدخل في تقرير مصيرهم) يقصد به بشكل أساسي منع بريطانيا وفرنسا من التواجد الاستعماري في الحديقة الخلفية لأمريكا ولهذا التعديل الجديد يوم أمس فحواه أن الرئيس ترامب يمنع تدخل الآسوين وخصوصا الصين وروسيا من التوغل في دول الكاريبي ودول أمريكا اللاتينية كما حصل قبل عدة أشهر من تحجيم النشاط والنفوذ الصيني في قناة بنما. ومع ذلك واقع الحال والمآل فإن الرئيس الأمريكي ومن واقع بلطجة القوة يحدد التوجه الجديد في السياسة الدولية بأنه سوف يتدخل في استقلال دول أمريكيا اللاتينية الهشة ويحاول السيطرة عليها واستعمارها بشكل أو آخر.

في الواقع البلطجة الأمريكية في الحديقة الخلفية اللاتينية قديمة ومتجددة فبعد سنوات قليلة من إطلاق مبدأ مورنو وبالتحديد في عام 1836م افتعلت الولايات المتحدة خلافا حدوديا بينها وبين المكسيك بعد أن شجعت ودعمت أهل تكساس عن الاستقلال عن المكسيك. وهنا اندلعت تلك الحرب الطاحنة بين البلدين والتي كان نتيجتها هزيمة المكسيك وخسارتها حوالي 55% من أراضيها وهي التي المناطق التي تحولت إلى الولايات الأمريكية الجنوبية الشاسعة (كاليفورنيا وأريزونا وكولورادو ونيفادا ويوتا ووايومنغ وطبعا نيو ميكسكو).

يوم أمس الاعتداء الأمريكي على دولة فنزويلا واختطاف الرئيس نيكولاس مادورو كان غالبا بسبب الأطماع في البترول ولهذا يمكن أن نسميها (غزوة النفط) وبلا شك تأمين مصادر الطاقة النفطية دافع قوي وحقيقي ومع ذلك ينبغي ألا نغفل أن أمريكا تدخلت بشكل سافر ومنذ أكثر من قرن في العديد من الدول اللاتينية لأسباب اقتصادية تافهة نسبيا وهي المحافظة على وجود وسيطرة الشركات الأمريكية التي كان بعضها يتاجر في الفواكه الاستوائية ومن هنا ظهر مصطلح (جمهوريات الموز) والأخطر من ذلك ما يسمى (حروب الموز). في الواقع منذ مطلع القرن العشرين وأمريكا وبشكل متكرر تتدخل بشكل عسكري فجّ في العديد من دول منطقة بحر الكاريبي ومن هنا ظهر مصلح (حروب الموز) والتي نتج عنها الاحتلال الأمريكي لدول مستقلة مثل احتلالها لدولة كوبا من عام 1898م وحتى 1902م واحتلالها جمهورية الدومنيكان من عام 1916م وحتى 1924م هذا فضلا عن تدخلها العسكري المتكرر في دول أخرى مثل بنما وهندوراس والسلفادور والمكسيك وهايتي ونيكاراغوا.

وعلى ذكر نيكاراغوا لعله من الملائم لفضح النفاق الأمريكي في محاربة المخدرات وهو المسوغ السخيف لخطف الرئيس الفنزويلي، الإشارة إلى مهزلة (الحرب على المخدرات) التي أطلقها الرئيس الأمريكي رونالد ريجان. في عام 1982 أعلن الرئيس ريغان الحرب على المخدرات وبعد ذلك بأربع سنوات فقط أعترف ريغان للشعب الأمريكي أن حكومته متورطة في فضيحة (إيران كونترا) والتي كان جزء منها قيام الاستخبارات الأمريكية CIA بدعم ثوار الكونترا ضد حكومة نيكارغوا وذلك عن طريق تهريب السلاح الممول جزئيا من تجارة المخدرات وتهريب الكوكائين إلى الأراضي الأمريكية نفسها والسماح ببيعها في أحياء الأمريكان السود. وهذا العمل الشائن من الاستخبارات الأمريكية في المتاجرة بالمخدرات لأجل تمويل برامج محاربة الشيوعية في أمريكا الجنوبية تكرر كذلك في دول أخرى غير نيكارغوا حيث توجد دلائل على استخدام الأمريكان لأموال المتاجرة في المخدرات المهربة من دول أمريكيا الوسط مثل هندوراس وكولومبيا في أمريكا الجنوبية. وربما في هذا السياق نفهم الخبر الغريب عندما أصدر الرئيس ترامب قبل أسابيع قليلة عفوا عن رئيس هندوراس السابق الذي كان يقضي عقوبة بالسجن لمدة 45 عاما بعد إدانته بتهريب أطنان من الكوكائين إلى الولايات المتحدة !!.

يقال إن أمريكا (أرض الأحلام) ولكنها بالقطع (أرض النفاق) وكذلك أرض العجائب والفضائح في الجانب السياسي على الأقل.