الاثنين، 26 يناير 2026

( تجربة الرحالة العرب مع الثلج والصقيع )


د/ أحمد بن حامد الغامدي

 السبت 1447/7/28

 قبل عدة أسابيع ومع بداية الإجازة الدراسية التي تحمل اسم (إجازة الخريف) كتبت مقالا حمل عنوان (إجازة الخريف والسياحة الشتوية) ناقشت فيه تاريخ تحول العطلة المدرسية من موسم الشتاء إلى موسم الصيف وعرجت في نهاية المقال لمفهوم (السياحة الشتوية). وبحكم أننا كنا في أسبوع الإجازة المدرسية التي تتوافق مع الأسبوع الثاني من شهر يناير ولهذا شريحة لا بأس بها من رواد السياحة الخارجية شرقا أو غربا ربما أمكنهم التمتع بأجواء وفعاليات السياحة الشتوية. للجيل الأول من عشاق السياحة الخارجية كان الغالبية العظمى منهم يمم وجهه شطر الدول الأوروبية لكي يحظى بفرصة الاستمتاع بعالم الثلج ولكن في العقود الأخيرة اكتشف العديد من السياح الخليجيين والعرب أنه يمكن أن يحققوا تجربة السياحة الشتوية بتكلفة أرخص وكفاءة جيدة لو اتجهوا شرقا نحو دول وسط آسيا وبالذات الجمهوريات الإسلامية أي دول (الستان) مثل كازخستان وطاجيكستان وتركمانستان وقيرغيزستان بإضافة للدول القريبة منها مثل أذربيجان وجورجيا.

قبل عدة سنوات استمتعت مع أسرتي بتجربة السياحة الشتوية في منتجع وتلفريك غابلا في شرق مدينة باكو عاصمة أذربيجان حيث أتيحت لنا فرصة التزلج على الجليد مع مختلف الألعاب الثلجية المتنوعة والشيقة. وهذا ما شجعني أن أكرر هذه التجربة السياحة الماتعة بالسفر قبل أيام إلى مدينة ألماتي في جنوب كازخستان وزيارة منتجع شيمبولاك الجبلي والذي يوفر تجربة التزلج على الجليد في العديد من المنحدرات متدرجة الصعوبة. بإضافة للأنشطة التقليدية الشيقة في الفعاليات الشتوية مثل جولات ركوب الخيل بين الثلوج أو رحلات مركبات الزلاجات يمكن في كازخستان فرصة تحقيق تجربة الزلاجات التي تجرها الكلاب وهي كلاب سيبيرية قوية من نوع الهاسكي ولهذا تعرف تلك الزلاجات باسم (عربات الهاسكي). الأغرب من ذلك أنه توجد رحلات عبر الثلوج باستخدام الزلاجات التي تجرها غزلان الرنة وكأنها بذلك عربات سانتا كلوز الحمراء المشهورة. وبالرغم من أن صورة الزلاجات الثلجية التي تجرها الكلاب مألوفة لنا جميعا من لقطات الأفلام السينمائية وصور الرسوم المتحركة إلا أن مشاهدتها على أرض الواقع لها طابع خاص وتجربة فريدة. وإذا كانت الدهشة والتشويق من مشهد زلاجات الكلاب بالغة بالرغم من معرفتنا السابقة لهذا المنظر فكيف كان حال رواد الرحالة العرب عند مشاهدتهم لأول مرة في حياتهم الزلاجات الخشبية التي تجرها الكلاب السيبيرية وهذا ما حفز الفضول لدي لاستقراء وسرد بعض النصوص من أدب الرحلات التي تصف تجربة الرحالة العرب مع الثلج والصقيع .. بل وحتى زلاجات الكلاب.

في كتاب (تحفة النظار في غرائب الأمصار وعجائب الأسفار) يذكر ابن بطوطة أنه عندما وصل إلى أرض البلغار في جنوب روسيا حاليا وأقترب من تخوم المناطق السيبيرية التي تغيب عنها الشمس في فصل الشتاء ولهذا تسمى (أرض الظلمة). وهنا نجد أن ابن بطوطة يقول (وكنت أردت الدخول إلى أرض الظلمة والدخول إليها من بلغار، وبينهما أربعون يوما ثم أضربت عن ذلك لعظم المؤنة وقلة الجدوى، والسفر إليها لا يكون إلا في عجلات صغار تجرها كلاب كبار، فإن تلك المفازة فيها الجليد فلا تثبت قدم الآدمي ولا حافر الدابة فيها والكلاب لها الأظفار فتثبت أقدامها على الجليد). ثم يكمل ابن بطوطة في وصف هذه الكلاب السيبيرية المدربة وغالية الثمن ومن المحتمل أنه قد شاهدها وهي تجر تلك الزلاجات فيقول (والدليل بتلك الأرض هو الكلب الذي قد سار فيها مرارا كثيرة، وتنتهي قيمته إلى ألف دينار ونحوها، وتربط العربة إلى عنقه ويقرن معه ثلاثة من الكلاب ويكون هو المقدّم وتتبعه سائر الكلاب بالعربات فإذا وقف وقفت، وهذا الكلب لا يضربه صاحبه ولا ينهره، وإذا حضر الطعام أطعمَ الكلاب أولاً قبل بني آدم وإلا غضب الكلب وفر وترك صاحبه للتلف).

إذا كانت رحلة ابن بطوطة لأرض البلغار وهي تقريبا حاليا جنوب غرب روسيا كانت في حدود سنة 734 هجري الموافقة لسنة 1333 ميلادي وفيها وصف زلاجات الكلاب فلعلنا ننتقل بالتاريخ إلى عام 1840 ميلادي ونعبر عبر الجغرافيا إلى مدينة سانت بطرسبرج عاصمة الإمبراطورية القيصرية الروسية التي وصلها في ذلك التاريخ الرحالة المصري محمد عياد الطنطاوي وعاش بها سنوات طويلة يدرس بها اللغة العربية في معهد اللغات الشرقية. وما يهمنا هنا هو وصف الشيخ الرحالة محمد عياد الطنطاوي في كتابة الضخم (تحفة الأذكياء بأخبار بلاد الروسيا) حالة البهجة والسرور في الشتاء عندما ينزل الثلج ويبدأ الناس في استخدام الزلاجات في اللهو على الثلج. يقول يصف الزلاجات (سماها الجرّار) التي بدون عجلات وتمر عل الجليد بسرعة وعجله (وفي أيام الشتاء يركبن الجرّار وهو عربة بلا عجل لكن يزلقها الثلج فتمشي بالعَجَل، وهو أسهل المركوبات وفي أول هجوم الثلج يتسارع الناس إلى ذلك زرافات ووحدلنا ويسرون عن نفوسهم بذلك أحزانا وقلت:

في الثلج أغدو للصفا              في عربات الزّحلقه

فبتربوغ (بطرسبرج) كلها        حصيرة مزحلقه )

 الصورة النمطية للزلاجات الثلجية شائعة ومعروفة للجميع سواء كان الذي يجر تلك الزلاجات (أو الجرارات حسب مقولة الطنطاوي الروسي) الكلاب أو الغزلان أو الخيول أو حتى البشر، وكذلك من الصورة النمطية الشائعة في أرض الجليد استخدام لوح التزحلق عل الجليد snowboard أو الزلاجات الطويلة والعصي skis and poles وكل هذه الأشياء محاولة تجربتها أو حتى مشاهدتها على الطبيعة وبشكل مباشر أمر بالغ المتعة والتشويق. ومرة أخرى نجد في تراثنا العربي العريق المتعلق بأدب الرحلات بعض المشاهدات المباشرة التي نقلها الرحالة العرب عن المشي والتزلج فوق الجليد والثلج باستخدام ألواح وعصي التزلج. ومن كتاب (تحفة النظار) لابن بطوطة إلى كتاب (تحفة الأذكياء) للرحالة المصري الطنطاوي نصل إلى كتاب (تحفة الألباب ونخبة الأعجاب) للرحالة الأندلسي أبي حامد الغرناطي الذي انتهى من تأليف هذا الكتاب في عام 557 هجري (الموافق 1162م) وفيه يذكر تفاصيل رحلاته إلى أرض الخزر والبلغار والمجر وهنا نصل إلى وصفه لزيارة أرض اليورا وهم قوم يسكنون شمال شرقي الفولجا. يقول أبو حامد الغرناطي عند حديثه عن ألواح الزلاجات (والطريق إليهم في أرض لا يفارقها الثلج أبدا ويتخذ الناس لأرجلهم ألواحاً ينحتونها طول كل لوح باع وعرضه شبر، مقدم ذلك اللوح ومؤخره مرتفعان من الأرض وفي وسط اللوح موضع يضع فيه الماشي رجله وفيه ثقب قد شدوا فيه سيورا من جلود قوية يشدونها على أرجلهم. وفي يده اليمن عصى بطول الرجل وفي أسفل العصى مثل كرة من الثياب .. يعتمد على تلك العصى على الثلج ويدفع العصى خلف ظهره كما يصنع الملاح في السفينة فيذهب على ذلك الثلج بسرعة. ولولا تلك الحيلة لم يمكن أحد أن يمشي هناك البتة وأي حيوان مشى عليه يغوص في ذلك الثلج إلا الكلاب والحيوان الخفيف كالثعلب والأرنب فإنه يمشي عليها بخفة وسرعة).

 معاناة رواد الرحالة العرب مع الصقيع

 في الواقع إقامتي أنا أسرتي في أذربيجان قبل سنوات أو كازخستان هذا الأسبوع بهدف السياحة الشتوية، كانت لفترة قصيرة وقت إجازة منتصف العالم الدراسي ولهذا لم نتعرض كثيرا أو طويلا لمشاكل الأجواء الباردة خصوصا موجات الصقيع المزعجة. وهذا طبعا خلاف واقع الرحالة العرب القدماء الذين غامروا باكتشاف المناطق الباردة في دول وسط آسيا أو الأقاليم الجغرافية القريبة من روسيا فالسفر لتلك البقاع القاصية من الأرض والعودة منها تحتاج لأسابيع عديدة بل أشهر وفي بعض الحالات عدة سنوات. وبالعودة للحديث عن الرحالة الأندلسي أبي حامد الغرناطي الذي تجدر الإشارة إلى أنه أقام لمدة ثلاث سنوات في أرض البلغار بل لقد تزوج منهم ولهذا تعرض في مناسبات عديدة لمعاناة شديدة مع الصقيع والجليد. فمن ذلك قوله في كتابه آنف الذكر تحفة الألباب (وسمعت ببلغار وهي مدينة في آخر بلاد الإسلام .. ويشتد فيها البرد حتى إذا مات لأحد ميت لا يقدر على أن يدفنه ستة أشهر لأن الأرض تكون كالحديد ولا يمكن أن يحفر فيها قبرا، ولقد مات لي بها ولد وكان في آخر الشتاء فلم أقدر على دفنه فبقي في البيت ثلاثة أشهر حتى أمكن دفنه وبقي الميت كالحجر).

وأما وإن سيرة المعاناة مع الصقيع والجليد في أرض البلغار قد فتحت فهذا يتوجب علينا الإشارة إلى أن أول وأشهر الرحالة العرب الذين وصولوا إلى تلك الديار حول حوض الفولجا هو الرحالة المشهور ابن فضلان التي وصلها في عام 309 هجري. قبل أن يصل ابن فضلان لأرض البلغار حبسه الثلج والجليد لمدة أربعة في مدينة جرجانية التي تقع حاليا في أوزباكستان يقول ابن فضلان (فأقمنا بالجرجانية أياما وجمد نهر جيحون من أوله إلى آخره وكان سمك الجمد سبعة عشر شبرا وكانت الخيل والبغال والحمير والعجوب تجتاز عليه وهو ثابت لا يتخلخل). ثم علّق ابن فضلان بقوله (فرأينا بلدا ما ظننا إلا أن بابا من الزمهرير قد فتح علينا منه ... ولقد رأيت الأرض تتشقق فيها أودية عظام لشدة البرد وإن الشجرة العظيمة لتنفلق نصفين لذلك). الجدير بالذكر أن اسم (الجرجانية) هو الاسم القديم لمدينة خوارزم أو خيوة في غرب أوزباكستان والطريف في الأمر أن الجغرافي والرحالة الكبير ياقوت الحموي عندما زار خوارزم في عام 616 هجري صادفها في وقت الزمهرير ولهذا كتب عنها تلك العبارة الشهيرة التي وردت في كتابه الشيق معجم البلدان. يقول ياقوت الحموي بعد أن ذكر كلام ابن فضلان وخطأه في بعض الأمور (وقد كنت اجتهدت أن أكتب شيئا بها فما كان يمكنني لجمود الدواة حتى أقرّبها من النار وأذيبها، وكنت إذا وضعت الشربة على شفتي التصقت بها لجمودها على شفتي ولم تقاوم حرارة النفس الجماد).

وإذا كان ياقوت الحموي من شدة زمهرير الصقيع تلتصق شفته على الملعقة فهذا ابن فضلان عندما كان هو الآخر في مدينة خوارزم يقول (كنت أنام في جوف بيت وفيه لبود تركية مدثر بالأكسية والفراء وربما التصق خدي على المخدة). ومن الطرائف أنه من شدة الصقيع ربما جمد بخار الماء بسرعة على الجسم والشعر فهذا ابن فضلان يقصّ علينا ما حصل له في مدينة خوارزم التي سبق وأن ذكر أن نهر جيحون تجمد فيها بعمق سميك (وقد كنت أخرج من الحمام فإذا دخلت البيت نظرت إلى لحيتي وهي قطعة من الثلج حتى كنت أدنيها إلى النار). ونفس هذا المشهد الثلجي المضحك حصل مع عميد الرحالة العرب ابن بطوطة عندما وصل في فصل الشتاء إلى مدينة حدودية بين الصين ومنغوليا وشمال كازخستان تسمى بابا سلطوق فنجده يكرر ذكر نفس الظاهرة (وكنت أتوضأ بالماء الحار بمقربة من النار فما تقطر من الماء قطرة إلا جمدت لحينها، وإذا غسلت وجهي يصل الماء إلى لحيتي فيجمد فأحركها فيسقط منها شبه الثلج، والماء الذي ينزل من الأنف يجمد على الشارب). ومن الغرائب أن هذه الأجواء الجليدية القاسية في مدينة خوارزم وبالرغم من أنه أصبح يضرب بها المثل في شدة الزمهرير إلا أن بعض الرحالة العرب يمكن أن يمر على مناطق أكثر برودة منها. ومن ذلك أن ابن فضلان في عام 309 هـ عندما غادر خوارزم باتجاه أرض البلغار مرّ في الطريق بمنطقة تدعى (جيت) ونزل عليهم ثلج كثيف حتى أن الجمال كانت تمشي فيه إلى ركبها ثم توغلوا بأرض الترك في مكان قفر أصابهم في برد شديد ولهذا يقول ابن فضلان (لقد لقينا من الضر والجهد والبرد الشديد وتواصل الثلوج الذي كان برد خوارزم عنده مثل أيام الصيف).

ونختم معاناة الرعيل الأول من الرحالة العرب مع الصقيع مع الزمهرير بإعطاء لمحة لطبيعة وكمية الملابس الشتوية الثقيلة التي كان يرتديها بعض الرحالة العرب عندما يصادف مرورهم أو إقامتهم في مناطق وأقاليم شديدة البرودة. ولنبدأ بأول الرحلة العرب الذين عاشوا تجربة الزمهرير وهو ابن فضلان فهذا وصف لدولاب الملابس الذي كان يرتديه لتجنب الزمهرير (وكان كل رجل منا عليه قرطق وفوقه خفتان وفوقه بوستين وفوقه لبادة وبرنس ولا تبدو منه إلا عيناه، وسراويل طاق وآخر مبطن وران وخف كيمخت وفوق الخف خف آخر فكان الواحد منا إذا ركب الجمل لم يقدر أن يتحرك لما عليه من الثياب). وكما كان ابن فضلان يكثر من ارتداء الملابس حتى ما يستطيع أن يركب دابته فكذلك الحال حذو القذة بالقذة مع ابن بطوطة الذي يقول عن ملابسه التي يرتديها في مناطق الجليد والصقيع (وكنت ألبس ثلاث فروات وسروالين أحدهما مبطّن، وفي رجلي خفّ من صوف وفوقه خفّ مبطّن بثوب كتان وفوقه خفّ من البرغالي وهو جلد الفرس مبطّن بجلد ذئب) ثم ذكر معاناته مع ركوب الدابة فقال (وكنت لا أستطيع الركوب لكثرة ما علي من الثياب حتى يُركبني أصحابي) !!.

في عام 1971م زار الكاتب والصحفي والرحالة المصري المعروف أنيس منصور، زار بلاد الاتحاد السوفيتي للمرة الثالثة، ولكن هذه المرة وثّق رحلته المميزة تلك في كتابه الشيق (أطيب تحياتي من موسكو) وهو من لحظة خروجه من باب الطيارة التي هبطت في مطار موسكو يصف لنا برودة الأجواء في أرض الجليد الروسية. ثم يذكر توصف ساخر وطريف عن كثرة الملابس التي يرتديها الروس والتي تذكرنا بدولاب الملابسة الذي كان يرتديه ابن فضلان وابن بطوطة فيقول (والملابس التي يرتديها الروس كثيرة وكثيفة .. كوم من الملابس البالطو وتحت البالطو الجاكيته والبلوفر والقميص والفانيلا والكالسون والجورب والحذاء المبطن بالصوف، وفق الرأس الطاقية من الفرو يسمونها الشبكة .. وهذه (الشيلة) هي التي تجعل الروسي يمشي يدك الأرض بخطوة واسعة).

وربما النصيحة الحكيمة أنه وقت الصقيع يفضل عدم الخروج من المنزل فهذا عميد الرحالة العرب الشيخ محمد بن ناصر العبودي عندما زار مدينة ألماتي الكازخستانية في بداية ربيع عام 1992م أخبروه أهلها أن درجة الحرارة في الشتاء قد تصل إلى 25 درجة تحت الصفر وعندها ينصح الناس أن يبقوا في منازلهم لأنه إن تعرضوا لهذا البرد الشديد دون تدفئة أو لباس ثقيل كاف فإن أطرافهم تتجمد. 

 

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق