الاثنين، 26 يناير 2026

( ليلة النصف من رجب وسيكولوجية البدعة )

د/ أحمد بن حامد الغامدي

السبت 1444/7/14

 في نهاية عام 1998م وأثناء سنوات دراسة مرحلة الدكتوراه في بريطانيا ذهبت كالعادة أنا والزميل العزيز الدكتور أحمد الطريقي للأداء صلاة الفجر في مسجد مدينة لفبرا والذي أغلب مرتاديه من الإخوة من الجالية البنغلادشية وقد لفت نظري أنه على غيرة العادة كانت أعداد الحاضرين لصلاة الفجر في ذلك اليوم زائدة بشكل واضح. ولهذا من باب الملاطفة تحدثت مع إمام المسجد وأشرت له عن ملاحظة زيادة أعداد المصلين فقال لي نعم هذه (ليلة مباركة) ولهذا أغلب الإخوة أحيوها بقيام الليل حتى أقترب موعد أذان الفجر. في الواقع كدت أصعق من هذا التعليق لأن صلاة الفجر في ذلك اليوم كانت في صبيحة يوم عيد الميلاد الكريسماس وفي بادئ الأمر توقعت أن الإمام يقصد بالليلة المباركة هي ليلة الكريسماس ثم سرعان ما زال تعجبي واستغرابي عندما فهمت أخيرا أن الإمام يقصد أن جماعة المسجد من الجالية البنغلادشية كانت تلك الليلة تحتفل بمناسبة (قيام ليلة النصف من شهر رجب).

بحكم أن أيام السنة الهجرية القمرية متغيرة في حين أن أيام السنة الميلادية الشمسية ثابتة لهذا احتمالية توافق بعض الأيام الهجرية المميزة مع بعض الأيام الميلادية المميزة هو احتمال وارد جدا لدرجة أن الحسابات الفلكية المستقبلية تشير إلى أنه بمشيئة الله سوف يتصادف عيد الفطر وعيد الميلاد (الكريسماس) في نفس اليوم وذلك في سنة 2033 ميلادي. وبحكم أننا حاليا في يوم السبت 14 رجب أي قبل ساعات معدودة من بداية (ليلة النصف من رجب) وبحكم أن عيد الميلاد الكريسماس مرت مناسبته الأسبوع الماضي وقبل أيام قليلة كانت مناسبة عيد رأس السنة الميلادية ولهذا تذكرت الحادثة الطريفة التي حصلت لي في مسجد الجالية البنغالية في بريطانيا. في الغالب المناسبات الدينية لا تتوالى بشكل سريع ومع ذلك نجد في المسيحية تتابع خلال أيام عيد الكريسماس مع عيد رأس السنة بالإضافة لعيد معمودية يسوع وفي الإسلام نجد تلاحقا نسبيا بين ليلة النصف من رجب مع ليلة النصف من شعبان وبينهما تقع ليلة الإسراء والمعراج وكذلك في اليهودية نجد تتابعا سريعا ما بين عيد رأس السنة العبرية وعيد الغفران وعيد المظال والذي يعرف كذلك باسم عيد العريشة. بالنسبة لي هذا الزخم المتلاحق من الأعياد والمناسبات الدينية تثير التساؤل بل وحتى الشكوك بأن الأمر ما تم بهذه الصورة إلا بسبب العادة والسلوك البشري المتعلق بطقوس وشعائر التدين وهي ظاهرة (الابتداع في الدين).

كقاعدة عامة إذا وجدت في أي دين أو شريعة عدد كبير من الأعياد والمناسبات الدينية المتلاحقة ففي الغالب هذا أمر ناتج من استمرار عملية الابتداع التي تحصل عبر تتابع الزمن لقرون طويلة منذ ظهور ذلك الدين وتلك الشريعة. ولو نظرنا على سبيل المثال لمرحلة صدر الإسلام ففي زمن الرسول عليه الصلاة والسلام وزمن الصحابة والتابعين لم تكن أعياد المسلمين ومناسباتهم الدينية الكبرى تتعدى عيد الفطر وعيد الأضحى مع مواسم دينية مميزة ومحدودة مثل شهر رمضان وليلة القدر وصيام يوم عاشوراء وأيام العشر من ذي الحجة. ثم مع تتابع الزمان وتوالي القرون تتابعت المناسبات الدينية المبتدعة واحتفالات الموالد المختلقة فأصبحنا نسمع عن مناسبة المولد النبوي وذكرى الهجرة وبداية السنة الهجرية وليلة النصف من رجب وليلة النصف من شعبان وليلة الإسراء والمعراج ويوم الغدير عند الشيعة. وبالمناسبة يوجد على الموقع الإلكتروني على شبكة الإنترنت للمجلس الشيعي الأعلى في لبنان قائمة بالمناسبات الدينية الشيعية خلال العام تبلغ حوالى 114 مناسبة واحتفالا مختلفا في حين أن الطوائف الصوفية في جمهورية مصر العربية تنشر سنويا قوائم بالمناسبات الدينية المختلفة قد يصل عددها في بعض القوائم أكثر من 30 مولدا واحتفالا دينيا.

وبحكم أننا حاليا في شهر رجب فلا أدري لماذا يرتبط اسم (رجب) بالموالد الدينية فنجد في أرض مصر المحروسة ما يسمى (رجبية سيدي أحمد البدوي) وكذلك (رجبية سيدي إبراهيم الدسوقي) بالرغم من أن موعد الموالد البدعية المرتبطة بالبدوي أو الدسوقي ليست في شهر رجب. وبالمناسبة الموالد الدينية والاحتفالات الصوفية البارزة التي تقع في شهر رجب متعددة مثل الاحتفال بمولد السيدة زينب ومولد الإمام الشافعي ومولد السيدة عائشة بنت جعفر الصادق هذا بالإضافة أن (ليلة النصف من رجب) تتزامن مع أحداث مهمة لدى الصوفية مثل وفاة السيدة زينب أو لدى الشيعة مثل وفاة الإمام جعفر الصادق. والمقصود أنه على خلاف الإسلام السمح والبسيط الذي يحتوي على مناسبات دينية محدودة نجد أن الطوائف المبتدعة مثل الصوفية وخصوصا الشيعة لديهم كم هائل من المناسبات والاحتفالات والموالد المختلقة والتي ليست من الدين في شيء ولهذا نحتاج أن نقف وقفة سريعة مع أسباب الابتداع في الدين والدوافع النفسية والوجدانية التي تؤدي إلى ظهور البدعة والغلو في الصالحين.

 البدعة والغلو والتفريغ النفسي

أسباب البدعة ودوافع الابتداع في الدين كثيرة ومتعددة ومن أهمها الجهل بالشريعة والغلو في التعبد والتقديس للصالحين ونتيجة لهذا يقع البعض في منزلق التقرب إلى الله عن طريق الجهل وهذا ما يؤدي إلى ظهور البدع في جانب العبادات مثل تخصيص يوم النصف من شعبان بالصيام والقيام وقريب من ذلك الابتداع في الأذكار وإحداث أدعية غير مشروعة. ولكن بحكم أننا في مجال استعراض البدعة والابتداع في الدين فيما يتعلق بالموالد والاحتفالات الدينية المختلقة أود أن أنبه أن بعض الطوائف الدينية مثل الشيعة أو الصوفية نجد أنه ينتشر عندها بشكل واضح استحداث موالد ومناسبات دينية متعددة لأسباب نفسية واجتماعية. وذلك لأن هذه الطوائف في العادة تكون أقلية في المجتمعات السنية ولهذا تستخدم تلك الطوائف تلك المناسبات والاحتفالات الدينية لتوفير أجواء التماسك الاجتماعي فيما بينها وتعزيز الانتماء للطائفة أو المجموعة الدينية. ومن الأسباب النفسية كذلك وراء البدعة في مجال الموالد والاحتفالات الدينية الرغبة في التميز عن الآخرين وإظهار التميز الديني عبر سلوكيات جديدة وقبل أشهر قليلة ومع مناسبة مولد السيد البدوي في مدينة طنطا تداولت العديد من وسائل التواصل الاجتماعي صور الملابس الغريبة والطقوس المريبة لبعض المرتادين والمريدين لمثل هذه الموالد الصوفية.

الهوية الجماعية والموروث الاجتماعي الذي يرسخ الانتماء للطائفة الدينية التي تكثر فيها البدع الدينية يتمثل أوضح صورها في الغلو في الأولياء والتبرك بقبور الصالحين وهذا مرة أخرى شائع لدى طوائف الشيعة والصوفية. ولهذا لو استعرضنا قائمة المناسبات الدينية 114 عند الشيعة أو 30 الصوفية في مصر لوجدناها مرتبطة في غالبها بالغلو بالصالحين من أهل البيت عليهم السلام ولهذا كثير من هذه المناسبات الدينية أو (الموالد) تكون متعلقة بتاريخ ولادة أو وفاة الولي أو الرجل الصالح من أهل البيت أو مشائخ وأقطاب الصوفية. والجانب النفسي في بدعة التبرك بقبور الأولياء والصالحين يكون من أبعادها جانب التفريغ العاطفي والنفسي بمعنى أن زيارة الأضرحة من قبل النساء أو الفقراء أو المرضى والتوسل إلى صاحب القبر تكون متنفس للضغوط النفسية ومكان للشكوى والطلب مما يخفف القلق والضيق.

ولأن الحالة النفسية للأفراد من ذوي المشاكل الصحية والمالية والاجتماعية تكون نفسية هشة وضعيفة ولهذا يسهل التلاعب بها من جانب ومن جانب آخر يصبح لها مثل أنواع الإدمان على طلب التفريغ النفسي في المزارات الصوفية والموالد الدينية وهذا ما يفسر العدد الهائل من المزارات لدى الشيعة في بلد العراق والأضرحة والموالد في أرض مصر. ومع تعدد الأضرحة والقبور التي يتم التبرك حولها تكثر وتتنامى الموالد والاحتفالات الدينية التي تغطي أغلب شهور السنة ولهذا تجد الشخص المبتلى بهذه البدع يتنقل طوال العام مثلا من مقام الحسين أو السيدة زينب والسيدة نفيسة في القاهرة إلى ضريح السيد البدوي في طنطا إلى قبر المرسي أبو العباس في الإسكندرية بل توجد مدن أخذت اسمها من اسم الضريح الذي يوجد فيها مثل مدينة دسوق الحاضنة لضريح إبراهيم الدسوقي أو مدينة قنا التي بها قبر الولي عبدالرحيم القناوي.

وفي الختام نسأل المول عز وجل أن يبلغنا جميعا شهر رمضان المبارك وأن ننشغل فيه بالعبادة الصحيحة والخالصة لوجه سبحانه وتعالى وأن يكون في تلك العبادات المشروعة من الصيام والقيام وتلاوة القرآن وأداء العمرة ما يغني عن الابتداع في الدين بتخصيص بعض ليالي شهر رجب أو شعبان بالقيام والصيام وتخصيص أداء العمرة أو زيارة المسجد النبوي في شهر رجب بالذات.


 

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق