الخميس، 23 أغسطس 2018

( واشنطن وأثينا والدولار )

هل قامت (أثينا الجديدة بنهب الذهب الاحتياطي للعالم)

د/ أحمد بن حامد الغامدي

العديد من المؤرخين والسياسيين يشبهون (الامبراطورية الامريكية) الحالية بالإمبراطورية الرومانية وهذا قد يكون صحيح في بعض الجوانب والابعاد ومع ذلك قله من المؤرخين تفضل تشبيه أمريكا (بالإمبراطورية اليونانية). ومع ذلك وفي الواقع الأمر لا أمريكا ولا اليونان القديمة أعلنت نفسها إمبراطورية حقيقة إلا أنه توجد نقاط تقاطع متعددة بينهما.

كلتا الأمتين كانت قوتها الضاربة في أسطولها البحري ذو الكفاءة العالية وكلا منهما تعرضت لحرب ضروس مع عدو خارجي (الفرس في حالة أثينا واليابان وألمانيا .. ثم الروس في حالة أمريكا). ونتيجة لهذا الأمر اضطرت كلتا الدولتين لتشكيل أحلاف عسكرية تحميها فمدينة أثينا شكلت ما يسمى الحلف الديلي Delian league المكون من تجمع حوالي مائتين مدينة أو جزيرة وهدفه منع أي غزو للإمبراطورية الفارسية لأرض اليونان. أما الولايات المتحدة الامريكية فشكلت كما نعلم جميعا حلف شمال الاطلسي (الناتو) لمقاومة وصد الاتحاد السوفيتي وحلفائه. وبالطبع مثل هذه الاحلاف العسكرية تحتاج إلى تكاليف ماليه هائلة ولهذا الحلف اليوناني القديم ألزم كل مدينة أن تسلم جزء من المال phoros تم تجميعها بشكل غريب في (جزيرة ذهبية) تدعى ديلوس Delos  ومن هنا جاءت تسمية ذلك الاتحاد بالحلف الديلي.

أما أمريكا فمباشرة بعد نهاية الحرب العلمية الثانية كانت جزيرتها الذهبية هي اتفاقية بريتون وودز التي تمت عام 1944 ومن أهم قراراتها اجتماع الدول المتحالفة مع واشنطن (اثينا الجديدة) وإن كان تحت مظلة الامم المتحدة لأنشاء ما يسمى (صندوق النقد الدولي) IMF وطبعا كان مقره في مدينة واشنطن. فيما يتعلق باثينا القديمة كان الدخول في الحلف العسكري في البداية اختياري ولكن مع الوقت أصبحت أثينا قوة طاغية لدرجة أنها أصبحت تأخذ بالقوة الإتاوة أو الجزية المالية phoros من جميع المدن والجزر بدون انتظار موافقها بل وصل الأمر لقيام الحاكم اليوناني الطاغية بريكليس بنقل جميع الذهب من جزيرة ديلوس إلى مدينة اثينا واستخدم جزء من المال لإقامة المعبد الاغريقي الأشهر البارثينون على قمة هضبة الأكروبولس.
وفي الصيغة الامريكية من القصة قام الرئيس الامريكي نيكسون عام 1971 بعملية تعويم الدولار وبالتالي بشكل أو اخر نتيجة لسحب تغطية الدولار بالذهب أصبحت الولايا المتحدة المهيمنة على صندوق النقد الولي والبنك الدولي وغيرها من المؤسسات الاقتصادية الكبرى غير ملزمة (برد الارصدة الذهبية) التي التزمت وفق اتفاقية بريتون وودز بتوفير المقابل الذهبي: لكل 35 دولار أونصة من الذهب. وكما بنى بريكليس معبد البارثينون بنى في اثينا القديمة مباشرة بعد نهب الذهب بنى سدنة المال في أمريكا عائلة روكفلر مباشرة بعد نهب الذهب العالمي (برفع الغطاء عن الدولار) البرجين التوأمين لمركز التجارة العالمي في مانهاتن السفلى وبالقرب من بورصة نيويورك. 
 
(الطمع ضيع ما جمع) فالمعاملات الاقتصادية والسياسية أساسها غالبا الثقة فليس غريبا أن نعلم أنه في عالم اليونان القديمة حدثت العديد من الاحقاد السياسية بين اثينا وبين المدن الصغيرة الاخرى بسبب الهيمنة الاقتصادية والعسكرية المنفردة لأثينا. وهذا تقريبا ما بدأنا نشاهده ونلمسه منذ اعلان الرئيس الامريكي جورج بوش الأب ما سماه (النظام العالمي الجديد) حيث أخذ الاتحاد الاوروبي يوما بعد آخر يبتعد عن الهيمنة الأميركة وهو ما ينعكس في بداية تصدع حلف الناتو.
المدن والجزر اليونانية القديمة نفرت من هيمنة أثينا ولهذا أعادت تحالفاتها السياسية والعسكرية مع (مدينة أسبارطة) ومن هنا تم هزيمة أثينا المخزية في الحروب البيلوبونيزية ومن دولة اضعف منها وأكثر همجية. مستقبل الأحداث في علم الباري سبحانه وتعالى ولكن هل إرهاصات (أسبارطة الجديدة) هي ما نشاهده هذه الايام من تنامي القوة المعنوية لما يسمى (مجموعة البريكس) وهي تحالف لعدد من الدول القوية اقتصاديا والسابحة في خارج الفلك الامريكي من مثل روسيا والصين والهند والبرازيل وجنوب أفريقيا ويقال أن تركيا تطلب الانضمام لهذا التحالف الذي يهدف ضرب الاحتكار الاقتصادي الامريكي على العالم.

أسم مجموعة البريكس BRICS مكون من الحرف الأولى لأسماء الدول السابقة المشكلة لهذا التحالف ولكن لو تم تحرفه قليلا إلى BRICKS لظهرت كلمة طوب أو قرميد وبهذا كأن الأمر هو القيام ببناء جدار جديد ينافس جدار مانهاتن المالي في شارع المال والاعمال والبورصة Wall Street في عاصمة المال العالمية مدينة نيويورك. ذلك الجدار القرميدي القديم لم يحول دون هزيمة الهولنديين واحتلال الانجليزي لجزيرة منهاتن فهل الجدار المالي الجديد الذي تضعضع (زمن الكساد العظيم في الثلاثينات وانهيار البورصة يوم الاثنين الاسود وقريبا في كارثة الرهن العقاري) سوف يحول دون ضعف الهيمنة المالية الامريكية أمام الخصم الجديد مجموعة البريكس. العدو عندما يكون متحفزا يكون خطرا جدا ونختم بالتذكير أن من اسباب اندلاع الحرب بين أثينا وأسبارطه هو منع أسبارطة لأثينا من بناء (جدار) لحمايتها من أعدائها فهل يعيد التاريخ نفسه !!.

الأربعاء، 15 أغسطس 2018

( فندق سياحي على خط النار )

من أمام فندق هوليدي إن في سراييفو .. من هنا أنطلقت شرارة الحرب الاهلية اليوغسرفية

د/ أحمد بن حامد الغامدي

في عالم الدراما تعتبر كواليس وخلفيات المعارك العسكرية والحروب الاهلية والصراع الطائفي مادة خصبة للإبداع أبرز الأعمال الروائية الادبية، في حين يتم في الغالب تجيير التوظيف الادبي للمنتجعات الترفيهية والفنادق السياحية كمسرح لأحداث الاعمال الأدبية الرومانسية. وبحكم أن لكل قاعدة شواذ فلهذا أبدع الروائي والفيزيائي اللبناني الموهوب ربيع جابر (نال جائزة البوكر العربية في الادب عام 2012م) في توصيف مآسي الحرب الأهلية اللبنانية من خلال التركيز على (معركة الفنادق) في وسط مدينة بيروت ولهذا لا غرابة أن تحمل روايته الرائعة عنوان (طيور الهوليدي إن) إشارة إلى الفندق الشهير الذي جرت حوله حرب طاحنة عام 1975م. في جبهة القتال تلك في وسط بيروت تم تحويل فنادق الخمسة نجوم (مثل الهوليدي إن والبالم بيتش وسانت جورج والنورماندي) إلى منصات لإطلاق الصواريخ وشرفات لتسديد رصاص القناصة. ومن هذه المنتجعات السياحية الرائقة انطلقت شرارة الحرب وانتشر أوراها ليشمل جميع الطوائف الدينية والسياسية والعرقية في أرض لبنان الكبير.

دراما تغير ارتباط الفندق بالبهجة والسكون إلى ارتباطه بالفظائع والاهوال لم تتمثل في مكان آخر أكثر مما تمثلت في فندق (دي ميل كولين) في قلب العاصمة الرواندية كيجالي. في عام 1994م حصلت الكارثة الانسانية الفظيعة عندما نشبت حرب الابادة الجماعية في جمهورية راوندا الافريقية وهنا تمت المجازر الوحشية بقتل  مئات الالف خلال أشهر قليلة تم فيها تصفية 75% من أفراد قبيلة التوتسي على يد المتطرفين من قبيلة الهوتو. وبمناسبة مرور عشر سنوات على هذه الكارثة الانسانية غير المسبوقة في التاريخ البشري قام الكاتب والمخرج الايرلندي تيري جورج الحاصل على جائزة الأوسكار بكتابة سيناريو واخراج فلم (فندق رواندا). تدور أحداث الفلم عن قصة حقيقة تمثلت في قيام مدير ذلك الفندق (وهو من قبيلة الهوتو) بإنقاض حياة أكثر من 1200 شخص من قبيلة التوستي وحمايتهم داخل ذلك الفندق الذي تم محاصرته بأفراد ميليشيا عصابات الهوتو المتعطشة للقتل والاغتصاب. وبهذا تحول فندق الرفاهية والترف إلى ما يشبه مخيم الاعتقال تحاشرت فيه عدة اسر في الغرفة الواحدة لتستمر هذه المأساة لعدة شهور حتى تدخل وفد من الامم المتحدة لتأمين خروجهم الآمن من فندق الموت ذلك.
ومن الحرب الاهلية اللبنانية والرواندية ننتقل إلى الحرب الأهلية اليوغسلافية الشنيعة التي سبقت بسنوات قليلة كارثة راوندا ومرة أخرى نجد أن الفنادق السياحية كان لها دور في مجريات الأحداث المأساوية في تلك الحروب الشنيعة. في زيارتي السياحية قبل فترة قصيرة لمدينة سراييفو عاصمة البوسنة علمت على أرض الواقع لماذا كان موقع فندق (الهوليدي إن) يقع في أخطر موضع للقتل في أرض البلقان. وحتى هذا اليوم وبعد مرور أكثر من عقدين من الزمان على انتهاء الصراع المسلح في أرض البوسنة ما زالت المنطقة القريبة من فندق الهوليدي إن في سراييفو تعرف باسم (زقاق القناص Sniper Alley) في حين ان البعض يصفها بأنها منطقة (أرض الصفر ground zero) وهو المصطلح المستخدم لتوصيف المنطقة القريبة من (بؤرة) الكوارث أو الحروب أو الزلازل أو الوباء حيث تقع اشد انواع الضرر والاصابات. مدينة سراييفو كانت (ولا تزال) تفتقر لفنادق ضخمة من طراز رفيع والاستثناء الوحيد لها هو فندق الهوليدي إن الذي تم بنائه بشكل خاص عندما استضافت تلك المدينة الحدث الرياضي الضخم الذي ما زالت تفخر به وهو الالعاب الأولمبية الشتوية لعام 1984م. لهذا السبب اصبح هذا الفندق بالذات مقر إقامة كبار الزوار للمدينة وبالطبع الخيار الامثل لرجال الصحافة والاعلاميين الذين قدموا لاحقا لتغطية أخبار الحرب الاهلية اليوغسلافية.
ومن الطرائف المترتبة من وقوع الفندق في قلب ساحة المعركة أن مراسل هيئة الاذاعة البريطانية BBC في سراييفو مارتن بيل قال (من هذا الفندق أنت لا تحتاج أن تذهب لتغطية أخبار الحرب .. الحرب هي التي تأتي إليك إلى مقر اقامتك). وبالفعل العديد من المراسلين الاعلاميين في العاصمة البوسنوية وصفوا في تقاريرهم الاخبارية تعرضهم وهم في الفندق للقصف بالقنابل فضلا عن مئات الحالات المتكررة لتعرض غرف الفندق لطلقات الرصاص من القناصة من جهة المباني العالية القريبة من الفندق.
الجدير بالذكر أنه كما كانت ساحة الفنادق (ومنها فندق الهوليدي إن) في وسط بيروت هي نقطة بداية اشتعال الحرب الأهلية اللبنانية فكذلك شهد فندق الهوليدي  إن في سراييفو انطلاق شرارة الحرب الاهلية اليوغسلافية. في مطلع شهر مارس من عام 1992م تم الاعلان الرسمي عن استقلال البوسنة والهرسك وذلك تحت معارضة شديدة من صرب البوسنة. وبعد ذلك بشهر وبالتحديد في يوم 6 أبريل تم حشد مظاهرة ضخمة مؤيدة للاستقلال أمام مبنى البرلمان في وسط سراييفو والقريب جدا من موقع فندق الهوليدي إن. وعندما بدأت المظاهرة البشرية الحاشدة في التحرك نحو فندق الهوليدي إن الذي يقيم فيه الصحفيين الاجانب تم إطلاق النار من داخل الفندق نحو المتظاهرين السلميين. وهنا  تدخلت القوات الحكومية البوسنوية وقصفت الفندق ثم تمكنت من القبض على القناصة التابعين لمجرم الحرب اللعين رودوفان كارادتش قائد ميليشيا صرب البوسنة والتي ردت بحصار مدينة سراييفو وقصفها من أعلى الجبال المحيطة بها ومن هنا بدأت الحربية الاهلية الشنيعة.

هل الفنادق من ضحايا الحروب
الصحافة (مهنة المتاعب) كما يقال والاخطر من ذلك مهنة المراسل الاعلامي في ساحات الحروب والصراع والكوارث وفي الغالب ومن باب المحافظة على سلامة رجال الصحافة هؤلاء يفضل دائما أن تتم إقامتهم في فنادق محددة ومعروفة من قبل جميع الجهات المتصارعة. وكما هو متوقع كم من الجرائم والكوراث يتم ارتكابها أثناء الحروب ولهذا غالبا ما يكون المراسل الصحفي شخصية غير مرحب بها حتى من الدول التي تدعي الديمقراطية وحرية الرأي بزعمهم.
بالرغم من جرائم الصرب في الصراع المسلح في أرض البلقان إلا إن فندق الهوليدي السالف الذكر استمر لمدة ثلاث سنوات وهو مقر إقامة العشرات من رجال الاعلام الاجانب الذين كانوا ينقلون للعالم الخارج الكوارث المصاحبة لحصار مدينة سراييفو. قارن هذا الامر بما حصل مع الجيش الامريكي وقت حصار وغزو مدينة بغداد عام 2003م عندما قام جش الغزو الامريكي بعملية شبه متعمدة لترويع رجال الصحافة ودفعهم بطريقة أو أخرى لمغادرة ساحة الصراع حتى لا يتم توثيق العمليات العسكرية العدائية. وكما حصلت مأساة شنيعة يوم السادس من أبريل من عام 1992م في فندق الهوليدي إن بمدينة سراييفو حصل أمر مشابه بعد ذلك بعشر سنوات تقريبا في يوم الثامن من ابريل عام 2003 في فندق فسطين (الميريديان سابقا) بمدينة بغداد. كما هو معلوم اليوم الموثق تاريخيا لاحتلال مدينة بغداد كان يوم 9 أبريل عام 2003م ولهذا كانت القوات الامريكية تجهز لهجوم كاسح على المدينة ولهذا ليس من باب المصادفة حصول حادثة الاعتداء على فندق فلسطين قبل ذلك بيوم واحد حيث قامت دبابة أمريكية بإطلاق قذيفة نحو الفندق الغاص برجال الاعلم والصحفيين الاجانب من جميع الجنسيات. وبحكم أن سطح وغرف فندق فلسطين كانت تستخدم كغرف أخبار لنشر أحداث الغزو الامريكي لهذا كانت خسائر عملية الترويع الامريكية فادحة: مقتل مصور وكالة رويترز للأنباء ومقتل مراسل قناة الاخبار الاسبانية واصابات ثلاثة صحفيين اجانب بجروح خطيرة.
الجدير بالذكر أنه بعد اندلاع الحرب الاهلية في العراق بعد الغزو الامريكي تعرض فندق فلسطين المنكوب لعملية تفجير بواسطة شاحنة مفخخة وهذا ما تكرر مع العديد من فنادق بغداد الكبرى مثل فندق الحمراء (والذي انتقل له رجال الصحافة الاجانب)  وفندق الشيراتون وفندق بابل وفندق القدس وفندق جبل لبنان وغيرها.

وبحكم أن عمليات تفجير الفنادق (سيرة وانفتحت) لعل من الملائم الاشارة السريعة إلى ظاهرة (تلازم السياسة والفندقة) فليس فقط ارتبطت الفنادق والمنتجعات السياحية بحصول بعض كبرى الاحداث والاتفاقيات السياسية وهو موضوع شيق  يستحق مقال مستقل إذا علمنا مثلا أن الدستور الايرلندي كتب في غرفة فندق أو أن رؤساء بريطانيا وامريكا وفرنسا (تشرشل وروزفلت وديغول) كانوا يعقدون اجتماعاتهم اثناء الحرب العالمية الثانية في فندق الرتز بلندن.  لكن في المقابل نجد كذلك ان الفنادق ونزلائها تعرضوا لمصائب السياسية وكانوا من ضحايا الحروب والصراعات المسلحة. ربما كانت أقدم وأشهر عملية تفجير لفندق سياحي بسبب الخلفيات السياسية قيام العصابات الصهيونية بتفجير فندق الملك داود بالقدس عام 1946 آخر زمن الانتداب البريطاني لفلسطين حيث كان هذا الفندق يستخدم كمركز لإقامة حكومة الانتداب البريطانية وذهب ضحية هذه الجريمة النكراء 91 قتيل. ومن ذلك التاريخ وحتى يوم الناس هذا والفنادق السياحية تتعرض للهجمات والتفجيرات الارهابية والقائمة المخزية تطول وتطال كل بلد وشعب ومنها على سبيل التذكير: تفجير فندق الراديسون ساس بمدينة عمان الاردنية وتفجير فندق الماريوت بالعاصمة الباكستانية وتفجير فندق الهيلتون بمدينة طابا السياحية المصرية وتفجير فندق غزالة في شرم الشيخ وتفجير فندق ماجيستك بالدار البيضاء وتفجير فندق الرتز كالرتون في جاكرتا وطبعا خبر عادي ومتوقع ألا وهو تفجير العديد من الفنادق في العاصمة الصومالية مقديشو أو تفجير فندق كورنثيا بالعاصمة الليبية طرابلس أو تفجير فندق المريديان بدمشق.
وإذا كانت بعض الفنادق تعرضت للأعمال التفجيرية الارهابية (مع استثناء تفجير المقاومة الكويتية لفندق الهيلتون الذي كان تقيم فيه قيادات الجيش العراقي التي غزت الكويت عام 1991م) فإن بعض الفنادق تعرضت للهجوم المسلح والاقتحام المباشر للفندق وقتل أو خطف النزلاء المقيمين به. من اشهر عمليات الهجوم واقتحام الفنادق تلك كان قتل 31 شخصا اثناء الهجوم المسلح على فندق تاج محل العريق بمدينة بومبي الهندية واقتحام فندق إمبريال بمدينة سوسة التونسية الذي خلف أربعين قتيل واقتحام فندق بيلا فيستا بمدينة الغردقة الساحلية وقبل اشهر قليلة قام عدد من المهاجمين باقتحام فندق إنتركونتيننتال بالعاصمة الافغانية كابل مما أسفر عن  اصابة ومقتل عدد من (السياح) علما بأن نفس هذا الفندق قد تعرض لاقتحام مسلح قبل ذاك بسبع سنوات.
لا أعلم قارئي العزيز هل انتبهت لتوصيف نزلاء فندق كابول بأنهم (سياح) ولكن هذا بالفعل توصيف واقع الحال فتوجد حاليا بعض الشركات السياحية العالمية تنظم لبعض المجانين في هذا الكوكب رحلات سياحية لمناطق الصراع المسلح كما في أفغانستان أو العراق بل وحتى سوريا والصومال. يبقى أن نقول أن حب المغامرة والاثارة بالإضافة للطيش والسفه لن يمكن لأي سائح للسفر لهذه المناطق الخطرة ما لم يكن كذلك شخص ثري فمثلا في عام 2010 كانت (الرحلة السياحية) إلى مدينة بغداد تكلف السائح الغربي مبلغ لا يقل عن عشرة الاف دولار !!.

عندما يصبح الفندق بحد ذاته أيقونة سياحية
بقي  أن نقول بعد هذه الجولة السياحية في العلاقة بين السياسة والفنادق وتأثير كلا منهما بالآخر أن للسياسة فضل على بعض الفنادق لدرجة أنها أصبحت بحد ذاتها (معلم سياحي مشهور) يزوره السياح ليس للإقامة فيه ولكن لمشاهدته والتصوير معه. مدينة لندن هي وجهة سياحية من الطراز الاول ولكن أهل لندن أنفسهم في كل صيف يتوجهون نحو اقرب منتج سياحي لهم وهي مدينة برايتون الساحلية. ومن (المعالم السياحية) البارزة في مدينة برايتون زيارة (فندق برايتون الكبير GBH) وسبب شهرته أنه تمت فيه عام 1984م محاولة اغتيال رئيسة الوزراء البريطانية مارغريت تاتشر حيث تم تفجير هذا الفندق من قبل حركة الجيش الايرلندي الجمهوري IRA أثناء إثناء إقامة المرأة الحديدية فيه هي وجميع افراد طاقهما الوزاري. وعلى نفس النسق تقريبا أصبح فندق الأمباسدور في لوس انجلوس موقع زيارة للعديد من الاشخاص المتعاطفين مع أسرة كينيدي الامريكية حيث حصل في هذا الفندق حادثة اغتيال السيناتور والمرشح الرئاسي روبرت كيندي شقيق الرئيس الامريكي المقتول جون كينيدي. بينما الموتيل أو فندق لورين في مدينة ممفيس الامريكية حيث تم اغتيال مارتن لوثر كنج الناشط السياسي الامريكي في حقوق الانسان والحاصل على جائزة نوبل للسلام تم تحويله الآن إلى متحف تذكاري لحركة الحقوق المدنية الامريكية التي ناضل في سبيلها ذلك القس الاسود ذائع الصيت.
بلا أدنى شك قد يكون (فندق الرشيد) في وسط بغداد أكثر فندق تردد أسمه في وسائل الاعلام لعقود طويلة وله شهرة طاغية لارتباطه الوثيق بالحروب ودنيا الاعلام المرئي. شهرة فندق الرشيد متجذرة ليس فقط لأنه تمت فيه محاولة اغتيال نائب وزير الدفاع الامريكي بول وولفيتز عن طريق رشق الفندق بثمانية صواريخ، ولكن كذلك لأن فندق الرشيد ربما يكون الفندق الوحيد الذي تم قصفه من قبل القوات الامريكية بصاروخ كروز اثناء انعقاد مؤتمر لنصرة العراق زمن حرب الخليج الثانية. وبعد هذه الحادثة أصبح فندق الرشيد مزار لسكان مدينة بغداد ليس لمشاهدة اثار الدمار علية ولكن للالتقاط الصور لنزلاء الفندق من الغربيين وهم يدخلون بوابة الفندق الرئيسية بعد ان يطؤوا بأقدامهم لوحة أرضية مرسوم  عليها الرئيس الامريكي جورج بوش الاب ومكتوب عليها (المجرم جورج بوش). في تاريخ الاعلام المرئي والقنوات الفضائية قد يكون فندق الرشيد هو نقطة بداية شهرة قناة CNN العالمية أهم وأشهر قناة اخبارية فضائية على الاطلاق وكل ذلك بدأ بالبث الحي (صوت فقط) لمراسلي شبكة السي إن إن بيتر آرنت وبرنارد شو وذلك من داخل إحدى غرف فندق الرشيد. من هذا وذاك يستحق فندق الرشيد بحق لقب (شاهد على العصر) ولو لا وجوده الان في المنطقة الخضراء بوسط بغداد المحظور دخولها على الاشخاص العاديين لجزمت أن العديد من المترددين على مدينة بغداد يرغبون بشدة في رؤية وتصوير هذا الفندق الفريد.
بينما كان العالم يحبس انفاسه لسماع مراسلي شبكة سي إن إن من فندق الرشيد وهم ينقلون تفاصيل الانتصار الامريكي اثناء حرب الخليج الثانية عام 1992م كان مراسلي الصحف الأمريكية قبل ذلك بحوالي عشرين سنة ينقلون أخبار هزيمة الجيش الامريكي المخزية في حرب فيتنام. في تلك الفترة لم يوجد بعد الاعلام الفضائي أو التلفزيوني المباشر ولهذا كان غالبية الصحفيين الاجانب يكتبون تقاريرهم الصحفية عن الحرب من داخل غرفهم في فندق القصر القاري Continental Palace بمدينة سايغون عاصمة فيتنام الجنوبية. ولعل من أشهر هؤلاء الصحفيين مراسل صحيفة الواشنطن بوست هيو غريينوي الذي استمر في ارسال تقارير عن الحرب الفيتنامية لعدت سنوات. ولكن أشهر تقرير صحفي له كان توثيق اللحظات الاخيرة لسقوط مدينة سايغون في الثلاثين من شهر أبريل لعام 1975م. كما أنه وصف آخر يوم له في ذلك الفندق ومغادرته له إلى مبنى السفارة الامريكية قبل أن يتم اخلائه مع الاخرين بواسطة طائرة مروحية في مشهد لم تنساه الذاكرة الامريكية بالرغم من تعاقب الاجيال.
ومما عزز كذلك الشهرة العالمية لفندق القصر القاري بمدينة سياغون أن الأديب والصحفي البريطاني غراهام غرين اثناء اقامته فيه كمراسل صحفي لمجلة التايمز ألهم تأليف روايته المشهورة (الأمريكي الهادئ) والتي تحولت لفلم سينمائي. وبهذا أصبح هذا الفندق أيقونة تاريخية ورمز للحرب الفيتنامية (الامريكية والفرنسية قبلها) وظهر في العديد من الافلام أو الكتب المتعلقة بتلك الحرب ولهذا عند زيارتي لمدينة سايغون (مدينة هوشي منه حاليا) الفيتنامية حرصت على زيارة هذا الفندق الشهير.
في بداية هذا المقال بدأنا بالحديث عن الاعمال والروايات الادبية وارتباطها بالفنادق وقت الحروب وختمنا هذا المقال بالرواية الادبية التي استشرفت وقوع الحرب الفيتنامية الامريكية ونتائجها الكارثية ومع هذا يصعب علينا أن نختم قبل الاشارة إلى عمل روائي بارز يجمع بين حياة الفنادق والحرب الاهلية. فبعد الحديث عن فنادق الحرب الاهلية اللبنانية والرواندية واليوغسلافية ننتقل إلى الحرب الأهلية الاسبانية حيث نجد أن المسرحية الوحيدة التي ألفها الأديب الامريكي المشهور إرنست همنغواي الحاصل على جائزة نوبل في الادب كانت تدور أحداثها في فندق فلوريدا في وسط العاصمة الاسبانية مدريد. وبحكم أن الحبكة الفنية لهذا العمل الادبي تدور عن حياة الجاسوسية للعميل السري الامريكي فيليب الذي يعمل لصالح الجمهورية الاسبانية المحاصرة في مدينة مدريد لهذا تم تسمية هذه المسرحية بعنوان ملائم نسبيا حيث كان عنوانها (الطابور الخامس). في الواقع لقد اقام إرنست همنغواي في هذا الفندق بالفعل اثناء عمله كمراسل صحفي عن اخبار الحرب الاهلية الاسبانية وفي هذا الفندق تعرف على عشيقته وزوجته الثالثة الصحفية والروائية الامريكية مارثا جيلهورن.



الثلاثاء، 14 أغسطس 2018

( خسر البيع يا رونالد وين )

رونالد وين هل هو (الخاسر الأكبر) في التاريخ 

د/ أحمد  بن حامد الغامدي

كذبة أبريل هل يمكن أن تكون تفسير لسبب أكبر خسارة مالية لشخص في تاريخ البشرية .. ربما. ما حصل قبل اربعين عام من الان له عدة تفسيرات لكن لعلنا نلطف الامر بتلفيق هذا التبرير: ففي أول يوم من شهر أبريل لعام 1976 أجتمع الثلاثة الكبار في تاريخ اكبر شركة في العالم وهي شركة أبل وهم الشابين ستيف جوبز وستيف وزنياك مع رجل الاعمال رونالد وين Ronald Wayne وذلك لكتابة عقد الشركة الجديدة. الفكرة الاساسية للبرنامج الالكتروني Apple I والتمويل المالي لتنفيذه تكفل به الشابان لكنهما احتاجا السيد وين لإكمال النواحي القانونية بوجود ما يسمى الوصي ولهذا كان نصيب السيد وين من الشركة 10% فقط. وبعد حوالي أسبوعين فقط من هذه حادثة توقيع العقد شعر السيد رونالد وين بالقلق من التورط في مخاطرة مالية جديدة حيث أنه تعرض قبل فترة قصيرة لخسارة مالية. لا أدري إن كان السيد رونالد وين قد حس أن توقيع العقد في الأول من أبريل نذير شؤم أم مقلب ومزحة ثقيلة لكنه أقنع الشابين بشراء حصته في الشركة بمبلغ 800 دولار.

قبل عدة أيام تم الاعلان بأن القيمة السوقية لشركة أبل تجاوزت الترليون دولار أمريكي (أي مليون مليون) وبهذا لو استمر السيد رونالد وين في تملك أصول هذه الشركة لربما كانت ثروة الان تقدر بمائة بليون دور أمريكي وبهذا يكون ثاني أغنى شخص في العالم.
خسارة كبيرة ولا شك والادهى من ذلك أن السيد رونالد وين عبر السنوات الماضية ومع الارتفاع المستمر في القيمة السوقية لشركة أبل كان يقابل بالتقريع من جميع الناس والاعلام والصحافة الذين ويذكرونه بكم خسر من ذلك الاستعجال غير المحمود.
الغريب في الامر أن (المخترع الحقيقي) لجهاز Apple I وهو اساس هذه الشركة هو مهندس الالكترونيات ستيف وزنياك الذي كان يملك في العقد الاصلي للشركة نصيب 45% مثل نصيب ستيف جوبز ولكنه هو الاخر في مرحلة ما قام ببيع نصيبه في الشركة والاحتفاظ بنسبة مئوية ضئيلة من أسهم تلك الشركة العمالقة. الجدير بالذكر أن السيد ستيف وزنياك كان الاسبوع الماضي هنا في المملكة للمشاركة كضيف شرفي في مسابقة التطبيقات الالكترونية للحج (هاكاثون الحج 2018) ولا أعلم ما كان شعوره هو الاخر الاسبوع الماضي عندما علم بوصول شركة أبل لقيمة الترليون دولار.

لا شك أن كلا من رونالد وين وستيف وزنياك خسروا مئات البلايين من الدولارات في صفقات شركة التفاح الالكتروني Apple لكن حتى الدول والشعوب قد تقع في خسائر مالية وصفقات فاشلة لأننا جميعا وببساطة لا نعلم الغيب وإلا لكنا استكثرنا من الخير الدنيوي والاخروي. أكبر خسارة في صفقة مالية في التاريخ ليست مرتبطة بشركة أبل ولكن (بالتفاحة الكبيرة) Big Apple وأعنى بها مدينة نيويورك. المركز العصبي لدينا المال والاعمال والبنوك والبورصات في العالم كله هي جزيرة مانهاتن في نيويورك وهي بهذا أغلى منطقة تجارية في العالم ومع ذلك تم شرائها بمبلغ في حدود 24 دولار فقط. يقال أن الهولنديين اشتروا عام 1626جزيرة مانهاتن من الهنود الحمر بذلك المبلغ الزهيد وذلك كقيمة لبعض الاقمشة وعقود الخرز لكن الاغرب من ذلك أن الهولنديين أنفسهم اضطروا بعد ذلك بعدة عقود أي في عام 1667 لبيع جزيرة مانهاتن للبريطانيين على أن يحصلوا بدلا عنها على جزيرة بركانية في وسط المحيط الهادي تشتهر بزراعة التوبل. وعلى نفس الدرجة تقريبا من عدم التوفيق الاستثماري باع نابليون بونبارت اقليم لويزيانا الفرنسية للولايات المتحدة بمبلغ 11 مليون دولار وهو مبلغ زهيد جدا لشراء منطقة جغرافية تشكل الأن حوال 15 ولاية أمريكية بمساحة تقارب ربع مساحة الحالية للولايات المتحدة الامريكية !!!.

عدم التوفيق في الصفقات متكرر في تاريخنا القديم والاوسط والحديث ففي الجاهلية يقال أن قصي بن كلاب اشترى في جلسة سمر مفتاح الكعبة وسدانتها من شيخ قبيلة خزاعة بزق (وعاء) خمر بينما الشاعر العباسي سالم الخاسر أكتسب سبة الدهر وذلك اللقب الشنيع لأنه يقال أنه باع مصحف شريف واشترى بثمنه طنبورا أي آلة موسيقية شبيهه بالعود.

جعلنا الله واياكم ممن يقال لهم (ربح البيع .. ربح البيع)  في الدنيا والاخرة.

  


الأربعاء، 18 يوليو 2018

( فؤاد سيزكين وإعادة اكتشاف تاريخ العلم الضائع )

فؤاد سيزكين ..  هل هو فعلا مكتشف الكنز المفقود ؟!!

د/ أحمد بن حامد الغامدي

للفيلسوف والمفكر الالماني الكبير جوتيه طلب جريء حيث كان يرى ضرورة إعادة (كتابة التاريخ) من حين لآخر وهذا أمر يصعب لأهل المشرق تنفيذه لأن ذلك أمر مسبب للاختلاف ولكن يكفيهم في الوقت الحاضر محاولة إعادة (اكتشاف التاريخ) كل زمن وآخر. قبل عشر سنوات فقط نشر الكاتب والسياسي الامريكي مايكل مورجان كتابه الرائع (تاريخ ضائع) والمتعلق برصد أبرز معالم وانجازات العلوم العربية والاسلامية في الطب والعلوم البحته. وبالرغم من أن الهدف الاساسي للكتاب كان تعريف المجتمع الغربي والاوروبي بالتراث العلمي الضائع للعرب والمسلمين إلا إن الواقع المرير يشير إلى أنه وحتى عقود زمنية ليست بعيدة كثيرا كانت الأمه العربية نفسها شبه مغيبة عن تاريخها العلمي الباهر.
كما هو معلوم ازدهرت العلوم العربية في (عصرها الذهبي) في القرن الثاني الهجري ولكن بعد ذلك بألف سنه غيب عن العرب تقريبا هذا التاريخ العلمي المجيد ففي نهاية القرن الحادي عشر الهجري لم يبقى في الذاكرة التاريخية العربية من أخبار الانجازات العلمية إلا أسماء الكتب والمخطوطات العلمية وبعض المعلومات العامة التي نشرها المؤرخ والجغرافي العثماني المعروف حاجي خليفة في كتابة المهم (كشف الظنون عن أسامي الكتب والفنون). وربما لا نبالغ كثيرا إذا قلنا أنه باستثناء كتب الطب والصيدلة والعطارة لم يتبقى إلا فئة قليلة من العرب من يهتم بنسخ ودراسة واقتناء المخطوطات العلمية البحته ولهذا أصبح هذا النوع من الفنون المعرفية شبه منسي. للأسف الشديد عندما خفت وهج ذلك التاريخ العلمي العربي المنسي لم يظهره مره ثانية للنور المحققون والباحثون العرب والمسلمين وإنما كان للمستشرقين الجهد الرائد في نشر الميراث  العلمي العربي والتعريف به. لقد كانوا هم من  بدأ في إعداد الدراسات العلمية والتاريخية على مخطوطات الكتب العلمية العربية بعد ترجمتها ونشروا في ذلك الالاف من  الدراسات والمئات من الكتب بل أنهم نشروا المجلات البحثية المتخصصة في هذا المجال والموسوعات المعرفية. ومن عجائب الصدف أن أبرز وأكثر المخطوطات العلمية العربية موجودة اليوم ليس في المدن والعواصم العربية ولكن في مكتبات فرانكفورت الالمانية وليدن الهولندية  وبوردو الفرنسية.
وفي حين أن  اسهام العلماء والباحثين العرب في التعريف بالحضارة العلمية العربية لم يتم إلا في النصف الثاني من القرن العشرين نجد أن بعض المستشرقين ومنذ فترة مبكرة جدا ساهموا بمجهود مميز في هذا المجال. فالمستشرق الفرنسي جان جاك سديو ومنذ مطلع القرن التاسع عشر ظل لعقود طويلة ينشر الابحاث عن علم الفلك الاسلامي في حين أن المستشرق الالماني فرانز  فبكه نجده في نفس تلك الفترة تقريبا يعتني بدراسة كتب علم الرياضيات العربية. بل أن الأغرب من ذلك أن عالم الفيزياء الالماني إيلهارد فيدمان ليس فقط نجده في نهاية  القرن التاسع عشر يهتم بدراسة الكتب العلمية العربية ولكن أيضا كان هو تقريبا أول شخص يبدع فكرة (إعادة إحياء) الآلات والمخترعات العلمية العربية حيث قام بنفسه بصناعة عدد كبير من نماذج الآلات العربية القديمة وبعض هذه النماذج ما زالت موجودة في أرشيف متحف مدينة ميونخ الالمانية. وهذا العالم  فيدمان يعتبر أعجوبة بحق في تنوع المواضيع العلمية العربية التي نشر مخطوطاتها في موسوعته الضخمة (مقالات في تاريخ العلوم العربية) والتي ترجمها أستاذنا الجليل الدكتور عبدالله حجازي ونشرتها جامعة الملك سعود بالرياض في مجلدين ضخمين بلغ عدد صفحاتهما 1467 صفحة.
وبعد هذه المقدمة السردية المختصرة وبالرغم من شعورنا بالحزن الشديد على المصاب الكبير على الامة الاسلامية والعربية بوفاة العالم والباحث الكبير فؤاد سزكين قبل ايام قليلة إلا أنه يصعب علينا تجنب طرح فكرة التدقيق في صحة توصيفه بأنه (مكتشف الكنز المفقود). قبل حوال ثلاث سنوات قام الكاتب التركي عرفان يلماز بنشر كتاب رائع جدا حمل عنوان (مكتشف الكنز المفقود وجولة وثائقية في اختراعات المسلمين) وهذا الكتاب أشبه بالسيرة الذاتية لحياة الفقيد الكبير الدكتور فؤاد سيزكين وجهوده الفريدة والضخمة في نشر التراث العربي وخصوصا في مجال العلوم الاسلامية. كما يتطرق الكتاب للمجهود الرائد والهام للدكتور سيزكين في تأسيس معهد تاريخ العلوم العربية والاسلامية في مدينة فرانكفورت وكذلك اسهامه في تصنيع الآلات والمخترعات العربية القديمة واقامته للمتاحف العلمية المتخصصة بها. ومع كامل التقدير والاعتراف بأسبقية وجهود ومشوار الدكتور فؤاد سزكين في هذا المجال والذي امتد لأكثر من  نصف قرن إلا أن وصفه بأنه (مكتشف الكنز) العلمي العربي المفقود هو توصيف غير دقيق.
أعتقد أنه من الاجحاف إغفال أن المستشرقين هم من بدأ مشوار (اكتشاف تاريخ العلم العربي) بل أن جهود العالم والمؤرخ البلجيكي جورج سارتون في كتابه الموسوعي (تاريخ العلمي) في التعريف بالعلوم العربية تعتبر رائده بكل المقاييس خصوصا وأنها من قامة علمية ذات مكانة بحثية عالية ومصداقية كبيرة.
بقي أن نقول أن الابحاث والدراسات العلمية والتاريخية في مجال التعريف بالعلوم العربية والاسلامية مجال نشط ومتجدد وللعديد من العلماء والمؤرخين المعاصرين قدم راسخة في هذا المجال ونخص بالذكر هنا المؤرخ اللبناني جورج صليبا أستاذ العلوم العربية والإسلامية بجامعة كولومبيا الأمريكية  والمؤرخ الإيراني الأصل سيد حسين نصر أستاذ الدراسات الإسلامية بجامعة جورج واشنطن والمفكر والمؤرخ المصري رشدي راشد الباحث في المركز الفرنسي القومي للأبحاث العلمية الذين لهم انتاج أكاديمي في قلب العالم الغربي. كما لا يفوتنا الاشارة والاشادة بالجهود المخلصة والمميزة لعالم الرياضيات السعودي الكبير علي بن عبدالله الدفاع وسلسة كتبه (إسهام علماء العرب والمسلمين) وكذلك الزميل العزيز الدكتور والكاتب العلمي السوري سائر بصمة جي الذي يعتبر حاليا ومن وجهة نظري هو خليفة فؤاد سيزكين وحامل لواء هذا العلم المعرفي العربي الرائق.


الخميس، 5 يوليو 2018

( في السياسة .. معظم النار من مستصغر الشررِ )

الارشدوق النمساوي .. قبل اغتياله واندلاع الحرب العالمية الاولى

إذا أراد الله سبحانه أمراً هيأ أسبباه 

التاريخ البشري حافل بأحداث القتال والمعارك ولكنها في الغالب معارك معزولة بين دول وشعوب محدودة. هذه القاعدة والمسلمة الحربية تغيرت بشكل حاد بعد اندلاع الحرب العظمى (الحرب العالمية الأولى WWI) والتي انطلقت شرارتها في مثل هذا اليوم أي ( يوم 28 يونيو ) قبل حوالي قرن من الزمان وذلك من جراء حدث ليس بالجلل تم في شارع عادي في مدينة منسية (في ذلك الوقت) تدعى سراييفو. في ذلك اليوم من عام ١٩١٤م تمت الحادثة الغريبة لاغتيال ولي عهد الامبراطورية النمساوية فرانز فرديناد في مدينة سراييفو ولحكمة شائها المولى عز وجل كُتب على البشرية ان تندلع أشرس حرب عسكرية وأخطر زلزال سياسي سوف يعيد تشكيل خارطة دول وشعوب وإمبراطوريات وكل ذلك من جريرة حادثة كل الظروف الاعتيادية تحتم الا تقع. كانت الامبراطورية النمساوية المجرية تحكم بلاد البلقان حيث كانت الاقلية الصربية مغالية جدا في تعصبها الديني ومعارضتها السياسية وعلية كانت زيارة الأرشيدوق وريث عرش النمسا لمدينة سراييفو خطأ فادحا ما كان ينبغي أن يقع. وفي حال تمت تلك الزيارة كان من الخطأ كذلك ان تتم في توقيت عيد القديس فيتوس الذي يتوافق مع معركة حربية خسراها الصرب وبالتالي كان من الحماقة استفزاز مشاعرهم بمثل تلك الزيارة في ذلك التوقيت.

الغريب في الامر ان المحاولة الاصلية للاغتيال الأرشيدوق تمت من خلال محاولة تفجير سيارته عن طريق رمي قنبلة يدوية عليها وهو ما تم بالفعل، ولكن شاء الله ان تتدحرج القنبلة ولا تنفجر الا في السيارة التي خلفها وبهذا نجى الأرشيدوق وزوجته من موت محتوم. وكان المفترض بعد ذلك ان يتم التشديد في حماية الأرشيدوق لان شكوك الاستخبارات المسبقة قبل زيارته كانت في محلها ولكن تدخل قدر الله فبعد ان غادر الموكب مكان الحدث طلب الأرشيدوق أن يزور المستشفى الذي به الجرحى الذين أصيبوا من حادث التفجير الذي تم صباح ذلك اليوم وهنا تحدث المفاجأة الكبرى.

في الواقع كان أحد المتعصبين الصرب الذين شاركوا في محاولة التفجير قد غادر الموقع قبل أن ينتبه له رجال الأمن وبحكم انه أعتقد ان محاولة الاغتيال قد كتب لها الفشل لذا حاول ان يبعد عن نفسه الشبهات فتوجه وكأنه زبون عادي لاحتساء القهوة في شارع فرانز جوزيف قرب الجسر اللاتيني على نهر سراييفو. وهنا ساق الله الأرشيدوق ليذهب بنفسه إلى حتفه وليقع بين يدي قاتله وذلك أنه حصل خلاف بين قائد شرطة سراييفو والقائد العسكري للمنطقة حول خطة تأمين شوارع المدينة وبالتالي كان شارع فرانز جوزيف غير مأمن بشكل جيد. ولسبب غير معروف توقف موكب سيارات الأرشيدوق امام ذلك المقهى وهنا وبكل بساطة أخرج الشاب الصربي المدعو غافريلو (عضو جماعة القبضة السوداء المتعصبة) مسدسه وأطلق النار على الأرشدوق وزوجته فأرداهم قتلى.

 ما تلى ذلك أصبح من التاريخ كما يقال:

أعلنت النمسا الحرب علي صربيا

تدخلت روسيا لمساندة الصرب

أعلنت بريطانيا وفرنسا وإيطاليا دعمهم لروسيا

أعلنت ألمانيا تحالفها ومساندتها للإمبراطورية النمساوية وتم جر رجل الدولة العثمانية معهم

وبهذا حصلت كارثة الحرب العالمية الاولى

 البوسنة والهرسك أرض البؤس والهرس

ما حصل بين دول وشعوب وامبراطوريات ذلك الزمان معقد وإن أمكن تبريره وتفسيره بشكل مختزل فربما يتم ارجاعه لعوامل: الاحتقان العرقي والتنافس السياسي واسترجاع التاريخ. ما تم في بلاد البلقان في مطلع القرن العشرين تكرر مرة أخرى بمأساوية مفجعة في نهاية ذلك القرن، فبسبب الاحتقان العرقي والتنافس السياسي واسترجاع التاريخ تم مرة ثانية إشعال حرب عرقية سياسية في أرض يوغوسلافيا التي تشكلت من مزيج عرقي وديني متنافر من الصرب والكروات والبوسنويين وغيرهم من الاعراق الارثودكسية والكاثولوكية والاسلامية.

 ولهذا ليس من باب الغرابة بمكان أنه لم تندلع حرب في القارة الاوروبية بعد نهاية الحرب العالمية الثانية الا في يوغوسلافيا فهي أرض خصبة دائما للتشرذم والصراع. وهكذا تحولت فجأة (أرض عدم الانحياز) زمن الزعيم البارز جوزيف تيتو إلى بلاد التشظي والانحياز السياسي والديني والعرقي وذلك بعد سنوات قليلة من وفاة تيتو في مطلع الثمانينات من القرن العشرين. ونتيجة للاستحضار والاستجرار الصارخ للتاريخ حصلت الكارثة البقعاء في أرض البلقان فكما تسببت زيارة الارشيدوق سابقا زمن ذكرى هزيمة الصرب في اندلاع الحرب العالمية الاولى تسببت ذكرى هزيمة أشنع وأقدم للصرب في اندلاع الحرب الاهلية اليوغوسلافية. إرهاصات زلزال هذا الانقسام حصلت في عام ١٩٨٩م عندما أحتفل التيار المتطرف من القومية الصربية بمرور ستة قرون على (معركة كوسوفو) عام ١٣٨٩م والتي أنتصر فيها الجيش العثماني وتم فتح بلاد البلقان ودخلها الاسلام.

ولهذا بدأت الاحزاب المتطرفة الصربية من عام ١٩٨٩م في التصريح بكل صفاقة بطلب (تطهير) الأراضي الصربية من المسلمين وإعادة تهجيرهم الي تركيا وأرض البشناق ومن هنا اندلعت لاحقا حرب البلقان. ولهذا كان الصراع داميا وجرائم الابادة الانسانية أبشع في حرب الصرب للمسلمين في البوسنة وحصارهم الرهيب والطويل لمدينة سراييفو وما حصل في هذه الحرب أشنع بما لا يقاس بما حصل من حرب بين الكروات الكاثوليك والصرب الأرثودوكس. 

للأسف لا أحد يتعلم من التاريخ الذي ما برح يكرر نفسه حيث أن أسباب وعوامل (الاحتقان العرقي والتنافس السياسي واستجرار التاريخ) هي نفسها التي تسببت في حرب المائة عام بين بريطانيا وفرنسا وحرب الثلاثين عام بين فرنسا و الامبراطورية الالمانية القديمة فضلا عن كوراث الحربين العالميتين وما بعدها. وخط التاريخ الاستطرادي المستقبلي ما زال في عنفوان اندفاعه وللأسف تاريخ البشرية في القديم والحديث (سلسلة متواصلة من الاخطاء) التي تبدأ أحيانا بمسببات تافهة هي مستصغر الشرر والذي سرعان ما يشعل مستعظم الضرر.

اليوم الخميس الثامن والعشرين من شهر يونيو من عام ٢٠١٨م أقف في (بؤرة الحدث) الذي تم في نفس هذا اليوم قبل حوالي قرن من الزمن واسترجع كيف تسبب (تراكم الاخطاء) البسيطة في قصة اغتيال ولي عهد النمسا في تغيير واقع التاريخ البشري بصورة غير مسبوقة. مخاض قاسي عانته البشرية جمعاء جراء الحروب العالمية وظهور الشيوعية ومع ذلك يمكن استشراف الخير من خضم الشر. فها هي ذا سراييفو ذاتها والبوسنة من خلفها قد (تعافت وصحٓت) بعد بؤس ولهذا ليس لي إلا أن أترنم بقول طيب الذكر المتنبي عندما فلسف حكمة احتمالية وقوع البلاء :

لعل عتبك محمودٌ عواقبهُ

                    وربما صحٓت الاجسام بالعللِ