الثلاثاء، 9 يوليو 2019

( موسكو في الذاكرة العربية )

على خطى أنيس منصور نقول لكم (أطيب تحياتي من موسكو)

د/ أحمد بن حامد الغامدي
الذاكرة والذائقة العربية منذ القديم غربيّة الهوى ومسلوبة النّوى أمام الغرب وأهله مقارنة بالشرق ونسله ومن ذلك مثلا الفرق الشاسع في عمق الذكريات العربية لمدينة موسكو الشرقية بالمقارنة والمقابلة مع مدينة باريس الغربية. في بدايات النهضة العربية الحديثة أرسل حاكم مصر الوالي محمد على باشا البعثات شرقا وغربا ولكن شتان ما بين الجهتين في ندى الذاكرة وثراء التواصل. في منتصف القرن التاسع عشر وخلال فترة زمنية متقاربة تم ارسل الطهطاوي إلى باريس والطنطاوي إلى موسكو ولأسباب مختلفة ومعقدة لاقت رحلة رفاعة رافع الطهطاوي إلى باريس اهتماما فائقاً  من الناحية الفكرية والأدبية في حين تلاشت في غياهب النسيان رحلة محمد عيّاد الطنطاوي إلى موسكو. لقد كان كتاب الطهطاوي الذائع الصيت (تخليص الإبريز في تلخيص باريز) الدليل الإرشادي وبوصلة التوجيه لفكر النهضة الغربية في حين بقي كتاب الطنطاوي (تحفة الأذكيا بأخبار بلاد الروسيا)على هامش كتب أدب الرحلات بالرغم من أنه كان جديرا بأن يفيد الأمة العربية الفتية في ذلك الزمن في تلمس دروب الادارة المدنية والاقتصادية والعسكرية من خلال التجربة الشرقية الروسية.
تنبيه جدير بالذكر وبالبيان أنه بالرغم من الأهمية الحضارية الفائقة لروسيا القيصرية إلا أن الاهتمام العربي ضئيل وخافت بتلك الامبراطورية الشرقية التي كانت ولا زالت تناطح الامبروطوريات الغربية. وبحكم أننا في سياق أدب الرحلات وخواطر الذكريات كم من الادباء والمفكرين العرب في بواكير عصر النهضة أرتحل للأراضي الروسية وكم منهم جعل المدن السلافية والحواضر السوفيتية محور روايته وأعماله الادبية. بينما في المقابل نجد كبار الادباء والمفكرين يخرجون عشرات الكتب والروايات عن مدن ودول الغرب فهذا رائد الأدب اللبناني أحمد فارس الشدياق يؤلف عن إقامته الطويلة في لندن وباريس كتابه الشيق (كشف المخبا عن أحوال أوروبا) وعلى نفس النسق سطر كبار أدباء الديار المصرية ذكرياتهم البارسية كما في كتاب الشاعر والاديب البارز زكي مبارك (ذكريات باريس) وكتاب شيخ العروبة أحمد زكي باشا (الدنيا في باريس). بينما السياحة والترحال في المدن الايطالية يمكن معرفة اخبارها من كتاب محمد بيرم التونسي (صفوة الاعتبار بمستودع الأمصار والأقطار) وكتاب (غرائب الغرب) للمؤرخ والرحالة السوري محمد كرد علي والذي هو ايضا الخيار المناسب لمعرفة دول أوروبية أخرى مثل ألمانيا واليونان وسويسرا. أما فاتنة وشاغلة الدنيا امريكا فكتب عنها كما هو معلوم (أمريكا التي رأيت) لسيد قطب وقبل ذلك نشر فيليب حتي (أمريكا في نظر شرقي) بينما وثق الروائي المصري الشهير يوسف إدريس زيارته لأمريكا في روايته الأدبية (نيويورك 80). وعلى ذكر الروايات الأدبية قد يكون عنوان رواية يوسف إدريس واضح الدلالة بارتباطه بأدب الرحلات لكن الغريب في الأمر أن بعض أهم وأشهر الروايات في الأدب العربي الحديث هي عن رحلة الأديب إلى الغرب والاقامة فيه. ويكفي أن نشير لروايات (عصفور من الشرق) لتوفيق الحكيم و(أديب) لطه حسين و(قنديل أم هاشم) ليحي حقي و(موسم الهجرة إلى الشمال) للطيب صالح و(الحي اللاتيني) لسهيل إدريس.
 
بدايات التواصل الروسي
ما سبق ذكره قد يعطي انطباع خاطئ حول (انقطاع) التواصل مع الآخر الروسي لكنه بحق يعزز (هامشية) الرحلات الروسية في الواقع العربي ومع ذلك فإن جغرافية وتاريخية الأمور ليست متماثلة دائما. من غرائب الأمور أن نقص نصيب بلاد الجليد الروسية في مجال (جغرافيا) السياحة يقابله نصيب موفور ومميز في مجال (تاريخ) الرحلات العربية. من المعلوم أن عصر الرحلات العربية تم تدشينه بالرحلة المشهورة لأحمد بن فضلان إلى بلاد الروس والصقالبة زمن الخليفة العباسي المقتدر بالله وبهذا كانت الأراضي الروسية هي وجهة أول رحله موثقة في تاريخ العرب عندما وصف ابن فضلان تفاصيلها في كتابه المعروف باسم (رسالة ابن فضلان). وبحكم أن وصف ابن فضلان للديار الروسية هو أقدم وثيقة تاريخية موجودة للتاريخ المبكر لتك البقاع من العالم ولهذا لا غرابة أن رسالة ابن فضلان لاقت اهتمام بالغ من المؤرخين الروس ومن المستشرقين على حدا سواء. لدرجة أن بن فضلان أثر على من جاء بعده من المؤرخين حيث قبل زيارته لتلك الاصقاع الشمالية كانت تعرف باسم بلاد الخزر أو بلاد الصقالبة وعندما وصف ابن فضلان القبيلة السلافية التي كانت تعيش هنالك بقبيلة الروس اشتهر هذا الاسم وبدأ في حجب الأسماء القديمة.
بالمناسبة يوجد تقاطع وتشابه كبير بين أسباب رحلة ابن فضلان للبلاد الروسية في القديم ورحلة محمد عيّاد الطنطاوي في العصر الحديث حيث أن كلا منهما ذهب لتعليم أهل تلك الديار القصية سواءً لأمور الدين الإسلامي أو معارف اللغة العربية. فأما ابن فضلان فالمشهور أنه سافر على رأس وفد من العلماء والفقهاء أرسلهم الخليفة العباسي المقتدر بالله من بغداد استجابة لملك الصقالبة في البقاع الروسية أن يبعث لهم من يعلمهم شعائر الإسلام ويبنى لهم مساجد العبادة. في حين سفر الرحالة الطنطاوي كانت استجابة هي الأخرى لطلب القيصر الروسي نيقولاي الأول من حاكم مصر محمد علي أن ترسل بلاده أحد أساتذة اللغة العربية للتدريس في قسم اللغات الشرقية بوزارة الخارجية الروسية. وكنوع من رد الجميل من قبل القيصر الروسي للوالي المصري تم تقريبا في نفس الفترة من منتصف القرن التاسع عشر استقبال أثنين من شباب مصر هما علي محمد وعيسى الدهشوري لدراسة علم المعادن واستخراج الذهب وهو ما حصل على يد خبراء هندسة التعدين في مناجم جبال الاورال الروسية.
الجدير بالذكر أن أواصر التعاون والتقارب بين الأسرتين الحاكمتين في مصر وروسيا (الأسرة الخديوية وأسرة رامانوف الإمبراطورية) تعززت في نهاية القرن التاسع عشر عندما قام أبناء الخديوي توفيق وهما الأمير عباس حلمي (حاكم مصر لاحقا) والأمير محمد علي بزيارة روسيا وتم استقبالهم بشكل رسمي من قبل الإمبراطور الكسندر الثالث الذي منحهما أرفع الأوسمة التشريفية. ويبدو أن تعلق الامير محمد على بروسيا كان جارفاً لدرجة أنه كرر زيارته لروسيا ثلاث مرات وفي عام 1909 قام بزيارة مطولة في أغلب أرجاء روسيا قادته بعد ذلك إلى اليابان. ومن هنا سطّر الأمير الخديوي محمد على ذكرياته الشخصية في روسيا في كتاب حمل عنوان رحلة إلى اليابان. وبعد ذلك بعدة عقود من الزمن سوف تثير زيارة أمير عربي آخر لروسيا اهتمام كبير ليتم توثيقها في كتاب خاص وهذا ما حصل مع زيارة الأمير فيصل بن عبدالعزيز آل سعود لروسيا عام  1932م والذي أصدر مركز الملك فيصل للبحوث والدراسات الاسلامية كتاب خاص عن هذه الزيارة حمل عنوان (الفيصل في روسيا) من تأليف الباحث الروسي المشهور فيتالي نعومكين.
بهذه المناسبة لعل من الملائم التنويه بأن العديد من الكتب العربية التي تتعلق بالتواجد العربي في روسيا هي لشخصيات سياسية ودبلوماسية عاشت في روسيا لفترة من الزمن وبالتالي رغب أولئك الاشخاص في تسجيل ذكرياتهم الشخصية والسياسية على هيئة كتب منشورة سواءً  في أدب الرحلات أو كتب العلاقات الدولية. ومن ذلك مثلا كتاب الوزير والمستشار الفلسطيني نبيل عمرو (1000 يوم في موسكو) والذي خصصه لسرد مذكراته عندما كان ممثلا لمنظمة التحرير الفلسطينية في موسكو. ويبدو أن الوزير الفلسطيني كان إلى حداً ما يسير على خطى وخارطة سلفه في الدبلوماسية العربية وزير الخارجية السوري الأسبق جمال الفرّا والذي كان في فترة الخمسينات الميلادية سفير  الجمهورية السورية في موسكو ولهذا قام بتوثيق مذكراته الدبلوماسية في كتاب حمل عنوان (ثلاث سنين في بلد لينين).

رواد السياح العرب في الساحة الحمراء
كما هو متوقع الباعث الحثيث على مشاق السفر الغثيث في الزمن ما قبل الحديث هو أن يكون الرحالة والمسافر مبعوث في مهمة رسمية ذات أبعاد سياسية أو أهداف استكشافية علمية وهذا ما كان عليه حال رواد (الرحالة) العرب. أما المفهوم الحديث نسبيا (للسياحة) وهو السفر بهدف الترفيه والاستجمام فهو أمر لم يكن شائعاً فيما مضى وبحكم حديثنا عن الذكريات العربية عن البلاد الروسية فربما يكون أول سائح عربي زار الاراضي القيصرية هو رائد السياح العرب الرحالة المصري محمود رشاد بك والذي بعد اعتزاله للعمل في سلك القضاء كرئيس لمحكمة مصر كرّس وقته وجهدة وماله للسفر شرقا وغربا. ومن ذلك قيامه في عام 1913م برحلة سياحية إلى الامبراطورية القيصرية سجل ذكرياتها في كتاب حمل عنوان (سياحة في الروسيا) سرد فيه مشاهداته وذكرياته السياحية منذ أنطلق من مدينة الاسكندرية وحتى ختم رحلته الطويلة والشاقة بمدينة موسكو. في الواقع أبرز ما يميز هذه الرحلة السياحية عن غيرها أن محمود رشاد بك كان في الأصل أديب ومفكر ولهذا أعتنى كثيرا في كتابه بوصف الاجواء الثقافية في روسيا في ذلك الزمن الذي شهد ظهور أباطرة الادب الروسي الكبار مثل تولستوي الذي حظي بمقابلته وتلقى منه دعوة أن يزوره في مزرعته الخاصة. كما أنه ساهم في الحث على ترجمة رائعة الأدب الروسي (الجريمة والعقاب) لدستوفيسكي من اللغة الروسية إلى اللغة العربية.
الجدير بالذكر أنه أثناء ما كان يقوم بعض الأدباء العرب بالترجمة من الروسية إلى العربية نجد أن المفكر والأديب اللبناني المعروف ميخائيل نعيمة كان يستطيع ان يؤلف الكتب باللغة الروسية وذلك لأنه تلقى عام 1905م دراسته الجامعية في روسيا والتي اقام فيها لمدة ستة  سنوات. من المشهور أن ميخائيل نعيمة من أشهر شعراء المهجر العربي بعد جبران خليل جبران ولهذا هو حاصل على الجنسية الامريكية وأقام فيها لفترة طويلة وبسبب تنقل ميخائل نعيمة من أقصى الشرق إلى أقصى الغرب لا غرابة على مفكر مثله أن يسطر فلسفته وافكاره التي استفادها في حياته الطويلة في كتاب حمل عنوان معبر (أبعد من موسكو ومن واشنطن).
يبدو أن جسور التواصل بين الادباء الروس والادباء العرب ممتدة ومتعددة ولعل من أهمها على الاطلاق قيام اتحاد الكتاب السوفييت بتنظيم مؤتمر أدباء أسيا وافريقيا عام 1958م وقد شارك فيه لفيف من أبرز أدباء مصر حيث كان رئيس الوفد المصري الكاتب الكبير على أحمد باكثير والذي حضر المؤتمر بمعية شوقي ضيف و ومحمد سعيد العريان وعبدالرحمن الشرقاوي وغيرهم. وكما هي العادة في رحلات الادباء غالبا ما تكون على درجة علية من الثراء الثقافي والمعرفي فإن تفاصيل هذه الرحلة الشيقة التي قام بها الأديب المخضرم على أحمد باكثير سطرها في كتاب خاص حمل عنوان (يوميات على أحمد باكثير في روسيا) ولعل من أبرز ما ذكر فيه قيام باكثير بإلقاء كلمة وفود المؤتمر أمام الرئيس الروسي خرتشوف في قصر الكرملين المشهور.
وبمناسبة ذكر الحديث عن العلاقات بين روسيا السوفيتية والجمهورية المصرية زمن القومية العربية الاشتراكية لا غرابة أن نجد أن أكثر من زار الديار الروسية من الرحالة والسياح العرب هم الأخوة المصريين. ولهذا نجد أنه كوسيلة لتوثيق الصلات بين الاتحاد السوفيتي وبين الجمهورية المصرية تم ارسال العديد من مشاهير رجال الصحافة المصرية لزيارة روسيا وكتابة التقارير الصحفية عنها والتي تم تحويلها لاحقا إلى كتب شيقة ذائعة الانتشار مثل الكتاب اللطيف (أطيب تحياتي من موسكو) للصحفي والكاتب البارز أنيس منصور والذي ذكر فيه أنه تقابل في موسكو مع الشاعر الفلسطيني الكبير محمود درويش. ومن الكتب الصحفية عن البلاد الروسية كتاب (شهر في روسيا) للصحفي أحمد بهاء الدين رئيس تحرير جريدة الأهرام ولاحقا ألّف المفكر المصري المعروف يوسف القعيد آخر الكتب المهمة عن الاتحاد السوفيتي قبل ان ينهار (الكتاب الأحمر: رحلاتي في خريف الحلم السوفييتي) وهو عبارة عن مجموعة مقالات تتناول مشاهدات القعيد أثناء رحلاته الاربع إلى روسيا الشيوعية.
من أوجه ودعائم توثيق الصلات بين الاتحاد السوفيتي الروسي وبين أنظمة الدول العربية الاشتراكية في القديم زمن شيوع الشيوعية حصول عشرات الالف من الشباب العربي على منح دراسية في روسيا والعديد منهم تعلم في موسكو بجامعة الصداقة بين الشعوب. وبمناسبة ذكر دور روسيا في مد نفوذها عبر القوة الناعمة يقال أن موسكو كانت تفخر في فترة ما بأن بها نصف مليون طالب جامعي نسبة لا بأس بها منهم من خارج البلاد. وبالرغم من أن عشرات الاف من الشباب العربي تم ابتعاثهم في فترة الستينات والسبعينات وما بعدها إلى روسيا وخصوصا من الدول العربية التي كانت تدور في الفلك السوفييتي مثل سوريا واليمن الجنوبي ومصر والعراق وليبيا إلا أن الغالبية الساحقة منهم للأسف لم يخلدوا ذكرياتهم بنشر كتب أو مقالات صحفية عن تجربتهم الخاصة تلك. الشاعر العراقي المعاصر حسب الشيخ جعفر يشير إلى أنه أول مره التقى فيها الشاعر العراقي البارز عبدالوهاب البياتي كان ذلك في موسكو عام 1960م عندما كان يدرس بها وكان البياتي يعمل كملحق ثقافي في السفارة العراقية. وما يستحق الاشارة له هنا هو التجربة الأدبية للشاعر والروائي نزار دندش وهو أكاديمي لبناني متخصص في علم الفيزياء وعاش تجربة الابتعاث والدراسة الجامعية في مدينة موسكو في فترة السبعينيات الميلادية. قد تكون رواية (الحي اللاتيني) هي أهم رواية ادبية على الاطلاق في تاريخ لبنان وهي من تأليف الروائي اللبناني سهيل أدريس وتعكس الرواية تجربته الشخصية للابتعاث والدراسة في باريس في فترة الخمسينيات الميلادية وتدور الرواية حول العلاقة بين الشرق والغرب وحال وواقع الطلبة العرب في الغربة. وعلى نفس النسق تماما قام الروائي المعاصر نزار دندش بسرد (ذكريات ويوميات) تجربته في الدراسة بمدينة موسكو في فترة السبعينيات الميلادية وعالم الطلبة العرب المبتعثين للدراسية في الديار الروسية. كما يشي عنوان الرواية من خلال التماهي بين ليالي ويوميات موسكو الحمراء نجد الرواية مثخنة بالأجواء العاطفية المتوقعة للشباب الغر وغير المحصن لكن أهم ما تفردت به الرواية من وجهة نظري إعطاء لمحة للحراك السياسي للشباب العربي المبتعث والصراعات والخصومات السياسية والفكرية التي نشبت بينهم جراء اندلاع الحرب اللبنانية الاهلية وتدخل الجيش السوري في لبنان. وقد لمحت الرواية بشكل طفيف للنشاط السياسي لروابط واندية الطلبة العرب المبتعثين وناقشت بمزيد توسع نشاط أتحاد الطلبة اللبنانيين. الأهم من ذلك أن المؤلف اشار بشكل عام لتوسع اهتمام السفارة العراقية بالطلاب العرب ومحاولة استقطابهم.

وفي الختام بقي أن نقول أنه في الوقت الذي كان للعديد من الدول العربية نوع تواصل مع الشعب الروسي من خلال العلاقات الدبلوماسية الرسمية أو التغطية الصحفية المستمرة أو من خلال البعثات الطلابية كنا في واقعنا المحلي في قطيعة تامة مع ذلك العالم الاشتراكي الماركسي. ولهذا لا غرابة أنه بعد بداية التواصل المعاصر مع الشعب الروسي المجهول والمنسي في عام 1986م من خلال زيارة الراحلة الشيخ محمد العبودي للأصقاع الروسية (على رأس وفد لرابطة العالم الإسلامي) وثق الشيخ رحلته التاريخية الهامة تلك بكتاب حمل عنوان لمّاح (في بلاد المسلمين المنسيين). هذا النسيان للجالية الاسلامية في روسيا والتجاهل للشعب الروسي بدأ يتغير منذ سنوات بشكل ملموس فمنذ لحظة سقوط الشيوعية وحتى يوم الناس هذا قام ويقوم عشرات الالف من العرب والخليجيين بزيارة روسيا (خصوصا العام الماضي  وقت بطول كاس العالم 2108) أرض الجليد والبأس الشديد.



الجمعة، 7 يونيو 2019

( ماذا خسر العرب من فتح الأندلس !!! )

هل يمكن تصور الحضارة الاسلامية من دون روائع العمارة الاندلسية

د/ أحمد بن حامد الغامدي

بالإذن من المحرر النّحوي والمدقق اللغوي تعمدت ختم عنوان المقال بعلامة تعجب ! بدلاً من استخدام أداة الاستفهام ؟. من أصعب الاسئلة التي قد تجاوب عليها هي تلك الأسئلة البديهية أو الساذجة. ولهذا عندما يثار التساؤل حول هل كان فتح بلاد الأندلس نكسه على الاسلام أو سبب في تخلف العرب فمثل هذه التساؤلات الغريبة أقل ما تقابل به علامات التعجب !! وزفرات التسخط. لا يصح في الافهام شيء إذا احتاج غزو العرب للأندلس إلى تبرير وتعليل فضلا عن اعتبار فتح الفتوح هذا مصدر نكسه وسبب تخلف. الغريب في الأمر أن إحدى أهم وأقوى الامبروطوريات على مدار التاريخ وهي الامبراطورية الرومانية لم تكتمل عظمتها وقوتها إلا بعد السيطرة على الاراضي الاسبانية ولهذا نجد أن القيصر الروماني أغسطس يترك عاصمة ملكه في مدينة روما ويتجه على رأس حملة عسكرية ضخمة استمرت عشر سنوات حتى يسيطر على أرض الأندلس. صحيح أن سلة غذاء الامبراطورية الرومانية كانت حقول القمح المصرية وسهول حوران الشامية لكن أهم مناجم المعادن بالنسبة لتلك الامبراطورية كانت المناجم الاسبانية لدرجة أنه توجد بها مدينة اسمها (المعدن Almaden) اشتهرت من زمن الرومان بكثرة مناجمها. الأهمية الاقتصادية والسياسية للأندلس جعلت القيصر يرابط فيها لمدة عشر سنوات حتى يفتتحها بينما الاهمية الدينية لها جعلت القديس بولس في بواكير ظهور الدين المسيحي الجديد يكتب رسالة خاصة لأهل روما يحثهم على تحويل إسبانيا للديانة المسيحية ليس هذا فحسب بل قام هذا القديس الذي يعتبر ثاني أهم شخصية في المسيحية بعد السيد المسيح بجولة دعوية طويلة في أرض الاندلس.

بلا أدنى شك كان لأرض الاندلس أهمية كبرى في التاريخ ولهذا كسب العرب الكثير والكثير بضم هذا (الفردوس الأرضي) إلى حاضرة الاسلام. إن من علامات احترام ثقافة القارئ الكريم أن لا أكرر عليه معلومات راسخة وذائعة عن تأثير حضارة الاندلس في التاريخ العربي والاسلامي. وبدلا من ذلك سوف نلجأ لحكمة (الحق ما شهد به الأعداء) ونعطي لمحة لأثر حضارة الاندلس على العالم الغربي والثقافة الأوروبية وهو الأمر الذي كتبت فيه العديد من المؤلفات والدراسات. من ذلك مثلا أن المستشرق الانجليزي المشهور مونتغمري وات ألف كتاب هام حمل عنوان (أثر الاسلام على أوروبا في القرون الوسطى) ولقد كان المحور الاساسي لهذا الكتاب ذكر أهمية بلاد الاندلس كجسر تواصل بين الحضارة الاسلامية والحضارة المسيحية ودورها في نقل العلوم إلى أوروبا بل وتأثيرها على الادب الغربي المسيحي. بلاد الأندلس كانت البوتقة التي صُنعت وسُبكت فيها علوم وحضارة الغرب المسيحي وهذا ما يفهم من كتاب (بوتقة الإله) God's Crucible للمؤرخ الامريكي المعاصر ديفيد لويس الذي كان العنوان الفرعي لكتابه السابق الذكر (الاسلام وصناعة أوروبا) وفي هذا الكتاب سرد تاريخي مطول جدا لدور بوتقة الاندلس في سبك وصناعة اوروبا . مصباح علاء الدين لم يخرج منه الجني الخرافي بل شعّ منه نور العلم وشعلة الحضارة ولهذا في مجموعة كتب المؤرخ الامريكي جون فريلي (مصباح علاء الدين) وكتاب (نور من الشرق) اشار لدور الاندلس وبالذات مدينة طليطلة (بعد إعادة استردادها reconquista من قبل أهل الصليب) وكونها الموقع الحضاري الذي استلم فيه العالم الغربي المسيحي شعلة الحضارة والعلوم من العالم العربي المندثر.

تاريخ عربي شاحب من دون الأندلس
لقد كان لإقليم الاندلس بالغ الاثر في تشكيل معالم الحضارة الاسلامية ولهذا السؤال (الصحيح) ليس عنوان المقال ولكن سؤال  الذي يطرح نفسه ( لماذا تاريخ العرب باهت من دون الفردوس المفقود؟). في واقع الأمر تكمن إجابة هذا السؤال في التنبيه لخصوصية إقليم الاندلس ضمن منظومة الحضارة الاسلامية فمجتمع الاندلس لم يكن مجتمع إسلامي خالص بل كان مزيج من المسلمين (عرب أو بربر) ونسلهم من النساء الاسبانيات (المولدون) بالإضافة  لنصارى ويهود إسبانيا المُستعرِبين Mozarabs المتأثرين بالحضارة العربية في الملّبس واللسان. وبسبب التداخل والتمازج والتصارع بين هذه المكونات المختلفة كان للعرب والاسلام في الاندلس حضارة وثقافة إسلامية مختلفة نوعا ما  عن بقية النسيج الحضاري العربي.
هل ندرك أنه لو لم يدخل الاسلام إلى الأندلس فقطعا كنا سوف نخسر أهم وأجمل وأرقى فنون العمارة الاسلامية ألا وهو فن العمارة الاندلسية البديع. من أبرز خصائص الفن المعماري الاندلسي الفريد هو استخدام أقواس الاعمدة التي تحمل شكل حذوة الفرس horse-shoe arch ومع ذلك يشير المستشرق الانجليزي مونتغمري وات في كتابه السابق الذكر عن اثر الاسلام على أوروبا أن هذا النوع من فن العمارة دخل إلى الحضارة الاسلامية من خلال استعارة العرب لأسلوب البناء الخاص بالعمارة القوطية القديمة والتي كانت منتشرة في اسبانيا.
إذا كان أجمل وأرقى تراث الاندلس الحضاري والمادي هو فنون العمارة الاندلسية فإن من أروع وأعذب تراث الأندلس الثقافي والأدبي هو شعر الموشحات والذي لخصوصية أرض الاندلس لم يظهر إلا فيها. بسبب وجود شريحة كبيرة من النصارى واليهود المتداخلين في صلب النسيج العربي في الاندلس تم تسميتهم بالمستعربين ونتج من ذلك نشوء لهجة شعبية خاصة لأهل الاندلس تميزت باللحن في النطق وكثرة الالفاظ الاعجمية اللاتينية فيها وهذا الاعوجاج في اللسان العربي الاندلسي أثار اهتمام العديد من العلماء مثل ابن خلدون وابن الخطيب. لكن ما يهمنا في مجال الأدب أن فن الشعر الغنائي الاسباني القديم المعروف بالتروبادور وفن شعر الزجل العربي الاندلسي ظهرا معاً بصورة متقاربة وأثر كل واحد منهما بالآخر لدرجة أنه يقال أن الشعراء العرب المحترفين لفن الزجل كانوا يتنقلون بين الدويلات الاسلامية والممالك المسيحية على حداً سواء. وعلى نفس النسق تقريبا وفي مثل هذه الاجواء الأدبية المختلطة بين الثقافات المتنوعة وبسبب ولع أهل الاندلس بالغناء والموسيقى تم تطوير فن (الشعر الغنائي) لكي ينتج شعر الموشحات الذي تأثر بالثنائية اللغوية بين العربية واللغة الاسبانية وهذا ما أشار له الاديب ابن بسام في كتابة (الذخيرة في محاسن أهل الجزيرة) عندما تحدث عن نشأة الموشحات وأن مخترعها كان (يأخذ اللفظ العامي والعجمي ويسميه المركز، ويصنع عليه المُوشحة).
إذا كانت المؤثرات الفكرية والديمغرافية في الاندلس أنتجت شعر الموشحات فكذلك نجد أن المؤثرات البصرية وجمال الطبيعة في الاندلس أثمر ما يسمى بشعر وصف الطبيعة الذي اختص به شعراء الاندلس عن غيرهم من شعراء العربية. ومن هنا لا عجب أن نجد الشاعر الرقيق ابن خفاجة الاندلسي ركز في شعره على وصف الطبيعة وجمالها كيف لا وهو يعيش في الفردوس الارضي وجنة الله في أرضه التي قال عنها:
يا أهل أندلسٍ لله دركمُ             ماءٌ وظلٌ وأشجارُ
ما جنة الخلد إلا في دياركمُ      ولو تخيرت هذا كنت أختارُ
وبحكم أن رغد العيش لا يدوم ولهذا تكثر حالة التفجع من فقد الشيء الجميل والنفيس ومن هنا نفهم لماذا كان تفجع الأمة الاسلامية من فقد الأندلس يفوق كل بلاد اخرى أنحسر عنها حكم الاسلام. عبر التاريخ تعرضت اقاليم ومدن اسلامية كثيرة للخراب والدمار من  سمرقند شرقاً وحتى إشبيلية غرباً ومع ذلك نجد مره أخرى أن للأندلس امتياز وتأثير خاص على الادب في تدبيج القصائد الطوال من عيون الشعر العربي (الباكية) لتشكل دواوين ما تم تسميته (شعر رثاء البلدان والمدن). وقد لا توجد مدينة أندلسية كبرى إلا وقد سطرت فيها الابيات الشعرية الخالدة كما نجد ذلك في شعر بكائيات الديار الاندلسية مثل قرطبة وطليطلة وإشبيلية وغرناطة وجيان وبلنسية وتوجد دراسات أدبية مطولة وكتب خاصة بموضوع (رثاء المدن في الاندلس).

ولعلنا نختم الحديث عن بيان خسائر العرب فيما لو لم تفتح ديار الاندلس أنه بالإضافة لخسارة النقوش والمنمنمات الاندلسية والموشحات الأدبية  والبكائيات الشعرية لربما خسرنا كذلك بيئة الحرية الفكرية الفريدة للجزيرة الايبيرية. لقد كانت الاندلس معزولة جغرافيا عن الامة العربية كما أنها كانت مستقلة سياسيا عن الخلافة الاسلامية وهذا ما جعل لها بنية اجتماعية وبيئة فكرية خاص بها. كثيرا ما توصف الاندلس بأنها جنة التعايش الديني وبؤرة التسامح الفكري ولهذا سمح فيها بانتشار الافكار الدينية والشطحات الفلسفية والاستنباطات الفكرية ما لم يسمح بها في غيرها. لهذا لا غرابة ان كان الفيلسوف اليهودي البارز موسى بن ميمون المولود في قرطبة ليس فقط أتاحت له الأجواء الفكرية المتسامحة في الاندلس لأن يصبح أحد أهم فلاسفة القرون الوسطى بل كذلك أن يؤلف أهم الكتب على الاطلاق في شرح التوراة والشريعة اليهودية. وعلى ذكر الفلسفة تجدر الاشارة إلى أنه في الوقت الذي كانت تندثر فيه الفلسفة في المشرق العربي نجدها تصل لقمة وهجها في المغرب العربي على يد فلاسفة الاندلس الكبار مثل ابن رشد في قرطبة وابن الطفيل في غرناطة وابن باجة في مدينة شاطبة الاندلسية.
وفي تاريخ الفقه الاسلامي ظهرت مذاهب ومدارس فقهية متعددة (مثل فقه الليث بن سعد والشعبي والثوري وعطاء وغيرها) لكن تلاشى أغلبها بسبب سطوة أتباع المذاهب الفقهية الاربعة المشهورة. وبحكم أن أرض الاندلس كانت أرض تعايش وتسامح ولهذا خفت فيها التعصب المذهبي بشكل مقبول وهذا يفسر لماذا استطاع الامام ابن حزم الاندلسي أن يعيد احياء ونشر المذهب الظاهري في الاندلس بالرغم من الأذى المشهور الذي وقع عليه من فقهاء المالكية وتحريض الحاكم عليه.

بقي أن نقول أن ذكرى الأندلس أو الفردوس المفقود ما زالت تشحذ قريحة كبار الشعراء للتحسر على خسارة الاسلام لأرض الاندلس ولهذا العديد من الشعراء ليس فقط كتبوا قصائد عن الاندلس (مثل قصيدة أندلسية لأحمد شوقي وقصيدة غرناطة لنزار قباني أو قصيدة مسجد قرطبة لمحمد إقبال أو قصيدة غادة من الاندلس لعمر أبو ريشة أو قصيدة قصر الحمراء لمعروف الرصافي أو قصيدة تحية الأندلس للشاعر القروي) بل العديد منهم زار الاندلس بالفعل. ومن هذا المقام نطالب الشاعر الرقيق الاحساس علي الهويريني وكنوع من تصحيح الخطأ الشنيع عن استنقاص دور الاندلس في التراث الاسلامي أن يكتب قصيدة خاصة عن الأندلس السليب.
  

السبت، 18 مايو 2019

( القياسات العلمية .. السهل الممتنع )

دعونا نقيس عجائب وطرائف القياسات العلمية !!

بالرغم من أن الطريقة العلمية أو المنهجية العلمية تتكون من خطوات ومكونات عدة إلا أنه تنتشر في الأوساط العلمية مقولة (العلم هو القياس) Science is Measurement وهذا وإن كان لا يلغي أهمية بقية (خطوات التفكير العلمي) الاخرى مثل التساؤل العلمي ووضع الفرضية والتنبؤ الاستنباطي، إلا إن تلك المقولة ترسخ لمكانة القياس في دنيا العلم. الكل يعلم أن المقصود من الحديث الشريف (الحج عرفة) توكيد أهمية هذا الركن العظيم وهذا قطعا لا يعني حصر مناسك الحج فيه وكما أنه ليس لمن لم يقف بمشهد عرفه حج فكذلك لا نصيب في العلم لمن لم يقم بإجراء القياسات التجريبية. القياسات ليست فقط حجر الزاوية في صرح العلم الشامخ بل لها ابعاد فلسفية شغلت عقول الفلاسفة والمفكرين من زمن أرسطو وحتى أمانويل كانت لدرجة انه أصبح لها اليوم كيان مستقل تحت عنوان (نظرية القياسات).
ينقل عن عالم الفيزياء البريطاني البارز اللورد كالفن قوله (أن تقيس يعني أن تعرف) to measure is to know ومن هذه الحكمة العميقة لعلنا نوظف ولع العلماء بالقياس لمحاولة (معرفة) بعض خفايا السلوك البشري للعلماء والباحثين وكيف يسوقهم إدمانهم لإجراء القياسات ليس فقط لإنجاز الاعاجيب في دنيا العلوم ولكن أيضا قد يكون ذلك الدافع سبب في  اجتراح الحماقات البحثية بالتزوير في سبيل ذلك أو حتى بخلق الأوهام العلمية وخداع النفس بالإيحاء باكتشاف ظواهر علمية وهمية. لقد ذكرنا في عنوان هذا المقال أن القياسات العلمية قد تكون في بعض الحالات سهلة وميسرة بالرغم من أن الأصل في بعض تلك القياسات والتقديرات العلمية أنها غاية في الصعوبة ولا أوضح مثال يمكن ذكره في هذا السياق من القياسات العلمية الباهرة للعلماء القدامى قبل اختراع الأجهزة العلمية الحديثة.

قياسات علمية مذهلة لرواد العلم
قدرة الذهن البشري على الاكتشاف والاختراع مذهلة منذ فجر التاريخ وحينما قد يتعجب البعض كيف تمكن الفراعنة مثلا من بناء أعجوبة الدهر الخالدة (الاهرامات) نجد فئام من علماء اليوم يتعجبون كيف استطاع عالم الرياضيات الاغريقي إراتوستينس قبل أكثر من ألفي سنه من (( قياس )) محيط الارض وأنه يبلغ حوالي 24 ألف ميل بنسبة خطأ في حدود 4% فقط . بينما في تاريخ الحضارة الاسلامية توصل أبناء موسى بن شاكر في نهاية القرن الثاني الهجري لقياس محيط الارض بدقة وصلت 99.62% أي بنسبة خطأ أقل من نصف في المائة. وهذا عالم الفلك العربي الكبير البيروني يتوصل لحساب أن نصف قطر الأرض يبلغ حوالي 6325 كيلومتر في حين أن القيمة العلمية الدقيقة حاليا هي 6371 كم مما يعني توصله لدقة (قياس) مذهلة جدا. وربما القصة الاغرب من كل ما سبق تمكن عالم الفلك الاغريقي هيباركوس (عاش في القرن الثاني قبل الميلاد) من توظيف علم حساب المثلثات لقياس المسافة الفاصلة بين الارض والقمر وتقديرها بأنها تبلغ 378 ألف كيلومتر ولا يزيد الفرق بين (قياساته) الفلكية وتلك التي يمتلكها العلم المعاصر عن 2 في المائة. وفي الوقت الذي كانت العديد من الشعوب تنكر كروية الأرض نجد أن عالم الفلك الإغريقي أوينوبيديس يتوصل في حدود عام 450 قبل الميلاد أن كوكب الأرض ليس فقط كروي وإنما هو كذلك مائل عن محوره بزاوية انحراف تبلغ 24 درجة (القيمة العلمية الصحيحة لميل محور الأرض 23.4 درجة). ومن (القياسات) العلمية المذهلة التي تجعل الواحد منا تبلغ منه الحيرة منتهاها تمكن عالم الكيمياء الانجليزي الشهير هنري كافنديش (مكتشف عنصر الهيدروجين) من التوصل في نهايات القرن الثامن عشر من حساب وزن كوكب الأرض وأنه يبلغ ستة بليون ترليون طن أي بنسبة خطأ حوالي 1% فقط عن الرقم العلمي الحقيقي. وفي عام 1862م تمكن عالم الفيزياء الفرنسي ليون فوكو من (قياس) سرعة الضوء وأنها تبلغ حوالي 298000 كيلومتر بالثانية الواحدة وهذه سرعة أقل بحوالي واحد في المئة من السرعة الحقيقية للضوء. وأخيرا قبل نهاية القرن التاسع عشر وفي حين أن العديد من العلماء في تلك الفترة لم يكونوا مقتنعين بحقيقة وجود الذرات وأنها فكرة تخيلية وليست واقع حقيقي نجد أن عالم الفيزياء البريطاني الشهير جوزيف طمسون ليس فقط يكتشف الالكترون ولكنه كذلك وبصورة مذهلة (نظرا لضعف الامكانات والاجهزة العلمية لذلك العصر) يتمكن من (( قياس )) كتلة الالكترون وأنها أخف بحوالي ألفين مرة من كتلة ذرة الهيدروجين والتي هي (ويا للعجب) أقل من الجرام بمليون مليون مليون مليون مرة !!!.

القياسات والأمانة العلمية المفقودة
كما إن القياسات العلمية المذهلة السابقة الذكر رسخت في المجتمع العلمي التقدير والانبهار بتلك الثلة من رواد العلم نجد أن قائمة أخرى من قياسات علمية (مشبوهة) تسببت في إضفاء ظلال من الشك والريبة عن الأمانة العلمية لبعض كبار مشاهير أهل العلم. على نسق المقولة المشهورة (أنت ما تأكله) نجد أن بعض أهل التنظير في دنيا العلم يقول (أنت ما تقيسه) you are what you measure لأنه ليس فقط من المهم ان تكون قياساتك العلمية صحيحة لكن أيضا ينبغي أن تكون توصلت لها من طريق صحيح وأمين لأنه يقال ايضا في مجال النصائح الاخلاقية في مجتمع العلم (الطريقة التي تقيس بها لا تقل أهمية عن الشيء الذي تقيسه). بالفعل القياسات العلمية يصح عليها توصيف (السهل الممتنع) فكما تمكن رواد العلماء القدماء من إجراء قياسات علمية نتعجب من دقتها لكن في المقابل بعض مشاهير العلماء تعسرت عليهم بعض القياسات المختبرية لدرجة أن منهم من لم يتردد في التحايل والغش والتلاعب بالنتائج العلمية.
ومن أشهر الامثلة التي يمكن ذكرها في هذا السياق أن العلم الايطالي الأسطورة جاليليو يوصف في كتب تاريخ العلم بأنه مؤسس الطريقة العلمية الحديثة وبالخصوص فيما يتعلق بفكرته العلمية في استنباط قانون الحركة للأجسام الساقطة. لقد زعم جاليليو أنه توصل لهذا القانون عندما أجرى تجربته المشهورة بدحرجة عدد من كرات الرصاص فوق سطح مائل وقياس سرعة تحركها. وبعد عدة سنوات من نشر هذه الافكار العلمية حاول بعض العلماء تكرار هذه التجربة ولكنهم لم يتوصلوا تماما لنفس تلك النتائج مما جعل بعض المؤرخين يتهمون جاليليو بأنه قام بشكل متعمد بتعديل وتلفيق fabricate بيانات تجاربه لتصبح متوافقة مع القانون الذي توصل له.
بلا شك قد يكون اسحاق نيوتن أكثر شهرة وأهمية في تاريخ العلم من جاليليو جاليلي ولكنه في نفس الوقت أكثر منه جرأه في التزوير وتلفيق نتائج القياسات العلمية. قبل عدة عقود أثار المؤرخ الامريكي ريتشارد ويستفال ضجة كبرى في الاوساط العلمية عندما نشر كتابه المخصص عن سيرة حياة نيوتن. في هذا الكتاب تتبع وستفال قيام نيوتن عبر السنوات بتلفيق وتزوير النتائج العلمية في كتاب نيوتن الشهير: المبادئ الرياضية للفلسفة الطبيعية وهو أهم كتاب على الاطلاق في تاريخ العلم. وحيث أنه صدرت ثلاث طبعات من هذا الكتاب الهام (في الأعوام: 1687م و1713م و1726م)  وهنا وجد ذلك المؤرخ أن نيوتن كان في كل طبعة (منقحة ومزيدة !!) من كتابه ذلك يقوم بتعديل وتغيير البيانات العلمية لتصبح متوافقة أكثر مع النظريات والقوانين العلمية لكن بدون ان يكون هذا التغيير مبنى على تجارب أو قياسات جديدة ولكن فقط على تعديل متعسف من قبل نيوتن. ولهذا لا غرابة أن الابحاث والتقارير والكتب العلمية الحديثة اصبحت لا تتردد على الاطلاق في وصف نيوتن بأنه (مزور أو محتال أو مفبرك ...الخ).
أحد الاسباب القوية التي قد تدفع كبار العلماء للتزوير وتعديل نتائجهم العلمية هي تعرضها للنقد العلمي وهذا بالضبط ما حصل مع نيوتن فبعد أن نشر كتابه العلمي السابق الذكر تعرضت افكاره العلمية لنقد حاد من بعض علماء ألمانيا وفرنسا وبالأخص من عالم الرياضيات الالماني لايبنتز (بين نيوتن ولايبنتز تنافس علمي همجي أشرت لطرف منه في مقال: صراع ديكة العلم) ولهذا كان نيوتن في كل طبعة جديدة من كتابة (ينقح) النتائج العلمية بشكل غير مهني فقط ليسكت تلك الاصوات المعارضة.
أمر مشابه إلى حدا ما حصل مع العالم البريطاني المعروف تشارلز دارون الذي أضطر هو الاخرى لإضافة تعديلات للطبعات المتلاحقة من كتابه المشهور (أصل الانواع). التزوير العلمي الذي وقع فيه داروين يتمثل في أنه تعمد في البداية عدم الاشارة بأمانة علمية كافيه إلى المصادر التي استفاد منها في ( تطوير ) نظرية التطور. ومن ذلك أنه ربما قام باقتباس (أو ربما سرقة) بعض الافكار والامثلة العلمية من بحث عالم بريطاني مجهول يدعى إدوارد بليث وهو الذي نشر أوراق علمية في موضوع الانتقاء الطبيعي والتطور قبل ان ينشر دارون كتابه بحوالي 24 سنة. عندما ظهر كتاب دارون في عام 1959م لم يذكر على الاطلاق في مراجعه العلمية أبحاث إدوارد بليث بالرغم من التشابه في الصياغة بينهما في بعض مواضع الكتاب وكذلك في استخدام الكلمات النادرة واختيار الامثلة. ولكن بعد ما أثار بعض العلماء المعاصرين لدارون فضيحة اتهامه بالسرقة العلمية اضطر دارون في الطبعات الجديدة من الكتاب أن يشير للمصادر العلمية التي استفاد منها وتعمد في السابق اغفالها لكي تظهر نظرية التطور وكأنها من نتائج ابحاثه العلمية فقط.

أنا لا أكذب لكنِ أتجمل
عنوان هذه الفقرة لا يقصد بها الدراما التليفزيونية المشهورة التي كتبها احسان عبدالقدوس ولكن نقصد بها مزيد أمثلة كاشفة للطبيعية البشرية لشريحة من العلماء الذين كبقية بني آدم يعرض لهم الضعف والفتنه. بعض كبار العلماء لم يقعوا في كبيرة التزييف والتحريف ولكنهم بكل بساطة قاموا بعملية (تجميل وتشذيب) لقياساتهم ونتائجهم العلمية حتى تكون في هيئة اكثر اتساقا مع النظريات والافكار العلمية التي يطرحونها. من أبرز الأمثلة التي يمكن سردها في الشأن الشائن الفيزيائي الامريكي روبرت ميليكان الحاصل على جائزة نوبل في الفيزياء عام 1923م نظير (قياسه العجيب) لشحنة الالكترون بالرغم من ضعفها الشديد جدا والبالغ جزء من بليون بليون بليون من الكولمب. اثناء قيام ميليكان بإجراء تجربة قطرة الزيت الشهيرة لقياس شحنة الالكترون كان عليه أن يكرر التجربة عدة مرات لكي يتأكد من دقة القياسات العلمية. وحسب دفتر ملاحظات التجارب العلمية لروبرت ميليكان الذي فحصه العلماء بعد وفاته تبين أنه قام بتكرار التجربة حوالي 140 مرة. وبدل من ان يستخدم ميليكان نتائج جميع هذه التجارب كما هي الحال مع ارشادات الامانة العلمية قام ميليكان (بتجميل) نتائجه بأن حذف حوالي 49 قراءة منها بدون مبرر علمي دقيق ومنضبط. المحرج في الأمر أن ميليكان في بحثه العلمي المنشور عن هذا الاكتشاف أشار بشكل صريح بأنه نتائجه المعروضة تم بنائها من جميع نتائج تجربة قطرة الزيت التي استمرت لمدة ستين يوما بل أنه في كتاب سيرته الذاتية زعم أن تجاربه وقياساته تلك لم يتم اغفال أو إهمال ولا قطرة واحدة منها. بقي أن نقول أنه في الوقت الحالي يعتبر مثل هذا التصرف مخالف للقيم والاخلاق العلمية التي تنص أنه على الباحث أن يذكر ويوثق جميع النتائج التي يحصل عليها وأن لا يقوم باستبعاد أي نتائج شاذه outlier إلا بعد أن يجري لها اختبارات احصائية معينة (Q-test) يعرفها جميع طلاب الدراسات العليا فضلا عن كبار ومشاهير العلماء.
العالم البريطاني الشهير جون دالتون حقق خلود الذكر له في كتب التاريخ بكونه مؤسس النظرية الذرية الحديثة ولكن أهل الكيمياء يعرفونه أكثر نتيجة ما يسمى (قانون دالتون للنسب المتضاعفة). ولكن يبدو للمحققين في تاريخ العلوم الذين دققوا في نتائج وقياسات دالتون أنه هو الآخر قد اختار بيانته بشكل انتقائي وقام فقط بنشر النتائج التي تدعم نظريته حيث أنه استبعد النتائج الضعيفة أو المشكوك فيها. ذكرت قبل قليل (الاختبارات الاحصائية) التي تطبق على النتائج والبيانات العلمية ومن ذلك أن جميع القياسات العلمية (( يستحيل )) أن تخلو من الاخطاء العشوائية وهنا نجد الورطة التي وقعت فيها شخصية علمية شهيرة ومحبوبة هو مؤسس علم الوراثة الراهب النمساوي غريغور مندل. لقد أثارت الدقة المتناهية لبيانات تجارب مندل الشهيرة على نبتة البازلاء اهتمام عالم الاحصاء الانجليزي رولاند فيشر (له اهتمام بعلم الوراثة ومطور الاختبار الاحصائي F-test) الذي فحص بشكل دقيق نتائج تجارب مندل ومن ثم توصل للنتيجة التالية: لقد تم تزوير بيانات أغلب التجارب بحيث تتفق مع توقعات مندل المسبقة. في الواقع هذا حكم قاسي جدا ضد ذلك القسيس المجتهد ولهذا حاول العديد من علماء الوراثة الدفاع عن سلوك مندل وأنه فقط قام (بإنتقاء) نتائج التجارب المناسبة وليس تزويرها تماما والأمر لا يعدو أنه وقع في أخطاء عرضيه لا واعية ولا شعورية باختيار النتائج التي تحقق القانون العلمي الذي اكتشفه. ظاهرة الانتقاء الا شعوري وغير الواعي من قبل العالم للقياسات والنتائج العلمية التي تناسب أكثر نظريته العلمية ربما هي ما أطلق عليها عالم الكيمياء الامريكي لانجمير الحاصل على جائزة نوبل مصطلح العلم الرغبوي wishful science (على نسق المصطلح المشهور: التفكير الرغبوي أو التفكير بالتمني wishful thinking) وبهذا يقع العالم والمكتشف في فخ انتقاء فقط النتائج التي يرغب فيها ويتمنى وجودها بدلا من أن يكون على الحياد.

وفي الختام قد نعتقد أنه في الزمن الحديث قد يصعب كثيرا على العلماء المعاصرين أن يتجرؤوا ويغامروا بالوقع في حماقة التلاعب وتزوير نتائج القياسات والابحاث العلمية ولكن للأسف هذا ما تكرر ويتكرر في دنيا العلم في الزمن القديم كما في الحديث. عالم الفيزياء الايطالي كارلو روبيا والحاصل علي جائزة نوبل في الفيزياء عام 1984م للإثباته لوجود القوة الذرية الضعيفة وبعد أن شغل منصب المدير العام لمختبر CERN (المركز الأوروبي للأبحاث الذرية) إلا أنه ومع كل هذا البريق كان شخصية انتهازية وغير نزيهة. توجد شواهد بأن روبيا وتحت دفع رغبته في إثبات نتائج علمية محددة في مجال فيزياء الجسيمات الأولية كان يتعمد تغيير نتائج الاختبارات التي كان يجريها مع فريقة البحثي. العالمة الامريكية لندا بيوك الحاصلة على جائزة نوبل في الطب عام 2004م تبين أن بعض أبحاثها المنشورة في مجلات علمية مرموقة جدا مثل مجلة العلوم الامريكية ومجلة الطبيعة البريطانية بها مشاكل قد تصل لحد التحايل والتزوير والتعديل المتعمد للنتائج. وقبل ذلك تعرض عالم الاحياء الامريكي ديفيد بالتيمور الحاصل علي جائزة نوبل في الطب عام 1975م لسقطة علمية كبرى اشتهرت في الصحافة باسم (فضيحة بالتمور) Baltimore Affair وذلك بعد أن تم توجيه اتهام رسمي لفريقه العلمي بجريمة التحايل والتزوير المتعمد مما أضطر بالتيمور للتقدم بالاستقالة من منصبه كمدير لجامعة كالتيك العريقة جدا.
الغريب في الامر أنه لأسباب تتعلق بمشاكل تسجيل براءة الاختراع أو النزاع حول الامور المالية تعرض بعض علماء نوبل لرفع دعوى قضائية ضدهم وتم جرهم إلى ساحات المحاكم. لقد رفعت جامعة ييل المشهورة دعوة قضائية ضد عالم الكيمياء الامريكي جون فين الحاصل على جائزة نوبل عام 2002م  الذي تم تغريمه من قبل المحكمة بدفع نصف مليون دولار لتلك الجامعة !!. وكذلك عالم الميكروبات الامريكي واكسمان الحاصل على جائزة نوبل في الطب عام 1952م تعرض هو الآخر لفضيحة رفع دعوى قضائية ضده من أحد تلاميذه يتهمه فيه أنه سرق منه اكتشافاته العلمية ونسبها لنفسه فقط  وأنه خدعه وغرر به حتى يتنازل له عن براءة الاختراع !!.
قديما قيل: ليس كل ما يلمع ذهب، والمظاهر أحيانا قد تكون خداعة وهذا ما ينطبق على حياة واخبار وقصص مشاهير العلماء التي نجد فيها العجائب والغرائب والسهل والممتنع.


الأحد، 28 أبريل 2019

( التدرج في الانزلاق ... مشايخ الطرب نموذجاً )

ظاهرة اجتماعية محيرة .. من التشدد الديني إلى الانفتاح والرخاوة السلوكية

د/ أحمد بن حامد الغامدي

ظاهرة غريبة في تاريخ الغناء العربي الحديث تتمثل في أنه ولد من رحم التواشيح الدينية والهمهمات الصوفية وإنشاد قصائد المديح النبوية. المفارقة هنا أنك تصاب بالحيرة في الحكمة التي أطلقها أبو العتاهية في أرجوزته ذات الأمثال عندما قال (ما طاب فرعُ لا يطيب أصله) فهل السماع والإنشاد الديني طيب الأصل والأرومة أم أنه منحرف في أصله وعليه فثمرته المرة (الغناء) غير مستغربة. من المعروف عن المغنية الشهيرة أم كلثوم ليس فقط نشأتها في أجواء حفلات الذكر في المولاد والإنشاد الديني ولكن اكتشافها وتقديمها لساحات ومسارح الغناء تمت على يد عدد من رجال الدين وقراء القرآن الكريم من (مشايخ الطرب) مثل الشيخ أبو العلا والشيخ زكريا أحمد.
المجتمعات والبيئيات المحافظة بل وحتى المتحجرة فكريا هي عرضه لحصول التغير الاجتماعي والتحول السلوكي والتذبذب الفكري بسبب تأثير عوامل متداخله متعددة ونتيجة لتصارع مؤثرات داخلية وخارجية متنافرة. في الغالب موجة التغيير ودورة التبديل تحتاج لعقود متطاولة من الزمن لتنتج تأثيرها في حين قد يحصل التغير في غفلة من الزمن. وعلى ذكر مشايخ الطرب ومسيرة بعضهم المنزلقة في وهدة الانحدار لعل من الملائم الإشارة للحالة الغريبة للشيخ سيد الصفتي الذي كان برنامج حفلاته المسائية في السنوات الأولى من القرن العشرين  (يبدأ أمسياته بالقراءة المجودة للقرآن الكريم ثم ينتقل لإنشاد التواشيح الدينية ثم يختم مع ساعات الفجر الأولى بغناء الألحان العاطفية بمصاحبة العود). 
كنت أعلم مسبقا بارتباط بعض مشايخ الدين ببدايات الغناء في أرض مصر المحروسة من مثل الشيخ سلامة موسى والشيخ أبو العلا ولكن لم أكن أدرك أن تلك الظاهرة النشاز متعمقة لدرجة أنه قد شارك فيها بشكل أو آخر بعض شيوخ  الأزهر أو من تولى منصب مفتي الديار المصرية وكذلك عدد من قراء المشايخ ومؤذني المساجد. أطلعت قبل فترة على كتاب صادم يناقش ظاهرة ( مشايخ الطرب ) وهم رجال الدين في أرض مصر الذين كانوا ولا زالوا يتميزون باعتمار العمامة ولبس الجبة والقفطان ولهذا كان عنوان ذلك الكتاب (المُعمّمون في ساحة الغناء والطرب) من إصدارات دار الهلال المصرية وتأليف الناقد الفني والصحفي المصري خليل عبدالنور.
كما هو معلوم من بدايات التاريخ العربي وجدت الظاهرة الاجتماعية المتعلقة بحفلات الغناء ولكنها لم تكن منتشرة في جميع شرائح المجتمع حيث أنها كانت شبه محصورة في قصور الأمراء وكبار الأثرياء أو موجودة بالخفاء في أوساط الدهماء. الغريب في الأمر أن (التقاليد الاجتماعية والأصول المرعية) المتبعة في المجتمع المصري عند بداية انتشار ظاهرة (السماع العام) للاغاني في الأفراح والليالي الملاح كانت تمنع المرأة إذا أرادت الغناء من الظهور المباشر أمام الرجال. غناء المرأة من وراء الستار هو بداية تساهل المجتمع المصري في شيوع الطرب في المسارح والافراح وهذا ما حصل مع اشهر مغنية في الزمن البائد وهي (الست ألمظ) زوجة رائد الغناء العربي عبده الحامولي والذي بعد زواجه منها منعها بشكل تام من الغناء حتى ولومن وراء حجاب.
الشيخ سلامة حجازي ذاع صيته في بداية شبابه كمقرئ مجود للقرآن الكريم ومؤذن ومنشد جميل الصوت ولاحقا أصبح من مشايخ الصوفية لدرجة أنه تولى مشيخة الطريقة الصوفية المسماة بالراسية. ولكن في أواخر عمره انتهى به الحال ان يعمل كمطرب وممثل علي خشبة مسارح القاهرة والاسكندرية لدرجة انه أصيب بالشلل وسقط علي خشبة المسرح وهو يؤدي أحد ادواره الغنائية علماً بأنه في اوائل شبابه رفض التمثيل وقال (أنا شيخ طريقة صوفية ولا يصح أن انزل إلي مستوى المشخصاتية). وعلى نفس النسق كان المغنى والملحن المصري ( الشيخ أبو العلا ) في الاصل من أشهر القراء في القاهرة إلى أن احترف في مجال انشاد قصائد المديح النبوي والتواشيح الدينية المصحوبة بما يسمى فرقة ( التخت الشرقي ) والتي في وقتها لم تكن تتجاوز وجود عازف على الربابة وآخر يعزف على الناي. ولاحقا أصبح هذا الشيخ المعمم هو من أكتشف أم كلثوم وصقل موهبتها كما يقال ولحن لها أشهر أغانيها العاطفية القديمة والتي كان منها قصيدة غزلية قديمة لشيخ الأزهر الفقيه والأديب الشيخ عبدالله الشبراوي الذي لو كان حياً لمنع مهزلة أن تغنى قصائده.
الشيخ المعمم زكريا أحمد يعتبر ثاني أهم شخصية أثرت في مستقبل أم كلثوم ولكن بحكم كونه حافظاً للقرآن الكريم بالقراءات السبع ومن مشاهير القراء الشباب في القاهرة لهذا عندما بدأ شغفه بالموسيقى والطرب يسوقه للجلوس على بعض مقاهي القاهرة للاستماع للألحان والأغاني أُستهجن هذا الفعل منه ولهذا  تم إحالة الشيخ زكريا أحمد إلى مجلس تأديبي أصدر قراراً بحرمانه من دخول الأزهر وايقاف صرف المكافآت المالية له. أما أهم ملحن أغاني في مشوار أم كلثوم وهو (الشيخ) محمد القصبجي الذي لحّن لها حوالي 120 أغنية فلا عجب أن نعلم بعد ما سبق ذكره أنه في صباه قد أتم حفظ القرآن الكريم وهو في سن التاسعة ثم ألتحق بعد ذلك بالدراسة في الجامع الأزهر وحمل لقب الشيخ عندما كان يرتدي زي الازهريين المميز.
بقي أن نقول أنه لا أدل على صلة القرابة بين موجة الغناء العربي الحديث وبين الجذور الدينية ذات الطابع المحافظ من الاشارة إلى أن أساطين وسلاطين الطرب العربي ولدوا في بيوت وأسر متدينة. فهذه سيدة الغناء العربي كما توصف أم كلثوم والدها الشيخ أبراهيم البلتاجي هو امام جامع قرية طماي القريبة من السنبلاوين بينما الموسيقار محمد عبدالوهاب نجده هو الآخر أبن أمام جامع الشيخ الشعراني العريق بل وصل الأمر أن محمد عبدالوهاب في صباه ربما قام برفع صوت الآذان من فوق مأذنة جامع الشعراني بحي  باب الشعرية في قلب القاهرة الفاطمية. أم رائد الغناء العربي الحديث سيد درويش فقد ظل فترة من الزمن في أوائل حياته وهو يعرف باسم (الشيخ سيد) وذلك عندما كان طالب علم في الجامع الأزهر وكان يرتدي الجبة والقفطان ويعتمر العمامة الازهرية.

ماذا حدث للمصريين !!؟
سؤال محير ومربك يطرح نفسه (كيف تنزلق المجتمعات المحافظة والمتدينة إلى بيئات رخوة أخلاقياً ومتذبذبة فكرياً) ولمحاولة تلمس الاجابة عن هذا التساؤل عما حدث للمصريين ومن في حكمهم لعلنا نستلهم (جزء من الجواب) من أهم دراسة على الاطلاق عن المجتمع المصري وهو كتاب (شخصية مصر) للكاتب والمفكر المصري الكبير جمال حمدان. يوافق جمال حمدان بشيء من التحفظ على وجهة نظر عدد من المؤرخين والمستشرقين بأن الشخصية المصرية (معزولة) وأنها بصورة أو بأخرى عالم كامل وحده قائم ومكتفي بذاته. وهنا تكمن المشكلة أن المجتمعات المعزولة (عزلة حماية) والمستقلة بذاتها عندما تتعرض لمرحلة احتكاك حضاري مع قوى أكثر تطوراً وتقدماَ (في حالة مصر الغزو الفرنسي زمن نابليون والنفوذ التركي زمن حكم الاسرة الخديوية والاحتلال البريطاني الطويل) يكون من توابع ذلك تعرض الأمة إلى حالة سيولة حضارية واستلاب ثقافي. يصف الدكتور جمال حمدان هذه المرحلة بأنها مرحلة الانبهار الحضاري والانهيار النفسي مما يجعل فئام من الشخصية المصرية في القديم تفقد الثقة في تاريخها وتراثها وتتهافت إلى النقل والتقليد للأفكار والاخلاق الغربية المتفرنجة. هل هذا يفسر تقبل المجتمع المصري اثناء بداية الاحتلال الانجليزي تحوله من مجتمع محافظ ينتشر فيه الحجاب ويمنع فيه الاختلاط إلى تقبل فتح أوكار الدعارة المرخصة رسمياً في حي الأزبكية السيء السمعة وافتتاح المسارح والكبريهات والخمرات في شارع الهرم وشارع عماد الدين.
بعد مرحلة الانبهار والانهيار السالفة الذكر يرصد الدكتور جمال حمدان مرحلة تالية في المجتمع المصري يصفها بأنها مرحلة جاءت في الاصل كردة فعل عكسي لمرحلة الاستلاب الحضاري وهي مرحلة رافضة للغرب والتفرنج وتجنح إلى العودة للماضي واشتداد الحركات السلفية. اللافت في الأمر أن جمال حمدان ينتقد هذه المرحلة العكسية ويعتبر أن المجتمع أنقلب من مشكلة (مركب النقص) إلى ضدها وهي (مركب العظمة). الغريب في الأمر أنه توقع بأن المجتمع المصري في منتصف القرن العشرين سوف يجنح إلى ما سماه (مرحلة الاعتدال) وبالتالي توقع أن تتعدل مسيرة الحراك الاجتماعي في الشعب المصري ولكن ما حصل هو عكس ذلك تماما لدرجة أن الكاتب والمفكر المصري المعاصر جلال أمين حاول أن يرصد التغيرات الكارثية الهائلة التي حصلت في المجتمع المصري وعلية نشر كتابه ذائع الصيت وواسع الانتشار (ماذا حدث للمصريين). لقد نشر هذا الكتاب في السنوات الاخيرة من القرن العشرين وكان هدفه أن يرصد بالدرجة الاولى التغييرات الاجتماعية (السلبية) التي حصلت في المجتمع خلال نصف القرن الأخير وكأنه بطريقة غير مباشرة يحاكم حكم العسكر وتأثيره الشنيع على المجتمع المصري.
بالمناسبة كتاب (ماذا حدث للمصريين) كتاب جيد من ناحية محاولة تفسير أسباب الحراك المجتمعي والمؤثرات المفصلية فيه بينما نجد الكتاب المحلي المقلد له (ماذا حدث للسعوديين) وإن كان ليس فقط استعار عنوان كتاب جلال أمين بل وحتى صورة غلافة إلا أنه كأي عمل مقلد كان أضعف منه بكثير بالإضافة لأنه أصابه الشطط في التركيز على نقد تشدد وانغلاق المجتمع في مقابل التنظير والتعزيز لظاهرة الانفتاح الفكري والسيولة السلوكية. للأسف الشديد في حين نجد بعض الشعوب العربية الشقيقة ينبري من أبنائها من يحاول وضع نظريات وافكار تقدمية في تطوير مجتمعها المحلي بالانطلاق من ثوابتها الدينية والقومية كما في كتب المفكر الجزائري الكبير مالك بن نبي مثل كتاب (من أجل التغيير)  وكتاب (ميلاد مجتمع) نجد بعض الكتب والدراسات الاجتماعية عندنا تركز على التنظير للتحديث والتطوير في منظور مصادم للأصالة والتراث كما نجد ذلك في كتاب مي يماني (هويات متغيرة .. تحدي الجيل الجديد في السعودية) وكتاب جهاد الخنيزي (الاصلاح والممانعة في المجتمع السعودي) وكتاب (السعودية البديلة) لأحمد عدنان.

الأربعاء، 27 مارس 2019

( الحكم على لجان التحكيم !! )

لجان التحكيم .. بين المطرقة والسندان

د/ أحمد بن حامد الغامدي

ينقل عن الاديب الانجليزي صمويل جونسون قوله (يتوق كل من يؤلف كتاباً إلى المديح، أما من يصنف قاموساً فحسبه أن ينجو من اللّوم) وعلى نفس هذا النسق لعلي أعدل مقولته الحكيمة لتصبح (يتوق كل من يشارك في نشاط ثقافي إلى المديح، أما من يشارك في لجان تحكيم الجوائز فحسبة أن ينجو من اللّوم).
 الأحكام التي يصدرها أعضاء لجان تحكيم الجوائز وقعها على الجمهور كنظرة المتخاصمين لأحكام القاضي فالبعض يرضى بالحكم والعديد يسخط منهويصبح الحال كما وصف الطغرائي من قبل:
إن نصف الناس أعداءٌ لمن            ولي الأحكام هذا إن عدلْ

الأعجب من ذلك أن البعض قد يسخط على حكم لجنة التحكيم حتى وإن كان الحكم في صفه وتم تكريمه بمنحة الجائزة من ذلك مثلا يقال أن الأديب الموصوف بالعملاق عباس محمود العقاد بلغه خبر أنه سوف يتم منحة جائزة دكتوراه تكريمية فما كان رده إلا أن قال وبكل أنفه (ومن هذا الذي يستحق أن يقيم ويختبر العقاد !!) أما جائزة نوبل فموقفه منها أنه كان يأنف أن ينشغل بها كما رفض أن يتم ترشيحه لها.
من المشهور عن العالم النيوزيلندي رذرفورد شدة تعصبه لعلم الفيزياء لدرجة أنه قال (العلم هو الفيزياء وما سواه جمع طوابع) وعليه يمكن أن نستشعر المرارة التي أحس بها رذرفورد حيال أعضاء لجنة تحكيم جوائز نوبل عندما أعلنوا في عام 1908م منحه جائزة نوبل في (الكيمياء) وليس في علم الفيزياء. ولهذا كتب رذرفورد رسالة إلى أحد أصدقائه يعرب فيها عن صدمته من الحكم (ودهشته من تحويله ومسخه إلى كيميائي !!!).

من المعلوم أن بعض الادباء رفضوا لسبب أو آخر قبول جائزة نوبل  مثل الكاتب الفرنسي جون بول سارتر والاديب الايرلندي جورج برنارد شو الذي صرح بنقده للجائزة ولجان تحكيمها (إنني غفر لنوبل أنه اخترع الديناميت ولكنني لا أغفر له أنه أنشأ جائزة نوبل).
الجدير بالذكر أنه حتى بعض العلماء والمخترعين رفضوا قبول جائزة نوبل ليس كموقف أولى ضد الجائزة نفسها لكن (لملابسات) حكم لجنة جائزة نوبل. وهذا ما حصل مع العالم والمخترع الصربي الأصل نيكولا تسلا والذي له اسهام كبير في مجال الهندسة الكهربائية.
توجد اشاعات تتردد في الاوساط العلمية أن جائزة نوبل في الفيزياء لعام 1915م كانت في الاصل سوف تمنح لكلا من نيكولا تسلا بالمشاركة مع توماس أديسون ولكن بسبب حالة العداء الحادة بينمها (اشتهرت باسم حرب التيارات الكهربائية) يقال أن تسلا رفض أن يقبل بالموافقة على استلام الجائزة حال تم الإعلان أن عدوه اللدود أديسون سوف يشاركه فيها. 

بعد هذا وذاك هل نستغرب أن يتم كيل أشد وأشنع الانتقاد للجان التحكيم من قبل الأطراف الأخرى المتنافسة خصوصا أذا لم تمنح لهم الجائزة.في أمتنا العربية القدح في كفاءة (لجنة الحكم) موروث أصيل منذ القدم فقبل مشاكل ومعارك مسابقة شاعر المليون كان الشعراء في العصر الجاهلي يتنافسون في سوق عكاظ حيث كان الحكم بينهم شاعر العربية الفحل النابغة الذبياني الذي كان تضرب له  قبة حمراء من جلد.
وفي أحد مواسم (مسابقة سوق عكاظ الجاهلية) وبعد أن أستمع النابغة الذبياني للأشعار البديعة للأعشى والخنساء وللشاعر الشاب (في ذلك الوقت) حسان بن ثابت حكم النابغة بتفوق الاعشى أولاً ثم الخنساء ثانياً ثم حسان ثالثاً وهنا غضب حسان بن ثابت وتهجم على لجنة التحكيم وخاطب النابغة بقولة (والله لأنا أشعر منك ومن أبيك).

الطريف في الأمر أن عدم تقبل حسان بن ثابت لقرار التحكيم على غرابته ألطف بكثير مما حصل مع أمرؤ القيس الذي (طلّق) الحكم بالحقيقة لا بالمجاز. تقول القصة أن أمرأ القيس والشاعر علقمة الفحل تنافسا أيهما أجود في نظم الشعر من الآخر فتحاكما إلى أم جندب وهي زوجة أمرؤ القيس فقالت لهما ليصف كلا منكما فرسه. وبالرغم من أن (الناقدة الأدبية) أم جندب كانت تتحلى بأقصى درجات المهنية في التحكيم لدرجة أنها حكمت لصالح علقمة الفحل ضد زوجها إلا أنه هذا جر عليها العار والشنار حيث غضب منها أمرؤ القيس وقال (ليس الأمر كما قلتِ، وما هو بأشعر مني ولكنك أحببته) فطلقها.
المشكلة أن حكم أم جندب لم يتسبب في طلاقها فقط ولكن أيضا في تشوية سمعتها في كتب تاريخ الادب ولهذا أنتقم بعض كبار نقاد اللغة العربية من هذه المرأة الجاهلية التي انتقصت حامل لواء الشعر العربي أمرؤ القيس فزعموا بأنها في الأصل لم تكن تحبه واستغلت (حادثة التحكيم) لإثارة حنق زوجها منها لكي يطلقها كيف لا وهي التي تصف علاقته الحميمة معه بأنه (بطيء الإفاقة، سريع الإراقة).

وعلى ذكر تحكيم النساء في (النقد الأدبي) ينبغي أن نقول أن أمرأ القيس في جاهليته كان أكثر تحضرا من الشاعر الأموي جرير والذي مع رقته المشهورة مع النساء إلا أنه رفض من الأصل قبول إمكانية مقدرة المرأة على إصدار الحكم السليم.
 تذكر كتب الأدب أنه أجتمع الفرزدق وجرير والأخطل عند الأمير الأموي بشر بن مروان وكان هذا الأمير يغري ويحرش بين الشعراء.فقال الأمير للأخطل احكم بين الفرزدق وجرير فقال أعفني أيها الأمير وحاول الأخطل أن يتجنب هذا الموقف لكن الأمير أبى إلا أن يقول. فقال الأخطل هذا حكم مشؤوم ثم أصدر الأخطل حكمه  المشهور (أما الفرزدق فينحت من صخر وأما جرير فيغرف من بحر).
فلم يرض بهذا الحكم الأدبي جرير وأعتبر هذه (الحكومة) أستنقاص لتفوقه الشعري ولهذا قام بهجاء الأخطل والتعريض بسفاهة حكمه الشبيه بحكم النساء:
يا ذا الغباوة إن بشرا قد قضى       ألا تجوز حكومة النسوانِ

وفي حادثة أخرى من التراث العربي القديم لم يسلم الحكم من لوم وهجاء كلا من الطريفين المتنافسين وهذا ما حصل مع الشاعر الأموي الصلتان العبدي الذي أتى به الفرزدق وأختاره بنفسه لكي ينصره في منافسته لجرير.
 والغريب أن الصلتان بالرغم استقواء الفرزدق به إلا أنه حكم بأن جرير أجود في الشعر في حين أن الفرزدق أعرق في النسب. وطبعا لم يرضى هذا الحكم لا الفرزدق ولا حتى جرير وهنا نجد أن الفرزدق ينبز ويحتقر الصلتان بأنه (فلاح من الأحساء) لا علم له بالشعر ولهذا قال عنه الفرزدق: أما الشرف فقد عرفه وأما الشعر فما للبحراني والشعر.
والاغرب من ذلك أن جرير مع أنه كان الفائز في نتيجة التحكيم إلا أنه لم يتردد هو الآخر بأن يهجو الصلتان ويسخر منه بأنه لا يصلح إلا لزراعة النخيل ولهذاسخر منه بقوله:
أقول ولم أملك سوابق عبرة         متى كان حكم الله في كرب النخل

ومع ذلك تبقى الحادثة الأخطر والأكثر دموية في تاريخ عدم القبول بنتائج التحكيم هي تلك التي تسببت في مقتل عالم الكيمياء الفرنسي لافوازية الملقب بأبو علم الكيمياء الحديثة. كان المفكر الفرنسي جان بول مارات ثاني أبرز قادة الثورة الفرنسية (بعد سيء الصيت روبسبير) وأكثرهم دمويه وطيشا وما يهمنا هنا أنه في أوائل شبابه تقدم إلى أكاديمية العلوم الفرنسية بطلب الحصول على عضويتها.
ولأنه كان من شروط الحصول على عضوية تلك الأكاديمية العلمية المرموقة أن يتقدم المترشح ببحث علمي جديد ولقد كان البحث العلمي لجان بول مارات عن تفسير عملية الاحتراق.
وبحكم أن لافوازية هو أهم شخصية علمية في هذا المجال أرسل له البحث الجديد لكي يقوم بتحكيمه من الناحية العلمية. وهنا بدأت كتابات فصول أحداث الفاجعة التاريخية حيث أنتقد لافوازية بشكل حاد ومهين أطروحة مارات ووصفها بأنها متهالكة وضعيفة من الناحية الكيميائية وهذا ما تسبب في أن يحمل مارات الضغينة والحقد ضد لافوازية.
وعندما اندلعت الثورة الفرنسية شكلت محاكمة صورية للافوازية كان جان بول مارات أحد قضاتها ولهذا لا غرابة أن يتم إعدام لافوازية بالمقصلة في نفس يوم المحاكمة ودفنت جثته في قبر مجهول.

الحكم على اختلاف الأذواق
الاختلاف والتنوع في الافكار والتصورات من طبيعة البشر ومقولة (لولا اختلاف الاذواق لبارت السلع) تشمل على حدا سواء السلع المحسوسة الحقيقة والسلع الذهنية المجازية. وكنتيجة لتنوع التصورات سوف تتباين درجات التقييم وبالجملة في الإعلام وحديث المجالس النخبوية أكثر ما يتم الاعتراض والتعجب من نتائج تحكيم الاعمال الابداعية الادبية أو الانتاج الفكري المتجسد في الكتب.
 ولو استعرضنا تاريخ البشرية منذ بدايات المسابقات الثقافية لوجدنا أن هذه الظاهرة موجودة منذ الأزل. في الواقع قد تكون أقدم مسابقات ثقافية وابداعية فنيه معروفة ومسجلة هي تلك التي حصلت في بلاد الاغريق قبل حوالي 2500 سنة.
 ما يهمنا هنا أنه حتى وأن كنت أنت أكثر شخص يمتلك القدرة والإمكانات في تقييم وإصدار الحكم السليم على الاشياء فينبغي أن تعلم أن زاوية النظر والتقييم للأمور قد تختلف لدى فئام أخرى من الناس لا يقلون عنك خبرة ودراية.

بلا أدنى جدل يعتبر الفيلسوف والمفكر الاغريقي أرسطو مؤسس فن النقد الأدبي بدلالة كتبه البالغة التأثير عن (الشعر)و (الخطابة) ومع ذلك ليس شرطا أن يتوافق حكمه في القضايا الادبية مع نتائج تقييم لجنة الحكم. في زمن أرسطو كانت تقام في مدينة أثينا المسابقات السنوية المشهورة للمسرح اليوناني القديم وتم من خلالها تقديم أشهر وأهم الأعمال الأدبية الإغريقية الكلاسيكية.
لقد أعتبر أرسطو أن مسرحية (الملك أوديب) للروائي اليوناني سوفوكليس هي مثال للمسرحية النموذجية وأفضل مسرحة في تاريخ اليونان ومع ذلك كان رأي لجنة التحكيم مختلف حيث حققت هذه المسرحية المركز الثاني.
 وبينما أعتبر أرسطو أن الروائي اليوناني يوربيدس أعظم من يكتب مسرحيات التراجيديا جاءت مسرحيته (ميديا) في المرتبة الثالثة حسب تقييم الحكام. ما ينبغي الاشارة إليه في هذا المقام أن اختلاف التقييم والحكم على الاشياء من طبائع الاشياء ويتساوى في ذلك أكثر العقول البشرية ذكاءً وعبقرية فهذا الفيلسوف أفلاطون أستاذ أرسطو كان له نظرية مختلفة تماما عن الادب حيث له نظرية نقدية حادة ضد المسرح الذي كان يراه قائم على الخداع وأن التراجيديا تشكل خطر على المشاهدين في حين أنه من المشهور عن افلاطون أنه طرد الشعراء من مدينته الفاضلة.

الاختلاف في نظرة (الحكم) على الأشياء بين أفلاطون وأرسطو على ما بينهما من التجانس والعلاقة الوثيقة يخدمنا في فهم كيف يصيب الشطط بعض العقول في التباين الحاد في تقييم الأشياء خصوصا نظرة وحكم القرناء المتنافسين حيال بعضهم البعض. الحكم والقاضي أولا واخيرا هو بشر يقع تحت طائلة المؤثرات الخارجية فقد يحابي كما قد يعادي وقلّ من يسلم من هوى النفس.
لو كان محمود عباس العقاد في لجنة تحكيم لجائزة الشعر العربي وطلب منه تقييم شعر أحمد شوقي فهل كان سوف يمنحه الجائزة وهو الذي كان ينكر أن يكون أمير الشعراء شوقي شاعرا وكان يقول عنه أنه فقط مجرد ( نظّام ). وتوصيف العقاد لشوقي بأنه ( ينظم الشعر) دلالة على أنه شاعر مبتدئ وهو حكم غريب من أديب (أي العقاد) له عشرة دواوين شعرية ضعيفة ولم يشتهر منها بيت واحد.
وفي حين أن الجمع الغفير من الادباء أعترف بجودة كتابات طه حسين لدرجة أنهم لقبوه بعميد الأدب العربي نجد معاصره الأديب إبراهيم المازني كان يخرج مقالات طه حسين من عالم لكتابة ولا يراها كنوع من الاستنقاص لها إلا (خطب مدونة) بينما الاديب المعاصر الدكتور راشد المبارك رحمة الله كتب مقال مثير للجدل كان عنوانه بكل جرئه: (المتنبي ليس شاعرا).
سمة الجور في الأحكام طالت جميع الشعوب لدرجة أن أديب فرنسا فولتير (ذو العقل المتنور بزعمهم) وصف عبقري الأدب الانجليزي شكسبير بأنه همجي مخمور ولا يعجب بمسرحياته إلا أهل لندن وكندا.

والمقصود بعد هذا التطواف والابحار شرقا وغربا هو التنبيه المبكر أننا الزملاء والزميلات أعضاء لجنة تحكيم (جائزة وزارة الاعلام للكتاب 2019) اجتهدنا قدر الطاقة ووفق المتاح للوصول للحكم السليم. وعلى وفق مقولة صمويل جونسون سابقة الذكر قد لا نتوق للمديح لكن بالقطع نأمل أن ننجو من اللّوم ومع ذلك نرجو أن لا نكون وقعنا في خلل واضح أو زلل قادح.
المهم أن لا يقع بشكل متعمد اغفال عمل ثقافي وفكري مميز أو على النقيض من ذلك أن يتم دفع عمل ضعيف إلى منصة التتويج. وختاما النقص من طبع البشر واحتمال حصوله وارد فهذه جائزة نوبل العريقة يعاب عليها اغفال كبار العباقرة في الادب (مثل تولستوي ومارك توين وفرجينيا وولف وجيمس جويس) أو مشاهير القامات العلمية (مندلييف وأدوين هابل وويلارد جيبس وفريد هويل) بل حتى لم يحصل على جائزة نوبل للسلام أشهر أيقونة ضد العنف ورائد حركة السليمة (اللاعنف) المهاتما غاندي.

وعلى نقيض اغفال الاكابر من الجوائز وقع من لجان جوائز نوبل تلميع بعض اسماء الاصاغر ومنحهم الجائزة ولهذا ربما كانت ردة فعل بعض النقاد متفهمة عندما وصف منح جائزة نوبل للأدب عام 2016 لفنان الاغاني الشعبية الامريكي بوب دلن بأن هذا الأمر إهانة وتحقير لجميع الكتاب والأدباء.
 المحرج في الأمر للجنة جائزة نوبل أن بوب دلن تعامل (بسلوك شعبي) مع تلك الجائزة المرموقة حيث لم يعلق على خبر منحة الجائزة إلا بعد مرور حوالي أسبوعين من الإعلان عنها بل أنه حتى لم يحضر حفل تسليم الجائزة ولم يرسل كلمة الجائزة أو ما يسمى خطاب استلام الجائزة.
لا شك أن كاتب الأغاني الشعبية بوب دلن تسبب بحرج كبير للجنة تحكيم جائزة نوبل في الأدب لكن موقفه ألطف بكثير من الحرج الذي تسبب به الكاتب الانجليزي جون بيرجر للجنة تحكيم جائزة البوكر الأدبية البريطانية.
كما هو معلوم فإن جائزة البوكر Booker هي ثاني أهم جائزة أدبية على الاطلاق لكن المشكلة أن تمويل هذه الجائزة المرموقة يأتي من شركة مان Man Group الضخمة التي من انشطتها التجارية الاستثمار في مزارع قصب السكر في منطقة الكاريبي. وبسبب مشاكل حقوق الانسان واضطهاد العمال في الشركات الرأسمالية قام جون بيرجر بالتبرع بنصف القيمة المالية لجائزة البوكر للمنظمات المناهضة لنشاط شركة مان في جزر الكاريبي !!.

 أما نصيب جائزة غونكر الأدبية الفرنسية (ثالث أهم جائزة أدبية دولية) من الحرج للجنة التحكيم أنه من شروط هذه الجائزة المرموقة أن تمنح مرة  واحدة فقط للشخص الواحد.
لكن لجنة تحكيم هذه الجائزة منحتها بالخطأ مرتين للكتاب الفرنسي رومان كاسو في عام 1956 ثم مرة ثانية عام 1975 حيث كان المطب الفاضح الذي وقعت به لجنة التحكيم أن الجائزة الثانية لرومان كاسو كانت للرواية التي كتبها تحت أسم مستعار هو أميل آجار وكان ينبغي للقائمين على الجائزة عدم الاعلان عنها قبل التأكد من وجود الكاتب وشهرته في المجتمع الادبي.

بقي أن اقول أنني في سابق الازمان لربما كنت أنتقد سراً وجهرا نتائج تحكيم بعض الجوائز العلمية أو الادبية ولشعوري بوجود خلل ما في آلية التحكيم وتأثيرات التدخلات السياسية او الفكرية  في منح الجوائز. واليوم وفي منظور هذه التجربة الجديدة لي مع دراما الجوائز شعرت ان بعض ( عذلي) وانتقادي قد يكون مبالغ فيه وهنا تذكرت حكمة المتنبي المعبرة:
وعذلت أهل العشق حتى ذقته
           فعجبت كيف يموت من لا يعشقُ
وعذرتهم وعرفت ذنبي أنني
                      عيرتهم ولقيت فيه ما لقوا



السبت، 9 مارس 2019

( المخطوطات الاسلامية .. وأطلال الأمة الواحدة )


د/ أحمد بن حامد الغامدي

من ذكريات أيام المجد للسوق الرائجة للكتاب العربي اشتهرت المقولة التي تنسب لطه حسين ( القاهرة تكتب وبيروت تطبع وبغداد تقرأ ) لسنوات طويلة كنت اعتقد اننا في اقليمنا المحلي كنّا علي هامش عالم الثقافة العربية ولكن مؤخرا  تأكد لي انه حتى مراكز العروبة المتباهية لم تكن هي الحامل ( الشرعي والوحيد) لمشعل الحضارة الاسلامية الوضاء.
أبرز ما رسخ في شعوري بعد زيارتي لمعرض ( وهج ) للمخطوطات الاسلامية المزخرفة أن للشعوب والامم الاسلامية غير العربية أثر بارز في المورث الاسلامي والعربي. ليس فقط العديد من المخطوطات الاسلامية المعروضة كانت باللغات الفارسية والتركية  بل إن الغالبية العظمي من المخطوطات ( العربية ) كانت مسطرة بخط عربي جميل ولكن من عمل ونسخ الخطاطين والوراقين العجم في بلاد الهند وتركيا وايران . وعليه بدأت اقتنع ان أصل مقولة طه حسين أنها ربما كانت في الزمن الغابر (سمرقند تكتب ودلهي تطبع ودمشق تقرأ !!!).

أليس غريبا ان عاصمة المخطوطات العربية ليست القاهرة او بغداد او الرباط بل هي  مدينة تمبكتو في جمهورية مالي الافريقية والتي تحتضن أكثر من نصف مليون مخطوط باللغة العربية. وعلى نفس النسق من الغرابة نجد منذ قرون أن أسياد فن الخط العربي هم من الاتراك وليس العرب فبعد ان كنا نعرف من مشاهير الخطاطين العرب ابن ملقه وابن البواب أصبحت الساحة يحتكرها احفاد عارف حكمت والحافظ عثمان.
من الوهلة الاولى عند الولوج لمعرض وهج يخطف بصرك اطياف الرسومات الملونة علي صفحات المخطوطات المفتوحة. هذه الرسومات او الصور المزخرفة تشتهر باسم ( المنمنمات ) وهي تستخدم لشرح وتوضيح الافكار الموجودة في الكتب العلمية او المجلدات التاريخية بل وحتى الدواوين الادبية. في جميع هذه الرسومات المنمنمه وبلا استثناء ملامح الوجه للشخصيات البشرية هي ذات طابع   مغولي او تركي وتفتقد تماما للملامح العربية. وبالرغم من وجود مدرسة لفن المنمنمات في بغداد منذ القدم الا ان رسوم مخطوطاتها ذات طابع مغولي وفارسي واضح ولهذا لا غرابة ان أهم وأجمل المخطوطات الاسلامية من هذا النوع رسمت في مدينة هرات الأفغانية أو تبريز الايرانية أو إسطنبول التركية.

الامة الاسلامية أمة خالدة ولكنها كذلك ذات تنوع شاسع في القلب منه اللسان العربي لكنه ليس هو فقط مدار الثقافة الاسلامية. كما هو معلوم اهتم المستشرقون عبر القرون بالحضارة الاسلامية وآدابها المتنوعة لكن ينبغي التنبيه ان الادب العربي لم يلقى صدى وطرب واسع في الغرب. أغلب المثقفين في الغرب يعلمون جيدا من هو الشاعر الفارسي عمر الخيام أو الشاعر التركي جلال الدين الرومي وقل مثل ذلك عن حافظ الشيرازي والشمس التبريزي ولكنني اشك ان عدد قليل منهم يعرف شعراء العربية الكبار مثل جرير والمتنبي فضلا عمن سواهما. المحزن ان اشهر الكتب الاسلامية التي يعرفها الغرب هي مؤلفات غير عربية مثل ألف ليله وليله (هزار أفسان ) او الملحمة الفارسية الشاهنامه للفردوسي بل وحتى منظومة منطق الطير لفريد الدين العطار.
وختاما شعار ميشل عفلق الرنان ينبغي ان يكون في طبعته المنقحة والمزيدة : أمة ( إسلامية ) واحدة ذات رسالة خالدة العروبة هي قلبها النابض.

بقي أن اقول كم كانت تلك اللحظات ماتعة ومترفة بالثراء المعرفي  جراء التطواف بين كوكبة من امهات الكتب العربية والاسلامية ذات الشهرة الطاغية في مجال الشريعة والادب والتاريخ. تحت سقف واحد وخلال نصف ساعة فقط في رحاب ( معرض وهج) والذي هو من تنظيم مؤسسة الملك فيصل الخيرية يمكن أن تشاهد فرائد المخطوطات ونفائس المعروضات من مثل:
مخطوط صحيح البخاري
مخطوط تفسير جلال الدين السيوطي
مخطوط كتاب موطأ الامام مالك
مخطوط عجائب المخلوقات وغرائب الموجودات للقزويني
مخطوط كتاب كليلة ودمنه لابن المقفع
مخطوط كتاب كنز اللغة لابن معروف
مخطوط كتاب الشهنامه للفردوسي
مخطوط منطق الطير لفريد الدين العطار