الجمعة، 23 أبريل 2021

( الحنين للسفر ومرض هوس التجوال )

أنا عندي حنين .. يزداد مع السنين


د/ أحمد بن حامد الغامدي

 الشاعر الإيطالي المعروف دانتي (صاحب كتاب الكوميديا الإلهية) بعد أن نفي من مدينته المحبوبة فلورنسا قضى العشرين سنة الأخيرة من حياته وهو في (سفر دائم) وتنقل مستمر بين المدن الإيطالية والعواصم الأوروبية. لذا أشتهر عن دانتي قوله وهو يصف حالة مع الغربة (لا توجد حسرة أكبر من تذكر الأوقات الجميلة عندما تكون بائساً). وبدوري فقد استرجعت مقولة دانتي (المسافر) عندما أعلن في الفترة الماضية تمديد المنع من السفر الخارجي لعدة أشهر إضافية ذلك لأنه في الماضي عندما كانت أعراض الحنين للسفر تقلق راحة البعض منا كان العلاج حجز أقرب رحلة طيران أما في الوقت الحالي وفي زمن الحظر البئيسة فإنه بحق (لا توجد حسرة أكبر من تذكر الأوقات الجميلة عندما تكون بائسا).

الغريب أن البعض يربط حالة الحنين للسفر بالمفهوم والمصطلح اللغوي (النوستالجيا) المستخدم بكثرة لإبراز الحنين للماضي والذكريات القديمة ومع ذلك نجد أن ذلك المصطلح المبهرج يعود في أصله إلى الكلمة اليونانية المزدوجة nostalgia التي تعني حرفيا ألم الرجوع للبيت أو الوطن ولهذا عربها بعضهم بلفظة (الأبابة : من الأوبة والرجوع) وهذا بالقطع خلاف السفر والارتحال.

مما يزيد في الربكة حيال الحنين للسفر وعلاقته بالتوق بماضي الزمن الجميل أنه في واقعنا الحالي كانت جائحة الوباء هي الحاجز لتجديد ذكريات الارتحال نتيجة للمنع من السفر في حين أن جائحة الوباء في ظروف أخرى قد تكون هي سبب نشوء ذكريات السفر في المقام الأول. في رواية (الحب في زمن الكوليرا) نجد أن الأديب الكولومبي المعروف غابرئيل ماركيز يوظف الرومانسية في سياق الموت عندما جعل بطل الرواية العجوز فلورينتينو يحتال في الاستفراد بمحبوبته فرمينيا عندما خدع ركاب أحد القوارب بأنه توجد بينهم إصابات بوباء الكوليرا مما يجعلهم يهرعون لمغادرة القارب.  وبحكم أن القوانين في تلك الفترة تلزم أصحاب القوارب الموبوءة أن تبقى في عرض النهر وأن ترفع على ساريتها راية العلم الأصفر. وبهذا تمكن فلورينتينو الكهل بعد مرور نصف قرن من الحب اليائس والبائس أن يحظى بالخلوة الطويلة مع محبوبته الأرملة المكلومة. وفي نهاية الرواية وفي خاتمة حياة تلك المحبوبة تعاودها النوستالجيا وتحن لذكريات تلك الرحلة النهرية والتي تسبب بها الوباء وهذا ما يفرق بيننا وبين شخصيات ماركيز القصصية فحنينا للسفر بعد الوباء وهم قبله.

(السفر قطعة من العذاب) أمر صدق وحق كما ورد في الأثر الشريف ولكن بعد (الأبابة) والرجوع كثراً ما يصبح (السفر قطعة من الشوق) وبحكم أن الشوق هو مزيج من العشق والذكريات ولهذا نجد أن القوة الدافعة لتكرار فعل السفر قوية وملحة وكأننا نتعرض (للغواية والإغراء). والرحالة العرب في القديم والحديث شعروا بهذه الغواية وانساقوا وراء هذا العشق مما انعكس في عناوين كتبهم عن ذكريات السفر. فقديما نجد الرحالة الكبير محمد الإدريسي يختار عنوان كتابه: نزهة (المشتاق) في اختراق الآفاق وحديثا نجد الرحالة والأديبة السورية جمانة طه يعكس عنوان كتابها عن الرحلة والسفر ذات أجواء العشق والإغراء ولذا كان عنوان الكتاب (غواية الذكريات من أدب الرحلات).

الشوق والحنين للسفر هو المحفز لتخليد الرحلة من خلال استحضار واسترجاع حديث الذكريات وهو الفعل أثمر في نهاية أهم كتب الرحلات في كل الثقافات وبجميع اللغات. على خلاف الرحالة الأندلسي لكبير ابن جبير وعميد الرحالة العرب المعاصرين الشيخ محمد بن ناصر العبودي الذين استخدما تقنية توثيق أحداث رحلاتهم من خلال التسجيل اليومي لمجريات السفر نجد أشهر وأهم كتب الرحلات سجلت من الذاكرة وبعد سنوات طويلة من انتهائها وطوي شراعها. فهذا الرحالة الإيطالي الأشهر ماركو بولو بدأ رحلاته للشرق عام 1290م ولم يشرع بشكل فعلي في كتابة وتوثيق رحلته الأسطورية تلك إلا بعد ذلك بثلاثين سنة والعجيب في الأمر أنه لم يكتبها بنفسه وإنما سردها بشكل شفهي على زميلة في سجن مدينة جنوى الكاتب الإيطالي رستيشيللو الذي يقال إنه أضاف من عنده على المعلومات التي أملها عليه ماركو باولو. التوثيق من خلال الذاكرة كان حال الرحالة العربي الأبرز ابن بطوطة فنجده هو الآخر لم يبدأ في تدوين تفاصيل رحلته إلا ثلاثة عقود من بداية رحلته العجيبة والتي من عجائب الصدف استهلها تقريبا في الفترة الزمنية التي كان ماركو بولو يقص رحلته على صاحبه في السجن. وعلى نفس نسق ماركو بولو عندما أملى على رفيقة الأديب ذكرياته في السفر يقال إن ابن بطوطة لم يؤلف كتاب (تحفة النظّار في غرائب الأمصار وعجائب الأسفار) بخط يده وإنما قام بسرد أخبارها على الأديب الأندلسي ابن جُزي الكلبي الذي صاغها بأسلوبه الخاص. سؤال المليون كما يقال ما هي مشاعر ماركو بولو وابن بطوطة أثناء سرد أخبار تلك الرحلات وإملاء أحداث هاتيك السفريات وهل غامرهم شعور الحنين للسفر مرة أخرى وهل عانوا من الأثر العاطفي للنوستالجيا.

 وفي الختام لا بد من تقرير أن السفر من مباهج الحياة الكبرى لبعض الأشخاص وللبعض الآخر قد يكون السفر المتواصل والمتكرر نوع من أعراض المرض النفسي الذي يعرف بهوس التجوال (الدرومومانيا) تؤُزّ المصاب به رغبة جامحة للحركة والانتقال. وقريب منه الظاهرة المعروفة في العلوم الإنسانية بلذة وعشق التجوال wanderlust وهنا مرة أخرى نجد الشخص مدفوع باضطراب نفسي يتسبب في كثرة الترحال والطواف والتسكع وكأنه هو المقصود بالوصف الذي جاء في ثنايا القصيدة المذهلة للشاعر العباسي المسافر دوما ابن زريق البغدادي:

ما آبَ من سفرٍ إلا وأزعجهُ         رايُ إلى سفرٍ بالعزم يزمعهُ

كأنما هو في حلِّ ومُرتحلٍ           مُوكّل بفضاء الله يذرعهُ

 بقي أن نقول قبل أن نغادر إن ربط المشي والتسكع ببعض الأمراض النفسية ذات الأسماء الغريبة (مثل الدرومومانيا/ هوس التجوال) قد تجعل بعضنا يعزف عن السفر والترحال ولكن ينبغي أن نوضح ونقرر إن المشي والسفر هو عادة العباقرة والعظماء عبر التاريخ. أشهر الفلاسفة والمفكرين أرسطو أُطلق عليه لقب (المشّاء peripatetic) وانتقل اللقب لتلاميذه ومدرسته الفلسفية التي عرفت باسم المدرسة المشائية أو الرواقية لأن أرسطو وتلاميذه كانوا يتناقشون ويتحاورن وهم يمشون تحت أروقة مدرج ملعب أثينا. ولقد استعرضت عدد كبير من سير وأخبار المشاهير من العلماء والفقهاء والأدباء والفلاسفة والمفكرين ولم أجد إلا القلة القليلة منهم التي كانت تكره السفر والتجوال كما هو حال الأديب نجيب محفوظ والفيلسوف الألماني إيمانويل كانت. ومنذ سنوات طويلة والأبحاث الطبية تبين فوائد المشي والحركة على الدماغ والصحة النفسية والذهنية وشحذ القدرات العقلية والإبداعية حيث أن المشي يتسبب في زيادة ضخ الدم للدماغ وتحفيز إفراز مواد كيميائية هامة مثل هرمون الإندروفين أو بروتينات التغذية العصبية.

 

هناك تعليق واحد:

  1. سلمت يمينك
    توقفت عند مصطلح النوستالوجيا ما كنت اظن ان الم الرجوع للبيت مرضا نفسيا سابحث عنه اكثر ،،

    ردحذف