الخميس، 6 يناير 2022

( الهجرة النبوية بعيون غربية )

كيف وظف الأدباء في الغرب (حادثة الهجرة)

د/ أحمد بن حامد الغامدي

 

نبي الله إبراهيم هو أبو الأنبياء وهو قدوتهم عليه وعليهم السلام فهو من سبقهم بالهجرة فقال (إنى مهاجرٌ إلى ربي) فهجر دار قومه بالعراق إلى أرض الشام ثم هاجر لاحقا بزوجته سارة إلى أرض مصر. وهذا نبي الله موسى عليه السلام يهاجر ويخرج بقومه من مصر إلى سيناء في خروج مهيب exodus ذكرت تفاصيله في جزء مهم من التوراة فيما يسمى سفر الخروج بالعهد القديم. وأما نبي الله عيسى عليه السلام فبعد مرحلة الدعوة العلنية في مدينة الجليل من أرض فلسطين كانت المرحلة الأهم في دعوته وحياته عندما هاجر في رحلته الأخيرة من الناصرة إلى القدس. وعلية فإن حدث الهجرة أو الخروج من أرض الكفر والتكذيب والعداء إلى ديار الإيمان والنصرة كانت محطة مشتركة في مسيرة أولي العزم من الرسل عليهم السلام.

ومن هذا الإرث المشترك مع أهل الديانات السماوية اليهودية والمسيحية لا غرابة أن نجد العديد من المفكرين والمؤرخين والأدباء الغربيين يتفهمون ويدركون الأهمية المحورية والرمزية لحدث الهجرة في التاريخ الإسلامي. فهذا المؤرخ والسياسي الإنجليزي السير أنتوني نوتنج في كتابه (العرب) وبعد أن ذكر خبر الهجرة وصف رحلة هجرة الرسول الكريم بأنها كانت نقطة التحول المميزة في ولادة الإسلام وبداية عصر الإسلامي الرسمي. في حين أن المستشرق البريطاني مونتجمري وات يعتبر الهجرة أحد أهم الأحداث في التاريخ الإسلامي كله بينما المستشرق الفرنسي لوي ماسينيون يستحضر حدث الهجرة ويربطها ببعض الأحداث الشخصية التي حدثت له في العراق أو الشام.

أما أهم وأبرز شخصية فكرية وأدبية غربية تأثرت بهجرة المصطفى عليها الصلاة والسلام وحاولت محاكاة الهجرة في حياتها بصورة رمزية فكانت الأديب الألماني الأشهر يوهان جوته. كحال الأديب الفرنسي فيكتور هوغو (سيأتي ذكر ارتباطه بالهجرة بعد قليل) يوجد جدال كبير هل أسلم كلا منهما في أواخر حياته وبغض النظر عن صحة إسلام غوته فإنه شديد الإعجاب بالدين الإسلامي وكتابة المقدس ونبيه المرسل. منذ مراحل شباب غويته وهو يعترف صراحة بأنه مدين لشاعريته للشرق الذي منحه الثراء الروحي لذا كان كثير ما يستشهد و (يقتبس) في كتاباته بالآيات القرآنية. كما هو معلوم واجهت يوهان غوته بعض المصاعب الروحية في بداية شبابه وهو ما انعكس في أول رواية له ذات العنوان المعبر (ألآم الشاب فرتر) والتي هي في الواقع أشبه بسيرة ذاتية. مرحلة (الاغتراب) الروحي للشاب غوته كما عبر عنها المفكر عبد الرحمن بدوي احتاجت لشيء من (الهجرة) الداخلية ليصل لحالة الاستقرار النفسي. ولاحقا عندما كتب غوته مؤلفه الهام (الديوان الغربي الشرقي) لا غرابة أن أول قصيدة شعرية في هذا الديوان حملت عنوان (الهجرة) وقد كتب غوته عنوان هذه القصيدة بلفظها ومنطوقها العربي HEJIRA وليس بالترجمة الألمانية لكلمة هجرة (Einwanderung). ولعل المقصود بذلك أن الأديب الألماني الكبير وهو حائر في مرحلة الشباب وبعد قراءته المبكرة للقرآن الكريم ومعرفته لسيرة الرسول الكريم أراد أن يعبر بعنوان هذه القصيدة عن رغبته في أن (يهاجر) من حال الاغتراب الروحي إلى حالة الاستقرار النفسي. وهو بهذا في رحلته المجازية والرمزية على خطى الرسول العربي عندما هاجر وارتحل من أرض كفار مكة إلى أرض الأيمان في المدينة. لقد كانت خارطة الطريق واضحة للشاب غوته: الهجرة إلى الشرق لكي يستروح عبق الأنبياء:

 الشمال والغرب والجنوب تتحطم وتتناثر

والعروش تُثل، والممالك تتزعزع وتضرب
فلتهاجر إذاً إلى الشرق في طهره وصفائه
كي تستروح عبق الهُداة والمرسلين
هنالك، حيث الحب والغناء
سيعيدك ينبوع الخِضر فتى من جديد
إلى هنالك، حيث الطهر والحق والصفاء

لا خلاف على صحة هذه القصيدة ونسبتها لأديب الألماني غوته وإن كان الجدال ما زال صاخبا حول صحة خبر اعتناقه للإسلام. في المقابل يوجد لغط حول صحة نسبة قصيدة أخرى لها ارتباط بالسيرة النبوية والتي يقال إنها من تأليف الأديب الفرنسي الأشهر فيكتور هوغو الذي من المحتمل أنه أعتنق الإسلام في أواخر عمره وغير اسمه إلى أبو بكر هوغو. كحال العديد من مشاهير الأدب الفكر العالمي الذين صرحوا بإعجابهم بالرسول الكريم (الروائي الروسي تولستوي قام بتأليف كتاب الأقوال الحكيمة للنبي محمد) نجد أن إعجاب فيكتور هوغو بالرسول الكريم واطلاعه الوثيق للسيرة النبوية قاده لتأليف قصيدة خاصة عن نبي الإسلام. أجواء الشرق حاضرة بقوة في شعر وأدب فيكتور هوغو فكما ليوهان غوته ديوانه الشرقي نجد أن لفيكتور هوغو ديوان شعر يحمل عنوان (مشرقيات) وكما استخدم غوته اللفظة العربية (الهجرة) ولم يترجمها للغة الألمانية نجد أن هوغو يجاريه في ذلك ويستخدم كلمة الهجرة في عنوان قصيدتها وهي في لفظها العربي ولم يترجمها للفرنسية. في عام 1858م قام فيكتور هوغو بنشر قصيدة حملت عنوان (السنة التاسعة من الهجرة) L’an Neue De L’Hegire استعرض في ثناياها خصال الرسول الكريمة ومواقفه النبيلة. وبالرغم من الإلمام الدقيق لفيكتور هوغو لأخبار السيرة النبوية كما يتضح من خلال الأحداث التي سردها هوغو في تلك القصيدة إلا أنه وقع في خطأ غريب يصعب فهمه. قصيدة (السنة التاسعة من الهجرة) محورها الرئيس هو وفاة الرسول صلى الله عليه وسلم والتي وقعت كما هو معلوم في السنة الحادية عشر للهجرة وليست في السنة التاسعة للهجرة كما توهم الأديب الفرنسي.

قبل أن نغادر ربما من الملائم الوقوف مرة أخرى عند استخدام كلا من يوهان غوته وفيكتور هوغو لكلمة ومفردة (الهجرة) في لفظها العربي Hejira/Hegire وعدم ترجمتها حتى وإن كانت استخدمت في عنوان القصيدة الذي من المفترض أن يكون واضح في العادة. وهذا يشير إلى أن المتلقي والقارئ الأوروبي في القرن التاسع عشر في الغالب كان يدرك معنى كلمة Hejira لآنها واسعة الاستخدام في ثقافتهم كما أصبحت كلمة جهاد  Jihadفي الزمن المعاصر منتشرة في وسائل الإعلام الغربية. لا بد للكاتب والأديب أن يؤلف ويعبر بطريقة يفهمها القارئ فمثلا لو أراد شاعر عربي أن يكتب عن الرحلة الأخيرة لنبي الله عيسى عليه السلام وكان عنوان قصيدته المحتملة (تأملات على الفيا دولوروسا). في الغالب القارئ العادي لن يفهم ماذا يقصد الشاعر بعنوانه الغريب ذاك، ولكن إذا كان القارئ مطلع على معلومة أنه يوجد في مدينة القدس طريق يحمل اسم (طريق الأحزان Via Dolorosa) وهو الممر الذي يُزعم أن نبي الله عيسى سار عليه وهو يحمل الصليب الضخم الذي سوف يصلب عليه، وبتوفر هذه المعلومة عند القارئ سوف يفهم فحوى وموضوع القصيدة المتخيلة عن نبي الله عيسى عليه السلام. غالباً للقارئ والمثقف العربي العادي كلمات مثل (فيا دولوروسا) لا تعني شيء له بينما من المحتمل أنه بعيون المثقف الأوروبي في القرن التاسع عشر كلمة هجرة Hejira/Hegire قد تعني له شيئا لأنه قرأها في كتاب أو شاهدها في ديون شعر.

بحق لقد كان للهجرة النبوية على صاحبها أشرف الصلاة والسلام، كان لها إعجاب لدى بعض المؤرخين والمستشرقين كما كانت مصدر إلهام لبعض كبار الأدباء والشعراء العالميين.

 

( الألعاب الأولمبية وحواجز الوهم )


 هل يساهم العداؤون العرب في تخطى حواجز التخلف

د/ أحمد بن حامد الغامدي

 

ربما يعتبر سباق 110 متر حواجز في الألعاب الأولمبية واحداً من أصعب المسابقات الرياضية لأنه يتطلب التفوق التام في سرعة الجري مع الموائمة والمرونة في القفز ضمن التوقيت السليم وتكرار هذا التوافق لعدة مراحل متتالية. ولعل هذا من الناحية الفلسفية ما يلخص حالة من يرغب التفوق في الحياة: اندفع بقوة وسرعة وكن في نفس الوقت على استعداد لتخطي الحواجز والمعوقات في مسيرة النجاح. أحد أسوأ وأصعب الحواجز التي يمكن أن تعترض حياتك هي تلك (الحواجز النفسية) التي وبالرغم من أنها مبنية على قواعد من الخيال والوهم إلا أنها راسخة ومتجذرة في اللاشعور لدرجة أنها تصبح من المسلمات التي لا تناقش.

في عام 1972م حصل السباح الأمريكي مارك سبيتز على سبع ميداليات ذهبية دفعة واحدة في دورة الألعاب الأولمبية المقامة في مدينة ميونخ الألمانية وكان هذا أعلى رقم لعدد الميداليات الذهبية يحققه لاعب واحد في نفس الدورة الأولمبية. ولسنوات تتلوها سنوات اتفق الجميع أن (الرقم سبعة) هو أعلى سقف من عدد الميداليات الذهبية التي يمكن أن ينجزه أي رياضي محترف. ثم حدثت المفاجأة في عام 2008م في أولمبياد بكين عندما استطاع السباح الأمريكي مايكل فليبس تحطيم هذا (الحاجز الوهمي) والفوز بثماني ميداليات ذهبية في نفس البطولة ومن ثم دخل التاريخ ليس فقط بتجميعه 23 ميدالية ذهبية عبر السنوات، ولكن بقوله عندما حقق تلك الميدالية الذهبية الثامنة: (لا شي مستحيل، مع وجود الكثير من الناس يقولون إنه لا يمكن القيام به، كل ما يتطلبه الأمر هو الخيال).

وهم رياضي آخر كان (حاجز نفسي) حقيقي استمر لفترة طويلة من الزمن وانتشر في المجتمع الرياضي في العالم كله لدرجة أنه عرف باسم (حاجز الأربع دقائق 4 minutes barrier) وأحيانا يعرف باسم: ميل الأربع دقائق. والمقصود به أنه في رياضية الجري لمسافة ميل واحد يستحيل على أي رياضي أن يقطع هذه المسافة (1609 متر) في زمن أقل من أربع دقائق. منذ عام 1886م وأفضل وأسرع العدائين والرياضيين في العالم يحاولون كسر هذا العائق والعقبة الرياضية التي ترسخت في العقل الجمعي لأهل الرياضة بأنه (يستحيل) ركض مسافة الميل في أقل من أربع دقاق. طبيب الأعصاب والسير الإنجليزي روجر بانيستر استطاع أن يحطم هذه الأسطورة في عام 1954م وهو في بواكير الشباب بعمر 25 عندما كان ما زال يدرس الطب في جامعة أكسفورد ويمارس كهاوي رياضة الجري. في الغالب لم يكن لدراسة الطب أثر هام على الأداء الرياضي المميز لهذا الشاب لكن نقطة الضعف الأساسية له ربما كانت هي العامل الحاسم في تفوقه. بحكم أنه لاعب رياضي هواي فلم لم يكن له مدرب خاص يرشده ويؤثر عليه ولهذا لم يتسمم بأجواء التسليم النفسي لتلك الأسطورة الراسخة. في يوم السادس من شهر مايو لعام 1954م استطاع الشاب روجر بانيستر قطع مسافة الميل في 3 دقائق و59.4 ثانية وبمجرد سقوط ذلك الحاجز الرياضي والعائق النفسي الوهمي سرعان ما تمكن الآخرين تكرار نفس النجاح. بعد شهر ونصف فقط من تلك الحادثة الرياضية التاريخية استطاع العداء الأسترالي جون لاندي من تكرارها في حين تشير التوقعات أنه عبر السنوات استطاع حوالي 1500 رياضي من تحطيم (حاجز الأربع دقائق) بل بعضهم كان في سن الكهولة الرياضية (40 سنة) أو الطفولة الرياضية (16 سنة). والجدير بالذكر أن سباق الميل Mile Run ليس من المسابقات الرسمية في ألعاب القوى (يقام بدلا عنه سباق 1500 متر) ولهذا لم يحاول جميع الرياضيين الاشتراك بمسابقاته وإلا كان عدد من حطم تلك الأسطورة والحاجز الوهمي بعشرات الآلاف.

من الفوائد الرمزية للمسابقات الرياضية على الإنسانية تعدد وتنوع الأمثلة المشابهة لما سبق في القدرة البشرية على تخطى العقبات والقفز في الحواجز الحقيقة والخيالية على حدا سواء. قام النظام النازي في ألمانيا على خرافة تفوق العنصر الجرماني (تفوق الجنس الآري) وأن ألمانيا فوق الجميع في شتى المجالات حتى في المسابقات الرياضية. ولهذا عندما أقيمت مسابقة الألعاب الأولمبية في مدينة برلين عام 1936م حاول هتلر استغلالها كدعاية للفكر النازي وأن الرياضيين البيض الألمان سوف يكتسحون جميع الألعاب. وكانت الصفعة الكبرى لهتلر عندما استطاع الرياضي الأمريكي الأسود جيسي أوينز في أولمبياد برلين من كسر هذا الوهم النازي وتحقيق أربع ميداليات ذهبية في ألعاب القوى مما رسخ حقيقة أن الرياضيين ذوي الأصول الأفريقية أكثر كفاءة بكثير في مجال ألعاب القوى. وبمناسبة الحديث عن ألعاب القوى ومسابقات الجري لعله من الملائم التذكير (بحاجز وهمي) تم تخطيه وتحطيمه ألا وهو (حاجز العشر ثواني 10 seconds barrier). حيث كان من السائد في الأوساط الرياضية أن كفاءة اللاعب الرياضي من المستحيل أن تمكنه من الجري في سباق 100 متر في زمن أقل من عشر ثواني. بسبب صعوبة القفز فوق حاجز العشر ثواني تأخر قليلا تحقيق هذا الإنجاز والذي نال شرف أول من حققه هو العداء الأمريكي جيم هاينز وذلك في أولمبياد المكسيك عام 1962 ميلادي. الرقم القياسي العالمي لسباق 100 متر يحتفظ به الآن العداء الجامايكي يوسين بولت والذي يستحق بجدارة لقب أسرع إنسان في التاريخ حيث اجتاز مسافة 100 متر في زمن صعب جدا تحطيمه وهو 9.58 ثانية. وحتى الآن استطاع 155 عداء رياضي من مختلف أنحاء العالم تخطي حاجز العشر ثواني الوهمي في سباق 100 متر ويهمنا هنا الإشارة إلى أن منهم العداء العماني بركات الحارثي الذي حقق في عام 2018م وهو في سن متقدما نسبيا (بعمر 30 سنه) إنجاز تخطي حاجز العشر ثواني حيث اجتاز تلك المسافة في زمن 9.97 ثانية.

هذا الإنجاز العربي الرياضي المميز يعود بنا مره أخرى لفكرة الحاجز الوهمي المتعلق بسباق الميل حيث تجدر الإشارة إلى أن صاحب الرقم القياسي الحالي في هذا السباق هو العداء المغربي هشام الكروج الذي حققه في زمن يبلغ ثلاث دقائق و 43 ثانية. وكما ذكرنا أن السباق الأولمبي القريب من سباق الميل هو سباق 1500 متر ومن مصادر الفخر لنا كعرب أن من يحتكر هذا السباق منذ زمن طويل هم العداؤون العرب فصاحب الرقم القياسي الحالي له هو العداء المغربي هشام الكروج ومن قبله كان العداء الجزائري نور الدين مرسلي وقبلهما الأسطورة المغربي سعيد عويطة. وما أريد أن أقوله إننا كعرب ومسلمين شعوباً وأفراد لدينا طاقات كامنة هائلة وأن ما يقيدنا ويكبلنا هي قيود الوهم وحواجز الوهن. وإننا مؤهلين كما كسرنا تلك الحواجز الرياضية أن نكسر حواجز وأغلال التخلف والتشتت السياسي والاقتصادي والحضاري لنصبح مرة أخرى أصحاب الميداليات الذهبية والمراكز الأولى في سباق الشعوب والحضارات البشرية.

صحيح أن الحال العربي عصي عن النهوض وبعيد عن التوحد ولكن بما إننا ما زلنا في مجال الرياضة فلعلنا نختم بمقولة لاعب السلة الأمريكي الأسطورة مايكل جوردن (لقد فشلت مراراً وتكراراً في حياتي .. وهذا هو سبب نجاحي).

 

( المتاجرة بالعلم )

سباق غزو الفضاء هل هو بين الدول أم بين الشركات 

د/ أحمد بن حامد الغامدي

 

العلم كمنتج بشري ليس منزه بالمطلق عن الخلل وربما يقع التناقض في العلم فيما يخص الأفكار والاستنتاجات العلمية وكذلك قد يقع التناقض في مسيرة العلم وتطوره عبر الزمن. من صور التناقض في التسلسل التاريخي للعلم أنه قبل عقود قليلة مضت كان العلماء والراصدين لتاريخ العلم يجزمون أن مستقبل العلم سوف يرتبط بما يسمى (العلوم الكبيرة Big Sciences). والمقصود أن ما تبقى من المجالات العلمية الكبرى قيد الدراسة وخصوصا في مجال علوم الفضاء والعلوم الذرية ومشروع الجينوم (الخريطة الوراثية البشرية) تحتاج لمجهود علمي فائق يستلزم صرف ميزانيات ضخمة جدا وتعاون عدد غفير من العلماء المتخصصين من جنسيات متعددة. ولذا المصاريف المالية والجهود العلمية لتنفيذ هذه الأبحاث المتقدمة في (العلوم الكبرى) هي خارج نطاق قدرات دولة بحد ذاتها ولا بد من تجمع الدول والمؤسسات البحثية الكبرى. خذ على سبيل المثال الأبحاث العلمية في مجال فيزياء الجسيمات الأولية والتي تقوم بها CERN المنظمة الأوروبية للأبحاث النووية. إن أهم وأغلى تجربة في التاريخ هي تلك التي ينفذها مركز سيرن في مجال الفيزياء النووية وهو مشروع مصادم الهادرونات الكبير LCH الذي كلف حوالي 10 مليار دولار واشترك فيه عدة آلاف من العلماء من حوالي 100 دولة. وقل مثل ذلك عن الأبحاث المتطورة التي تقوم بها وكالة الفضاء الأوروبية التي تشترك بها وتمول أبحاثها 22 دولة أو وكالة الفضاء الأمريكية ناسا التي تبلغ ميزانيتها السنوية أكثر من 22 بليون دولار.

من منظور ما سبق كان يفترض أن أبرز الاكتشافات العلمية الحديثة وأهم الاختراعات التقنية المتطورة تكون من نتاج ومخرجات هذه المشاريع العلمية (الكبرى) متعددة الجنسيات والعابرة للقارات. وبما أن سيرة اكتشاف الفضاء انفتحت فمن الغريب أن أكبر صاروخ تم تصنيعه في تاريخ البشرية ليس صاروخ وكالة ناسا (ساتورن 5) الذي أوصل الأمريكان للقمر ولا (بروتون M) عملاق صواريخ الفضاء السوفيتية ولا صاروخ وكالة الفضاء الأوروبية (آريان 6) ولكن هو الصاروخ (فالكون 9) من إنتاج (شركة تجارية) حديثة نسبيا تحمل اسم Space X والتي أنشأها رجل الأعمال الكندي المشهورة إيلون ماسك. في مطلع عام 2020م أعلنت إحدى شركات إيلون ماسك الفضائية عن تخطيطها لإطلاق مركبة فضاء تحمل رجال عاديين (وليس رواد فضاء) وذلك في أواخر هذه السنة. ويبدو أن (سباق غزو الفضاء) تحول من الدول الكبرى إلى التنافس بين رجال الأعمال وأصحاب المليارات لكسب سوق رحلات الفضاء السياحية. ولهذا لا غرابة أن تم بالفعل تم في الأيام القليلة الماضية تنفيذ رحلات فضاء كان رواد الفضاء فيها هم أكبر وأشهر رجال الأعمال الدوليين من مثل الأمريكي جيف بيزوس صاحب شركة أمازون وأغنى رجل في العالم وكذلك الملياردير البريطاني المعروف ريتشارد برانسون صاحب شركة فيرجن. ليس من المعلوم حتى الآن هل سوف يقتدى إيلون ماسك ثاني أغني رجل في العالم بمن سبقه من رجال الأعمال ويشارك بنفسه في أول رحلة فضاء لشركته التقنية الخاصة (عبر مركبتها الفضائية: سفينة النجم) بعد أن قام عام 2018م بإرسال واحدة من سياراته الكهربائية (تيسلا رودستر) إلى الفضاء في منظر مهيب سوف تخلده الذاكرة البشرية لفترة طويلة. لكن من شبه المؤكد أن إيلون ماسك سوف يستمر في منافسة ومزاحمة وكالات الفضاء الأمريكية والأوروبية في تحقيق الحلم الكبير بإرسال أول إنسان إلى كوكب المريخ. ولو تحقق هذا الأمر وبالفعل استطاعت الشركات التجارية الخاصة التغلب على المؤسسات والمراكز البحثية (الكبرى) الدولية فإن مسيرة العلم تحولت من ظاهرة (العلوم الكبرى Big Sciences) إلى ظاهرة (خصخصة العلوم Science Privatization).

من الأبحاث العلمية المحورية التي تحولت من مجال العلوم الكبرى إلى مجال خصخصة العلوم نجد أنه في مطلع التسعينيات من القرن الماضي تم الإعلان عن المشروع العلمي البالغ الأهمية والمتعلق بتحديد الخريطة الجينية البشرية. في بداية الأمر استلزم (مشروع الجينوم البشري) تضافر جهود العلماء من جميع أنحاء العالم وخصص له عبر السنين ميزانية مالية زادت عن ثلاثة بلايين دولار. ثم بعد ذلك حدثت المفاجأة الكبرى عندما نجحت (شركة تجارية) واحدة هي Celera Genomics بميزانية محدودة لا تزيد عن 300 مليون دولار، نجحت في أن تسبق جهود المؤسسات والمراكز البحثية الدولية الضخمة في تحقيق نشر مسودة الخريطة الجينية البشرية وذلك في صيف عام 2000 ميلادي. وفي موضوع ذي صلة ومع مشروع آخر هائل من (العلوم الكبرى) والمتعلق بالجهود العلمية الحائرة منذ عقود طويلة في إنجاز حلم علماء الفيزياء وأهل الاقتصاد بإنتاج الطاقة الكهربائية من خلال ما يسمى مفاعلات الاندماج النووي الهيدروجيني.  منذ عام 2007م يقام في جنوب فرنسا بناء مشروع (المفاعل النووي الحراري الدولي) ITER والذي يهدف لبناء أكبر مفاعل اندماج في العالم ويشترك في هذا المشروع الضخم حوالي 35 دولة وبميزانية خرافية تبلغ حوالي 16 مليار دولار. شركة Celera Genomics التجارية الأمريكية السابقة الذكر عندما فكرت بطريقة علمية غير تقليدية استطاعت اختصار الزمن بشكل هائل فيما يتعلق بمشروع الجينوم البشري. وعلى نفس النسق يتوقع بعض الخبراء أن تنجح الشركة التجارية الكندية General Fusion التي يدعمها الملياردير الأمريكي سابق الذكر جيف بيزوس في تحقيق إنجاز إنتاج الطاقة الكهربائية من مفاعلات الاندماج النووي الهيدروجيني في وقت أسرع من مشروع ITER بالرغم من أن رأسمال تلك الشركة التجارية التقنية لا يزيد عن 300 مليون دولار، ولكنها تمتك أفكار علمية إبداعية وفعالة.

من هذا وذاك تتشكل مسيرة العلم والتقنية في المستقبل وأن الرواد في مجال تطوير العلوم وحتى الأبحاث الطبية هي في الغالب الشركات التجارية والهيئات التقنية الربحية في حين من المحتمل أن يتراجع بشكل تدريجي دور وإسهام مراكز الأبحاث في الجامعات والمؤسسات العلمية الدولية. من جانب قد يكون هذا الأمر مفيد من منظور أن حيوية القطاع الخاص وكفاءته العالية واستقلاليته سوف يساعد كما شاهدنا في تقدم هائل ومذهل في مسيرة العلم والتقنية. ولكن في المقابل يوجد قلق مشروع وتحفظ مبرر من أن استفراد رجال الأعمال والتجار بالاكتشافات العلمية والاختراعات التقنية سوف يتسبب بشكل أو آخر في استغلال البشرية لمصالح مادية رأسمالية متوحشة مشهورة ومتكررة في سلوك أصحاب الأموال. من صور الرأسمالية البغيضة و(المتاجرة) ليس فقط بالعلم وإنما بالبشر نجد أن شركة سيليرا Celera التي ساهمت في تسريع مشروع الجينوم البشري كما أشرنا له سابقا طالبت أن تحصل على براءة اختراع على بعض الجينات البشرية ذات الأهمية الطبية. كما أنها حاولت في البداية الاحتفاظ بجزء من المعلومات البيانات الوراثية التي توصلت لها لاستغلالها بشكل تجاري. ومن هنا ظهر جدال عنيف حول من له الأحقية في الادعاء بأنه يملك حق احتكار معلومات الجين البشري أو هل يقبل أن تصبح الشفرة الوراثية DNA كأي سلعة تجارية يصدر لها براءة اختراع. وهذا يقود للمخاوف من خطورة (المتاجرة بالعلم) بأن ألا تتورع بعض الشركات التجارية البحتة التي تهدف للربح وعوائد الاستثمار أن تكسر القواعد الأخلاقية في الأبحاث الطبية وكذلك الأبحاث المثيرة للجدل مثل استنساخ البشر والأغذية المعدلة وراثيا.

وبالرغم من كل هذا القلق حول دور الشركات التجارية في مسيرة العلوم إلا أنه يجب ألا نغفل أن لعدد كبير منها دور حاسم جدا في إحداث ثورات عديدة ومتواصلة في تاريخ العلم. الأهم من ذلك أن العديد من جوائز نوبل تم منحها للاكتشافات علمية حصلت في مختبرات الشركات التجارية المهتمة بالعلوم ومن ذلك مثلا أن شركة دو بونت الأمريكية وعملاق صناعة الكيماويات نال اثنين من العاملين في مختبراتها على جوائز نوبل في الكيمياء وهم بول فلوري عام 1974م وتشارلز بيدرسن عام 1987م هذا بالإضافة أنه في مختبرات هذه الشركة تم اختراع مادة التفلون عديمة الالتصاق وألياف النايلون الحريرية أو ألياف الكيفلار المضادة لطلقات الرصاص. وفي مجال علم الفيزياء تمكن ثلاثة من علماء شركة مختبرات بيل Bell Labs المرموقة ليس فقط من اختراع الترانزستور، ولكن أيضا استحقاق الحصول على جائزة نوبل في الفيزياء لعام 1956 ميلادي.


العلم من رعاية الملوك إلى رعاية التجار

من توابع ونتائج الظاهرة الحديثة في تاريخ مسيرة العلم والمتعلقة (بخصخصة العلوم) حصول نقطة التغير التاريخية من خلال تحول دور الداعم والراعي patron والممول للعلم والعلماء من الملوك والأباطرة إلى التجار ورجال الأعمال. المستعرض لكتب تاريخ العلم وأخبار العلماء تتردد عليه العديد من الأسماء السياسية البارزة التي احتضنت العلماء ورعتهم من مثل الخليفة العباسي المأمون والخليفة الأندلسي عبد الرحمن الثالث والسلطان التركي محمود الغزنوي والسلطان السلجوقي جلال الدين ملك شاه والسلطان المغولي المسلم أولغ بيك. كما هو معلوم تأثر ملك صقلية روجر الثاني كثيرا بالحضارة العربية وقد كان هو راعي العالم العربي الكبير الإدريسي وكذلك كان على نفس النسق الإمبراطور الألماني فردريك الثاني الذي كان هو الآخر عاشقاً للحضارة العربية وراعي للعلوم. ومن أشهر ملوك وأباطرة أوروبا الذين سلكوا هذا المسلك في كفالة وتمويل العلوم الملك الأسباني ألفونسو العاشر والإمبراطور النمساوي رودولف الثاني والإمبراطور الروسي بطرس الكبير والإمبراطور الفرنسي لويس الرابع عشر والملك الإنجليزي تشارلز الثاني بينما يقف الإمبراطور والقائد الفرنسي نابليون بونابارت في مكانه خاصية وفريدة في هذا الشأن فعدد ملحوظ من وزرائه هم في الأصل من كبار علماء فرنسا.

في العصر الحديث أصبح الدور الريادي في رعاية العلم والعلماء منوط بشكل متزايد للدعم المالي السخي من رجال الأعمال والأثرياء، بل إن بعض أهم الاكتشافات العلمية ساهم فيها رجال الأعمال وبدوافع إنسانية وذلك من خلال مؤسساتهم الخير وغير الربحية. فمثلا إمبراطور صناعة الحديد والصلب رجل الأعمال الأمريكي البارز أندرو كارنجي كان هو من مول من خلال مؤسسته الخيرية أبحاث اكتشاف هرمون الأنسولين لعلاج مرض السكر وتحقيق جائزة نوبل في الطب لعام 1923 ميلادي. في حين أن الثري الأمريكي المشهور جون روكفلر ساهم من خلال مؤسسته الخيرية في تمويل الأبحاث المتعلقة باكتشاف تركيب جزئي DNA والأحماض النووية وتحقيق جائزة نوبل في الطب لعام 1962 ميلادي. عبر القرن الماضي وحتى الآن ساهم المئات من كبار رجال الأعمال وفي جميع الدول بدعم الأبحاث العلمية وخصوصا في المجال الطبي مما ساهم في إنجاز العديد من الاكتشافات العلمية الكبرى وتحقيق جوائز نوبل. يكفي أن نشير إلى أنه قبل عدة سنوات أتفق ثلاثة من أباطرة رجال الأعمال في أمريكا (وهم بيل غيتس ووارن بافيت وجورج سورس) على أن يتبرع كلا منهم بمبلغ يزيد عن ثلاثين بليون دولار لصالح الأعمال الخيرة وبالذات في مجال دعم الأبحاث الطبية. وبالرغم من كل ما يثار من لغط حول الملياردير الأمريكي بيل غيتس فالحق بقال إن مؤسسة بيل غيتس الخيرية بلغ مجموع تبرعاتها المخصصة لمكافحة وباء كورونا حوالي 1750 مليون دولار وفي نفس المسار تبرع رجل الأعمال وعملاق صناعة السفن الأمريكي دانيال لودفيغ بمبلغ 2500 مليون دولار لأبحاث السرطان. الغريب في الأمر أن التبرع بمثل هذه المبالغ المالية الضخمة ليس مقصوراً على الأبحاث الطبية التي تجد تعاطف متوقع، ولكن نجد أن بعض رجال الأعمال لديهم هوس بالعلوم البحتة كما هو حال رجال الأعمال الأمريكي جورج ميتشل الذي تبرع بمبلغ 360 مليون دولار لبناء مرصد فلكي متطور جدا مخصص لأبحاث الفضاء بينما مجال أعمال جورج ميتشل تحت الأرض في التنقيب عن الغاز والبترول.

الملياردير جورج ميتشل نموذج ومثال للمئات من رجال الأعمال عبر التاريخ ومن كل الشعوب الذين أنفقوا مئات، بل وحتى آلاف الملايين من الدولارات في مشاريع بحثية ليس لها أي صلة بمجال تجارتهم ولا ينتظرون من ذلك أي فائدة استثمارية مباشرة. ولهذا تتغير التسمية لمثل هؤلاء التجار عبر الزمن فهم في بداية شبابهم يعرفون بلقب (رواد الأعمال entrepreneur) وفي منتصف حياتهم المهنية هم (رجال الأعمال businessmen) بينما في أواخر حياتهم أحيانا يطلق عليهم لقب (السخي المحسن philanthropist). بكل الصدق والمصارحة الصورة النمطية عن التجار ورجال الأعمال سيئة، ولكن من يبدأ منهم حياته بالتحايل والشجع ثم يختمها بالبر والإحسان يصدق عليه الوصف الشعبي بأنه (النّهاب الوهّاب !!).

 

 


( سحابة صيف ثم تنقشع )


 هل دائما مطر القيظ يكون سريع الانقشاع

د/ أحمد بن حامد الغامدي

 

الإنسان ابن بيئته ولذا يقال إن شعب الإسكيمو يتداولون أكثر من خمسين كلمة تطلق على الثلج والجليد وهو رقم كبير لشعب ذو ثقافة محدودة ولغة غير متطورة. ومن وفرة الجليد إلى شح المياه نجد نفس الظاهرة تكرر، ولكن بسياق مختلف فحسب مبدأ باريتو (رجل الإقتصاد الايطالي) كثيرا ما نجد أن (القلة تعني الكثرة) less is more وخير ما يثبت صحة هذا الأمر أن عدد أسماء المطر في اللغة العربية تقارب حوالي 200 اسم ولفظ ووصف.

بحكم أن البيئة العربية هي صحراء قاحلة وأرض جدباء ولذا أصبح للماء والمطر وصف الغيث والرحمة والخير وبذا تعددت الأسماء للمطر والغريب أنه حتى مع ندرة الأمطار في الصيف إلا أن لهذا النوع من الأمطار أسماء خاصة بها. من هذه الأسماء التي حصرها ورصدها علماء اللغة تسمية مطر الصيف بأسماء من مثل: الحَميم والبِسار والصَّيّف والخريف وهي ألفاظ ذات ظلال كئيبة مقارنة بأسماء المطر متدفقة المعاني مثل الوابل والسكب والصيب والعباب.

 مطر الشتاء فيه الخير والنماء ولهذا من أسماء المطر في موسمه أنه (الحياء) ومع ذلك ففي البيئة الصحراوية القارسة ذلك النماء هو فقط (إزهار مؤقت في الصحراء) ولذا مطر الصيف وهجير القيظ هو مطر عقيم لا ينبت أصلاً. يقول أهلنا بالشام عن شدة حر شهر يوليو (بتموز تغلي المي بالكوز) ولذا قبل عدة أيام وفي منتصف شهر يوليو عندما هبت عاصفة ممطرة على منتصف جزيرة الصحراء لم يكن المرتجى والمؤمل إلا أن تكسر قليلا حدة الحر لبعض الوقت. تلك الأمطار في الغالب بركتها محدودة ليس فقط لسرعة تبخرها في أجواء القيظ (مطر الحميم)، ولكن أيضا لقصر زمن موجة الأمطار تلك. وبسبب قلة بركة وسرعة انقضاء أمطار الصيف منذ القدم نجد العرب يتداولون بينهم مقولة (سَحابةُ صَيفٍ عن قليل تقشَّعُ). في كتاب مجمع الأمثال لأبي الفضل الميداني علّق على هذه العبارة وأن العرب تستخدمها كمثل يضرب في انقضاء الشيء بسرعة. وهذا المثل يستخدم أيضا للتسرية والتخفيف عن النفس في وقت المصائب وأنها يرجى سرعة زوالها وقد ورد في كتاب عدة الصابرين وذخيرة الشاكرين لأبن قيم الجوزية أن المحدّث محمد بن شبرمة كان إذا نزل به بلاء قال: سحابة صيف ثم تنقشع. وهذا المعنى الذي استعاره لاحقا الشيخ عائض القرني عندما أورد في كتابه (لا تحزن) عبارة: إذا زارتك شدةٌ فاعلم أنها سحابة صيف عن قليل تقشع، ولا يُجفلك رعدها ولا يرهبك برقها. وفي كتاب الزهد لابن أبي الدنيا ذكر أن الإمام سفيان الثوري كان كثيرا ما يتمثل بأبيات الشاعر الفارس عِمران بن حِطّان في ذم الدنيا والاغترار بها:

أرى أشقياء الناس لا يسأمونها         على أنهم فيها عُراة وجُوّعُ

أراها وإن كانت تُحبُّ فإنها             سحابة صيف عن قليلٍ تقشعُ

 وتلك الأبيات تستخدم بكثرة في التراث الإسلامي في ذم الدنيا والزهد فيها ولهذا وظفها العالم الرباني ابن قيم الجوزية في كتابه مفتاح دار السعادة بعد أن وصف الدنيا بأنها خيال طيف أو سحابة صيف ثم علّق بمقولة الحسن البصري في وصف الدنيا:

أحلامُ نومٍ أو كظلِّ زائلٍ            إن اللبيبَ بمثلها لا يُخدعُ

ثم ذكر ابن قسم الجوزية بعدها مباشرة أبيات عمران بن حطان المناسبة في المعنى والقافية:

أراها وإن كانت تُحبُّ فإنها         سحابة صيف عن قليلٍ تقشعُ

 الأرصاد الجوية للأمطار الصيفية ليست بذات فائدة كبيرة في علم المناخ وتنبؤات الطقس لكن كما لاحظنا لها توظيف في دنيا الرقائق والزهد والوعظ. ولهذا يكثر ذكر سرعة انقشاع سحابة الصيف ويستخدم هذا المشهد في وعظ الحكام وأهل النفوذ والسلطان فتذكر مثلا كتب الأخبار أنه في زمن والي العراق خالد بن عبد الله القسري حصل أن مر طارق صاحب شرطته في موكبه المهيب. فما كان من قاضي الكوفة عبد الله بن شبرمه إلا أن تمثّل ببيت الشعر السابق الذكر والذي في آخره (سحابة صيف عن قليل تقشعُ) وكأنه يعظ صاحب الشرطة وينبهه لسرعة زوال الدنيا الفانية فلا يغتر بما هو فيه من الجاه ونفوذ. وفي حادثة مشابهة بحذافيرها يقال إن والي البصرة بلال بن أبي بُردة مرّ يوما بموكب عظيم فما كان من خالد بن صفوان إلا أن علق بالقول (سحابة صيف عن قليل تقشعُ) فسمعه بلال فقال: والله لا تقشع أو يصيبك منها شؤبوب بَرد ثم أمر بضربه وحبسه. وسبحان الله وقع الأمر كما توقع خالد بن صفوان فإن ذلك الوالي أي بلال بن أبي بُردة عزل بعد ذلك وسجن ولهذا قال له خالد بن صفوان عندما شاهده وهو ذليل في قيوده: الحمد لله الذي أزال سلطانك وهد أركانك وغير حالك.

 وفي الختام عودٌ على بدء بذكر حقيقة أن الإنسان ابن بيئته ولهذا تتشكل حياته بها فشعب الإسكيمو (الأصح تسميتهم شعب الإنويت) لو حصل واستوطنوا أراضي القطب المتجمد الشمالي فسوف يكون لسحابة الصيف وأمطارها لها معنى مختلف عنا. في عرفنا أن مطر القيظ وسحابة الصيف سريعة الزوال بينما هي في القطب الشمالي خلاف ذلك فموسم الأمطار في تلك البقعة من الأرض هي في الصيف وتستمر لعدة أسابيع أكثرها يتوافق مع شهر يوليو. بينما في فصل الشتاء يقل بشكل حاد هطول الأمطار ولهذا ربما لو حصل وشاهد رجل من شعب الإنويت (سحابة شتاء) لما اهتم بها لعلمه أنها عن قريب ستنقشع !!.

بقي أن نشير إلى أن أهل الدول الأوروبية قد اعتادوا على استمرار هطول الأمطار إلب الأوقات وبحكم أنهم (أبناء بيئتهم) فالواحد منهم لن يستغرب هطول المطر في فصل الصيف (بل وحتى نزول الثلج في شهر مايو) وإنه إن هطل فلن ينقشع سريعا. تنتشر في البلاد الإنجليزية أسطورة مناخية طريفة تقول إنه إذا حصل وهطل المطر في يوم عيد القديس سويثن فهذا يعني أن السماء سوف تستمر تهطل لمدة أربعين يوما متواصلة. المفارقة ووجه التعجب في هذه الأسطورة أن يوم عيد القديس سويثن ليس في الشتاء، ولكن في عز الصيف حيث يقع في يوم 15 يوليو. قبل أيام قليلة حصلت فيضانات مدمرة في بعض الدول الأوروبية مثل ألمانيا وبلجيكا وهولندا وذلك بعد موجة عاتية من الأمطار المتواصلة والي لم تنقشع مع أنها في عز فصل الصيف. تزعم السلطات في تلك البلاد أنها تفاجأت بهذه الأجواء الماطرة ولا أعلم هل يقبل عذرهم أم لا وهم في موروثهم الشعبي قد تعودوا على احتماليه تواصل المطر في الصيف حيث ينتشر بين شعوب أوروبا (أسطورة عيد القديس ميدارد) والتي تقول بأنه إذا هطل المطر في يوم عيد ذلك القديس (أي الثامن من يوليو) فسوف يستمر المطر بالهطول المتواصل لمدة أربعين يوما.

منذ سنوات وبعض علماء الطقس يحذرون أنه من نواتج ظاهرة الاحتباس الحراري سوف تحصل تغيرات حادة في المناخ لدرجة أن تزداد الأمطار الصيفية ويتكرر حصول الفيضانات. هذه الأيام وفي عزّ فصل الصيف حصلت أمطار كثيفة وسيول مدمرة تسببت في مقتل حوالي 200 شخص في ألمانيا ولذا عُدّت تلك الحادثة الماطرة أسوأ كارثة تقع على الألمان بعد الحرب العلمية الثانية. وكذلك حصلت هذه الأيام فيضانات غير مسبوقة في الصين يقال إنها لم يحصل مثلها منذ ألف عام ومع السيول التي حصلت لدينا كذلك هذا الأسبوع بمحافظة الأفلاج فهل فعلا سحاب الصيف لا يمطر ويمر ولا يضر ؟!!.

 

( مأساة في الحج )


 حجاج الصحراء أقل تعرضا للأوبئة من حجاج الأنهار

د/ أحمد بن حامد الغامدي

 

يبدو أن العرب قديما كانوا على موعد متجدد وضنك متكرر من الأوبئة وجائحة الأمراض المهلكة ومن هنا كانت المسبة الكبرى في حق الحجاج بن يوسف الثقفي والي الخليفة عبد الملك بن مروان على العراق عندما أراد أن يفتخر فأنقلب الأمر سُبه وسخرية عليه. يقال إن الحجاج خاطب قومه مفتخراً فقال: لم يصبكم الطاعون منذ أو وُلّيت عليكم، فقال إعرابي إن الله أرحم بنا من أن يجمع علينا مصيبتين: أنت والطاعون. من الناحية التاريخية يوجد ترابط وثيق بين وباء الطاعون وزمن الخلافة الأموية لدرجة أن المؤرخ المصري المعاصر الدكتور أحمد العدوى حصر في كتابه (الطاعون في العصر الأموي) تفشي حوالي 20 جائحة كبرى للطاعون في زمن الخلافة الأموية أغلبها في العراق وبعضها في الشام ومصر وهو الأمر الذي ساهم بصورة ما مع عوامل أخرى في سقوط الخلافة الأموية التي لم تعمر طويلاً.

ومن فضل الله ورحمته لم يشهد تاريخ الحرمين الشريفين في القديم وقوع حالات خطيرة من تفشي وباء الطاعون في أرض الحجاز بالرغم من كثرة الحجاج من جميع فجاج الأرض القادمين إلى البلد الحرام. وبالإضافة إلى ما ورد في الحديث الشريف الصحيح من أن المدينة المنورة (وفي بعض الروايات مكة المكرمة كذلك) لا يدخلها الطاعون نجد أيضا أن بعض العلماء مثل الإمام النووي الذين استقرأوا التاريخ ذكروا أن مكة والمدينة لم يقع بها طاعون قط. وهذا في جانب منه رحمة ومكرمة للحرمين الشريفين وأهلهما وفي جانب آخر حقيقة أن من أسباب انتقال وانتشار الطاعون هو الدور الوسيط للبراغيث التي تعيش على الجرذان وهذا النوع من القوارض لا ينتشر بكثرة في المناطق الحارة والجافة كما هو حال أغلب أرض الجزيرة العربية.

ربما ساهمت تلك المساحات الشاسعة من القفار التي يجب على الحاج أن يقطعها قبل الوصول إلى الأراضي المقدسة، ربما ساهمت في (تصفية) قوافل الحجيج من الأشخاص المصابين بالأمراض المعدية والقاتلة. وبحكم أن زمن السفر في تلك العصور يمتد لشهور طويلة وبهذا كان من يصاب بأي وباء قاتل ربما يتوفى أو يتم هجرة والتخلي عنه قبل الوصول إلى مكة المكرمة مما قلل بشكل ملموس وصول وانتشار الأوبئة في أرض الحرم. هذا الأمر تغير بشكل حاد ومفجع خلال القرن التاسع عشر (أتفق مع نظرة الأديب الإيرلندي أوسكار وايد عندما أشار إلى أن القرن التاسع عشر نقطة تحول محورية في التاريخ البشري) وذلك فيما يخص سرعة انتشار الأمراض المعدية والأوبئة كنتيجة حتمية لسرعة انتقال البشر عبر وسائل التواصل والنقل الحديثة. مع ظهور شبكة القطارات وأساطيل القوارب والسفن البخارية في منتصف ذلك القرن وظهور بواكير مركبات السيارات في نهايته حصل قفزة هائلة في تواصل الشعوب البشرية وسهل ذلك انتشار الأوبئة الفتاكة وخصوصا مرض الكوليرا. من الناحية الطبية تذكر المراجع العلمية أن ميكروب مرض الكوليرا لا يصمد في أمعاء الشخص المصاب أكثر من خمسة أيام فإما أن يهلك المرض أو يزول الميكروب. والمعنى أن فرصة انتقال المرض وانتشاره محدود نسبيا ولهذا طوال التاريخ الإنساني كله لم يعرف وجود هذا المرض الفتاك خارج أراضي القارة الهندية ولذا يعرف هذا المرض أحينا باسم (الكوليرا الآسيوية). وكما قال أوسكار وايد فإن القرن التاسع عشر كان نقطة تحول وهذا بالفعل ما حصل مع قصة هذا الوباء فبعد احتلال الهند من قبل الإمبراطورية البريطانية سرعان ما ساهمت القوارب البخارية في نقل هذا الوباء لجميع أنحاء العالم في غفلة من الأطباء وأهل السياسية والجنود. وفي القرن التاسع عشر حصلت العديد من موجات الوباء الحادة للكوليرا بلغت ست موجات كبرى ما يهمنا منها هو (وباء الكوليرا الرابع) وهذه الجائحة المريعة التي حصلت عام 1863م كان مبدئها من ضفاف نهر الغانج من إقليم البنغال بالهند ووصلت مع الحجاج المسلمين الهنود إلى مكة المكرمة وتشير المراجع التاريخية أنه في ذلك العام حصد الوباء 30 ألف حاج من أصل 90 ألف. وتكرر الأمر في حج عام 1883م حيث يذكر أن جائحة الكوليرا قضت مرة أخرى على ثلث أعداد الحجاج بينما حج عام 1893م سمي (حج الرعب) بعد أن تسبب ذلك الوباء في وفاة 40% من الحجيج. وبالجملة تم تسجيل 27 جائحة وباء الكوليرا أثناء مواسم الحج في الفترة من مطلع القرن التاسع عشر وحتى عام 1930 ميلادي.

وبحكم أن الحجاج ساهموا في انتشار (وباء الكوليرا الرابع) في عدد كبير من بلدان العام بعد رجوع المصابين بالكوليرا إلى ديارهم لذا نجد منذ منتصف القرن التاسع عشر تغير كبير في مسيرة الحج (ألم نقل إن القرن 19 فترة محورية في التاريخ). لأول مرة في التاريخ الإسلامي ظهرت الحاجة إلى تفعيل دور الوقاية الطبية فيما يسمى (بالحجر الصحي َQuarantine) وذلك بعد عقد مؤتمرات دولية سياسية وطبية كبرى وبعد ضغط متزايدة من قبل الدول الاستعمارية الكبرى. ولذا استجابت الدولة العثمانية بإقامة محاجر صحية في مكة والمدينة، بل وعلى طريق الحجاج القادمين من مصر (محجر طور سيناء) وأقيم في مصر ما يسمى مجلس الكورنتينة الدولي، بل وصل الأمر حتى إلى إقامة محجر صحي بحري كبير في جزيرة بريم بمدخل البحر الأحمر عند باب المندب ومحجر صحي آخر عند مخرج السفن عند قناة السويس.

بمثل هذه الإجراءات الصحية الصارمة أمكن بدرجة كبير عبر السنين تأمين الحجاج وشعيرة الحج من تلك المآسي الفجيعة المتمثلة في فقد الأرواح الطاهرة ومعاناة المرضى الأليمة. وللتدليل على خطورة التساهل في أخذا الاحترازات الطبية الملائمة في زمن الأوبئة في التجمعات الدينية الكبرى يكفي أن نشير لما حدث قبل عدة أشهر في القارة الهندية (المصدر الأصلي لوباء الكوليرا كما ذكرنا) إذا نجد مرة أخرى وعلى ضفاف نهر الغانج يتفشى وباء آخر أثناء موسم حج الكومبه ميلا الهندوسي والذي يعتبر أكبر تجمع بشري على الإطلاق. وبسبب ضعف الاحتياطات الصحية التي اتخذتها الحكومة الهندية تفشى مباشرة بعد ذلك الحج وباء الكورونا في الهند وبالإضافة لإنتاج النوع المتحور الجديد من فيروس كوفيد 19 حصلت الكارثة الكبرى في تاريخ الأمراض المعدية عندما أصبح يصاب يومياً نصف مليون مريض ووصلت عدد حالات الوفيات يوميا لأكثر من أربعة آلاف شخص.

في المقابل ولله الحمد نجحت جهود وزارة الصحة لدينا في المحافظة ولسنوات طويلة على سلامة موسم الحج من الأوبئة المعدية والجوائح الصحية المهلكة بالرغم من القلق من انتشار بعض الأمراض في بعض السنوات كما حصل مع مرض التهاب السحايا في موسم حج 1408هـ أو القلق من انتقال وباء الكوليرا من خلال الحجاج اليمنيين في عام 1438هجري. بل وصل الأمر قبل عدة سنوات عندما انتشر مرض كورونا الإبل (فيروس ميرس) في المملكة أن طلبت منظمة الصحة العالمية بإلغاء موسم الحج وهذا الطلب ربما تكرر مرة ثانية عندما انتشر وباء فيروس زيكا في بعض البلدان وخشي أن يساهم تجمع الحجيج في انتشار عالمي له.

لذا في أي مرة قادمة عندما تسمع أيه القارئ الكريم تصريح لوزارة الصحة في نهاية موسم الحج بأنه كان ناجحاً (وخالياً من الأوبئة) فثق تماما أن هذه ليست مجرد جملة عابرة تقال، ولكن ورائها جهود مشكورة وأموال مبذولة.


الأربعاء، 28 يوليو 2021

( الشيخ الألباني والإمامة في الدين )

ليس بغزارة العلم وحدة أصبح الألباني أمام في الدين


د/ أحمد بن حامد الغامدي

 في كتاب (الأبطال) لخص المفكر والكاتب الإنجليزي توماس كارليل التاريخ البشري بقوله (تاريخ العالم ليس إلا سيرة الرجال العظماء) وعلى نفس النسق يمكن بشيء من التجاوز أن نختزل تاريخ التيار والمنهج السلفي بأنه سلسلة متواصلة لمسيرة عدد من (أعلام السلف). الرموز والشخصيات السلفية في القديم والحديث كثيرة وذات مشارب متعددة لكن (القامات التاريخية) محدودة نسبيا ويمكن تلخيصها في الأسماء اللامعة مثل الأمام أحمد بن حنبل وابن تيمية وابن القيم والشيخ محمد بن عبد الوهاب. في التاريخ الإسلامي وجد العديد من (الأئمة الأعلام) الذين وضعوا بصمتهم الفريدة في شتى المجالات كما في المذاهب الفقهية مثل الأئمة الأربعة أو تدوين السنة مثل علماء الحديث الكبار كالبخاري ومسلم أو حتى في مجال التصوف مثل الإمام الغزالي.

توجد أسباب وعوامل متعددة ومتداخلة في البروز الكبير والانتشار الواسع لتأثير بعض السلف الصالح دون البعض الآخر. عندما قارن الإمام الشافعي بين عمالقة الفقه الإسلامي مالك بن أنس والليث بن سعد قال (الليث أفقه من مالك إلا أن أصحابه لم يقوموا به) بمعنى أنه الليث بن سعد لم ينشأ مدرسة فكرية تقوم بتدوين علمه وتنشره في الآفاق. قوة المنهج العلمي وكاريزما الشخصية من العوامل المهمة في استقطاب الاتباع والمريدين والتلاميذ ومع ذلك يبقى من العوامل المهمة في شخصية (الأئمة الأعلام) أن تكون مسيرتهم مشحونة بالنضال والمعاناة والابتلاء. البشر يعشقون وينجذبون لم يناضل ولذا يرفعون مكانته ويقدرون تضحيته وبالعودة للإمام الشافعي يقال إن أحدهم سأله فقال: يا أبا عبد الله أيُّما أفضل للرجل أن يُمكّن أو أن يبتلى فقال الشافعي الحكيم: لا يُمكّن حتى يبتلى. وكل درج وسلك في سبيل الدعوة يعلم أنه لا بد أن يمر على طريق الابتلاء والتمحيص ومن هنا ذكر ابن قيم الجوزية في كتابه مدارج السالكين أنه سمع شيخ الإسلام ابن تيمية يقول: بالصبر واليقين تنال الإمامة في الدين.

بالمناسبة يوجد نوع من التطابق بين ابن تيمية والألباني في تنوع الأذى والمعاداة والمضايقة لهما أثناء حياتهما والتجريح والتجريف لمنهجيهما بعد وفاتهما. في القديم تقدم علماء السوء بشكوى ضد ابن تيميه في المسألة الفقهية المتعلقة بالحلف بالطلاق ونتج عن هذه الشكوى قيام قاضي القضاة بمدينة دمشق بمنع ابن تيميه من الإفتاء والتدريس ورفع أمره إلى السلطان. وفي الحديث قام مجموعة من مشايخ دمشق برفع عريضة إلى مفتي الشام يطالبون فيها بإيقاف العلامة ناصر الدين الألباني من نشر العلم والدعوة وقام المفتي بدوره بإحالة الشيخ إلى مدير الشرطة. العلماء هم ورثة الأنبياء كما ورد في الأثر الصحيح وهم ليس فقط ورثوا من الأنبياء والرسل الكرام العلم والدعوة إلى الله، ولكنهم ورثوا منهم كذلك سنة الابتلاء في سبيل الدين والحق. وإذا كان من مكر الأعداء ضد الأنبياء عليهم السلام كما نص القرآن الكريم (وإذ يمكر بك الذين كفروا ليثبتوك أو يقتلوك أو يخرجوك) فهذا ما حصل في الواقع مع جماعة من أئمة السلف في القديم والحديث فقد تعرضوا للحبس والقتل والتشريد والنفي من الأرض. فهذا شيخ الإسلام ابن تيمية سجن وحبس مرات عديدة كان منها أن سجن مرتين في قلعة دمشق في مناسبتين مختلفتين وكلا منها بسبب آراءه الفقهية ومنهجه الفكري والعلمي. وفي نفس قلعة دمشق تلك حصل أن أعتقل الإمام الألباني في عام 1969م لفترة من الزمن وبهذا انطبقت مسيرته مع مسيرة (سلفه) ابن تيمية كما سجن الشيخ الألباني مرة ثانية في سوريا، ولكن في مدينة الحسكة عندما أبعد إليها ومنع من دخول دمشق. وبما إن سيرة المنع من الإقامة والإبعاد والطرد فتحت فيوجد تطابق آخر بين الإمام الألباني وبين سلفه الكبير ابن تيمية فهذا الأخير بسبب من علماء السوء أخرج من دمشق إلى القاهرة ثم بعد فترة من الزمن تم نفيه وتهجيره إلى مدينة الإسكندرية وكذلك الإمام الألباني بعد نفيه إلى مدينة الحسكة تعرض للتضييق والتهجير لدرجة إخراجه من بلده الأصلي سوريا إلى الأردن ليقضي بها سنوات طويلة ويتوفى بها. بل حتى إقامة الإمام الألباني في الأردن لم تخل من المنغصات ففي بداية الأمر رفض طلبه لدخول الأردن وظل الشيخ ثلاثة أشهر على الحدود الأردنية حتى تدخل الشيخ محمد بن إبراهيم الشقرة مدير المسجد الأقصى في الأردن وتوسط له عند الملك حسين. وحتى قبل وفاة الشيخ بعدة سنوات كاد يصل الأمر بطرده من الأردن بسبب فتوى فهمت خطاءً بأنه يدعو الفلسطينيين بوجوب الهجرة من فلسطين.

هذا ما كان مما ذكر في الآية الكريمة عن السجن (ليثبتوك) والتشريد والنفي (أو يخرجوك) أما فيما يتعلق بالقتل فقد صدرت في حق شيخ الإسلام عدة فتاوى بهدر دمه واستحلال قتله. ومن ذلك إصدار ابن مخلوف قاضي المالكية في مصر فتوى في تكفير ابن تيمية ووجب قتله بينما نودي في الجامع الأموي في دمشق (من اعتقد عقيدة ابن تيمية حل دمه وماله) بل البعض كفر كل من يسمي ابن تيمية بشيخ الإسلام. أما في حالة الشيخ الجليل الألباني وبالرغم ما عرف عنه من تحذيره من التكفير والتفجير (له رحمة الله فتاوى أثارت ضجة تتعلق بعدم موافقته للعمليات الانتحارية ضد اليهود في فلسطين) ومع ذلك لم يسلم الإمام الألباني في نفسه من أن تصدر ضده فتاوى تجيز قتله كما حدث ذلك في شبابه عندما أصدر رئيس رابطة علماء سوريا فتوى أهدرت دمه.

ومن الابتلاء الذي يصيب (الأئمة الأعلام) هو أن يحصل التعريض لهم بالتجريح والتشويه والتسفيه والقدح في علمهم ومنهجهم وغالبا يقع هذا من معاصريهم وسبب ذلك الحسد والحقد. فهذا تقي الدين السبكي لا يكتفي بالرد العلمي على ابن تيمية بل يعمد إلى تجريحه واستنقاصه بقوله (إنه ليس ممن يعتمد عليه في نقل ينفرد به .. ولا في بحث ينشئه لخلطه المقصود بغيره .. وهو لم يتهذب بشيخ ولم يرتض في العلوم). وبالرغم من الشهرة المدوية للإمام الألباني بوصفه (محدث العصر) إلا أن عالم الحديث الهندي المعاصر له حبيب الأعظمي بالغ لدرجة السفه في نقد الإمام الألباني في كتابه (الألباني أخطاؤه وشذوذه) عندما قال عنه: ولازم ذلك أنه والله لا يعرف ما يعرفه أحاد الطلبة الذين يشتغلون بدراسة الحديث في عامة مدارسنا. وبالمناسبة مثل هذا التجني والشطط في الخصومة يوضح لنا الفرق بين النقد العلمي المطلوب (بل الواجب) حيال التراث وأهله وبين الإسقاط والهدم والإقصاء للسلف الصالح وإنتاجهم الفكري.

والمقصود بعد هذا التجوال والمزاوجة بين رمز السلفية القديم (ابن تيمية) ورمز السلفية المعاصر (الألباني) أن طريق الابتلاء والتشويه والعداء هو حال السلف الصالح ومآل الخلف الفالح. ومن هذا المنظور نعلم أن الحملات المتلاحقة والغارات المتصاعدة في تشويه وتسفيه الرموز السلفية الكبرى مثل البخاري وابن تيمية والألباني هي حلقة في سلسلة متواصلة من القديم في مشهد الصراع بين الحق والباطل. التيار والمنهج السلفي له حضور وأثر ونصر بالغ في التاريخ والتراث الإسلامي وكما بدأنا بمقولة للمفكر الإنجليزي توماس كارليل نختم بمقولة أخرى تلخص سبب الهجوم على السلفية ورموزها (ليس من تاج بلا نصر، وليس من نصر بلا معركة، وليس من معركة بلا عدو).

 

( شهر يوليو / تموز من وجهة نظر علمية )

شهر يوليو/تموز بين الولادة والوفاة


د/ أحمد بن حامد الغامدي

 منذ منتصف القرن الثامن عشر ومنذ عهد الملك الإنجليزي جورج الثاني درج ملوك وملكات التاج البريطاني على الاحتفال بأعياد ميلادهم في فترة الصيف حيث الأجواء أكثر صفاءً وبهجة وملائمة للفرح الملكي من أوقات أعياد ميلادهم الأصلية التي قد تكون في الشتاء الكئيب. حرارة الصيف وعنفوان النشاط البشري في تلك الأجواء شهدت (ولادة) كبرى الجمهوريات والدول في التاريخ الحديث حيث شهد شهر يوليو (الذي نحن فيه الآن) انبثاق الجمهورية الفرنسية بعد ثورة اقتحام الباستيل في 14 من هذا الشهر لعام 1789م وكذلك (ولادة) الأمة الأمريكية في 4 من يوليو من عام 1776ميلادي.

يوماً ما صك الأديب الإنجليزي الفريد وليم شكسبير عبارة (مرحا لهذا العالم الجديد الشجاع) ولهذا أصبحت هذه الجملة تستخدم بكثرة في توصيف أي أفكار أو ابتكارات جديدة وواعدة. ومن هنا قام الكاتب الإنجليزي المرموق ألدوس هكسلي بتوظيف هذه العبارة كعنوان لروايته المشهورة (عام جديد شجاع Brave New World) والتي تدور عن سيطرة العلم والتقنية في المستقبل على حياة البشر وبالذات في مجال (تقنية الولادة). مستهل تلك الرواية ركز على الطرق المستقبلية لتحديد النسل وتكوين الأجنة في أجهزة خاصة والتحكم بعملية الولادة من خلال إنتاج أطفال محددي الصفات والوظائف ضمن فئات محددة مسبقا. رواية الخيال العلمي هذه أصدرت عام 1931م ونسجت أحداثها على أنها تقع بمدينة لندن عام 2540م ولكن الغريب في الأمر أن بعض الأفكار العلمية المطروحة في هذه الرواية ذات الـتأثير الأدبي والعلمي الفائق (صنفت خامس أهم رواية عالمية نشرت في القرن العشرين) ظهرت بعد نصف قرن فقط (وليس نصف ألفية) من ظهورها.

وبالعودة لحرارة الصيف في شهر يوليو نجد أنه في العلم والتقنية كما في عالم السياسة والتاريخ (ولدت) العديد من الاكتشافات والابتكارات العلمية المذهلة والتي كلا منها يُعد بحق (عالم جديد وشجاع). عبر تاريخ البشرية كانت عمليات الإنجاب والتوليد تتم بتكرارية ثابتة وتقليدية رتيبة متواصلة حتى حصل التغير الهائل في طريقة الولادة الدموية المسماة (العملية القيصرية). كما هو معلوم يشتهر نسبة تقنية الولادة القيصرية إلى الإمبراطور الروماني يوليوس قيصر الذي وإن لم يكن أول من ولد بهذه الطريقة، ولكنه كان أشهر وأهم شخصية أرتبط بها بشكل موثق في كتب التاريخ حيث ذكر ذلك المؤرخ الروماني بليني الأكبر في كتابه (التاريخ الطبيعي) أن اسم يوليوس قيصر جاء من أحد أجداده الذي ولد بواسطة جراحة قيصرية. كلمة التشريح والتقطيع باللغة الرومانية القديمة هي Caesar ومن هنا أصبحت كلمة سيزر (القيصر) هو لقب أباطرة الرومان والأهم من ذلك ارتباط هذه الحادثة بشهر يوليو والذي سمي كذلك لتكريم القيصر يوليوس الذي (ولد) في هذا الشهر.

الحدث الأبرز التالي في دنيا الولادة والذي حصل في شهر يوليو هو بداية ما توقعه ألدوس هكسلي في رواية عالم جديد وشجاع وهو استخدام الأجهزة والزجاجيات المعملية في إنتاج الأطفال أو بمختصر العبارة ظهور الطفرة العلمية المتمثلة (بأطفال الأنابيب). في الخامس والعشرين من شهر يوليو من عام 1978م ولدت الطفلة الإنجليزية لويز براون لتصبح أول طفلة أنابيب Test Tube Baby وبهذا حصل لأول مرة في تاريخ البشرية تلقيح اصطناعي خارج جسم الإنسان حيث تمت عملية الإخصاب في وعاء زجاجي (وليس أنبوب كما يشاع) يسمى طبق بتري. الجدير بالذكر أنه بعد عملية التخصيب لتلك للبويضة التي تستمر لمدة خمسة أيام يتم زراعة البويضة المخصبة داخل الرحم وفي حالة لويز براون ولدت بعملية قيصرية وبهذا اجتمع في شهر يوليو من ذلك اليوم وفي لحظة واحدة أعجب عمليتي إنجاب في التاريخ. بقي أن نقول إنه حتى الآن تم (ولادة) أكثر من تسعة ملايين طفل أنابيب كان يستحيل ولادتهم بالطرق العادية ولهذا لا غرابة أن يحصل عالم الأحياء البريطاني روبرت إدوارز مطور هذه الطريقة (الجديدة والشجاعة) في عملية التوليد على جائزة نوبل في الطب لعام 2010ميلادي.

الإنجاز العلمي الهائل الذي (ولد) في شهر يوليو ويعتبر بحق مثال للعالم والعلم الجديد والشجاع هو الإعلان يوم الخامس من شهر يوليو لعام 1996م عن ولادة النعجة دوللي وهي أول حيوان يتم ولادته من خلال تقنية الاستنساخ. الطريف في الأمر أن عالم الأجنة الإنجليزي إيان ويلموت الذي طور عملية استنساخ الأجنة للحيوانات الثديية في معهد روزلين بجامعة إدنبرة كان مولوده في السابع من شهر يوليو أي أن عيد ميلاده يتوافق نسبيا مع عيد ميلاد نعجته فائقة الشهرة. الجدير بالذكر أن تقنية علمية وطبية أخرى فائقة الأهمية في تاريخ البشرية أُعترف بها بشكل رسمي في شهر يوليو من عام 1990م وهي تقنية العلاج الجيني وما يهمنا هنا الإشارة إليه أن هذه التقنية الطبية المذهلة استخدمت لإحداث ثورة هائلة وجديدة في عالم الولادة. بعض الأطفال في حالة ولادتهم بشكل طبيعي قد يكونون معرضين للإصابة بأمراض وراثية قاتلة وهنا تم استخدام تقنية (العلاج الجيني) لإعادة الهندسة الوراثية لبعض الأجنة البشرية وبالتالي إنتاج وإنجاب أطفال بمواصفات حسب الطلب. في أشهر الصيف من عام 2000م تم الإعلان عن والدة الطفل الأمريكي آدم ناش وهو أول طفل مصمم designer baby بمعنى أنه طفل معدل وراثيا وتم تصميم جيناته لتفادي حصول أمراض وراثية خطيرة. وتقريبا في نفس تلك اللحظة التاريخية من صيف عام 2000م وبالتحديد في يوم السابع من شهر يوليو تم نشر المسودة الأولية من نتائج وبيانات المشروع العمي الكبير المتمثل في تحديد الخارطة الجينية (مشروع الجينوم البشري). وبتضافر هذه الإنجازات العلمية والطبية الكبرى مثل العلاج الجيني والجينوم مع الاستنساخ وأبحاث الخلايا الجذعية حصلت طفرة علمية كبرى في محاولة ضمان صحة البشر وبالذات المواليد الجدد.

ومن هنا نصل إلى سؤال عنوان المقال (هل شهر يوليو/تموز شهر للوفاة أم الولادة) وربما الإجابة من الناحية العلمية والطبية واضحة ومباشرة أن هذا الشهر بالذات شهد العديد من الإنجازات الطبية المذهلة التي ضمنت بقدر الله ومشيئته إمكانية ولادة عشرات الملايين من الأطفال الذين كان مصيرهم الموت المحتمل لولا اكتشاف هذه التقنيات العلمية الجديدة.

بقي أن نقول إن شهر يوليو يطلق عليه في بعض بلدان المشرق العربي مثل العراق وبلاد الشام اسم شهر (تموز) وذلك وفق طريقة التسمية السريانية. وبحكم أن شهر يوليو/تموز هو أحد أكثر شهور السنة حرارة ولذا يقول أهلنا في الشام (بتموز تغلي المي بالكوز) وهي الأجواء الضارة بالنباتات والحياة إجمالاً. وفق الأساطير البابلية القديمة يعتبر الإله تموز رمز للوفاة والهلاك وذلك لأنه في هذا الشهر يموت عندما تكون الأرض جافة وقاحلة وتنقطع مواسم الزراعة. وقديما كانت تقام مراسم الحداد والنياحة على تموز في أرض سومر خلال أشهر الصيف لأنهم كانوا يعتقدون أن هذا الإله المزعوم ينزل إلى العالم السفلي لمدة ستة أشهر ثم يعود مع بداية الربيع مع حبيبته عشتار.

شهر يوليو الساخن من خلال العلم ارتبط بالحياة والولادة والنماء بينما كان شهر تموز وفق الجهل والخرافات رمز لانقطاع الحياة والعدم والوفاة.