الخميس، 6 يناير 2022

( سحابة صيف ثم تنقشع )


 هل دائما مطر القيظ يكون سريع الانقشاع

د/ أحمد بن حامد الغامدي

 

الإنسان ابن بيئته ولذا يقال إن شعب الإسكيمو يتداولون أكثر من خمسين كلمة تطلق على الثلج والجليد وهو رقم كبير لشعب ذو ثقافة محدودة ولغة غير متطورة. ومن وفرة الجليد إلى شح المياه نجد نفس الظاهرة تكرر، ولكن بسياق مختلف فحسب مبدأ باريتو (رجل الإقتصاد الايطالي) كثيرا ما نجد أن (القلة تعني الكثرة) less is more وخير ما يثبت صحة هذا الأمر أن عدد أسماء المطر في اللغة العربية تقارب حوالي 200 اسم ولفظ ووصف.

بحكم أن البيئة العربية هي صحراء قاحلة وأرض جدباء ولذا أصبح للماء والمطر وصف الغيث والرحمة والخير وبذا تعددت الأسماء للمطر والغريب أنه حتى مع ندرة الأمطار في الصيف إلا أن لهذا النوع من الأمطار أسماء خاصة بها. من هذه الأسماء التي حصرها ورصدها علماء اللغة تسمية مطر الصيف بأسماء من مثل: الحَميم والبِسار والصَّيّف والخريف وهي ألفاظ ذات ظلال كئيبة مقارنة بأسماء المطر متدفقة المعاني مثل الوابل والسكب والصيب والعباب.

 مطر الشتاء فيه الخير والنماء ولهذا من أسماء المطر في موسمه أنه (الحياء) ومع ذلك ففي البيئة الصحراوية القارسة ذلك النماء هو فقط (إزهار مؤقت في الصحراء) ولذا مطر الصيف وهجير القيظ هو مطر عقيم لا ينبت أصلاً. يقول أهلنا بالشام عن شدة حر شهر يوليو (بتموز تغلي المي بالكوز) ولذا قبل عدة أيام وفي منتصف شهر يوليو عندما هبت عاصفة ممطرة على منتصف جزيرة الصحراء لم يكن المرتجى والمؤمل إلا أن تكسر قليلا حدة الحر لبعض الوقت. تلك الأمطار في الغالب بركتها محدودة ليس فقط لسرعة تبخرها في أجواء القيظ (مطر الحميم)، ولكن أيضا لقصر زمن موجة الأمطار تلك. وبسبب قلة بركة وسرعة انقضاء أمطار الصيف منذ القدم نجد العرب يتداولون بينهم مقولة (سَحابةُ صَيفٍ عن قليل تقشَّعُ). في كتاب مجمع الأمثال لأبي الفضل الميداني علّق على هذه العبارة وأن العرب تستخدمها كمثل يضرب في انقضاء الشيء بسرعة. وهذا المثل يستخدم أيضا للتسرية والتخفيف عن النفس في وقت المصائب وأنها يرجى سرعة زوالها وقد ورد في كتاب عدة الصابرين وذخيرة الشاكرين لأبن قيم الجوزية أن المحدّث محمد بن شبرمة كان إذا نزل به بلاء قال: سحابة صيف ثم تنقشع. وهذا المعنى الذي استعاره لاحقا الشيخ عائض القرني عندما أورد في كتابه (لا تحزن) عبارة: إذا زارتك شدةٌ فاعلم أنها سحابة صيف عن قليل تقشع، ولا يُجفلك رعدها ولا يرهبك برقها. وفي كتاب الزهد لابن أبي الدنيا ذكر أن الإمام سفيان الثوري كان كثيرا ما يتمثل بأبيات الشاعر الفارس عِمران بن حِطّان في ذم الدنيا والاغترار بها:

أرى أشقياء الناس لا يسأمونها         على أنهم فيها عُراة وجُوّعُ

أراها وإن كانت تُحبُّ فإنها             سحابة صيف عن قليلٍ تقشعُ

 وتلك الأبيات تستخدم بكثرة في التراث الإسلامي في ذم الدنيا والزهد فيها ولهذا وظفها العالم الرباني ابن قيم الجوزية في كتابه مفتاح دار السعادة بعد أن وصف الدنيا بأنها خيال طيف أو سحابة صيف ثم علّق بمقولة الحسن البصري في وصف الدنيا:

أحلامُ نومٍ أو كظلِّ زائلٍ            إن اللبيبَ بمثلها لا يُخدعُ

ثم ذكر ابن قسم الجوزية بعدها مباشرة أبيات عمران بن حطان المناسبة في المعنى والقافية:

أراها وإن كانت تُحبُّ فإنها         سحابة صيف عن قليلٍ تقشعُ

 الأرصاد الجوية للأمطار الصيفية ليست بذات فائدة كبيرة في علم المناخ وتنبؤات الطقس لكن كما لاحظنا لها توظيف في دنيا الرقائق والزهد والوعظ. ولهذا يكثر ذكر سرعة انقشاع سحابة الصيف ويستخدم هذا المشهد في وعظ الحكام وأهل النفوذ والسلطان فتذكر مثلا كتب الأخبار أنه في زمن والي العراق خالد بن عبد الله القسري حصل أن مر طارق صاحب شرطته في موكبه المهيب. فما كان من قاضي الكوفة عبد الله بن شبرمه إلا أن تمثّل ببيت الشعر السابق الذكر والذي في آخره (سحابة صيف عن قليل تقشعُ) وكأنه يعظ صاحب الشرطة وينبهه لسرعة زوال الدنيا الفانية فلا يغتر بما هو فيه من الجاه ونفوذ. وفي حادثة مشابهة بحذافيرها يقال إن والي البصرة بلال بن أبي بُردة مرّ يوما بموكب عظيم فما كان من خالد بن صفوان إلا أن علق بالقول (سحابة صيف عن قليل تقشعُ) فسمعه بلال فقال: والله لا تقشع أو يصيبك منها شؤبوب بَرد ثم أمر بضربه وحبسه. وسبحان الله وقع الأمر كما توقع خالد بن صفوان فإن ذلك الوالي أي بلال بن أبي بُردة عزل بعد ذلك وسجن ولهذا قال له خالد بن صفوان عندما شاهده وهو ذليل في قيوده: الحمد لله الذي أزال سلطانك وهد أركانك وغير حالك.

 وفي الختام عودٌ على بدء بذكر حقيقة أن الإنسان ابن بيئته ولهذا تتشكل حياته بها فشعب الإسكيمو (الأصح تسميتهم شعب الإنويت) لو حصل واستوطنوا أراضي القطب المتجمد الشمالي فسوف يكون لسحابة الصيف وأمطارها لها معنى مختلف عنا. في عرفنا أن مطر القيظ وسحابة الصيف سريعة الزوال بينما هي في القطب الشمالي خلاف ذلك فموسم الأمطار في تلك البقعة من الأرض هي في الصيف وتستمر لعدة أسابيع أكثرها يتوافق مع شهر يوليو. بينما في فصل الشتاء يقل بشكل حاد هطول الأمطار ولهذا ربما لو حصل وشاهد رجل من شعب الإنويت (سحابة شتاء) لما اهتم بها لعلمه أنها عن قريب ستنقشع !!.

بقي أن نشير إلى أن أهل الدول الأوروبية قد اعتادوا على استمرار هطول الأمطار إلب الأوقات وبحكم أنهم (أبناء بيئتهم) فالواحد منهم لن يستغرب هطول المطر في فصل الصيف (بل وحتى نزول الثلج في شهر مايو) وإنه إن هطل فلن ينقشع سريعا. تنتشر في البلاد الإنجليزية أسطورة مناخية طريفة تقول إنه إذا حصل وهطل المطر في يوم عيد القديس سويثن فهذا يعني أن السماء سوف تستمر تهطل لمدة أربعين يوما متواصلة. المفارقة ووجه التعجب في هذه الأسطورة أن يوم عيد القديس سويثن ليس في الشتاء، ولكن في عز الصيف حيث يقع في يوم 15 يوليو. قبل أيام قليلة حصلت فيضانات مدمرة في بعض الدول الأوروبية مثل ألمانيا وبلجيكا وهولندا وذلك بعد موجة عاتية من الأمطار المتواصلة والي لم تنقشع مع أنها في عز فصل الصيف. تزعم السلطات في تلك البلاد أنها تفاجأت بهذه الأجواء الماطرة ولا أعلم هل يقبل عذرهم أم لا وهم في موروثهم الشعبي قد تعودوا على احتماليه تواصل المطر في الصيف حيث ينتشر بين شعوب أوروبا (أسطورة عيد القديس ميدارد) والتي تقول بأنه إذا هطل المطر في يوم عيد ذلك القديس (أي الثامن من يوليو) فسوف يستمر المطر بالهطول المتواصل لمدة أربعين يوما.

منذ سنوات وبعض علماء الطقس يحذرون أنه من نواتج ظاهرة الاحتباس الحراري سوف تحصل تغيرات حادة في المناخ لدرجة أن تزداد الأمطار الصيفية ويتكرر حصول الفيضانات. هذه الأيام وفي عزّ فصل الصيف حصلت أمطار كثيفة وسيول مدمرة تسببت في مقتل حوالي 200 شخص في ألمانيا ولذا عُدّت تلك الحادثة الماطرة أسوأ كارثة تقع على الألمان بعد الحرب العلمية الثانية. وكذلك حصلت هذه الأيام فيضانات غير مسبوقة في الصين يقال إنها لم يحصل مثلها منذ ألف عام ومع السيول التي حصلت لدينا كذلك هذا الأسبوع بمحافظة الأفلاج فهل فعلا سحاب الصيف لا يمطر ويمر ولا يضر ؟!!.

 

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق