د/ أحمد بن حامد الغامدي
الأحد 1447/7/15
في عام 1813م وكنتيجة للأطماع التوسعية للدولة الأمريكية الوليدة حديثا حاول الجيش الأمريكي احتلال الأراضي الكندية ونتج عن ذلك التسبب في حرق مدينة تورينتو ولهذا كان رد الإمبراطورية البريطانية الهجوم الكاسح على العاصمة واشنطن مما أسفر عن حرق أغلب المباني الحكومية ومن ذلك مبنى البيت الأبيض وذلك كردة فعلة انتقامية لحريق ترونتو. طبعا في تلك اللحظة كانت الأمة الأمريكية في أضعف لحظاتها، ولكنها سرعان ما تعافت من ذلك الهجوم والانكسار الخطير واستطاعت بعد سلسة هزائم عسكرية ضد الجيش الإنجليزي من العودة بقوة للمسرح الدولي لدرجة أنه في عام 1923م أي حوالي قبل قرنين من الزمن صدر ما يسمى (مبدأ مونرو). وهو البيان الذي أعلنه الرئيس الأمريكي جيمس مونرو بأن الولايات المتحدة الأمريكية لن تسمح لأي من الدول الاستعمارية الأوروبية من التدخل في دول نصف الكرة الغربي وبالتحديد في دول أمريكيا الجنوبية والتي تعتبرها أمريكا الحديقة الخلفية لها.
ويوم أمس أعلن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بالأفعال وليس بالأقوال إن الزمن قد تخطى (مبدأ منورو Monroe Doctrine) إلى عصر ومرحلة (مبدأ دونرو Donroe Doctrine) وهو مبدأ جديد في السياسة الدولية اشتقه الرئيس ترامب من اسمه الأول (دونالد). وإذا كان مفهوم مبدأ مونرو القديم قائما على قاعدة (ضمان استقلال كل دول أمريكا الوسطى وأمريكا الجنوبية ضد التدخل والاستعمار الأوروبي أو التدخل في تقرير مصيرهم) يقصد به بشكل أساسي منع بريطانيا وفرنسا من التواجد الاستعماري في الحديقة الخلفية لأمريكا ولهذا التعديل الجديد يوم أمس فحواه أن الرئيس ترامب يمنع تدخل الآسوين وخصوصا الصين وروسيا من التوغل في دول الكاريبي ودول أمريكا اللاتينية كما حصل قبل عدة أشهر من تحجيم النشاط والنفوذ الصيني في قناة بنما. ومع ذلك واقع الحال والمآل فإن الرئيس الأمريكي ومن واقع بلطجة القوة يحدد التوجه الجديد في السياسة الدولية بأنه سوف يتدخل في استقلال دول أمريكيا اللاتينية الهشة ويحاول السيطرة عليها واستعمارها بشكل أو آخر.
في الواقع البلطجة الأمريكية في الحديقة الخلفية اللاتينية قديمة ومتجددة فبعد سنوات قليلة من إطلاق مبدأ مورنو وبالتحديد في عام 1836م افتعلت الولايات المتحدة خلافا حدوديا بينها وبين المكسيك بعد أن شجعت ودعمت أهل تكساس عن الاستقلال عن المكسيك. وهنا اندلعت تلك الحرب الطاحنة بين البلدين والتي كان نتيجتها هزيمة المكسيك وخسارتها حوالي 55% من أراضيها وهي التي المناطق التي تحولت إلى الولايات الأمريكية الجنوبية الشاسعة (كاليفورنيا وأريزونا وكولورادو ونيفادا ويوتا ووايومنغ وطبعا نيو ميكسكو).
يوم أمس الاعتداء الأمريكي على دولة فنزويلا واختطاف الرئيس نيكولاس مادورو كان غالبا بسبب الأطماع في البترول ولهذا يمكن أن نسميها (غزوة النفط) وبلا شك تأمين مصادر الطاقة النفطية دافع قوي وحقيقي ومع ذلك ينبغي ألا نغفل أن أمريكا تدخلت بشكل سافر ومنذ أكثر من قرن في العديد من الدول اللاتينية لأسباب اقتصادية تافهة نسبيا وهي المحافظة على وجود وسيطرة الشركات الأمريكية التي كان بعضها يتاجر في الفواكه الاستوائية ومن هنا ظهر مصطلح (جمهوريات الموز) والأخطر من ذلك ما يسمى (حروب الموز). في الواقع منذ مطلع القرن العشرين وأمريكا وبشكل متكرر تتدخل بشكل عسكري فجّ في العديد من دول منطقة بحر الكاريبي ومن هنا ظهر مصلح (حروب الموز) والتي نتج عنها الاحتلال الأمريكي لدول مستقلة مثل احتلالها لدولة كوبا من عام 1898م وحتى 1902م واحتلالها جمهورية الدومنيكان من عام 1916م وحتى 1924م هذا فضلا عن تدخلها العسكري المتكرر في دول أخرى مثل بنما وهندوراس والسلفادور والمكسيك وهايتي ونيكاراغوا.
وعلى ذكر نيكاراغوا لعله من الملائم لفضح النفاق الأمريكي في محاربة المخدرات وهو المسوغ السخيف لخطف الرئيس الفنزويلي، الإشارة إلى مهزلة (الحرب على المخدرات) التي أطلقها الرئيس الأمريكي رونالد ريجان. في عام 1982 أعلن الرئيس ريغان الحرب على المخدرات وبعد ذلك بأربع سنوات فقط أعترف ريغان للشعب الأمريكي أن حكومته متورطة في فضيحة (إيران كونترا) والتي كان جزء منها قيام الاستخبارات الأمريكية CIA بدعم ثوار الكونترا ضد حكومة نيكارغوا وذلك عن طريق تهريب السلاح الممول جزئيا من تجارة المخدرات وتهريب الكوكائين إلى الأراضي الأمريكية نفسها والسماح ببيعها في أحياء الأمريكان السود. وهذا العمل الشائن من الاستخبارات الأمريكية في المتاجرة بالمخدرات لأجل تمويل برامج محاربة الشيوعية في أمريكا الجنوبية تكرر كذلك في دول أخرى غير نيكارغوا حيث توجد دلائل على استخدام الأمريكان لأموال المتاجرة في المخدرات المهربة من دول أمريكيا الوسط مثل هندوراس وكولومبيا في أمريكا الجنوبية. وربما في هذا السياق نفهم الخبر الغريب عندما أصدر الرئيس ترامب قبل أسابيع قليلة عفوا عن رئيس هندوراس السابق الذي كان يقضي عقوبة بالسجن لمدة 45 عاما بعد إدانته بتهريب أطنان من الكوكائين إلى الولايات المتحدة !!.
يقال إن أمريكا (أرض الأحلام) ولكنها بالقطع (أرض النفاق) وكذلك أرض العجائب والفضائح في الجانب السياسي على الأقل.

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق