السبت، 9 مارس 2019

( المخطوطات الاسلامية .. وأطلال الأمة الواحدة )


د/ أحمد بن حامد الغامدي

من ذكريات أيام المجد للسوق الرائجة للكتاب العربي اشتهرت المقولة التي تنسب لطه حسين ( القاهرة تكتب وبيروت تطبع وبغداد تقرأ ) لسنوات طويلة كنت اعتقد اننا في اقليمنا المحلي كنّا علي هامش عالم الثقافة العربية ولكن مؤخرا  تأكد لي انه حتى مراكز العروبة المتباهية لم تكن هي الحامل ( الشرعي والوحيد) لمشعل الحضارة الاسلامية الوضاء.
أبرز ما رسخ في شعوري بعد زيارتي لمعرض ( وهج ) للمخطوطات الاسلامية المزخرفة أن للشعوب والامم الاسلامية غير العربية أثر بارز في المورث الاسلامي والعربي. ليس فقط العديد من المخطوطات الاسلامية المعروضة كانت باللغات الفارسية والتركية  بل إن الغالبية العظمي من المخطوطات ( العربية ) كانت مسطرة بخط عربي جميل ولكن من عمل ونسخ الخطاطين والوراقين العجم في بلاد الهند وتركيا وايران . وعليه بدأت اقتنع ان أصل مقولة طه حسين أنها ربما كانت في الزمن الغابر (سمرقند تكتب ودلهي تطبع ودمشق تقرأ !!!).

أليس غريبا ان عاصمة المخطوطات العربية ليست القاهرة او بغداد او الرباط بل هي  مدينة تمبكتو في جمهورية مالي الافريقية والتي تحتضن أكثر من نصف مليون مخطوط باللغة العربية. وعلى نفس النسق من الغرابة نجد منذ قرون أن أسياد فن الخط العربي هم من الاتراك وليس العرب فبعد ان كنا نعرف من مشاهير الخطاطين العرب ابن ملقه وابن البواب أصبحت الساحة يحتكرها احفاد عارف حكمت والحافظ عثمان.
من الوهلة الاولى عند الولوج لمعرض وهج يخطف بصرك اطياف الرسومات الملونة علي صفحات المخطوطات المفتوحة. هذه الرسومات او الصور المزخرفة تشتهر باسم ( المنمنمات ) وهي تستخدم لشرح وتوضيح الافكار الموجودة في الكتب العلمية او المجلدات التاريخية بل وحتى الدواوين الادبية. في جميع هذه الرسومات المنمنمه وبلا استثناء ملامح الوجه للشخصيات البشرية هي ذات طابع   مغولي او تركي وتفتقد تماما للملامح العربية. وبالرغم من وجود مدرسة لفن المنمنمات في بغداد منذ القدم الا ان رسوم مخطوطاتها ذات طابع مغولي وفارسي واضح ولهذا لا غرابة ان أهم وأجمل المخطوطات الاسلامية من هذا النوع رسمت في مدينة هرات الأفغانية أو تبريز الايرانية أو إسطنبول التركية.

الامة الاسلامية أمة خالدة ولكنها كذلك ذات تنوع شاسع في القلب منه اللسان العربي لكنه ليس هو فقط مدار الثقافة الاسلامية. كما هو معلوم اهتم المستشرقون عبر القرون بالحضارة الاسلامية وآدابها المتنوعة لكن ينبغي التنبيه ان الادب العربي لم يلقى صدى وطرب واسع في الغرب. أغلب المثقفين في الغرب يعلمون جيدا من هو الشاعر الفارسي عمر الخيام أو الشاعر التركي جلال الدين الرومي وقل مثل ذلك عن حافظ الشيرازي والشمس التبريزي ولكنني اشك ان عدد قليل منهم يعرف شعراء العربية الكبار مثل جرير والمتنبي فضلا عمن سواهما. المحزن ان اشهر الكتب الاسلامية التي يعرفها الغرب هي مؤلفات غير عربية مثل ألف ليله وليله (هزار أفسان ) او الملحمة الفارسية الشاهنامه للفردوسي بل وحتى منظومة منطق الطير لفريد الدين العطار.
وختاما شعار ميشل عفلق الرنان ينبغي ان يكون في طبعته المنقحة والمزيدة : أمة ( إسلامية ) واحدة ذات رسالة خالدة العروبة هي قلبها النابض.

بقي أن اقول كم كانت تلك اللحظات ماتعة ومترفة بالثراء المعرفي  جراء التطواف بين كوكبة من امهات الكتب العربية والاسلامية ذات الشهرة الطاغية في مجال الشريعة والادب والتاريخ. تحت سقف واحد وخلال نصف ساعة فقط في رحاب ( معرض وهج) والذي هو من تنظيم مؤسسة الملك فيصل الخيرية يمكن أن تشاهد فرائد المخطوطات ونفائس المعروضات من مثل:
مخطوط صحيح البخاري
مخطوط تفسير جلال الدين السيوطي
مخطوط كتاب موطأ الامام مالك
مخطوط عجائب المخلوقات وغرائب الموجودات للقزويني
مخطوط كتاب كليلة ودمنه لابن المقفع
مخطوط كتاب كنز اللغة لابن معروف
مخطوط كتاب الشهنامه للفردوسي
مخطوط منطق الطير لفريد الدين العطار

الأحد، 20 يناير 2019

( احتفالات أعياد الميلاد في مدار القمر)

أغرب احتفال لأعياد الميلاد في التاريخ

د/ أحمد بن حامد الغامدي

اليوم الخامس والعشرين من شهر ديسمبر هو يوم بالغ الأهمية في تاريخ البشرية ليس لأنه يوافق ذكرى تاريخ ميلاد السيد المسيح (فطوائف الديانة المسيحية مختلفة أصلاً في تحديد موعده) كما إننا في هذا اليوم الوثني القديم لتكريم الشمس نرغب في أن نحرف الانتباه بعيدا من الشمس لكي نحتفل بالقمر. في مثل هذا اليوم وقبل خمسين سنة أشرقت (بشارة عهد جديد) في مسيرة الحضارة الإنسانية حيث حصل لأول مره أن وصل أفراد من الجنس البشري لعالم جديد غير كوكب الأرض.
في يوم الأربعاء 25 من شهر ديسمبر لعام 1968م وصلت مركبة الفضاء الأمريكية أبولو Apollo 8 إلى مدار القمر وبهذا كان الرواد الثلاثة لتلك المركبة الفضائية أول البشر الذين انفصلوا بوسيلة علمية عن كوكب الأرض وداروا حول جسم سماوي خلاف وطننا الأرضي وشاهدو الوجه المظلم والبعيد من سطح القمر. بالفعل كانت تلك قفزة كبيرة Giant Leap للبشرية (قبل القفزة الكبيرة التي ذكرها نيل أرمسترونغ عندما هبط على سطح القمر) لكنها بلا شك كانت تقدم مذهل لمسيرة العلم وترسيخ واضحة لأثر العلماء في تشكيل مستقبل الإنسانية.
بعد عقود من التشكيك في اليقينيات الكبرى للأديان وبعد الشعور الزائف للبشر بالاستقلال في زمن العلم والتقنية ظهر ما يعرف (بعصر الإلحاد). لكن الغريب في الأمر أنه في وهج وصول البشرية إلى قمة التقدم العلمي لخروج البشر لأول مرة عن مدار الأرض والوصول لمدار القمر كانت الأمم الإنسانية مع لحظة لقاء دراماتيكية مع الدين. عندما وصلت مركبة أبولو الفضائية للقمر وشرعت في الدوران حول القمر قررت وكالة الفضاء الأمريكية إيصال رسالة لسكان كوكب الأرض ولهذا طُلب من طاقم المركبة أن يرسلوا بث تلفزيوني لصورسطح القمر وكذلك لمنظر (شروق الأرض) Earthrise من أفق القمر. وهنا قرر طاقم المركبة أن تكن الرسالة الصوتية المرافقة للصور التلفزيونية تحوي على قراءة شيء مميز ويناسب الحدث وهنا تم الاتفاق على قراءة: الأجزاء الأولى من الإنجيل. مئات الملايين من سكان كوكب الأرض تفاجأوا برائد الفضاء الأمريكي وليام أندرس وهو يقول بأنه وزملائه أعضاء طاقم المركبة يرغبون في توجيه رسالة إلى سكان الأرض. ثم بدأ وليام أندرس في تلاوة الآيات الأولى من سفر التكوين والذي يتحدث عن قصة الخلق (في البدء خلق الله السموات وأرض، وكانت الأرض خربة وخالية وعلى وجه الغمر ظلمة وروح الله يرف على وجه المياه. وقال الله ليكن النور فكان النور ...) وبعد أن تناوب الرواد الثلاثة قراءة العشر الآيات الأولى من الإنجيل أعلن قائد المركبة الفضائية فرانك برومان انتهاء البث التلفزيوني وتوجه بالتهنئة لجميع من في الأرض (عيد ميلاد سعيد Merry Christmas).
بعد نصف قرن من تلك الرسالة العلمية/الدينية في عشية ليلية الميلاد ومن مدار القمر ما زال صدى ذلك الحدث يتردد حتى اليوم ويلقى أعجاب الأجيال الجديدة التي لم تشهد البث الحي لتلك الرسالة عبر الأثير من بروج السماء. ومع ذلك ينبغي أن نذكر أنه ليس الجميع تجاوب بعاطفة جياشة مع الاحتفال بعيد الميلاد من أجواء القمر فقد قام مباشرة بعض عتاة الملحدين في الولايات المتحدة برفع دعوى قضائية ضد وكالة الفضاء ناسا وضد الحكومة الأمريكية بأنها خالفت الدستور الأمريكي الذي ينص على فصل الدولة على الكنيسة ولكن تم رفض تلك الدعوى القضائية الوقحة.

أول صلاة دينية على أرض القمر
إذا كانت رحلة المركبة الفضائية أبولو 8 دخلت التاريخ بكونها أول مركبة تدور حول القمر فالحدث العلمي الأكثر أهمية في تاريخ البشرية حصل بعد ذلك بحوالي ثمانية أشهر عندما استطاع رواد الفضاء في مركبة أبولو 11 من الهبوط على سطح القمر وذلك في العشرين من شهر يوليو من عام 1969 ميلادي. الجميع يعلم بأن رائد الفضاء الأمريكي نيل أرمسترونغ قد وضع بصمته (أو في الواقع دعسته) في كتب التاريخ عندما أصبح أول شخص يطأ بقدمه على سطح القمر وتوجد صورة مشهورة جدا لدعسة قدم على التربة الناعمة لأرض القمر لكنها في الواقع ليست له ولكنها للشخص الثاني الذي يطأ سطح القمر: رائد الفضاء بز ألدرن. صحيح أن بز ألدرن شخصية طاغية الشهرة بالنسبة للشعب الأمريكي إلا إنه للغالبية العظمى من سكان الأرض هو شخصية شبه مجهولة والمحزن حقا أنه بالنسبة لعلاقته بلدين قليل جدا من يعلم بأنه أول من قام بأداء شعائر دينية على سطح القمر.
وبحكم كون بز ألدرين من الناحية الدينية يتبع لكنيسة الطائفة المشيخية Presbyterian البروتسنتية فقد نشأ في أسرة متدينة ولهذا لم يكن من المستغرب أن يستغل مثل ذلك الحدث الكبير كالهبوط على القمر للتعبير عن تقديس الخالق القدير. يقال بأن المكتشف الايطالي المشهور كريستوفر كولومبوس من أوائل الأمور التي قام بها عندما نزل على أرض العالم الجديد أنه قام بأداء الطقوس التعبدية المسماة في الديانة المسيحية (بتناول العشاء الرباني) أو كما تعرف باسم سر المناولة Communion ويبدو أن هذا الأمر أصبح تقليد لدى الرحالة والمستكشفين الأوروبيين يقومون به عند اكتشاف (أو احتلال) أي أرض أو بلاد جديدة. وعلى خطى الرواد من المستكشفين الأوائل رغب رائد الفضاء المتدين بز ألدرين أن يقوم بالطقوس الدينية لسر المناولة مباشرة بعد نزول مركبتهم الفضائية المسماة النسر على سطح القمر. منذ البدء كان بز ألدرين يخطط بشكل جيد لإضفاء الصبغة الدينية لهذه اللحظة فقد أخذ معه في تلك الرحلة الفضائية المواد التي يتم تناولها في تلك الطقوس الدينية (الخمر ورقائق الخبز التي ترمز لدم السيد المسيح وجسده) من القسيس راعي الأبرشية التي يتبع لها بز ألدرين. لقد كانت الخطة الأصلية في تصور بز ألدرين أن يتم إذاعة هذه الطقوس والصلاة الدينية عبر البث التلفزيوني لجميع سكان الأرض. ولكنه عندما عرض الأمر على المشرفين على برنامج رحلة أبولو في وكالة الفضاء ناسا رفضوا هذا المقترح بشكل حاسم خصوصا بعد مشكلة الدعوى القضائية التي رفعت عليهم قبل الملحدين. ومع ذلك سمح لبز ألدرين أن يقوم بهذه الطقوس الدينية داخل المركبة القمرية لكن بشرط أن تكون غير معلنه كما إن زميله رائد الفضاء نيل أرمسترونغ اكتفى بالمشاهدة الصامتة له ولم يشاركه في صلاته الدينية تلك. لاحقا كتب بز ألدرين في مذكراته عن طقوس هذه الصلاة الفريدة: لقد سكبت القليل من الخمر في داخل كأس القربان الذي زودتني به كنيستي ولكن بسبب جاذبية القمر الضعيفة بدأ السائل في الالتفاف ببطء والخروج من الكأس. ثم بعد ذلك أخذ بز ألدرين في قراءة نص ديني مكتوب على بطاقة ورقية صغير ثم تناول وأكل رقاقات الخبز وبهذا كان أول طعام أو شراب يتم تناوله على سطح القمر هو طعام ذو صبغة دينية. لا يمكن أن نغفل أن للمشاعر الدينية لجميع الشعوب حضور طاغي في تصرفات العديد منا وحتى في مثل هذه الرحلة العلمية الأسطورية نجدها تبدأ بأداء الطقوس والشعائر الدينية. الجدير بالذكر أن الكنيسة المشيخية التي يتبع لها بز ألدرين وهي كنيسة Webster Prespyterian ما زالت حتى الآن تقيم احتفال سنوي في ذكرى تلك الحادثة الدينية المميزة.

الكتب ( السماوية ) تصل القمر
في العصور الحديثة يبدو من المستبعد جدا أن تسمح وكالة الفضاء الأمريكية لأي من رواد الفضاء العاملين بها  أن يتحدث في بشكل علني عن الأمور الدينية ولكن شواهد كثيرة تدل على أن الجيل الأولى من رواد الفضاء كان لهم عاطفة دينية قوية. من أغرب ما يمكن ذكره في هذا السياق أنه في عز برنامج أبولو للرحلات القمرية تم إنشاء ما يسمى رابطة مصلي أبولو Apollo Prayer League  والتي أقامها قسيس وعالم من علماء ناسا وانضم لها عدد كبير من رواد الفضاء. ما ساعد في شيوع رابطة المصلين تلك أن هدفها المعلن كان إقامة الصلوات والأدعية الدينية لسلامة رواد الفضاء والعاملين في مختبرات ناسا. في الواقع منذ إرهاصات برنامج أبولو أعلن رائد الفضاء الأمريكي إدوارد وايت أحد أعضاء طاقم رحلة أبولو واحد أنه سوف يأخذ معه نسخة من الإنجيل إلى القمر لكنه لم يتمكن من تحقيق ذلك بسبب مقتله هو أثنين من زملائه أثناء التدريب لعمليات الإطلاق. وبسبب هذه الحادثة الخطيرة تم تعزيز فكرة إقامة الصلوات لحماية وضمان سلامة رواد الفضاء ولهذا سمحت وكالة الفضاء ناسا لرابطة مصلي أبولو APL بأن تنتج 100 نسخة الكترونية مصغرة من الكتاب المقدس الإنجيل (بالإضافة لعدة مئات من الأناجيل المصورة بهيئة ميكروفيلم). وبالفعل وبعد شيء من التأخير في تنفيذ هذا الأمر حصل في رحلة أبولو 14 حمل هذه النسخ المصغرة من الأناجيل على المركبة التي هبطت على سطح القمر. تلك النسخ 300 المصغرة من الإنجيل لاقت بعد ذلك شيوع واهتمام كبير وبيعت النسخة الواحدة منها بمبالغ مالية كبيرة فلا شك أن العديد من المؤمنين يرغبون في القراءة والتعبد بنسخة من الإنجيل كانت على سطح القمر.
بقي أن نقول أنه بسبب الخطورة المحتملة لرحلات الفضاء على القمر (مركبة ابولو واحد احترقت على الأرض ورحلة ابولو 13 كادت تحترق في الفضاء وتم إعادتها للأرض في دراما بشرية تابعها مئات الملايين من سكان الأرض) ولهذا توجد لعالم الفضاء العربي المشهور أسامة الباز قصة جميلة تذكر في هذا الشأن. لقد شارك أسامة الباز في رحلة الفضاء القمرية ابولو 15 وبحكم أنه حصل بعض التعديل في تصميم تلك المركبة عما سبق ولهذا شعر بعض رواد الفضاء بشيء من القلق من ضمان كامل السلامة على هذه المركبة الجديدة. وكما يذكر الدكتور أسامة الباز بأنه كان له علاقة شخصية وحميمة قوية مع طاقم رواد رحلة أبولو 15 وكوسيلة إضافية لسبغ الطمأنينة على أجواء الرحلة الفضائية اقترح على أحدهم أن يأخذ معه صفحة سورة الفاتحة من القرآن الكريم وأنها سوف تضمن له سلامة الرحلة. وقد سمعت هذه القصة مباشرة من الدكتور أسامة الباز في إحدى محاضراته في مؤسسة الملك فيصل الخيرية.
وفي الختام وقبل أن نغادر سطح القمر يجدر التنبيه إلى عدم صحة الإشاعة المنتشرة بأن رائد الفضاء الأمريكي نيل أرمسترونغ قد سمع صوت الأذان على سطح القمر. الإشاعة الركيكة الإخراج تقول كالتالي: أنه أثناء زيارة نيل أرمسترونغ لمدينة القاهرة (أثناء جولته العالمية للاحتفال بكونه أول شخص يهبط على سطح القمر) سمع صوت الآذان يصدح من مساجد القاهرة وعندما استفسر عن طبيعة هذا الصوت الذي لفت (سمعة) لأنه شبيه بالصوت الذي سمعه على القمر قيل له أن هذا هو صوت الآذان أحد أهم شعائر الإسلام ولهذا تأثر أرمسترونغ ودخل في دين الإسلام. كما هو معلوم لا يوجد غلاف جوي أو هواء على القمر ولهذا يستحيل انتقال الأصوات على سطح القمر. كما إن أرمسترونغ شخص ملحد لا ديني وسبق أن ذكرنا أنه لم يشارك بز ألدرين في صلاته الدينية على سطح القمر كما يوجد مقطع مشهور لقسيس يطلب من أرمسترونغ أن يلحف على الإنجيل بأنه هبط على القمر وهو يرفض لأنه لا يؤمن بأن الإنجيل كتاب مقدس. ومن جان آخر لم يشتهر عن أرمسترونغ قيامة بتلك الجولة العالمية المزعومة لبلدان العالم كما لا يعرف عنه زيارته لمدينة القاهرة.

الاثنين، 24 ديسمبر 2018

(باريس .. مدينة النور والنيران !!)

ثورة الطلاب في باريس عام 1968م لماذا أرتبطت بثورة (اصحاب السترات الزرقاء)

د. أحمد بن حامد الغامدي

صحيح أن باريس توصف بن أنها مدينة الرومانسية والاناقة والثقافة ولكنها في ذات الوقت مدينة الثورات والعصيان والظلام ولهذا لم تعاني عاصمة دولية كبرى من النكبات مثل ما عانت مدينة الأنوار والعشاق. منذ القرن السادس عشر تنبأ الطبيب والمنجم الفرنسي المشهور نوسترداموس بأن هذه المدينة سوف تمر في مراحل متعددة من الصراع والتخريب ولهذا ذكرت مدينة باريس في أحد عشر موضعا من كتاب (نبوءات نوسترداموس). لا يعلم مدينة كبرى في التاريخ تعرضت للاحتلال والنهب والتخريب مثل ما حصل مع مدينة باريس التي تعرضت لاحتلال الرومان وتخريب الفايكنج وسيطرة الانجليز وحصار الامبراطورية الالمانية وقمع الحكم النازي.
ومع ذلك أكثر قلاقل باريس ونكباتها عبر التاريخ الممتد تمت من تحت يد الشعب الفرنسي نفسه ففي نهاية القرن السادس عشر وكنتيجة  للتعصب الديني المقيت تم الفتك بعدة الاف من البروتستانت الفرنسيين في شوارع باريس على يد الكاثوليك وهي مجزرة مصغرة مما سوف تشهدها القارة الاوروبية بعد ذلك بعقود فيما عرف باسم حرب الثلاثين عام. وفي منتصف القرن السابع عشر وبمجرد انتهاء حرب الثلاثين عام كان انعكاساتها هشاشة الاوضاع السياسية في فرنسا مما أفرز أول حرب أهلية داخلية بين طبقة النبلاء وبين الامبراطور الفرنسي الشهير لويس الرابع عشر وكانت أشرس معاركها تلك التي تمت تحت أسوار حصن الباستيل. ونتج من هذا الصراع أن خسرت باريس موقعها كعاصمة لفرنسا عندما أضطر لويس الرابع عشر بأن ينقل بلاط حكمه إلى قصر فيرساي جنوب باريس.
كما هو معلوم من اصعب الاوقات التي عاشها سكان العاصمة باريس هي تلك التي تلت اندلاع الثورة الفرنسية لدرجة انه تم تسمية تلك الفترة (بعهد الارهاب Reign of Terror) وبعد أن كان يتم استخدام المقصلة في الساحات العامة لمدينة باريس لإعدام أعداء الثورة أصبحت الثورة نفسها (تأكل أولادها) وتم اعدام الاف من رموز الثورة الفرنسية وجنودها. وبحكم أن أغلب الثورات يعقبها ثورة مضادة ولهذا بعد عقود من الثورة الفرنسية جاء عصر الثورة على الثورة وإعادة إحياء وتنصيب restoration النظام الملكي الفرنسي القديم. في تلك الاجواء السياسية المضطربة لم تكن شوارع باريس تشهد الاستقرار وكثيرا ما يعيد التاريخ نفسه ومن هنا نشهد في عام 1830م ثورة شعبية جديدة سميت : الثورة الفرنسية الثانية نتج عنها إقامة نظام ملكي دستوري استمر حتى عام 1848م بعدها اندلعت الثورة الفرنسية الثالثة لتعيد مره أخرى تنصيب النظام الجمهوري (الجمهورية الثانية). وكما يحصل أن يتكرر في تاريخ الثورات أن يتم سرقتها في غفلة من الزمن ومن الثوار فكما سرق نابليون بونبارت الثورة الفرنسية الأولى سرق نابليون الثالث الثورة الفرنسية الثانية وبعد أن تمكن من مفاصل الحكم أعلن نفسه إمبراطور فرنسا كما فعل عمه من قبل حذو القذة بالقذة وأنطبق حافر السياسية على الحافر.
وبعد تلك السلسة من الثورات والثورات المضادة والتناوب السياسي بين الملكية والجمهورية وصلت الحياة السياسية الفرنسية لنوع من الثابتية في أعقاب الهزيمة الساحقة التي مني بها الامبراطور نابليون الثالث على يد الجيش الالماني الذي حاصر مدينة باريس ثم اقتحمها مما شجع حصول الثورة الفرنسية الثالثة والتي تلاها تنصيب الجمهورية الثالثة والتي استمرت حتى هزيمة فرنسا في الحرب العلمية الثانية واقتحام الجيش النازي الألماني للمرة الثانية لعاصمة الانوار. لقد سبق التحذير أن التاريخ السياسي لمدينة باريس مربك ومحير بسبب كثرة الثورات وتعدد الحروب والغزو الخارجي. ألم يفسر الكاتب الفرنسي جان كوكتو طريقة تفكير أهل باريس عندما قال: في باريس الجميع يرغب في أن يكون هو الممثل و لا أحد يقبل بأن يكون الجمهور، وبهذا نعلم كثرة أهل العصيان وأهل الثورة وأهل السياسة في المجتمع الفرنسي !!. 

باريس من الثورة إلى الانتفاضة .. المسيرة مستمرة
من الناحية التاريخية نجد أن زخم ما يسمى عصر الانوار في القرن الثامن عشر كان يشع بكثافة من مدينة باريس بالذات وبحكم أن عصر التنوير هو (حركة احتجاجية) ضد الدين والمنظومة السياسية لهذا نجد أن أرث هذه الحركة الاحتجاجية متأصل وموروث في جينات ابناء باريس عبر العقود. فإذا كانت بعض الشعوب شهدت ثورة واحدة نجد سكان باريس يكررون الثورات الكبرى بشكل متتابع لدرجة أننا الان نعاصر ما يسمى (الجمهورية الفرنسية الخامسة). ما يميز التاريخ الفرنسي الحديث أنه بعد نهاية الحرب العالمية الثانية وتحرير فرنسا من الاحتلال النازي تحول المزاج الشعبي لأهل باريس من الثورةrevolution  إلى الشغب والعصيان riot وإن كان ذلك لا يعني جمود الحياة السياسية الفرنسية فالبعض ما زال يستشرف فجر الجمهورية الفرنسية السادسة. على كل حال كما كانت مدينة باريس هي صاحبة الرقم القياسي في عدد الثورات فهي المدينة العالمية الكبرى التي ما زالت تشهد بين الحين والاخرى انتفاضة شعبية أو شغب جماهيري عنيف ومدمر.
أثناء حرب استقلال الجزائر عن الاحتلال الفرنسي تعاطفت شرائح واسعة من الشعب الفرنسي لمنح حق تقرير المصير للشعب الجزائري لدرجة أنه حصلت مظاهرات ضخمة في شوارع باريس خلال شهر أكتوبر من عام 1961م صاحبها حالة شغب وعنف نتج عنها مقتل العشرات من المتظاهرين ورجال الشرطة. وتبع ذلك قيام الحركة والتيار المناهض للسماح باستقلال الجزائر بمظاهرات مضادة وشغب وعمليات تفجير وقتل.
أما أهم حركة عصيان مدني في تاريخ باريس الحديث فقد كانت بلا شك أحداث الاضراب العام الذي حصل خلال شهر مايو من عام 1968م وهذه الاحداث تعرف أحيانا باسم انتفاضة الطلاب لأنها بدأت مع طلاب جامعة السربون العريقة (الذين تأثروا بحركة طلاب الجامعات الامريكية المناهضة لحرب فيتنام ولهذا يعرف عام 1968م بعام ثورات الشباب). الجدير بالذكر أنه أثناء عصيان شباب الباريسي واحتلالهم لجامعة السربون لعدة اسابيع انضم إليهم عمال المناجم الذين كانوا يرتدون السترات الزرقاء blue-collar workers ومن هنا ربما نجد التقارب والالهام من حركة السترات الزرقاء قديما لحركة السترات الصفراء حاليا في إشعال نار الاحتجاج بوقد الفحم بالأمس والبنزين ذو الضريبة المرتفعة اليوم.
مع مرور الزمن خفت (وهج) مدينة النور باريس واصبحت أكثر وأكثر مدينة النيران ومدينة ظلام والدخان وكلنا ما زال يتذكر حادثة الاضطرابات الخطيرة التي حصلت في مدينة باريس وضواحيها في شهر أكتوبر من عام 2005م. لهيب الشغب والعنف في تلك الانتفاضة تميز بمشاهد حرق السيارات حيث تشير التقارير الحكومية الفرنسية أنه تم حرق ما يقارب تسعة الاف سيارة في شوارع باريس والمدن الفرنسية الاخرى. من هذا وذاك نعلم أن المظاهرات والشغب والتخريب المشاهد هذه الايام في شوارع باريس أمر شبه اعتيادي وكأنه ديجا فو (deja vu) وهي كلمة فرنسية تعني بكل بساطه: شوهد من قبل. بسبب شذوذ الذاكرة قد يشعر الانسان أنه رأى أو عايش الموقف الحاضر من قبل ولكنه لا يدري متى أو أين وهذا ما يسمى الديجا فو أما بالنسبة لسكان مدينة باريس فهم دوما موعودون بأن مستقبلهم معروف المعالم لأن واقعهم بكل بساطة يحقق قاعدة (التاريخ يعيد نفسه).

باريس في أدب الثورات
كل من له اطلاع عام على الأعمال الأدبية القديمة والحديثة يسهل عليه ملاحظة الحضور الطاغي للثورات السياسية والانتفاضات الشعبية في عدد كبير من الروايات الادبية والقصائد الشعرية لمشاهير الادباء ومن جميع الجنسيات والعصور التاريخية. مسرحية كريولانس لشكسبير تفتتح بتوصيف ثورة شعبية وإحدى أبرز قصائد الشاعر الاسكتلندي المشهور والتر سكوت هي عن انتفاضة سكان مدينة أدنبرة بينما نجيب محفوظ في رواية بين القصرين جعلنا نعيش أحداث ثورة 1919م ضد الاستعمار الانجليزي لمصر في حين خلد أحمد شوقي ثورات دمشق وليبيا. التعمق في (أدب الثورات) قد يأخذنا بعيدا وهو موضوع متشعب يستحق مقال مستقل لكن ما يهمنا هنا هو فقط الإشارة إلى الانعكاسات الأدبية للثورات والانتفاضات الباريسية. بعد ما سبق التنويه عنه عن كثرة وتعدد الثورات ومسيرات الاحتجاجات في التاريخ الفرنسي لهذا لا غرابة أن نجد أن عدد كبير من مشاهير الأدب الفرنسي ساهموا في توثيق هذه الثورات في رواياتهم الأدبية.
من ذلك مثلا  أن رواية (سقوط الباستيل) لأديب الفرنسي اسكندر دوماس الأب هي رواية عن توثيق تاريخ اندلاع الثورة الفرنسية الأولى من لحظة سقوط سجن الباستيل الشهير في قلب باريس. أما إرهاصات وبعض مشاهد أحداث الثورة الفرنسية الثانية فقد تم حولها بناء الحبكة الدرامية لأشهر رواية أدبية في تاريخ اللغة الفرنسية وهي رواية (البؤساء) لروائي الفرنسي الأشهر فيكتور هوجو. وبالمناسبة آخر رواية أدبية كتبها فيكتور هوجو قبل وفاته هي رواية (عام 93) والتي تدور أحداثها في عام 1793م وهي السنة التي انحرفت وبشكل شنيع الثورة الفرنسية عن أهدافها الإصلاحية وبدأ بعدها عهد الإرهاب والرعب المقيت والذي يعتبر لطخة سوداء في تاريخ فرنسا.
الغريب في الأمر أن أفضل رواية أدبية أبرزت مصائب وأهوال عهد الإرهاب reign of terror المرتبط بالثورة الفرنسية لم تكن لكتاب فرنسي وإنما لأديب بريطانيا البارز تشارلز ديكنز. في رواية (قصة مدينتين) التي تدور أحداثها بين لندن وباريس نجد في السطور الأولى من افتتاحية الرواية، تشارلز ديكنز يلخص وجهة نظرة حيال سنوات الثورة الفرنسية: (كانت أفضل الأزمان وكانت أسوأ الأزمان، كان عصر الحكمة وكان عصر الحماقة، كان زمن النور وكان زمن الظلمة، كان ربيع الأمل وكان شتاء القنوط). الأديب الفرنسي جوستاف فولبير قد تكون له شهرة طاغية بحكم كونه أحد أبرز رموز ما يسمى بالأدب المكشوف حيث انه مؤلف الرواية المثيرة للجدل (مدام بوفاري) لكن ما يهمنا هنا أن من أهم أعماله الادبية رواية تحمل أسم (التربية العاطفية) والتي تدور أحداثها زمن اندلاع الثورة الفرنسية الثالثة عام 1948م. يعتبر الروائي الفرنسي بلزاك من رواد الأدب الفرنسي البارزين في منتصف القرن التاسع عشر وقد ولد في بدايات الثورة الفرنسية الأولى وتوفي في بدايات الثورة الفرنسية الثالثة ولهذا لا غرابة أن أهم عمل أدبي له (الكوميديا الإنسانية) هي سلسلة من القصص القصيرة تدور عن التغيرات الاجتماعية والسياسية لسكان مدينة باريس أثناء تلك الثورات الفرنسية الثلاثة. بعد انتهاء الثورات الفرنسية الثلاث الكبرى أستمر المجتمع الباريسي يمور وينتج انتفاضات uprising  سياسية مزلزلة اشهرها تلك التي انتجت الجمهورية الفرنسية الثالثة وهنا يأتي دور الأديب الفرنسي البارز إميل زولا الذي خصص روايته المسماة (الكارثة) لمناقشة هزيمة الجيش الفرنسي أمام الامبراطورية الالمانية والانعكاسات السياسية لذلك بعزل الامبراطور نابليون الثالث ومن ثم ظهور نظام جديد للحكم سمي حكومة مجلس مدينة باريس (Paris Commune).
وفي الختام سوف تبقى أسئلة عالقة بدون اجابة واضحة عن علاقة أدباء باريس بالثورات والانتفاضات فمثلا الأديب الفرنسي ألبير كامو الحاصل على جائزة نوبل في الأدب عام 1956م والمولود في الجزائر (ولهذا تدور أحداث اشهر أعماله الادبية كرواية الغريب ورواية الطاعون في المدن الجزائرية)  فهل كان سوف يستمر في تأييد الثورة الجزائرية حتى بعد دخولها مرحلة العنف ليس في الجزائر لكن على جادات شوارع باريس. لقد توفي البير كامو عام 1960م ولهذا لن نعلم هل كان سوف يشارك في مظاهرات شوارع باريس في شهر أكتوبر من عام 1961م بالرغم من ما صاحبها من تخريب ودمار. سؤال صعب التخمين به فألبير كامو رجل فرنسي متعصب لوطنه لدرجة أن شارك في المقاومة المسلحة ضد الاحتلال الالماني النازي فهل كان سوف يقبل في المشاركة في مظاهرات تخريبية ضد وطنه. لكن ما نعلمه بيقين أن زميل ألبير كامو في النضال ضد النازية الفيلسوف والأديب الفرنسي المثير للجدل جون بول سارتر (الذي رفض أن يقبل جائزة نوبل في الأدب عام 1964م !!) استمر حتى النهاية وهو يؤيد حق الشعب الجزائري في تقرير مصيره ونيله للاستقلال. (أعدموا سارتر) تلك كانت صرخات المتظاهرين خلال المسيرات الصاخبة في شوارع باريس خلال تلك الاعوام العصيبة حيث كانت شرائح من المجتمع الفرنسي تعارض استقلال الجزائر ولهذا توجهت جموع من هذه الحشود الغاضبة إلى منزل جون بول سارتر وقامت بتحطيم واجهته.
الحق أقول لكم: إن قصة باريس مع الثورة والأدب لم تكتمل فصولا بعد ولم يسدل الستار بعد على خاتمة تلك الدراما السياسية والثقافية.


الأحد، 9 ديسمبر 2018

( فن الحرب )

دور الاعمال الفنية في توثيق الحروب والقتال

د/ أحمد بن حامد الغامدي

بالإذن من الفيلسوف الصيني القديم سون تزو سوف استعير عنوان كتابه الجذاب (فن الحرب The art of war) ليس للحديث عن الاستراتيجيات العسكرية وفنون القتال ولكن لتسليط الضوء على (رسالة الفن) ودور الاعمال التشكيلية المتنوعة في خدمة (المجهود الحربي) في تعبئة المشاعر الداعمة للحرب والقتال أو في المقابل التنفير من النزاع المسلح والحث على نشر السلام. منذ فجر التاريخ استخدم الحكام والملوك والقادة الرسم والنحت واللوحات الفنية لتمجيد وتخليد انتصاراتهم العسكرية فهذه جدران معبد أبو سنبل الفرعوني في أسوان تؤرخ المنحوتات المنقوشة عليه الانتصارات العسكرية للفرعون رمسيس الثاني وهو يطارد بعربته الحربية الجنود الفارين من أعدائه الحيثيون بعد انتصاره (المزعوم) عليهم في معركة قادش. وحتى اليوم يعتبر أكبر وأهم وربما أغلى (عمل فني) يتعلق بالحرب والقتال هو اللوحة الفسيفسائية للإسكندر المقدوني Alexander Mosaic  التي تصور انتصاره الحربي الهام على الامبراطور الفارسي داريوس الثالث. وقد تم اكتشاف هذه التحفة الفنية العجيبة في مكان عجيب حيث وجدت تحت انقاض مدينة بومبي الرومانية المنكوبة وقد كانت اللوحة عبارة عن ارضية من الموزاييك وجدت في بيت أحد الاثرياء من سكان بومبي الايطالية في القرن الثالث قبل الميلاد.
ليست الانتصارات الحربية هي فقط من تخلد ذكر القادة والحكام بل وحتى اللوحات الفنية المحكمة الابداع فشهرة نابليون بونابرت الطاغية جزء منها ولا شك صورته الساحرة وهو يمتطي حصانه العربي الرمادي الشهير عندما كان يعبر جبال الالب مع فرقة سلاح المدفعية في جيشه وهو في طريقة لخوض معركة مارنجو ضد مملكة النمسا. من الجدير الاشارة إلى أن عنوان لوحة نابليون السابقة الذكي هو (نابليون يعبر جبال الألب) Napoleon Crossing the Alps ونتيجة لدور هذه اللوحة الفنية في بيان عبقرية نابليون في تخطي (الصعاب) في سبيل تحقيق النصر العسكري لهذا لا غرابة أن أهم لوحة فنية تبين عبقرية التكتيك الحربي للجنرال الامريكي جورج واشنطن (أول رئيس للولايات المتحدة) أثناء حرب الاستقلال عن الامبراطورية البريطانية حملت عنوان (واشنطون يعبر نهر ديلاوير).
من الواضح أنه هذه الاعمال الفنية واللوحات التشكيلية لم يتم انتاجها بمحض الوطنية الخالصة ولكن لتوظيفها في الابعاد السياسية كوسيلة (لتزيين وتزييت) الحاكم والقائد العسكري بدليل أن كتب ومراجع تاريخ الفنون والرسم التشكيلي احتفظت بأسماء العديد ممن يمكن وصفهم (برسامي البلاط) وهم أشخاص من محترفي مهنة الرسم يتم توظيفهم في القصور الملكية و المؤسسات الحكومية مثل الجيش لرسم وتوثيق الاحداث السياسية والمناسبات الكبرى. الغريب في الأمر أن هذه الظاهرة سوف تخفت كثيرا في العصور الحديثة لدرجة أن أشهر وأهم الاعمال الفنية الحديثة المتعلقة بالحروب اصبحت تلك التي (تنتقد وتعارض) الحرب وليس تلك التي تمجد الانتصارات العسكرية. لم تصدم الحضارة البشرية بحادثة أبشع من الحرب العالمي الأولى ولهذا ومنذ بداية القرن العشرين اصبحت الحرب والمعارك العسكرية تعتبر بؤرة مركزة للقبح والشقاء والجنون. من الالقاب المشهورة للحرب العالمية الاولى أنها (حرب الخنادق) أو (حرب الغازات) ولهذا في الوقت الحالي أشهر لوحتين فنيتين عن تلك الحرب الكبرى هي الرسمة الصادمة للسير الانجليزي وليم أوربن والمتعلقة بتصوير المنظر الفظيع لقتلى الجنود الألمان المجمدين في الثلوج داخل خنادقهم الموحشة. بينما كارثة خسائر دول الحلفاء مثلتها بجدارة مستحقة اللوحة التشكيلية الشهيرة للرسام الانجليزي المبدع جون سارغنت والتي تصدم كل من يشاهدها حتى الآن وذلك لأنها تمثل صف طويل من الجنود الانجليزي مصابين بالعمى نتيجة تعرضهم للغازات السامة (لهذا اسم هذه اللوحة Gassed) وهي لوحة تلخص حالة الضعف البشرية حتى لمن لم يقتل في معمعة الحروب.
نقطة جديرة بالتنويه وهي أنه كان للحرب العالمية الاولى تأثير هائل وحاد على الفن التشكيلي والادب بشكل عام ففي مدينة زيورخ السويسرية وفي عز سنوات الحرب أي في عام 1916م ظهرت الحركة الدادائية وهي حركة ثورية مناهضة بل ومعادية للفن والادب الكلاسيكي وقد نتجت كردة فعل حادة معادية للحرب وأثرت على مجمل الحراك الثقافي الاوروبي. ومن رحم حركة دادا Dada ولدت حركة الفن السريالية ولهذا لا غرابة أن نجد كبار مشاهير رسامي الفن السريالي لديهم العديد من اللوحات التشكيلية الفائقة الشهرة موضوعها الاساسي مناهضة الحرب وأهوالها.  في مقال سابق تم نشره تحت عنوان (في زمن الحرب .. اللوحة الفنية اقوى من ألف خطبة) قمت باستعراض اشهر اللوحات الفنية العالمية التي ناقشت ويلات وأهوال الحروب الاهلية وتم تشبيه كارثة ومأساة مدينة حلب السورية بكارثة مدينة جورينكا الاسبانية التي خلدها الرسام البارز بابلو بيكاسو في لوحته السريالية الفظيعة التي حملت أسم تلك المدينة المنكوبة.  وكذلك نجد أن اشهر رموز الفن التشكيلي السريالي المعاصر وهو الاسباني سلفادور دالي أشهر لوحاته على الاطلاق تلك المتعلقة بالحروب والقتال مثل لوحة (وجه الحرب) ولوحة (هاجس الحرب الاهلية). وعلى نفس النسق يمكن أن نستشف أن أهوال ومآسي الحرب العالمي الأولى كان عامل التحفيز لظهور وانتشار موجات جديدة في دنيا الفن التشكيلي من الحركة التكعيبية والانطباعية وغيرها ومن هذا كانت الاعمال الفنية لبعض رموز الفن الحديث متأثره بتجربتهم الشخصية المباشرة في ساحات القتال كما حصل مع  الرسام الانجليزي ويندهام لويس والرسام الألماني أوتو ديكس والرسام البولندي ديفيد بومبيرج والرسام الانجليزي بول ناش وغيرهم كثير.
على كل حال في السابق كان للأعمال الفنية واللوحات التشكيلية دور في نقل المعلومة (بل وتخليدها كما في نقوش رمسيس والإسكندر) وتوصيف الحدث ولكن فيما يخص الحروب المعاصرة أنتشر في القرن العشرين استخدام التقارير الصحفية المصحوبة بالصور الفوتوغرافية أو التغطية التلفزيونية وهذا ربما يفسر عدم وجود أي لوحات تشكيلية ذائعة الصيت عن الحرب العالمية الثانية فضلا عن الحروب الأكثر حداثة مثل حرب فيتنام وحرب العراق بل وحتى مأساة البوسنة وغيرها.

وفي الختام بقي علي أن أشير للدافع الذي حثني على التفكير بطرح هذا الموضوع الفني في هذا التوقيت بالذات ومرجع ذلك إلى أنه مر علي خلال الاسبوع الماضي موقفين جددا لي الاهتمام بموضوع توظيف الأعمال الفنية في توثيق المعارك الحربية. شهد بداية الاسبوع الثاني من شهر نوفمبر لعام 2018م مرور ذكرى مائة سنة على انتهاء الحرب العالمية الثانية وحيث أنها تسمى في كتب التاريخ (بحرب الكيميائيين) لهذا قمت بإعادة نشر مقالي الذي كتبته في بداية الاحتفالات المئوية بإندلاع تلك الحرب الكبرى ولم أجد أي صورة تربط بين الحرب العالمية الكبرى والكيمياء أفضل ولا أشهر من لوحة الغازات السابقة الذكر للرسام الانجليزي جون سارغنت والتي ساهمت بالفعل في ترسيخ ربط الكيمياء بتلك الحرب الشنيعة.
الموقف الثاني حصل عندما كنت أقرأ قبل أيام في كتاب (السلطان والملكة) للمؤرخ والباحث البريطاني جيري بروتون وهو كتاب يناقش بالتفصيل العلاقة غير المعروفة بين الملكة الانجليزية الشهير إليزابيث الأولى والسلطان التركي البارز سليماني القانوني ومن بعد حفيده مراد الثالث وقد وصفت جريدة وول ستريت الامريكية هذا الكتاب بأنه يبين كيف شكل المسلمون الثقافة والتجارة والآداب الانجليزية.  ما يهمنا هنا أنه في عام 1554م حصل ما يمكن توصيف (بزواج القرن) بين الملكة البريطانية ماري (الأخت الكبرى للملكة إليزابيث وابنه الملك هنري الثامن أهم ملك إنجليزي في التاريخ على الاطلاق) وبين الامير فيليب الثاني الذي سوف يصبح ملك إسبانيا والبرتغال والذي هو وبدون منازع أهم واقوى ملك مسيحي في عصره. وفي حفل الزفاف حصل العروسان على هدايا ثمينة لكن أكثرها أهمية وأغلاها كما يصف الكتاب هي الهدية المقدمة من الملك تشارلز الخامس والد الامير فيليب وكانت عبارة عن أثنى عشرة قطعة قماشية ضخمة جدا مطرزة  بخيوط الذهب والفضة والحرير مرسوم عليها كلها مشاهدة من المعركة الحربية (احتلال تونس) التي خاضها الملك الإسباني تشارلز الخامس ضد الاتراك واستطاع أن يحتل إقليم تونس في عام 1535م ويهزم اسطول القائد المسلم خيرالدين بربروسا الذي أقض مضاجع المسيحيين في ذلك الزمن. حقاً يا لها من هدية غريبة التذكير بالقتل والحرب في أجواء الفرح والاعراس الملكية.
بقي أن أقول أنه قد يعتبر البعض منا الحديث عن الصور والاعمال الفنية نوع من الترف وحتى لو نحينا جانبا المقولة الحكيمة التي تنص على أن (الصورة اقوى من ألف كلمة) فربما لا مهرب لنا من أن نتفق واقع مقولة أحدهم عندما صرح (أنا لا أثق في الكلمات أنا اثق فقط بالصور).



الخميس، 15 نوفمبر 2018

( نون النسوة يزاحم واو الجماعة على جوائز نوبل )

نساء العلم أصبحن بالفعل يحققن فكرة النقش على ميدالية جائزة نوبل العلمية

د/ أحمد بن حامد الغامدي

كَمُلَ من الرجال كثير في السياسة والأدب والعلم لكن حتى مطلع القرن العشرين لم يسجل التاريخ البشري من الأسماء النسائية في هذه المجالات إلا أقل القليل. فمثلا لقد فاز بجائزة نوبل من الرجال 875 شخص عبر السنوات بينما لم يتجاوز عدد النساء الفائزات بهذه الجائزة المرموقة (أم الجوائز) إلا 48 سيدة فقط. الإشكال الصارخ أنه إذا كانت نسبة النساء الفائزات بجائزة نوبل هن في حدود 5% من الفائزين نجد أن أغلبهن حققن هذا الانجاز بالفوز بالجائزة في مجال السلام أو الأدب والقلة النادرة منهن كسبن المجد بتحقيق هذه الجائزة في مجال الفيزياء أو الكيمياء أو الطب. يكفي أن نقول إنه حتى قبل عدة أيام مضت استمر انقطاع النساء عن عدم الفوز بجائزة نوبل في الفيزياء لفترة زادت عن نصف قرن وبالجملة إن كان عدد النساء اللاتي حزن جائزة نوبل في الفيزياء ثلاث سيدات فقط فهذا الرقم المتواضع لا يقارن مع العدد المذهل للرجال الفائزين بها والبالغ عددهم 210 عبقري.
(النساء قادمات ولو بعد حين) هذا ما يشعر به المجتمع العلمي الدولي فبصورة متزايدة منذ مطلع القرن الواحد والعشرين تنامى حضور الجنس اللطيف للمشاركة في حفل جوائز نوبل في عاصمة السويد. ولغة الأرقام تعزيز هذه النبوءة فخلال القرن العشرين بأكمله لم يفز بجائزة نوبل في المجالات العلمية والطبية إلا 12 سيدة ولكن خلال السنوات العشر الماضية فقط نالت تسع نساء من سيدات العلم والطب جائزة نوبل وهذه قفزة كبيرة بكل المقاييس. وقبل ايام حدث لأول مرة في تاريخ العلم أن فازت سيدة بجائزة نوبل في الفيزياء في نفس توقيت فوز امرأة أخرى بجائزة نوبل في الكيمياء بينما ما زالت سنة 2009م هي السنة الذهبية لأكبر عدد من النساء الفائزات بجائزة نوبل (فائزة واحدة في مجال الكيمياء وسيدتين في مجال الطب).

قبل قرنين من الزمان وبالضبط في عام 1818م كتبت الاديبة الانجليزية المشهورة جين أوستن (لقد كان للرجال الأفضلية الكاملة علينا في أن يرووا قصتهم من دوننا، لقد كان التعليم ملكا لهم وكانت الأقلام في أيديهم) ولعقود طويلة كانت ايضا الاجهزة المختبرية والتجارب العلمية محتكره من قبلهم ولهذا كانت النساء في الظل دائما. ومع ذلك فمن الواضح أن وضع النساء يتحسن مع الزمن وأن كان ببطء شديد ففي القرن الثامن عشر لم يكن يسمح للمرأة حضور المحاضرات العلمية وفي القرن التاسع عشر تحسن الوضع فأصبح فقط لا يسمح لهن بالعمل في المختبرات العلمية أما في القرن العشرين فأصبحت المرأة شقيقة الرجل على مقاعد الدراسة. في وقتنا الحالي قد لا نصدق أنه حتى الثمانينات من القرن العشرين 1980s نادر جدا ما كان يسمح للفتيات بالدراسة في جامعتي اكسفورد وكامبريدج العريقتين. ذلك تاريخ قد تلاشى الأن تماما فقد كسبت النساء معركة المساواة في دخول الجامعات بل وصل الأمر لدرجة أنه بعد أن كان عدد الطالبات الأمريكيات اللاتي يدرسن في التخصصات العلمية في المرحلة الجامعية في منتصف الستينات من القرن الماضي كن حوالي 20% نجد أنه قد تضاعف عددهن حاليا ليصل رقم يتخطى 50% وفق إحصاءات المركز الوطني الأمريكي للإحصاءات التعليمية. وبالرغم من تأخر دخول المرأة العربية لمجال الدراسات العلمية إلا أن دورها وإسهامها في هذا المجال شهد خلال العقود الأخيرة تطورا كبيرا. حيث نجد وبصورة عامة أن الفتاة العربية أصبحت تقبل وبشكل متزايد على دراسة التخصصات العلمية والتكنولوجية في الجامعات. فوفقا لدراسة عن واقع المرأة المسلمة والعلم نشرت قبل سنوات في مجلة الطبيعة Nature البريطانية الشهيرة نجد أن متوسط نسبة الفتيات العربيات اللاتي يدرسن في التخصصات العلمية في الجامعة في مطلع التسعينات كانت تبلغ 35% على مستوى الدول العربية بينما تصل الأن هذه النسبة إلى 70% في بعض دول الخليج كالبحرين وقطر والكويت.

وبالعودة لمزاحمة النساء للرجال على الحصول على الجوائز العلمية المرموقة فالوضع متغير بلا شك وزخم المنافسة والمزاحمة من قبل الجنس اللطيف تزداد خشونة وعزيمة مع مرور الزمن. ولكن مع ذلك الهيمنة الحقيقة ما زالت بيد الرجال لسبب بسيط ومباشر وهو أن النهضة العلمية للحركة النسوية تفتقر لوجود العدد الكافي من النساء في قمة الهرم العلمي والبحثي. ففي دراسة إحصائية تجريها الجمعية الكيميائية الأمريكية بشكل دوري كل سنة عن عدد النساء في أقسام الكيمياء في أفضل 50 جامعة أمريكية تبين أنه في عام 2006 كانت نسبة النساء الأكاديميات في أقسام الكيمياء تبلغ 14% فقط ونسبة الحاصلات على درجة الأستاذية 10% فقط بينما كان الوضع في الجامعات البريطانية أكثر مأساوية حيث كانت نسبة الكيميائيات الحاصلات على درجة الأستاذية تبلغ حوالي 1% فقط. المشكلة العويصة حاليا ليست في عدم رغبة الفتيات في دراسة التخصصات العلمية والطبية وإنما في كيفية إقناعهن بإكمال دراستهن العليا في هذه المجالات المتقدمة والمعقدة. ولذلك تقام حاليا في الدول الغربية العديد من المؤتمرات وحلقات النقاش واللجان والدراسات لمعرفة سبب ظاهرة ما تسمى (أنبوبة المياه المكسورة pipeline leakage) حيث توجد وفرة من الفتيات في بداية شبكة التعليم الجامعي لكنهن يتسربن ويهدرن لاحقا في شبكة الحياة والعمل.
تجدر الاشارة إلى أنه حتى في المجتمعات الغربية المنفلتة أخلاقيا والمنفتحة فكريا تشير الاحصائيات إلى انه عدد قليل جدا من الفتيات من الجنس اللطيف يرغبن في خسارة طبائعهن الانثوية والتسجيل في تخصصات علمية تمتاز بالعبقرية والريادة مثل علم الفيزياء والرياضيات والتخصصات الهندسية على العكس من تقبلهن لفكرة الدراسة في التخصصات الطبية وعلوم الاحياء. وهذا ربما يفسر عدم وجود أي امرأة بارزه في علم الرياضيات أو أن عدد السيدات الفائزات بجائزة نوبل في مجال الفيزياء ثلاث فقط مقارنه مع العدد الكبير نسبيا (12) للفائزات بجائزة نوبل في الطب وعلم وظائف الأعضاء.

بقي أن نقول إن (الحكمة والمعرفة) في بعض الحضارات القديمة مرتبطة بالمرأة أكثر من الرجل ففي الاساطير اليونانية نجد أن أثينا هي ربة الحكمة وهي نفسها مينيرفا عند الرومان أو إيزيس عند الفراعنة. ومن هنا نفهم لماذا الميدالية الذهبية التي يحصل عليها الفائزون بجائزة نوبل في الكيمياء أو الفيزياء نقش عليها رسم يمثل امرأة محجبة (تمثل الطبيعة الأم) بينما تقوم امرأة أخرى (الحكمة) بإزاله الغطاء والحجاب عن الطبيعة الأم وكأن العلم والعلماء يزيلون الغموض ويكشفون الحقيقة. طوال القرن العشرين كان هذا النقش على ميدالية نوبل محل تندر من العلماء لأن الرجال وليس النساء هم من كان يكشف الحقيقة ويزيل الغطاء عن وجه الطبيعة الأم ولكن في السنوات الأخيرة أصبح نقش ميدالية نوبل يعبر عن الواقع فسنه بعد أخرى يزداد عدد النساء الذين ينطبق عليهم واقع ذلك النقش الذهبي.


الأحد، 28 أكتوبر 2018

( ثقب الأوزون في خطبة الجمعة !!)

البعد الديني لقضايا البيئة

د/ أحمد بن حامد الغامدي

مشاكل وقضايا البيئة يصح عليها توصيف الأديب أبن العميد في المتنبي بأنه (مالئ الدنيا وشاغل الناس) فالكل يتحدث عن مشكلة التغير المناخي أو أضرار تلوث الهواء أو أبعاد ظاهرة ثقب الأوزون أو حقيقة الأمطار الحمضية. حديث الناس عن الطقس والاجواء عادة مترسخة في حياة الشعوب وبحكم أن صيفنا الحالي شهد تسجيل أرقام درجة حرارة قياسية في العديد من مناطق العالم وبهذا قد يكون لهيب هذه السنة هو أسخن تسجيل لعلماء الارصاد لدرجات الحرارة منذ بدأوا ذلك عام 1880م، فلهذا لا عجب أن قضايا التغير المناخي كانت بامتياز حديث الساعة وبكل اللغات.
صحيح أن ظاهرة الاحتباس الحراري تختلف مسبباتها عن الظاهرة البيئية سيئة السمعة (ثقب طبقة الأوزون) إلا أن الدروس البيئية التي يمكن أن استنباطها من النجاح النسبي لشعوب ودول العالم في التخفيف من مشكلة ظاهرة ثقب الأوزن  ربما تحفّز حكومات العالم أنها على نفس النسق يمكنها أن تساهم في تقليل مشكلة التغير المناخي الأكثر صعوبة. في الواقع هذه بالضبط فحوى رسالة الامين العالم للأمم المتحدة الحالي أنطونيو غوتيريس الذي صرح قبل عدة أيام وفي مناسبة (اليوم العالمي لحماية طبقة الأوزون) بأنه يجب نأخذ ( الالهام ) من النجاح النسبي في تقليل مشكلة ثقب الاوزون لتحفيزنا لبذل المزيد في التصدي لمشكلة الاحتباس الحراري والتغير المناخي.
منذ عام 1994م وأغلب دول العالم المتقدمة تحتفل بيوم الاوزون Ozone Day في 16 من سبتمبر وهو اليوم الذي اعتمدته الجمعية العامة للأمم المتحدة للتأكيد على أهمية اتفاقية مونتريال Montreal Protocol وهي المعاهدة دولية التي تهدف لحماية طبقة الاوزون وتم توقيعها في 16 من سبتمبر لعام 1987م. ولكن ما يميز الاحتفالات والفعاليات الدولية ليوم الاوزون لهذه السنة أنه تم قبل فترة قصيرة وفي مطلع شهر يونيو الماضي أن أعلن علماء وكالة الفضاء الامريكية ناسا تأكدهم من الناحية العلمية ان طبقة الاوزن بالفعل قد بدأت في التعافي وأن ثقب الاوزن نقص بمقدار 20% عن اقصى اتساع مرصود له.  وهذا هو الدرس البيئي المهم وهو أن الحضارة البشرية كما قد تسببت في تلوث البيئة والاضرار بها فإن (الاعتراف بالذنب) وبذل الجهد الصادق في تصحيح الخطأ يمكن أن يساهم في تقليل تدهور الطبيعة. ولهذا بعد سنوات من منع وحظر تصنيع واستخدام الغازات الكيميائية المضرة بطبقة الاوزن (مركبات الكلوروفلوكربون CFCs) أنعكس ذلك في تخفيف كارثة ثقب الاوزن الحامي للكائنات الحية.
يقال أن كوكب الارض بدون طبقة الاوزن كالبيت بدون سقف وعلى هذا النسق فهل الحلم بالأرض اللطيفة والباردة Cool Earth بعد تفاقم مشكلة الاحتباس الحراري يمكن تحقيقه إذا تضافرت جهود دول العالم لتفعيل اتفاقية كيوتو Kyoto Protocol الموقعة منذ عام 1992م والهادفة للحد من ارتفاع زيادة تركيز الغازات الكيميائية المسببة لظاهرة الاحتباس الحراري.

وبالعودة للتاريخ القريب يعجب المرء كم تنامت ثقافة الشعوب البشرية ووعي الحكومات الدولية لضرورة الاهتمام بالبيئة والمحافظة عليها. حتى عقود ليست بالبعيدة لم تتجذر بعد الظاهرة الحضارية الراقية المتعلقة بحماية البيئة Environmentalism بل تعرض بعض الرواد من حماة البيئة وحراس الطبيعة للتقريع والتشنيع لأن أغلب الناس في تلك الازمان لم يسبق لهم أن يسمعوا أي شيء على الاطلاق يتعلق بحدوث كارثة تلوث البيئة.
حتى منتصف الستينات من القرن العشرين أي قبل حوالي خمسين سنة كان من يحذر من خطورة التلوث الكيميائي للبيئة يعتبر كم يصرخ في البرية ولا يسمعه أحد. أحد أهم الكتب التي أثرت في مسار البشرية في النصف قرن الاخير هو (الربيع الصامت) للكاتبة والعالمة الامريكية راشيل كارسون وهو الكتاب الذي اعتبرته مجلة ديسكفري في المرتبة 25 من بين أهم الكتب في جميع العصور. والسبب في أهمية هذا الكتاب أنه أول من دق ناقوس الخطر ولفت الأنظار لكارثة تلوث البيئية بالمبيدات الحشرية التي تسبب تناقص اعداد الطيور البرية ومن هنا المصير المفجع للطبيعة الصامتة. في الوقت الحالي تعتبر راشيل كارسون من المشاهير ولو طائل بها الزمن لتم تكريمها بدون شك بمنحها جائزة نوبل للسلام كما حصل مع شخصيات اقل منها بكثير في جهود حماية البيئة (منهم نائب الرئيس الأمريكي آل غور وعدد من النساء النشاطات في مجال البيئي).
ولكن نظرا لأن مفهوم (حماية البيئة) هي فلسفة ايدلوجية وحركة اجتماعية متصادمة مع بعض القطاعات الحكومية والصناعية ولهذا تم شن حرب شعواء لا تزال مندلعة حتى الان علي الناشطين Environmentalist في مجال حماية البيئة. عندما أطلقت السيدة راشيل كارسون صرخة التحذير الاولى صرخ العديد في وجهها لإسكاتها بل واجهت تشنيع مخزي من بعض العلماء الذين كتب أحدهم مقالة قاسية جداً في مجلة الجمعية الكيميائية الأمريكية بعنوان: أخرسي آنسة كارسون (Silence, Miss Carson) و لهذا ليس عجباً أن تتوفى هذه العالمة بعد سنتين فقط من هذه الأحداث الساخنة وهي بعد في الـ 57 من عمرها.
  الغريب في الأمر أنه في وقت كانت الحرب الشعواء تشن ضد الآنسة كارسون لأنها حذرت من خطورة تلوث البيئة بمبيد DDT الذي تسبب في نفوق وقتل فراخ الطيور نجد أنه قبل ذلك بسنوات تم تكريم عالم الكيمياء السويسري بول مولر بمنحه جائزة نوبل في الطب لأنه أخترع هذا المبيد السيء السمعة الان.
 وعلى نفس نسق اضطهاد الرواد من حماة البيئة نجد أن نفس المأساة تكررت مع عالم الكيمياء الامريكي كلير باترسون والذي ناضل في فترة الستينات ضد اضافة مركبات الرصاص لوقود البنزين وما يسببه ذلك من العديد من الامراض الصحية والمشاكل البيئية.
وبالرغم من شهرته العلمية إلا أن الشركات الصناعية الكبرى نجحت في ايقاف جميع الدعم المادي لأبحاثه كما شوهت سمعته بأنه مجرد (فني مختبر technician) بدون أي موثوقية علمية لأبحاثه بالرغم من شهرته العالمية الطاغية التي اكتسبها بعد نجاحه في استخدام نظائر عنصر الرصاص للتحديد الدقيق لعمر كوكب الارض. وبمناسبة ذكر مركبات عنصر الرصاص وتسببها الشنيع في تلوث البيئة لعلنا بعد ذكر رواد حماية البيئة وحراسة الطبيعة أن نشير إلى أكثر عالم تسبب في تلوث البيئة والذي تم تصنيفه كصاحب أسوء الاختراعات في التاريخ ألا وهو الكيميائي الامريكي توماس ميدجلي الذي ارتبط اسمه بالملوثات البيئة سيئة الذكر unspeakable والتي مع ذلك له معها قصص طريفة ربما مما يستملح أن يتم ذكرها.
على العكس من رواد حماة البيئة الذي ناضلوا لمنع استخدام المواد الملوثة كما هو حال راشيل كارسون و كلير باترسون وأليس هاميلتون نجد أن توماس ميدجلي كافح بكل وسيلة يملكها لضمان عدم منع مركباته الكيميائية التي أخترعها. عندما أخترع ميدجلي غاز الفريون في عام 1928م واقترح استخدامه في تبريد الثلاجات وجدت بعض الشكوك في أنه قد يكون ضار بالصحة (قبل أن يثبت لاحقا أنه سبب ثقب الاوزن). ولكي يثبت ميدجلي سلامة اختراعه الغازي قام أمام جمع من الناس والمراسلين الصحفيين باستنشاق غاز الفريون لفترة من الزمن. وتكرر هذا الأمر معه مرة أخرى عندما أخترع مركب رابع إيثيل الرصاص (المضاف لوقود البنزين لمنع حدوث الفرقعة في المحرك) وبسبب الشكوك المتزايدة في سمية هذا المركب قام ميدجلي بحركته الاستعراضية نفسها حيث قام أمام الصحفيين بسكب سائل رابع إيثيل الرصاص على يديه ثم أخذ يستنشق ابخرته لمدة دقيقة. وفي واقع الأمر أن ميدجلي كان يعرف أنه رجل كاذب ومخادع حيث أنه شخصيا قد أصيب قبل ذلك بعدة أشهر بمرض خطير من جراء أصابته بالتسمم بعنصر الرصاص ولم يقترب أبداء من مخترعه الكيميائي إلا في ذلك اليوم الذي قابل فيه الصحافة !!!.

البعد الديني للقضايا البيئية
بالرغم من كل المرارة التي نالت الرواد من حماة البيئة وحراس الطبيعة إلا أنه عبر العقود تنامت الموجة البيئية لدرجة أنها اكتسحت معارضة الشركات الصناعية الكبرى واجبرت الدول والحكومات على التضحية بمليارات الدولارات الناتجة من حضر المواد الملوثة للبيئة وإنتاج بدائل (خضراء) لها. الدراسات والقياسات العلمية الحالية تشير لتلاشي أي بقايا مضرة للمبيدات الحشرية الخطرة مثل DDT والملاثيون وانخفض مستوى التلوث بعنصر الرصاص في دم البشر بنسبة قد تزيد عن 90% بعد حضر اضافة الرصاص للوقود كما تقلص حجم ثقب الاوزن حوالي 20% كما سبق وأن ذكرنا. كل هذا حصل بسبب زيادة وعي عامة الناس بأضرار تلوث البيئة ومن ثم أصبحوا ورقة ضغط على المرشحين السياسيين بعدم التصويت لهم إذا لم تكن القضايا البيئية في قائمة برنامجهم الانتخابي. ونستطيع أن نلمح زيادة (الثقافة البيئية) من حرص الشركات الصناعية للتوضيح في اعلاناتها التجارية أن منتجاتها: صديقة للبيئة أو أنها منتجات خضراء غير ضاره بالطبيعة.
 لقد كان من الاساليب المتبعة في زيادة الوعي البيئي هو الاستفادة من حقيقة أن كل الاديان السماوية وأغلب الاديان البشرية تحث على المحافظة على البيئة وحماية الطبيعة الأم.
لقد شعر العديد من العلماء بالأثر الكبير للدين على تغيير سلوك البشر ولهذا لم يتردد بعض مشاهير العلماء (الملحدين) مثل عالم الفلك كارل ساغان وعالم الاحياء ستيفن جي جولد وعالم الفيزياء هانز بيته الحاصل على جائزة نوبل  على المشاركة الفاعلة فيما يسمى (المنتدى الدولي للقادة الروحيين والبرلمانيين). هدف هذا المنتدى إلى حشد عدد كبير من الشخصيات المؤثرة في المجال الديني والعلمي والسياسي لمناقشة قضايا البيئة وخلال هذا الصيف واثناء قراءتي لآخر كتاب ألفه العالم المشهور كارل ساغان قبل وفاته (Billions and Billions) والذي خصص للقضايا البيئة عدة فصول من هذا الكتاب، لفت نظري تعبير هذا العالم الملحد عن سعادته في المشاركة في مؤتمر يناقش القضايا البيئة في وجود عدد كبير من رجال الدين.
في الاجتماع الاول لهذا المنتدى الذي تم في مدينة اكسفورد البريطانية عام 1988م ذكر كارل ساغان أنه شارك فيه المفتي السابق للجمهورية السورية الشيخ أحمد كفتارو بالإضافة لكبار رجال الدين المسيحي واليهودي بالإضافة للشخصيات الدينية الهندوسية والبوذية. وبعد عدة اجتماعات لهذا المنتدى اهمها كان في موسكو ومدينة كيوتو اليابانية تم انشاء تجمع خاص يحمل اسم: المناشدة المشتركة بين العلم والدين لأجل البيئة (Joint Appeal of Science and Religion for the Environment) والذي اقترح أو توضع خطة عمل للتعريف بالقضايا البيئة لجميع رعايا الاديان من خلال الخطب أو تقديم الصلوات أو التعليم أو حتى اثناء الاستشارات الدينية. وقد تم الحث على مناقشة المشاكل البيئة مع جموع المشاركين في الاجتماعات الدينية بل وحتى التشاور معهم حيال أفضل الطرق للتغلب على مشكلة ثقب الاوزون بالامتناع على سبيل المثال.

كما هو معلوم فإن دين الاسلام من الاكثر الاديان (الصديقة للبيئة) إذا صح التعبير وإذا أقيم في الغرب منذ حوالي خمس وعشرين سنة منظمة الصليب الاخضر الدولية Green Cross الهادفة لحماية البيئة فأمة الاسلام أحق بالبيئة من غيرها وإن لم يتم أنشاء (منظمة الهلال الأخضر الدولية) Green Crescent فلا أقل من تفعيل تعالم الاسلام في هذا المجال.
إن الدين الخالد قد سن لاتباعه شرائع تصب بشكل أو بأخر في مصلحة البيئة وهي شرائع متعددة ومتنوعة تبدأ من إماطة الأذى عن الطريق والرفق بالحيوان وتنتهي بإقامة المناطق المحمية (الحرم في العرف الشرعي). لقد علّم الإسلام أتباعه أنه إذا قامت القيامة و في يد أحدنا فسيلة نخل فليغرسها و هي التي لن تثمر إلا بعد سنوات طوال وهذا الدين هو الوحيد الذي قد يكافئ معتنقيه بالجنة إذا رفع أحدهم الشوك عن طريق البشر فما بالك بمن يزيل أذى ملوثات العصر الحاضر الأكثر ضراراً وفتكاً.
 منذ سنوات طوال وبعض الاصوات ترتفع بالمطالبة (بتجديد خطبة الجمعة) وهذا ما تم أنجازه بالفعل في مجال محتوى خطبة الجمعة التي يطرح فيها بعض الخطباء مواضيع تناقش القضايا الاجتماعية والاسرية والمشاكل النفسية وكذلك الصعوبات التربوية وإن كانت بعض القضايا المتعمقة في البيئة والاقتصاد والفكر لم تشهد طريقها إلى اسماع المصلين. قبل عدة سنوات حصل نقاش حاد حول استعمال وسائل التقنية الحديثة (مثل الشاشات والبروجكتور) في تحديث اسلوب تقديم خطبة الجمعة وهو ما ووجه بممانعة حاسمة فهل هذا هو مصير طرح القضايا البيئة المتعمقة من خلال خطبة الجمعة. بكل الصدق لا أعلم هل سوف أكون مؤيد أم لا أن أستمع لخطيب يتحدث عن مركبات الكلوروفلوروكربون CFCs ودورها في ظاهرة ثقب الاوزن أو خطيب يناقش ضرورة تمكن العلماء من تطوير مواد تساعد في تخزين الكميات الزائدة من غاز ثاني أكسيد الكربون (CO2 capture) المسبب لمشكلة الاحتباس الحراري والامطار الحمضية. وبلا شك سوف تكون تجربة فريدة أن أرصد تأثر المصلين في صلاة الجمعة لوصف الخطيب لمأساة تعرض دب الباندا للانقراض أو تدهور حالة الشعب المرجانية في الحيد المرجاني العظيم شمال استراليا !!!.


الجمعة، 5 أكتوبر 2018

( في هجاء الشركات )

الوحدة أفضل من الرفقة (والشركة) السيئة
د/ أحمد بن حامد الغامدي

أحد أشهر الكتب الطريفة وبليغة التأثير في نفس الوقت التي ظهرت في بدايات عصر النهضة الاوروبية كان كتاب الفيلسوف الهولندي إراسموس الذي حمل عنوان (في مديح الحماقة) in praise of folly القائم على نقد منهجية تفكير أهل ذلك الزمن. عنوان وأسلوب الكتاب كانت صادمة وناجحة في فتح مجالات النقاش للقضايا الشائكة والخلافية ولهذا تم عبر القرون استخدام نفس العنوان (في مديح ....) لمناقشة أمور متعددة مثل: إضاعة الوقت، البرابرة، الهراء، البيروقراطية، الظلام، الصراع، الالم ...والقائمة تطول. مثل هذا الاسلوب الطريف نجد له أصول وشواهد في تاريخنا العربي القديم كما في كتاب (فضل الكلاب على كثير ممن لبس الثياب) أو كتاب الجاحظ المشهور لرد الاعتبار (البرصان والعرجان والعميان والحولان) أو كتاب فضل السودان على البيضان.
مثل هذه الكتب القائمة على اسلوب صدمة القارئ هي (تمرين عقلي) وتدريب معرفي لفن الجدال والنقاش والاقناع وفتح باب الحوار حول قضايا متعددة الابعاد ووجهات النظر ولهذا في المقابل قد نجد كتب أو مقالات وأطروحات تدور حول (هجاء أو ذم واستنقاص) أمور وقضايا ومواقف يعتقد العديد من الناس أنها فوق مستوى النقد. وعليه قد تجد من يؤلف كتاب في (نقد النقد) أو في ذم النعيم والفردوس أو هجاء التلفزيون فضلا عن كتب نقد التحديث والحضارة المدينة واللغة و ... الخ.

وعلى هذا النسق سوف نفكر بمنطق (خارج الصندوق) عندما نناقش موضوع الشركات والهيئات التجارية التي هي عصب الاقتصاد ومحور نهضة الامم ومع ذلك لها جانبها المظلم والقبيح. يوجد كتاب فكري ذائع للأديب والروائي الياباني تانيزاكي سماه (في مديح الظلال) أظهر فيه احتفاء الثقافة والحضارة اليابانية القديمة بالظلام والظلال أكثر من النور الباهر ولهذا عبر الصحفي المصري علاء الديب المختص بالتعريف بالكتب بأن ذلك الكتاب ربما يصح إعادة تسميته ليكون (في هجاء الكهرباء).
قد يكون المفكر الياباني تانيزاكي متمحك ومبالغ حتى يظهر لنا معائب ومصائب النور الباهر والكهرباء ولكن في المقابل هل يبالغ أحدنا عندما يقول أن ( منظومة الشركة التجارية ) بها خلل.
حتى لو لم تصل الشركات والمؤسسات التجارية لحالة ( التوحش الرأسمالي ) السافر فهي مع ذلك لا تخلو من ضحايا كثر:
من بعض عمال الشركة المطحونين
او من الاستغلال للمستهلك 
او تقصد الاضرار بالمنافسين من الشركات الصغرى
ولا أقل بالطبع من التسبب بتلوث البيئة

بلا شك الفكر الشيوعي والماركسي حارب بشراسة الرأسمالية وشركاتها ومع ذلك أنتج ما هو اسوأ منها وخنق انسانية البشر بالإلحاد والاستبداد المطلق. ومع ذلك نجد كبار الفلاسفة والمفكرين المعاصرين مقل البريطاني بيرتراند راسل والامريكي نعوم تشوميسكي يحذرون من وجود خلل ما في النظام الاقتصادي للأسواق الحرة ولهذا مالوا أكثر للأفكار الاشتراكية المخففة. بل أن الاغرب من ذلك أن عالم الاقتصاد الامريكي جوزيف ستيجلز الذي حاز جائزة نوبل في الاقتصاد لعام 2001م وأحد اهم موظفي البنك الدولي أنقلب على (العولمة الاقتصادية) واصبح من أشد المحذرين من كوارث السياسات المالية الاقتصادية. وفي واقع الأمر التوجس من خطورة الانفلات الرأسمالي وضرورة تحجيمه بالمفاهيم الاشتراكية أمر قديم في قلب العالم الغربي بل نتج عن ذلك تيار سياسي مؤثر ومسيطر على المناخ الانتخابي في بعض الدول الهامة مثل فرنسا وايطاليا واسبانيا.

وبالانتقال من دهاليز السياسة إلى أروقة الأدب لن نستغرب كثيرا تغلغل الظلال الاشتراكية إلى دنيا الادب والفن في صور شتى من التشنيع بالبرجوازية إلى نضال العمال واتحاداتهم وبؤس البروليتاري وازمة الانتاج وتوزيع الثروات والصراع الطبقي. الاعمال الروائية للأديب الروسي مكسيم غوركي أو الرمز الفرنسي البارز جان بول سارتر والانجليزي المشاغب جورج أورويل أمثلة بارزة في الأدب الاشتراكي بصورة. عامة لكن فيما يتعلق بالروايات الادبية الناقدة (لبيئة الشركات وظلم العمال) ربما نحتاج للتفتيش في أعمال أدبية أقل شهرة وإن كانت لمؤلفين ذوي شهرة عالمية وبعضهم حصل على جائزة نوبل في الادب.
الرواية الابداعية الشهيرة (عالم جديد شجاع) للكاتب البريطاني ألدوس هكسلي أو رواية (عناقيد الغضب) للأديب الامريكي البارز جون ستاينبيك (الحاصل على جائزة نوبل في الادب لعام 1962م) وكذلك رواية (الكعب الحديدي) للأمريكي جاك لندن فيها إيحاءات بينه لخطورة أن يضل مدراء الشركات الطريق ويتسببوا في شقاء البشرية إما باختراعاتهم الخطيرة أو قهر وظلم العمال.
قد تكون رواية (الشركة) Company للمؤلف الاسترالي ماكس باري رواية ادبية غير مشهورة لكن محور هذه الرواية ربما تردد شيء من صداه في مجتمعنا الاسبوع الماضي. تدور الرواية عن شاب موهوب وطموح يدعى ستيفن جونز يعمل في شركة في مدينة سياتل ومنذ البداية لمع نجمه ولفت الانظار إليه ثم بدأ في صعود سلم النجاح المهني ليدخل في أدغال الصرعات والاسرار والبيئة المشبوهة داخل تلك الشركة الخيالية. في دنيا الاعمال والاقتصاد تتردد مقولة (الشركات الكبرى لا تهتم كثيرا بموظفيها) على العكس من الشركات الصغرى التي تكون بيئتها الادارية أكثر (حميمية واسرية). ولهذا تكثر المشاكل والصرعات في بيئة الشركات التي لا يكتمل نجاح قادتها ورؤسائها إلا بالوقف على أكتاف من تحتهم من صغار الموظفين.

في اللغة الانجليزية كلمة company تعني شركة كما تستخدم كذلك بمعنى (الرفيق و الزميل) ولذا لا أعلم هل (الشاب عمر) الذي أثار استغراب مجتمعنا المحلى باستقالته من تلك الشركة الكبرى، كان يقتدي بالحكمة التي قالها الرئيس الامريكي جورج واشنطن : من الأفضل أن تكون وحيدا بدلا من أن تكون في شركة/رفقة company سيئة. وهذا ما قام به الشاب عمر حيث بعد استقالته أصبح وحيدا في شركته الصغيرة الخاصة. المشكلة في دنيا الشركات أن بعض الموظفين ينطبق عليهم توصيف أنهم أسرى (عبودية الراتب) wage slavery ولأنه ليس له مصدر دخل آخر غير أجره من عمله أو بسبب أن راتبه الذي يتقاضاه عالي جدا لذا نجد أن الغالبية من الموظفين يفضل الاستمرار في بيئة عمل الشركات الطاحنة. نخبة ضئيلة جدا من الموظفين تحرص على الاستقلالية وتحقيق الذات وبالتالي ترفض الاجحاف الذي قد يقع عليها. وهذا يفسر لماذا سارع الشاب عمر بالاستقالة الغريبة من تلك الشركة الكبرى بالرغم من ضخامة الراتب الذي كان يناله.

قديما قرر المتنبي الحقيقة الصادمة (ذو العقل يشقى في النعيم بعقلهِ) فبعض البشر لا يرضى بما يرضى به عامة الناس ويسعى للحرية والانطلاق من القيود فالعقل والفهم يمكن أن يتسبب في الشعور بالمأساة والاحباط (intelligence brings tragedy) ولهذا نجد بعضهم أقرب للممانعة وعدم قبول بالمألوف والاستسلام له وأبعد عن القابلية للاستغلال والاستغفال.