د/ أحمد بن حامد الغامدي
السبت 1447/7/7
مقال اليوم السبت ينشر في يوم 27 ديسمبر وهو تاريخ متوسط نسبيا بين عيد الميلاد الكريسماس Christmas Day وبين عيد رأس السنة الميلادية New Year’s Day وكالعادة فيما يخص واقعنا العربي والمحلي بالذات تتجدد سنويا حالة الجدال حول موضوع حكم تهنئة النصارى بعيد الميلاد الكريسماس أو حكم تهنئة المسلمين بحلول السنة الميلادية الجديدة. بالنسبة لي شخصيا فأنا مع وجهة النظر الشرعية ذات الصبغة السلفية التي لا تجيز تهنئة النصارى بأعياد الكريسماس ولهذا كتبت قبل عد سنوات مقال حمل عنوان (بدعة الاحتفال بعيد الميلاد .. وجهة نظر مسيحية !!) كما إنني فيما يخص الموضوع الثاني وهو تهنئة المسلمين بحلول السنة الميلادية الجديدة فأنا شخصيا أتضايق من استقبال أي تهنئة بالسنة الميلادية الجديدة ترسل لي من شخص مسلم ولهذا كتبت كذلك مقالا قبل عدة سنوات حمل عنوان (البحث عن فتوى: حكم تهنئة المسلمين بعيد رأس السنة).
الجديد في مقال اليوم أنني سوف أناقش الموضوع من زاوية مختلفة تتلخص أنه حتى في المجتمعات الغربية وخصوصا في الولايات المتحدة توجد ظاهرة منتشرة منذ عقود نجد فيها أن شرائح من المجتمع الغربي ليس فقط تعترض وترفض الاحتفال بأعياد الكريسماس ولكن البعض منهم قد يتضايق وربما يرفض أن يقوم أحد بتهنئتهم بحلول تلك الأعياد الدينية المسيحية. الغريب أنه ومنذ حوالي عشرين سنة والمجتمع الأمريكي تقريبا في كل سنة في مثل هذا التوقيت مع نهاية السنة ومع حلول مناسبات ومظاهر احتفالات أعياد الكريسماس تثار عندهم قضية (الحرب على الكريسماس The war on Christmas). لقرون وعقود زمنية طويلة كانت المجتمعات الغربية في أوروبا وأمريكا الشمالية تعتز بثقافتها وعقائدها الدينية المسيحية والتي كانت تبرز بشكل واضح في فترة أعياد الميلاد حيث كان الجهات الرسمية والحكومية مثل المدارس والبلديات تقوم بوضع أشجار الميلاد المزينة والمضيئة في قاعات الفصول الدراسية وفي الساحات العامة في المدن خصوصا أمام مبنى البلدية الذي يعرف عندهم بمبنى قاعة المدينة (city hall). ولكن بحكم أن شجرة الميلاد تعتبر رمزا دينيا في المسيحية وبحكم أن القانون الأمريكي يمنع الصلوات الدينية داخل المدارس لهذا منذ نهاية الثمانينيات من القرن العشرين طالبت العديد من المنظمات والجمعيات الليبرالية في أمريكا بمنع وحظر إدخال شجرة الميلاد إلى المدارس وكذلك منع أداء الأغاني والترانيم الدينية الخاصة بأعياد الميلاد (Christmas Carols) في فصول الدراسة. بل وصل الأمر أنه من الناحية النظامية ممنوع على المدرسين وعلى إدارة المدارس الحكومية في أمريكا أن يقوموا بتعليق أي لافتات أو لوحات في داخل المدارس مكتوب عليها (عيد ميلاد مجيد Merry Christmas) كما أنه من المحظور والممنوع على المدرسين والموظفين في المدرسة الحكومية أن يتبادلوا التهاني مع الطلبة أو مع بعضهم البعض داخل المدرسة بعابرة (عيد ميلاد سعيد happy Christmas) وإنما المسموح أن يقولوا فقط (إجازة سعيدة Happy Holidays). وبحكم أن الغالبية العظمى من المجتمع الأمريكي متدينة وتنتمي للتيار المحافظ وهي بهذا تعتز بمظاهر الديانة المسيحية لهذا أعتبر البعض منهم أن منع مظاهر الاحتفال بأعياد الميلاد في المدارس الحكومية نوع من الحرب ضد الدين ولهذا ظهر مصطلح (الحرب على الكريسماس).
ولفهم هذا التغير الحاد والعجيب في المجتمع الأمريكي بالذات ينبغي أن نعرج على ظاهرة فكرية ولغوية تعرف باسم (الصواب السياسي Political Correctness) وهي موجة فكرية ظهرت في السبعينيات والثمانينيات من قبل اليساريين الغربيين للسخرية من المثالية لدى خصومهم السياسيين ثم توسع استخدام المفهوم العالم له. الفكرة بكل بساطة أنه من الناحية اللغوية يجب عدم جرح شعور الأشخاص بإطلاق أوصاف أو تسميات يتضايقون منها ولهذا بدلا من أن نقول عن شخص ما بأنه مشلول أو معاق نقول بأنه من ذوي الاحتياجات الخاصة وعلى نفس النسق نقول: المكفوفون بدل العميان وفي أمريكا لا يسمح بوصف رجل بأنه زنجي nigger ولكن يقال هو شخص ملون أو شخص من أصول أفريقية. وهذا يقودنا إلى منع التهنئة بـ (أعياد الميلاد) لأنه وفق مفهوم حركة وموجة (الصواب السياسي) نهاية السنة الميلادية هو موسم الإجازات لجميع الشركات والجهات الحكومية وبالتالي هذه العطلة في الدولة المدنية ينبغي ألا توصف بوصف ديني مثل تسميتها (عطلة عيد الميلاد) لأن المجتمع الأمريكي ليس جميع أفراده مسيحيون بل يوجد فيهم اليهود والمسلمون والهندوس بل وحتى الملحدون. وكذلك في شهر ديسمبر تكثر المناسبات الدينية المختلفة مثل عيد الحانوكا اليهودي وعيد الديوالي الهندوسي وعيد الكوانزا الأفريقي ولهذا يطرح البعض أنه من باب التسامح والانسجام بين طوائف المجتمع الأمريكي المتنوعة الأفضل أن تكون التهنئة في وقت نهاية السنة الميلادية بصيغة (إجازة سعيدة Happy Holidays) لأنها تشمل تهنئة عامة لأعياد واحتفالات أديان وطوائف متعددة بدلا من أن تكون بصيغة (عيد ميلاد مجيد Merry Christmas) التي لها خصوصية مسيحة واضحة.
وهنا دخل التجار ورجال الأعمال على الخط فحتى يضمن صاحب المحل أنه يحصل على رضى جميع الزبائن أصبح من الإرشادات المشددة الموجهة إلى البائعين أنهم في فترة أعياد الميلاد يجب أن يوجهوا التحية للزبائن بصيغة عامة وشاملة وهي (إجازة سعيدة Happy Holidays) وأن يتجنبوا التهنئة بالعبارة القديمة التي من المفترض أن تكون خاصة فقط للزبائن من اتباع الدين المسيحي (عيد ميلاد مجيد Merry Christmas). وفي ذات السياق نجد أه في السنوات الأخيرة أغلب الشركات أو المؤسسات المالية تكون إعلاناتها التجارية أثناء موسم أعياد الميلاد تحمل التهنئة العامة (إجازة سعيدة) وتتجنب تماما الإشارة إلى عيد الكريسماس.
الجدير بالذكر أنه يوجد في المجتمع الأمريكي بعض الأفراد من الليبراليين أو اليساريين المتطرفين من أتباع تيار اليقظة اليساري (woke left) من يقال إنهم يتحسسون ويرفضون أن توجه لهم التهنئة بعبارة (عيد ميلاد مجيد Merry Christmas) ليس لأنهم ضد الدين، ولكنهم بالجملة ضد التحيز والتميز ولهذا يناضلون لنشر المساواة حتى في طريقة التهنئة بالإجازة بصيغة تشمل الجميع مثل (إجازة سعيدة Happy Holidays). والأغرب من ذلك أنه توجد طوائف مسيحية في أمريكا ولأسباب دينية بحتة ترفض الاحتفال بعيد الكريسماس وبالتالي هم يرفضون قبول التهاني به وذلك لأنهم يعلمون أن موعد الكريسماس في يوم 25 ديسمبر يتوافق مع الأعياد الوثنية الرومانية القديمة المرتبطة بالانقلاب الشتوي. وبالفعل أتباع الطائفة البروتستانتية الأمريكية المسماة جبل النار يرفضون الاحتفال بالكريسماس لأنه له جذور شيطانية وكأنه يقصدون بذلك أنه له مشابهة بعيد زحل الوثني القديم (Saturnalia) بينما جماعة مملكة الرب المسيحية تعتقد أنه لا معنى للاحتفال والتهاني بالكريسماس في شهر ديسمبر لأن المسيح مولود في شهر أكتوبر.
ومن هذا وذاك فإذا كان المجتمع الأمريكي المحافظ والمتدين نسبيا مقارنة بالمجتمعات الأوروبية توجد شرائح متزايدة منه تفضل ألا توجه للآخرين في موسم نهاية السنة التهنئة بعيد الكريسماس فلماذا يوجد من بيننا من يتجهم إذا سمع أحد يوجه وينصح الآخرين بعدم تهنئة النصارى بعيد الكريسماس. وفي ذات السياق سوف تحل بعد أيام قليلة مناسبة (دينية) مسيحية أخرى هي عيد رأس السنة New Year’s Day وفي زمن العولمة ومع تغلغل العادات والممارسات الغربية بسبب هيمنة الثقافة الغربية أصبح البعض منا يتوقع أن تبادل التهاني داخل المجتمع المسلم بحلول السنة الميلادية الجديدة أمر لا بأس به لأنها مناسبة كونية عاملة وليست مناسبة دينية خاصة بالنصارى. ومع ذلك في مقال حمل عنوان (البحث عن فتوى: حكم تهنئة المسلمين بعيد رأس السنة) وضحت وسردت بشكل متوسع أن (عيد رأس السنة) في الأصل مناسبة دينية مسيحية تأتي بعد عيد الميلاد بأسبوع بالضبط وبالتالي هي عيد قديم لدى النصارى مرتبط بعادة (السبوع) أي عادة الطهور والختان للمولود بعد أسبوع من ولادته. وبالتالي تبادل التهاني بين المسلمين بمناسبة حلول عيد رأس السنة الميلادية الجديدة هي في الواقع تهاني تأتي متوافقة ومتطابقة مع مناسبة دينية مسيحية ربما تكون أشنع من مناسبة عيد الميلاد لأنهم كانوا يحتفلون في أول يوم من السنة الجديدة بـ (عيد ختان المسيح Feast of the Circumcision of Christ). ولهذا مرة أخرى من وجهة نظري أنه من الأصح عدم تبادل التهاني بين المسلمين بمناسبة حلول السنة الميلادية الجديدة وطبعا من الأفضل عدم الإنكار والتقريع على من لا يرغب في استقبال التهاني بهذه المناسبة والنظر له بأنه متشدد ويعيش خارج الزمن. والله أعلم

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق