د/ أحمد بن حامد الغامدي
السبت 1447/6/29 الموافق 20 ديسمبر 2025
قبل حوالي أسبوعين وبالتحديد في يوم 7 ديسمبر بدأ موسم (المربعانية) المشهور لدى العامة بأنه بداية موسم البرد والشتاء بينما فعليا وفلكيا يبدأ فصل الشتاء يوم غد الأحد 21 ديسمبر المتوافق مع (الانقلاب الشتوي) وتعامد الشمس مع مدار الجدي وكذلك هو موعد بداية (الأربعانية) في الشام وما حولها وهي الظاهرة المناخية المشابههة للمربعانية عندنا. ولهذا ومنذ بداية المربعانية بدأ البعض منا في اتباع الحكمة الشعبية التي تقول (أول البرد توقاه وآخر البرد تلقاه) وبهذا بدأنا نشاهد الملابس الصوفية الملونة يزداد لابسوها يوما بعد آخر خصوصا كبار السن الذين يبدو أنهم يحرصون على تطبيق الحكمة الشعرية التي تنسب إلى الشاعر الجاهلي الربيع بن ضبع الفزاري
إذا كان الشتاءُ فأدفئوني فإن الشيخَ يُهرمه الشتاءُ
وأما حين يذهب كلُّ قُرّ فسِربالٌ خفيفٌ أو رداءُ
وهذا الشاعر الفزاري كان من المعمرين حيث عاش زمنا طويلا وبعض المؤرخين يقول إنه عاش مئتي سنة أو أكثر ومع ذلك بلغ من خوفه من برد الشتاء أن قال إنه يصيب الشيخ بالهرم (فإن الشيخ يُهرمه الشتاءُ) وبعض كتب الأدب تروي عجز البيت بصيغة (فإن الشيخ يَهدمه الشتاء) وفي جميع الحالات الوقاية من برد الشتاء بارتداء الفروة أو الجُبّة أو البُرّدة هي خير وسيلة لدفع شر الشتاء كما هي خلاصة تجربة الشاعر الدمشقي ابن عُنين القائل:
جاء الشتاء وليس عندي فَروةٌ والقُرُّ خصمٌ لا يرد ويُدفعُ
وإذا الشتاء أتى وما لي فروةٌ ألفيتَ كُلَّ تميمةٍ لا تنفعُ
وبالرغم من أن الشعراء منذ العصر الجاهلي استخدموا أجواء الشتاء القارصة كوسيلة لمدح الرجل الكريم الذي يعين الفقراء والمعدمون على تحمل مصاعب الفاقة في ليالي الشتاء إلا أننا نجد صاحبنا الشاعر السابق ابن عُنين وبسبب سلاطة لسانه استخدم برد الشتاء كوسيلة ينفذ من خلالها إلى هجاء شخص يدعى بدر الدين مودود حيث أنه ذهب إليه في برد الشتاء يطلب المساعدة المالية في هيئة جبة يلبسها وكيف أن بخل ذلك الرجل كاد يقتله بسبب هذا الطلب:
جاء الشتاء وليس عندي جبّة فطفقت أطلب دار بدر الدّينِ
وشكا نياط فؤادهِ وحرارة في قلبه تُربي على سجّينِ
وغدت فرائصه تهزّ كأنّها سعف عَرته الرّيح في تشرينِ
فشكرت ربّي لو قراها جُبّة لقتَلته عمداً بلا سكّينِ
في الواقع هذه الصورة الهزلية في هجاء بدر الدين هي من المبالغة الممقوتة من بعض الشعراء عندما يفجرون في الخصومة وقت الهجاء خصوصا أن ابن عُنين تذكر عنه كتب التاريخ أنه لم يسلم من هجائه حتى السلطان صلاح الدين الأيوبي وأخيه الملك العادل. ومن العدل أن نذكر هنا أن الشتاء كثيرا ما ورد ذكره في الشعر العربي في مجال المديح والفخر فمن ذلك تلك القصيدة الرائقة التي يمدح فيها ابن الرومي شخص يدعي العباس بن القاشي ومن أبياتها قوله:
جاء الشتاء ولم يُعْدِدْ أخوك له يا ابن الأكارم إلا الشمس والرِعَدا
أستغفر اللّه من حُوبٍ نطقتُ به بل أنت لي عُدّةٌ تكفيني العُددا
فاعطف علينا وألبسْنا معاً كنَفاً من ريشك الوَحْف تنفي البؤس والصَّردا
وفي نفس المعنى نجد ابن الرومي يمدح أحدهم في قصيدة أخرى يقول فيها:
نـداك مَعيـنٌ كالذي قد علمتُه ولـو كـان غَوْراً لالتمستُ رشاءَ
وهـذا شـتاء قـد أَظـلَّ رِوَاقُه وجــارُك جـارٌ لا يخـافُ شـتاءَ
وكما ذكرنا توظيف الشتاء في شعر المديح فن مطروق بكثرة في الشعر العربي ونختم مؤقتا هذه الفكرة بذكر الأبيات اللطيفة للشاعر الطاهر بن الحسين والتي أرسلها لأحد الوجهاء يدعى أبا الحسين بن فراسكين:
حـثُّ الكريـم علـى التفضُّل بدعة يا خير من يمشي على وجه الثرى
جـاء الشـتاء ولست أملك درهماً والاعتمـاد عليك، فانظر ما ترى
كافات الشتاء السبعة
هذه الأيام نشهد ونعيش أجواء باردة بسبب الموجة الشاتية التي حلّت علينا وفي الواقع قبل عدة سنوات وبمناسبة هبوب عاصفة باردة على المملكة زمن الشتاء صاحبها هطول ثلج كثيف في شمال المملكة كتبت مقالا حمل عنوان (أحوال السلف الصالح مع الثلج) ومع موجة البرد الحالية وكذلك حلول (الانقلاب الشتوي) يوم غد الأحد وكنوع من الاستعداد لبرد الشتاء ربما من الملائم أن نعرج إلى الموضوع الطريف الذي يتداوله الناس بكثافة مع كل بداية لموسم الشتاء وهو موضوع (دفايات السلف). خلافا للقول المشهور أن النار والحطب هما (فاكهة الشتاء) ففي الواقع أن المرأة المكتنزة والسمينة هي بحق فاكهة الشتاء وهي التي يقال فيها بأنها (تدفئ الضجيع وتروى الرضيع). وفي الواقع كتب التراث المصنفة في مجال المرويات الحديثية والأحاديث النبوية مثل سنن الترمذي ومصنف بن أبي شيبة والمعجم الكبير للطبري وغيرها بها عدة أمثلة عن كبار الصحابة مثل عمر بن الخطاب وابن مسعود وأبو الدرداء وعبدالله بن عمر تشير إلى أن الواحد منهم كان يستدفئ بامرأته إذا اغتسل من الجنابة، بل قال ابن عباس رضي الله عنه في تأكيد ما سبق بأن ذاك عيشُ قريش في الشتاء.
وقد ورد في الأثر الشريف (الناس تبعٌ لقريش .. مسلمهم تبعٌ لمسلمهم وكافرهم تبعٌ لكافرهم) وهذا يدل على أن العرب في الجاهلية والإسلام كان يطيعونهم ويقتدون بهم ويقلدونهم ولا أدري هل يشمل ذلك عادة القرشيين في الاستدفاء بالنساء في زمن الشتاء. وعلى كل حال في ليالي الشتاء الباردة التي يطول فيها السواد ويصيبك الضجر بطول السُهاد فلا أجمل من قرب الوساد مع الزوجة والحليلة ومن هذا قول القائل:
وإذا الشتاءُ أتى يُجَرْجِرُ ذيلَه والليلُ ينفثُ بَردَهُ ويجوبُ
فاهرع إلى ذات الدلالِ وضُمَّها فهناك بالحضن الحنونِ تذوبُ
وفي العصر الحديث التقط أحد ظرفاء الشعر النبطي نفس تلك الصورة الأدبية وأبدع الأبيات المشهورة:
مع رجفة البرد خلّ النار وهّاجَه وسطر دلالك على ضوك وبهرها
وكان الدفا بالحطب ما يكفي الحاجه عليك بالحاجة اللي أنت خابرها
ومع ذلك لنكن صرحاء فأحيانا برد الشتاء يكون من الشدة لدرجة أنه لا يكفي للاتقاء به دفايات السلف ولا صوف اللُّحف ولهذا نحتاج لدفع البرد لأكثر من وسيلة وهنا نجد أن الشاعر العباسي أبا بكر الخوارزمي يقول إنه إذا كان الناس يقاتلون ويدفعون برد الشتاء بجندي واحد هو النار فإنه يلاقيه بثلاثة جنود أو نيران هي حرارة الخمر وحرارة الجمر وحرارة العشق:
أعد الورى للبرد جندا من الصلا ولاقيته من بينهم بجنود
ثلاث من النيران: نار مدامة ونار صبابات ونار وقود
وعلى عادة الشعراء قديما وحديثا في المبالغة والمزايدة على من سبقهم فبعد أن كان الشتاء يمكن أن يدفعه الشخص بشيء واحد مثل الكساء أو أحضان النساء أصبح بعض الشعراء يذكر (ثلاثة) أشياء لدفع برد الشتاء وبعضهم يذكر (خمسة) أشياء وبعضهم (سبعة). ولنبدأ بذكر الخمسة أشياء التي لمّح لها الشاعر السوري أديب محمد التقي عندما تزوج أحد أصدقائه في فصل الشتاء فأرسل له قصيدة يهنئه فيها بالعرس ويقول:
إِهنأ أَبا تَوفيقَ بِالعِرس فَلَقَد ظفِرت بِمُنية النَفس
وَلَّت لَيالي الانفراد فَما أَحلا اِجتِماع الجنس بِالجنس
جاءَ الشِتاء وَأَنتَ مُعتَصِمٌ بِجَميع كافات الشِتا الخَمس
وهنا نحتاج أن نقف وقفة قصيرة مع المقصود بـ (كافات الشتاء) سواء كان عددها خمسا أو سبعا فالشاعر أديب التقي يذكر هنا أنها (كافات الشتاء الخمس) وفي الغالب أنه يقصد الكلمات التي تبدأ بحرف الكاف والمنتقاة من الكافات السبعة المذكورة في الأبيات المشهورة للشاعر العباسي ابن سُكرة الهاشمي. والغريب في الأمر أن الشاعر ابن سُكرة له ديوان في أربعة مجلدات وقد ذكر الثعالبي في كتابه (يتيمة الدهر في محاسن أهل العصر) أن عدد أبيات شعر ابن سُكره يصل إلى خمسين ألف بيت أغلبها مفقود. ويبدو والله أعلم أن سبب ضياع شعر ابن سُكرة أن شعره ركيك كما إنه خليع وماجن حيث كان يكثر من ذكر العورات والأمور المستقذرة ومع ذلك فإن الأبيات التي نسجها في دفع برد الشتاء حظيت باهتمام منقطع النظير من الأدباء والشعراء في مختلف العصور حيث يقول:
جاء الشتاءُ وعِندي منْ حوائِجِـه سبْعٌ إذا القطْرُ عن حاجاتِنا حبَسا
كِنٌّ وكِيسٌ وكانونٌ وكاسُ طِـلاً بعْدَ الكَبابِ وكفٌ ناعمٌ وكِـسـا
وشرح البيت الأخير أن الشاعر يقول إنه يستعد لبرد الشتاء بتجهيز سبع أشياء كلها تبدأ بحرف الكاف وهي (الكِنّ) أي المنزل أو الملجأ و(الكيس) أي حافظة النقود و(الكانون) وهو موقد النار وموضع الجمر و(كأس الطلا) أي الخمر و(الكباب) وهي الأكلة الدسمة المشهورة و(الكف الناعم) هي فاكهة الشتاء التي ذكرناها في أول المقال من الاستدفاء بالنساء وأخير (الكساء) وهو الدثار والملابس الثقيلة التي تقي من البرد. وعلى خلاف كتاب يتيمة الدهر الذي لم يتورع عن ذكر شعر ابن سُكرة الماجن والكاشف للعورات نجد أن الأديب محمد الحريري صاحب كتاب (مقامات الحريري) قام بتغيير كلمة الكاف السادسة من تلك الكلمة الفاحشة والفجة إلى (الكف الناعم) والبعض يغيرها إلى (الكاعب الناعم) للإشارة إلى المرأة. في كتاب مقامات الحريري نجد أن المقامة رقم 25 المسماة (المقامة الكرجية) يرد في سياق الحوار بين راوي المقامة الحارث بن همّام وبين المحتال الظريف أبي زيد السروجي كيف أن ذلك الأخير أستعد لبرد الشتاء القارص حيث قال (وإني والله لطالما تلقيت الشتاء بكافاتهِ وأعددت الأهب له قبل موافاته). ومن هنا اشتهر بشكل واسع مفهوم (كافات الشتاء السبعة) وكذلك انتشر بشكل أنيق ومؤدب استبدال كلمة الكاف السادسة بالكف الناعم.
وبالمناسبة نجد في كتب الأدب العديد من
الأخبار الظريفة والتلميحات اللطيفة المتعلقة بموضوع (كافات الشتاء السبعة) وخصوصا
الكاف رقم ستة (المرأة) والكاف رقم سبعة (الكساء) ومن ذلك الخبر الذي يقول بأن
امرأة بارعة الجمال والأدب مرت بقوم وهي ملتفة بكساء فقال لها بعضهم: من أنت؟
فقالت: أنا السادس في السابع. وكأنها تشير إلى الأبيات الشعرية لابن سُكرة (وكفٌ
ناعمٌ وكِسا) فكأنها قالت: أنا الكف الناعم في الكساء ونظم بعضهم هذا المعنى فقال:
رأيتها
ملفوفة في كسا خوفا من الكاشح والطامع
قلت
لها من أنت يا هذه قالت أنا السادس
في السابع
وما دمنا في هذا المقال نستعرض بعض أحوال الشعراء في الشتاء فلهذا أود أن أشير أن الأبيات الشعرية لابن سُكرة الهاشمي التي جاء ذكرها في مقامات الحريري وكتاب يتيمة الدهر للثعالبي أصبح لها شهرة واسعة عند أصحاب الأدب وأرباب الشعر ولهذا قام العديد منهم بنسج معارضات شعرية على نسق تلك الأبيات أو تأليف مقطوعات شعرية فيها تلميح وإشارة إلى أبيات ابن سُكرة. أول أنواع المعارضات والتلميحات لكافات الشتاء السبعة أن بعض الشعراء ومن باب الظرافة والملاطفة يغير ويستبدل الكلمات التي تبدأ بحرف الكاف إلى كلمات ومعاني جديدة ومختلفة هي (القافات السبع) أي سبع كلمات كل واحدة تبدأ بحرف (القاف) وفي هذا يقول أحد الشعراء:
جاء الشتاء وما الكافات حاضرة وإنما حضرت منهن إبدال
قل وقر وقلب موجع وقلا وقادر هاجر والقيل والقال
وعلى نفس النسق يقول الشاعر اللبناني نقولا الترك على لسان شخص فقير لا يجد من حوائج دفع برد الشتاء السابعة الآنفة الذكر وبدلا عن ذلك يذكر سبع كلمات تبدأ بحرف (العين) وسبع كلمات تبدأ بحرف الكاف:
جاء الشتاء وعندي من حوايجه سـبـعٌ بها قدم الاقبال مغلولُ
عـجـزٌ وعـسـرٌ وإعياءٌ وعظم عنا وعــريــةٌ وعــفــاءٌ ثــم عـاطـولُ
ثـم سـبعٌ من الكافات تتبعها بـأمـرها العقل حيرانٌ ومخبولُ
كــدٌّ وكــربٌ وكــفـرٌ ثـم كـارثـةٌ كــمــدةٌ وكــتـاكـيـتٌ وكـشـكـولُ
أما وإن باب الشكوى والتذمر من الفقر في زمن الشتاء قد انفتح فلعل من المناسب هنا ذكر بعض البيات الشعرية التي يعبر فيها بعض الشعراء الظرفاء عن فقرهم وقلة ذات يدهم في زمن الشتاء وكيف أنهم يتمنون من كافات الشتاء السبع فقط كاف واحدة وهي كاف (كيس النقود) لأن المال كفيل بأن يضمن لهم الحصول على بقية الكافات الستة الأخرى ومن ذلك قول الشاعر أبي الغنائم مسلم الشيرازي:
يقولون كافات
الشتاء كثيرة وما هن إلا
واحد غير مفترى
إذا
صح كاف الكيس فالكل حاصل لديك وكل الصيد في باطن الفِرى
ويشابهه في نفس المعنى قول الشاعر أبي الحسن الجزار الذي فيه معارضه لشعر ابن سُكرة ومناظرة لشعر الشيرازي:
وكافات الشتاء تعد سبعا ومالي طاقة بلقاء سبع
إذا
ظفرت بكاف الكيس كفي ظفرت بمفرد يأتي
بجمع
وكالعادة نجد أن بعض الشعراء ينتقل من أدب الشكوى والتذمر إلى أدب الاستجداء والشحاذة وطلب المال من الممدوح وفي هذا الشأن يمكن أن نستشهد بشعر سعدي الشيرازي:
جـاء الشـتـاءُ بـبـردٍ لا مـردّ له ولم يـطـق حـجـر القـاسـي يقاسيه
لا كأس عندي ولا كانون يدفئني كـنّـى ظـلامٌ وكـيـسـى قـلّ مـا فيه
دع الكـبـابَ وخل الكيس يا أسفا عـلى كـسـاءٍ نـغَـطّـى فـي ديـاجـيـه
أرجـوك مـولايَ فيما يقتضى أملى والعـبـد لم يرجُ إلّا من مواليهِ
وبهذا نختم المقال كما بدأناه بأن أجواء البرد في الشتاء القارص وانعدام الكساء بسبب الفقر قد يصبح ذلك مدخلا لبعض الأدباء الظرفاء لكي يبدعوا الأبيات الشعرية في فن المديح ولذا سوف نعيد ذكر البيت الأول للشاعر اللبناني نقولا الترك بعد أن نضيف لها الأبيات الأخيرة المحذوفة من قصيدته الشتوية:
جاء الشتاء وعندي من حوايجه سـبـعٌ بها قدم الاقبال مغلولُ
ولي بـسـبع الوغا سبعٌ أعددها فـيـه وجـل رجـائيّ فـيه موصولُ
شـهـمٌ شـريـفٌ شـهـابٌ شـامـلٌ شفقٌ صــمــيـدعٌ زانـه عـدلٌ ومـعـقـولُ

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق