الخميس، 15 نوفمبر 2018

( نون النسوة يزاحم واو الجماعة على جوائز نوبل )

نساء العلم أصبحن بالفعل يحققن فكرة النقش على ميدالية جائزة نوبل العلمية

د/ أحمد بن حامد الغامدي

كَمُلَ من الرجال كثير في السياسة والأدب والعلم لكن حتى مطلع القرن العشرين لم يسجل التاريخ البشري من الأسماء النسائية في هذه المجالات إلا أقل القليل. فمثلا لقد فاز بجائزة نوبل من الرجال 875 شخص عبر السنوات بينما لم يتجاوز عدد النساء الفائزات بهذه الجائزة المرموقة (أم الجوائز) إلا 48 سيدة فقط. الإشكال الصارخ أنه إذا كانت نسبة النساء الفائزات بجائزة نوبل هن في حدود 5% من الفائزين نجد أن أغلبهن حققن هذا الانجاز بالفوز بالجائزة في مجال السلام أو الأدب والقلة النادرة منهن كسبن المجد بتحقيق هذه الجائزة في مجال الفيزياء أو الكيمياء أو الطب. يكفي أن نقول إنه حتى قبل عدة أيام مضت استمر انقطاع النساء عن عدم الفوز بجائزة نوبل في الفيزياء لفترة زادت عن نصف قرن وبالجملة إن كان عدد النساء اللاتي حزن جائزة نوبل في الفيزياء ثلاث سيدات فقط فهذا الرقم المتواضع لا يقارن مع العدد المذهل للرجال الفائزين بها والبالغ عددهم 210 عبقري.
(النساء قادمات ولو بعد حين) هذا ما يشعر به المجتمع العلمي الدولي فبصورة متزايدة منذ مطلع القرن الواحد والعشرين تنامى حضور الجنس اللطيف للمشاركة في حفل جوائز نوبل في عاصمة السويد. ولغة الأرقام تعزيز هذه النبوءة فخلال القرن العشرين بأكمله لم يفز بجائزة نوبل في المجالات العلمية والطبية إلا 12 سيدة ولكن خلال السنوات العشر الماضية فقط نالت تسع نساء من سيدات العلم والطب جائزة نوبل وهذه قفزة كبيرة بكل المقاييس. وقبل ايام حدث لأول مرة في تاريخ العلم أن فازت سيدة بجائزة نوبل في الفيزياء في نفس توقيت فوز امرأة أخرى بجائزة نوبل في الكيمياء بينما ما زالت سنة 2009م هي السنة الذهبية لأكبر عدد من النساء الفائزات بجائزة نوبل (فائزة واحدة في مجال الكيمياء وسيدتين في مجال الطب).

قبل قرنين من الزمان وبالضبط في عام 1818م كتبت الاديبة الانجليزية المشهورة جين أوستن (لقد كان للرجال الأفضلية الكاملة علينا في أن يرووا قصتهم من دوننا، لقد كان التعليم ملكا لهم وكانت الأقلام في أيديهم) ولعقود طويلة كانت ايضا الاجهزة المختبرية والتجارب العلمية محتكره من قبلهم ولهذا كانت النساء في الظل دائما. ومع ذلك فمن الواضح أن وضع النساء يتحسن مع الزمن وأن كان ببطء شديد ففي القرن الثامن عشر لم يكن يسمح للمرأة حضور المحاضرات العلمية وفي القرن التاسع عشر تحسن الوضع فأصبح فقط لا يسمح لهن بالعمل في المختبرات العلمية أما في القرن العشرين فأصبحت المرأة شقيقة الرجل على مقاعد الدراسة. في وقتنا الحالي قد لا نصدق أنه حتى الثمانينات من القرن العشرين 1980s نادر جدا ما كان يسمح للفتيات بالدراسة في جامعتي اكسفورد وكامبريدج العريقتين. ذلك تاريخ قد تلاشى الأن تماما فقد كسبت النساء معركة المساواة في دخول الجامعات بل وصل الأمر لدرجة أنه بعد أن كان عدد الطالبات الأمريكيات اللاتي يدرسن في التخصصات العلمية في المرحلة الجامعية في منتصف الستينات من القرن الماضي كن حوالي 20% نجد أنه قد تضاعف عددهن حاليا ليصل رقم يتخطى 50% وفق إحصاءات المركز الوطني الأمريكي للإحصاءات التعليمية. وبالرغم من تأخر دخول المرأة العربية لمجال الدراسات العلمية إلا أن دورها وإسهامها في هذا المجال شهد خلال العقود الأخيرة تطورا كبيرا. حيث نجد وبصورة عامة أن الفتاة العربية أصبحت تقبل وبشكل متزايد على دراسة التخصصات العلمية والتكنولوجية في الجامعات. فوفقا لدراسة عن واقع المرأة المسلمة والعلم نشرت قبل سنوات في مجلة الطبيعة Nature البريطانية الشهيرة نجد أن متوسط نسبة الفتيات العربيات اللاتي يدرسن في التخصصات العلمية في الجامعة في مطلع التسعينات كانت تبلغ 35% على مستوى الدول العربية بينما تصل الأن هذه النسبة إلى 70% في بعض دول الخليج كالبحرين وقطر والكويت.

وبالعودة لمزاحمة النساء للرجال على الحصول على الجوائز العلمية المرموقة فالوضع متغير بلا شك وزخم المنافسة والمزاحمة من قبل الجنس اللطيف تزداد خشونة وعزيمة مع مرور الزمن. ولكن مع ذلك الهيمنة الحقيقة ما زالت بيد الرجال لسبب بسيط ومباشر وهو أن النهضة العلمية للحركة النسوية تفتقر لوجود العدد الكافي من النساء في قمة الهرم العلمي والبحثي. ففي دراسة إحصائية تجريها الجمعية الكيميائية الأمريكية بشكل دوري كل سنة عن عدد النساء في أقسام الكيمياء في أفضل 50 جامعة أمريكية تبين أنه في عام 2006 كانت نسبة النساء الأكاديميات في أقسام الكيمياء تبلغ 14% فقط ونسبة الحاصلات على درجة الأستاذية 10% فقط بينما كان الوضع في الجامعات البريطانية أكثر مأساوية حيث كانت نسبة الكيميائيات الحاصلات على درجة الأستاذية تبلغ حوالي 1% فقط. المشكلة العويصة حاليا ليست في عدم رغبة الفتيات في دراسة التخصصات العلمية والطبية وإنما في كيفية إقناعهن بإكمال دراستهن العليا في هذه المجالات المتقدمة والمعقدة. ولذلك تقام حاليا في الدول الغربية العديد من المؤتمرات وحلقات النقاش واللجان والدراسات لمعرفة سبب ظاهرة ما تسمى (أنبوبة المياه المكسورة pipeline leakage) حيث توجد وفرة من الفتيات في بداية شبكة التعليم الجامعي لكنهن يتسربن ويهدرن لاحقا في شبكة الحياة والعمل.
تجدر الاشارة إلى أنه حتى في المجتمعات الغربية المنفلتة أخلاقيا والمنفتحة فكريا تشير الاحصائيات إلى انه عدد قليل جدا من الفتيات من الجنس اللطيف يرغبن في خسارة طبائعهن الانثوية والتسجيل في تخصصات علمية تمتاز بالعبقرية والريادة مثل علم الفيزياء والرياضيات والتخصصات الهندسية على العكس من تقبلهن لفكرة الدراسة في التخصصات الطبية وعلوم الاحياء. وهذا ربما يفسر عدم وجود أي امرأة بارزه في علم الرياضيات أو أن عدد السيدات الفائزات بجائزة نوبل في مجال الفيزياء ثلاث فقط مقارنه مع العدد الكبير نسبيا (12) للفائزات بجائزة نوبل في الطب وعلم وظائف الأعضاء.

بقي أن نقول إن (الحكمة والمعرفة) في بعض الحضارات القديمة مرتبطة بالمرأة أكثر من الرجل ففي الاساطير اليونانية نجد أن أثينا هي ربة الحكمة وهي نفسها مينيرفا عند الرومان أو إيزيس عند الفراعنة. ومن هنا نفهم لماذا الميدالية الذهبية التي يحصل عليها الفائزون بجائزة نوبل في الكيمياء أو الفيزياء نقش عليها رسم يمثل امرأة محجبة (تمثل الطبيعة الأم) بينما تقوم امرأة أخرى (الحكمة) بإزاله الغطاء والحجاب عن الطبيعة الأم وكأن العلم والعلماء يزيلون الغموض ويكشفون الحقيقة. طوال القرن العشرين كان هذا النقش على ميدالية نوبل محل تندر من العلماء لأن الرجال وليس النساء هم من كان يكشف الحقيقة ويزيل الغطاء عن وجه الطبيعة الأم ولكن في السنوات الأخيرة أصبح نقش ميدالية نوبل يعبر عن الواقع فسنه بعد أخرى يزداد عدد النساء الذين ينطبق عليهم واقع ذلك النقش الذهبي.


الأحد، 28 أكتوبر 2018

( ثقب الأوزون في خطبة الجمعة !!)

البعد الديني لقضايا البيئة

د/ أحمد بن حامد الغامدي

مشاكل وقضايا البيئة يصح عليها توصيف الأديب أبن العميد في المتنبي بأنه (مالئ الدنيا وشاغل الناس) فالكل يتحدث عن مشكلة التغير المناخي أو أضرار تلوث الهواء أو أبعاد ظاهرة ثقب الأوزون أو حقيقة الأمطار الحمضية. حديث الناس عن الطقس والاجواء عادة مترسخة في حياة الشعوب وبحكم أن صيفنا الحالي شهد تسجيل أرقام درجة حرارة قياسية في العديد من مناطق العالم وبهذا قد يكون لهيب هذه السنة هو أسخن تسجيل لعلماء الارصاد لدرجات الحرارة منذ بدأوا ذلك عام 1880م، فلهذا لا عجب أن قضايا التغير المناخي كانت بامتياز حديث الساعة وبكل اللغات.
صحيح أن ظاهرة الاحتباس الحراري تختلف مسبباتها عن الظاهرة البيئية سيئة السمعة (ثقب طبقة الأوزون) إلا أن الدروس البيئية التي يمكن أن استنباطها من النجاح النسبي لشعوب ودول العالم في التخفيف من مشكلة ظاهرة ثقب الأوزن  ربما تحفّز حكومات العالم أنها على نفس النسق يمكنها أن تساهم في تقليل مشكلة التغير المناخي الأكثر صعوبة. في الواقع هذه بالضبط فحوى رسالة الامين العالم للأمم المتحدة الحالي أنطونيو غوتيريس الذي صرح قبل عدة أيام وفي مناسبة (اليوم العالمي لحماية طبقة الأوزون) بأنه يجب نأخذ ( الالهام ) من النجاح النسبي في تقليل مشكلة ثقب الاوزون لتحفيزنا لبذل المزيد في التصدي لمشكلة الاحتباس الحراري والتغير المناخي.
منذ عام 1994م وأغلب دول العالم المتقدمة تحتفل بيوم الاوزون Ozone Day في 16 من سبتمبر وهو اليوم الذي اعتمدته الجمعية العامة للأمم المتحدة للتأكيد على أهمية اتفاقية مونتريال Montreal Protocol وهي المعاهدة دولية التي تهدف لحماية طبقة الاوزون وتم توقيعها في 16 من سبتمبر لعام 1987م. ولكن ما يميز الاحتفالات والفعاليات الدولية ليوم الاوزون لهذه السنة أنه تم قبل فترة قصيرة وفي مطلع شهر يونيو الماضي أن أعلن علماء وكالة الفضاء الامريكية ناسا تأكدهم من الناحية العلمية ان طبقة الاوزن بالفعل قد بدأت في التعافي وأن ثقب الاوزن نقص بمقدار 20% عن اقصى اتساع مرصود له.  وهذا هو الدرس البيئي المهم وهو أن الحضارة البشرية كما قد تسببت في تلوث البيئة والاضرار بها فإن (الاعتراف بالذنب) وبذل الجهد الصادق في تصحيح الخطأ يمكن أن يساهم في تقليل تدهور الطبيعة. ولهذا بعد سنوات من منع وحظر تصنيع واستخدام الغازات الكيميائية المضرة بطبقة الاوزن (مركبات الكلوروفلوكربون CFCs) أنعكس ذلك في تخفيف كارثة ثقب الاوزن الحامي للكائنات الحية.
يقال أن كوكب الارض بدون طبقة الاوزن كالبيت بدون سقف وعلى هذا النسق فهل الحلم بالأرض اللطيفة والباردة Cool Earth بعد تفاقم مشكلة الاحتباس الحراري يمكن تحقيقه إذا تضافرت جهود دول العالم لتفعيل اتفاقية كيوتو Kyoto Protocol الموقعة منذ عام 1992م والهادفة للحد من ارتفاع زيادة تركيز الغازات الكيميائية المسببة لظاهرة الاحتباس الحراري.

وبالعودة للتاريخ القريب يعجب المرء كم تنامت ثقافة الشعوب البشرية ووعي الحكومات الدولية لضرورة الاهتمام بالبيئة والمحافظة عليها. حتى عقود ليست بالبعيدة لم تتجذر بعد الظاهرة الحضارية الراقية المتعلقة بحماية البيئة Environmentalism بل تعرض بعض الرواد من حماة البيئة وحراس الطبيعة للتقريع والتشنيع لأن أغلب الناس في تلك الازمان لم يسبق لهم أن يسمعوا أي شيء على الاطلاق يتعلق بحدوث كارثة تلوث البيئة.
حتى منتصف الستينات من القرن العشرين أي قبل حوالي خمسين سنة كان من يحذر من خطورة التلوث الكيميائي للبيئة يعتبر كم يصرخ في البرية ولا يسمعه أحد. أحد أهم الكتب التي أثرت في مسار البشرية في النصف قرن الاخير هو (الربيع الصامت) للكاتبة والعالمة الامريكية راشيل كارسون وهو الكتاب الذي اعتبرته مجلة ديسكفري في المرتبة 25 من بين أهم الكتب في جميع العصور. والسبب في أهمية هذا الكتاب أنه أول من دق ناقوس الخطر ولفت الأنظار لكارثة تلوث البيئية بالمبيدات الحشرية التي تسبب تناقص اعداد الطيور البرية ومن هنا المصير المفجع للطبيعة الصامتة. في الوقت الحالي تعتبر راشيل كارسون من المشاهير ولو طائل بها الزمن لتم تكريمها بدون شك بمنحها جائزة نوبل للسلام كما حصل مع شخصيات اقل منها بكثير في جهود حماية البيئة (منهم نائب الرئيس الأمريكي آل غور وعدد من النساء النشاطات في مجال البيئي).
ولكن نظرا لأن مفهوم (حماية البيئة) هي فلسفة ايدلوجية وحركة اجتماعية متصادمة مع بعض القطاعات الحكومية والصناعية ولهذا تم شن حرب شعواء لا تزال مندلعة حتى الان علي الناشطين Environmentalist في مجال حماية البيئة. عندما أطلقت السيدة راشيل كارسون صرخة التحذير الاولى صرخ العديد في وجهها لإسكاتها بل واجهت تشنيع مخزي من بعض العلماء الذين كتب أحدهم مقالة قاسية جداً في مجلة الجمعية الكيميائية الأمريكية بعنوان: أخرسي آنسة كارسون (Silence, Miss Carson) و لهذا ليس عجباً أن تتوفى هذه العالمة بعد سنتين فقط من هذه الأحداث الساخنة وهي بعد في الـ 57 من عمرها.
  الغريب في الأمر أنه في وقت كانت الحرب الشعواء تشن ضد الآنسة كارسون لأنها حذرت من خطورة تلوث البيئة بمبيد DDT الذي تسبب في نفوق وقتل فراخ الطيور نجد أنه قبل ذلك بسنوات تم تكريم عالم الكيمياء السويسري بول مولر بمنحه جائزة نوبل في الطب لأنه أخترع هذا المبيد السيء السمعة الان.
 وعلى نفس نسق اضطهاد الرواد من حماة البيئة نجد أن نفس المأساة تكررت مع عالم الكيمياء الامريكي كلير باترسون والذي ناضل في فترة الستينات ضد اضافة مركبات الرصاص لوقود البنزين وما يسببه ذلك من العديد من الامراض الصحية والمشاكل البيئية.
وبالرغم من شهرته العلمية إلا أن الشركات الصناعية الكبرى نجحت في ايقاف جميع الدعم المادي لأبحاثه كما شوهت سمعته بأنه مجرد (فني مختبر technician) بدون أي موثوقية علمية لأبحاثه بالرغم من شهرته العالمية الطاغية التي اكتسبها بعد نجاحه في استخدام نظائر عنصر الرصاص للتحديد الدقيق لعمر كوكب الارض. وبمناسبة ذكر مركبات عنصر الرصاص وتسببها الشنيع في تلوث البيئة لعلنا بعد ذكر رواد حماية البيئة وحراسة الطبيعة أن نشير إلى أكثر عالم تسبب في تلوث البيئة والذي تم تصنيفه كصاحب أسوء الاختراعات في التاريخ ألا وهو الكيميائي الامريكي توماس ميدجلي الذي ارتبط اسمه بالملوثات البيئة سيئة الذكر unspeakable والتي مع ذلك له معها قصص طريفة ربما مما يستملح أن يتم ذكرها.
على العكس من رواد حماة البيئة الذي ناضلوا لمنع استخدام المواد الملوثة كما هو حال راشيل كارسون و كلير باترسون وأليس هاميلتون نجد أن توماس ميدجلي كافح بكل وسيلة يملكها لضمان عدم منع مركباته الكيميائية التي أخترعها. عندما أخترع ميدجلي غاز الفريون في عام 1928م واقترح استخدامه في تبريد الثلاجات وجدت بعض الشكوك في أنه قد يكون ضار بالصحة (قبل أن يثبت لاحقا أنه سبب ثقب الاوزن). ولكي يثبت ميدجلي سلامة اختراعه الغازي قام أمام جمع من الناس والمراسلين الصحفيين باستنشاق غاز الفريون لفترة من الزمن. وتكرر هذا الأمر معه مرة أخرى عندما أخترع مركب رابع إيثيل الرصاص (المضاف لوقود البنزين لمنع حدوث الفرقعة في المحرك) وبسبب الشكوك المتزايدة في سمية هذا المركب قام ميدجلي بحركته الاستعراضية نفسها حيث قام أمام الصحفيين بسكب سائل رابع إيثيل الرصاص على يديه ثم أخذ يستنشق ابخرته لمدة دقيقة. وفي واقع الأمر أن ميدجلي كان يعرف أنه رجل كاذب ومخادع حيث أنه شخصيا قد أصيب قبل ذلك بعدة أشهر بمرض خطير من جراء أصابته بالتسمم بعنصر الرصاص ولم يقترب أبداء من مخترعه الكيميائي إلا في ذلك اليوم الذي قابل فيه الصحافة !!!.

البعد الديني للقضايا البيئية
بالرغم من كل المرارة التي نالت الرواد من حماة البيئة وحراس الطبيعة إلا أنه عبر العقود تنامت الموجة البيئية لدرجة أنها اكتسحت معارضة الشركات الصناعية الكبرى واجبرت الدول والحكومات على التضحية بمليارات الدولارات الناتجة من حضر المواد الملوثة للبيئة وإنتاج بدائل (خضراء) لها. الدراسات والقياسات العلمية الحالية تشير لتلاشي أي بقايا مضرة للمبيدات الحشرية الخطرة مثل DDT والملاثيون وانخفض مستوى التلوث بعنصر الرصاص في دم البشر بنسبة قد تزيد عن 90% بعد حضر اضافة الرصاص للوقود كما تقلص حجم ثقب الاوزن حوالي 20% كما سبق وأن ذكرنا. كل هذا حصل بسبب زيادة وعي عامة الناس بأضرار تلوث البيئة ومن ثم أصبحوا ورقة ضغط على المرشحين السياسيين بعدم التصويت لهم إذا لم تكن القضايا البيئية في قائمة برنامجهم الانتخابي. ونستطيع أن نلمح زيادة (الثقافة البيئية) من حرص الشركات الصناعية للتوضيح في اعلاناتها التجارية أن منتجاتها: صديقة للبيئة أو أنها منتجات خضراء غير ضاره بالطبيعة.
 لقد كان من الاساليب المتبعة في زيادة الوعي البيئي هو الاستفادة من حقيقة أن كل الاديان السماوية وأغلب الاديان البشرية تحث على المحافظة على البيئة وحماية الطبيعة الأم.
لقد شعر العديد من العلماء بالأثر الكبير للدين على تغيير سلوك البشر ولهذا لم يتردد بعض مشاهير العلماء (الملحدين) مثل عالم الفلك كارل ساغان وعالم الاحياء ستيفن جي جولد وعالم الفيزياء هانز بيته الحاصل على جائزة نوبل  على المشاركة الفاعلة فيما يسمى (المنتدى الدولي للقادة الروحيين والبرلمانيين). هدف هذا المنتدى إلى حشد عدد كبير من الشخصيات المؤثرة في المجال الديني والعلمي والسياسي لمناقشة قضايا البيئة وخلال هذا الصيف واثناء قراءتي لآخر كتاب ألفه العالم المشهور كارل ساغان قبل وفاته (Billions and Billions) والذي خصص للقضايا البيئة عدة فصول من هذا الكتاب، لفت نظري تعبير هذا العالم الملحد عن سعادته في المشاركة في مؤتمر يناقش القضايا البيئة في وجود عدد كبير من رجال الدين.
في الاجتماع الاول لهذا المنتدى الذي تم في مدينة اكسفورد البريطانية عام 1988م ذكر كارل ساغان أنه شارك فيه المفتي السابق للجمهورية السورية الشيخ أحمد كفتارو بالإضافة لكبار رجال الدين المسيحي واليهودي بالإضافة للشخصيات الدينية الهندوسية والبوذية. وبعد عدة اجتماعات لهذا المنتدى اهمها كان في موسكو ومدينة كيوتو اليابانية تم انشاء تجمع خاص يحمل اسم: المناشدة المشتركة بين العلم والدين لأجل البيئة (Joint Appeal of Science and Religion for the Environment) والذي اقترح أو توضع خطة عمل للتعريف بالقضايا البيئة لجميع رعايا الاديان من خلال الخطب أو تقديم الصلوات أو التعليم أو حتى اثناء الاستشارات الدينية. وقد تم الحث على مناقشة المشاكل البيئة مع جموع المشاركين في الاجتماعات الدينية بل وحتى التشاور معهم حيال أفضل الطرق للتغلب على مشكلة ثقب الاوزون بالامتناع على سبيل المثال.

كما هو معلوم فإن دين الاسلام من الاكثر الاديان (الصديقة للبيئة) إذا صح التعبير وإذا أقيم في الغرب منذ حوالي خمس وعشرين سنة منظمة الصليب الاخضر الدولية Green Cross الهادفة لحماية البيئة فأمة الاسلام أحق بالبيئة من غيرها وإن لم يتم أنشاء (منظمة الهلال الأخضر الدولية) Green Crescent فلا أقل من تفعيل تعالم الاسلام في هذا المجال.
إن الدين الخالد قد سن لاتباعه شرائع تصب بشكل أو بأخر في مصلحة البيئة وهي شرائع متعددة ومتنوعة تبدأ من إماطة الأذى عن الطريق والرفق بالحيوان وتنتهي بإقامة المناطق المحمية (الحرم في العرف الشرعي). لقد علّم الإسلام أتباعه أنه إذا قامت القيامة و في يد أحدنا فسيلة نخل فليغرسها و هي التي لن تثمر إلا بعد سنوات طوال وهذا الدين هو الوحيد الذي قد يكافئ معتنقيه بالجنة إذا رفع أحدهم الشوك عن طريق البشر فما بالك بمن يزيل أذى ملوثات العصر الحاضر الأكثر ضراراً وفتكاً.
 منذ سنوات طوال وبعض الاصوات ترتفع بالمطالبة (بتجديد خطبة الجمعة) وهذا ما تم أنجازه بالفعل في مجال محتوى خطبة الجمعة التي يطرح فيها بعض الخطباء مواضيع تناقش القضايا الاجتماعية والاسرية والمشاكل النفسية وكذلك الصعوبات التربوية وإن كانت بعض القضايا المتعمقة في البيئة والاقتصاد والفكر لم تشهد طريقها إلى اسماع المصلين. قبل عدة سنوات حصل نقاش حاد حول استعمال وسائل التقنية الحديثة (مثل الشاشات والبروجكتور) في تحديث اسلوب تقديم خطبة الجمعة وهو ما ووجه بممانعة حاسمة فهل هذا هو مصير طرح القضايا البيئة المتعمقة من خلال خطبة الجمعة. بكل الصدق لا أعلم هل سوف أكون مؤيد أم لا أن أستمع لخطيب يتحدث عن مركبات الكلوروفلوروكربون CFCs ودورها في ظاهرة ثقب الاوزن أو خطيب يناقش ضرورة تمكن العلماء من تطوير مواد تساعد في تخزين الكميات الزائدة من غاز ثاني أكسيد الكربون (CO2 capture) المسبب لمشكلة الاحتباس الحراري والامطار الحمضية. وبلا شك سوف تكون تجربة فريدة أن أرصد تأثر المصلين في صلاة الجمعة لوصف الخطيب لمأساة تعرض دب الباندا للانقراض أو تدهور حالة الشعب المرجانية في الحيد المرجاني العظيم شمال استراليا !!!.


الجمعة، 5 أكتوبر 2018

( في هجاء الشركات )

الوحدة أفضل من الرفقة (والشركة) السيئة
د/ أحمد بن حامد الغامدي

أحد أشهر الكتب الطريفة وبليغة التأثير في نفس الوقت التي ظهرت في بدايات عصر النهضة الاوروبية كان كتاب الفيلسوف الهولندي إراسموس الذي حمل عنوان (في مديح الحماقة) in praise of folly القائم على نقد منهجية تفكير أهل ذلك الزمن. عنوان وأسلوب الكتاب كانت صادمة وناجحة في فتح مجالات النقاش للقضايا الشائكة والخلافية ولهذا تم عبر القرون استخدام نفس العنوان (في مديح ....) لمناقشة أمور متعددة مثل: إضاعة الوقت، البرابرة، الهراء، البيروقراطية، الظلام، الصراع، الالم ...والقائمة تطول. مثل هذا الاسلوب الطريف نجد له أصول وشواهد في تاريخنا العربي القديم كما في كتاب (فضل الكلاب على كثير ممن لبس الثياب) أو كتاب الجاحظ المشهور لرد الاعتبار (البرصان والعرجان والعميان والحولان) أو كتاب فضل السودان على البيضان.
مثل هذه الكتب القائمة على اسلوب صدمة القارئ هي (تمرين عقلي) وتدريب معرفي لفن الجدال والنقاش والاقناع وفتح باب الحوار حول قضايا متعددة الابعاد ووجهات النظر ولهذا في المقابل قد نجد كتب أو مقالات وأطروحات تدور حول (هجاء أو ذم واستنقاص) أمور وقضايا ومواقف يعتقد العديد من الناس أنها فوق مستوى النقد. وعليه قد تجد من يؤلف كتاب في (نقد النقد) أو في ذم النعيم والفردوس أو هجاء التلفزيون فضلا عن كتب نقد التحديث والحضارة المدينة واللغة و ... الخ.

وعلى هذا النسق سوف نفكر بمنطق (خارج الصندوق) عندما نناقش موضوع الشركات والهيئات التجارية التي هي عصب الاقتصاد ومحور نهضة الامم ومع ذلك لها جانبها المظلم والقبيح. يوجد كتاب فكري ذائع للأديب والروائي الياباني تانيزاكي سماه (في مديح الظلال) أظهر فيه احتفاء الثقافة والحضارة اليابانية القديمة بالظلام والظلال أكثر من النور الباهر ولهذا عبر الصحفي المصري علاء الديب المختص بالتعريف بالكتب بأن ذلك الكتاب ربما يصح إعادة تسميته ليكون (في هجاء الكهرباء).
قد يكون المفكر الياباني تانيزاكي متمحك ومبالغ حتى يظهر لنا معائب ومصائب النور الباهر والكهرباء ولكن في المقابل هل يبالغ أحدنا عندما يقول أن ( منظومة الشركة التجارية ) بها خلل.
حتى لو لم تصل الشركات والمؤسسات التجارية لحالة ( التوحش الرأسمالي ) السافر فهي مع ذلك لا تخلو من ضحايا كثر:
من بعض عمال الشركة المطحونين
او من الاستغلال للمستهلك 
او تقصد الاضرار بالمنافسين من الشركات الصغرى
ولا أقل بالطبع من التسبب بتلوث البيئة

بلا شك الفكر الشيوعي والماركسي حارب بشراسة الرأسمالية وشركاتها ومع ذلك أنتج ما هو اسوأ منها وخنق انسانية البشر بالإلحاد والاستبداد المطلق. ومع ذلك نجد كبار الفلاسفة والمفكرين المعاصرين مقل البريطاني بيرتراند راسل والامريكي نعوم تشوميسكي يحذرون من وجود خلل ما في النظام الاقتصادي للأسواق الحرة ولهذا مالوا أكثر للأفكار الاشتراكية المخففة. بل أن الاغرب من ذلك أن عالم الاقتصاد الامريكي جوزيف ستيجلز الذي حاز جائزة نوبل في الاقتصاد لعام 2001م وأحد اهم موظفي البنك الدولي أنقلب على (العولمة الاقتصادية) واصبح من أشد المحذرين من كوارث السياسات المالية الاقتصادية. وفي واقع الأمر التوجس من خطورة الانفلات الرأسمالي وضرورة تحجيمه بالمفاهيم الاشتراكية أمر قديم في قلب العالم الغربي بل نتج عن ذلك تيار سياسي مؤثر ومسيطر على المناخ الانتخابي في بعض الدول الهامة مثل فرنسا وايطاليا واسبانيا.

وبالانتقال من دهاليز السياسة إلى أروقة الأدب لن نستغرب كثيرا تغلغل الظلال الاشتراكية إلى دنيا الادب والفن في صور شتى من التشنيع بالبرجوازية إلى نضال العمال واتحاداتهم وبؤس البروليتاري وازمة الانتاج وتوزيع الثروات والصراع الطبقي. الاعمال الروائية للأديب الروسي مكسيم غوركي أو الرمز الفرنسي البارز جان بول سارتر والانجليزي المشاغب جورج أورويل أمثلة بارزة في الأدب الاشتراكي بصورة. عامة لكن فيما يتعلق بالروايات الادبية الناقدة (لبيئة الشركات وظلم العمال) ربما نحتاج للتفتيش في أعمال أدبية أقل شهرة وإن كانت لمؤلفين ذوي شهرة عالمية وبعضهم حصل على جائزة نوبل في الادب.
الرواية الابداعية الشهيرة (عالم جديد شجاع) للكاتب البريطاني ألدوس هكسلي أو رواية (عناقيد الغضب) للأديب الامريكي البارز جون ستاينبيك (الحاصل على جائزة نوبل في الادب لعام 1962م) وكذلك رواية (الكعب الحديدي) للأمريكي جاك لندن فيها إيحاءات بينه لخطورة أن يضل مدراء الشركات الطريق ويتسببوا في شقاء البشرية إما باختراعاتهم الخطيرة أو قهر وظلم العمال.
قد تكون رواية (الشركة) Company للمؤلف الاسترالي ماكس باري رواية ادبية غير مشهورة لكن محور هذه الرواية ربما تردد شيء من صداه في مجتمعنا الاسبوع الماضي. تدور الرواية عن شاب موهوب وطموح يدعى ستيفن جونز يعمل في شركة في مدينة سياتل ومنذ البداية لمع نجمه ولفت الانظار إليه ثم بدأ في صعود سلم النجاح المهني ليدخل في أدغال الصرعات والاسرار والبيئة المشبوهة داخل تلك الشركة الخيالية. في دنيا الاعمال والاقتصاد تتردد مقولة (الشركات الكبرى لا تهتم كثيرا بموظفيها) على العكس من الشركات الصغرى التي تكون بيئتها الادارية أكثر (حميمية واسرية). ولهذا تكثر المشاكل والصرعات في بيئة الشركات التي لا يكتمل نجاح قادتها ورؤسائها إلا بالوقف على أكتاف من تحتهم من صغار الموظفين.

في اللغة الانجليزية كلمة company تعني شركة كما تستخدم كذلك بمعنى (الرفيق و الزميل) ولذا لا أعلم هل (الشاب عمر) الذي أثار استغراب مجتمعنا المحلى باستقالته من تلك الشركة الكبرى، كان يقتدي بالحكمة التي قالها الرئيس الامريكي جورج واشنطن : من الأفضل أن تكون وحيدا بدلا من أن تكون في شركة/رفقة company سيئة. وهذا ما قام به الشاب عمر حيث بعد استقالته أصبح وحيدا في شركته الصغيرة الخاصة. المشكلة في دنيا الشركات أن بعض الموظفين ينطبق عليهم توصيف أنهم أسرى (عبودية الراتب) wage slavery ولأنه ليس له مصدر دخل آخر غير أجره من عمله أو بسبب أن راتبه الذي يتقاضاه عالي جدا لذا نجد أن الغالبية من الموظفين يفضل الاستمرار في بيئة عمل الشركات الطاحنة. نخبة ضئيلة جدا من الموظفين تحرص على الاستقلالية وتحقيق الذات وبالتالي ترفض الاجحاف الذي قد يقع عليها. وهذا يفسر لماذا سارع الشاب عمر بالاستقالة الغريبة من تلك الشركة الكبرى بالرغم من ضخامة الراتب الذي كان يناله.

قديما قرر المتنبي الحقيقة الصادمة (ذو العقل يشقى في النعيم بعقلهِ) فبعض البشر لا يرضى بما يرضى به عامة الناس ويسعى للحرية والانطلاق من القيود فالعقل والفهم يمكن أن يتسبب في الشعور بالمأساة والاحباط (intelligence brings tragedy) ولهذا نجد بعضهم أقرب للممانعة وعدم قبول بالمألوف والاستسلام له وأبعد عن القابلية للاستغلال والاستغفال.




السبت، 22 سبتمبر 2018

( حرب الاستنزاف بين فخامة الرئيس وصاحبة الجلالة )

خط الجبهه بين سلاح المدفعية الرئاسية وسلاح المدفعية الإعلامية

د/ أحمد بن حامد الغامدي

طوال التاريخ الأمريكي عانى العديد من رؤساء الولايات المتحدة من مزاحمة ومشاكسة (السلطة الرابعة) وهي وسائل الإعلام وبالذات الصحافة التي تلقب بالحق أو بالباطل (بصاحبة الجلالة). وبحكم الدور الرقابي الجماهيري لوسائل الإعلام والصحافة على السلطة التنفيذية وعلى قمتها رئيس الدولة أو رئيس الوزراء يمكن أن نفهم أن اللقب الثالث للصحافة والإعلام (مهنة المتاعب) أنه يعني فيما يعني إثارة المتاعب والقلاقل والصداع لصاحب السلطة. من هذا وذاك ربما نستوعب ألان لماذا أعلن الرئيس الأمريكي ترامب الأسبوع الماضي شن (الحرب على الإعلام) War on the Media وكذلك وصف ترامب لرجال الصحافة ومراسلي وسائل الإعلام بأنهم (أعداء الشعب الأمريكي).
 الاتهامات والخصام المتبادل بين رجال السلطة وبين وسائل الإعلام القديمة (الصحافة) أمر معلوم منذ عقود طويلة خصوصا مع صحف الإثارة الشعبية (صحف التابلويد في بريطانيا أو الصحف الصفراء في أمريكا). لكن ما استجد في الفترة الأخيرة هو حرب الاستنزاف وكسر العظم بين رجال السياسة وبين وسائل الإعلام الحديثة لدرجة المهاترات بين الرئيس الأمريكي وبين الشبكة الفضائية CNN التي وصفها بأنها قناة كاذبة أو تهجمه على الموقع الالكتروني العملاق موقع محرك البحث جوجل واتهامه بأنه مزور. الاجواء المحتقنة بين تلك الخصوم ينتج عنها تصرفات غريبة في خطة الجبهة الفاصل بينهما: ففي المؤتمرات الصحفية للحكومة الامريكية يتم التجاهل المهين لمراسلي وسائل الإعلام المشاكسة ولا يسمح لهم بطرح الاسئلة بل وصل الأمر حتى إلى سحب تراخيص الدخول لبعضهم ومنعهم من حضور اللقاءات الصحفية اليومية في البيت الأبيض.
وكما هو متوقع كان رد وسائل الإعلام سريع وفي العمق لدرجة أنه لأول مره في تاريخ الصحافة الأمريكية يسند كتابة (المقال الافتتاحي) في جريدة النيويورك تايمز (أهم جريدة في العالم على الإطلاق هي والواشطن بوست) لتسريب خطير من شخص متعاون مع الصحافة من داخل الطاقم الإداري في البيت الأبيض يصف نفسه بأنه: عضو في المقاومة ضد الرئيس. كما تم تنظيم حملة ضخمة اشتركت فيها حوالي 300 وسيلة إعلامية تهدف إلى إدانة واسعة لما أسمته بالحرب القذرة من الرئيس على وسائل الإعلام.

شواهد التاريخ المتكررة تثبت أن مهنة البحث عن المتعاب (الصحافة) بالفعل قد تسببت في العنت والعيش الضنك لبعض أباطرة وكبار رجالات السياسة. فضيحة ووترغيت التي تسببت في إجبار الرئيس الامريكي ريتشارد نيكسون على الاستقالة ما كان لها أن تأخذ هذا الزخم لولا ملاحقة المحقق الصحفي المشهور بوب وودورد ونشره المتتابع عن  خبايا وتسريبات القضية في صحيفة الواشنطن بوست ذات التأثير الطاغي. وقد كان للكتاب الذي قام بتأليفه روبرت (بوب) وودورد عن فضيحة ووترغيت والذي حمل عنوان (كل رجال الرئيس) دور مؤثر في تحديد أطر النهاية السياسية المذلة للرئيس نيكسون. وجدير بالذكر أن وودورد قد قام هذا الاسبوع بنشر مقتطفات عن كتاب صاعق جديد يتعلق بالرئيس الامريكي الحالي أطلق عليه اسم (الخوف Fear) يدور عن الفوضى والتخبط داخل أورقة البيت الابيض خصوصا في القضية الاخيرة المتعلقة بتحقيقات المفتش مولر ضد الرئيس. وتجدر الاشارة بهذه المناسبة إلى أن البعض يلقب الصحفي بوب وودورد بكاشف أسرار البيت الابيض فهو صحفي مشاكس تسبب في الكثير من الحرج للرئيس الامريكي جورج بوش الابن عندما نشر كتاب (خطة الهجوم) وهو عن كوارث الحرب الامريكية في العراق كما له كتاب آخر حمل عنوان (حروب أوباما). أما بخصوص ردة فعل الرئيس نيكسون حيال وسائل الاعلام المناهضة له فإنه حاول أن يلغي ترخيص إحدى القنوات التلفزيونية التابعة لجريدة الواشنطن بوست كما أنه كان يحذر طاقمه الاداري من خطورة الاعلام ويقول لهم (الصحافة هي عدوتكم).  كما أشتهر عن نيكسون أنه أعدّ ما سماه (قائمة الأعداء) والتي اشتملت على حوالي خمسين شخصية من رجال الصحافة وبعضهم صدر ضدهم حظر ومنع من دخول البيت الابيض أو السماح لهم بحضور المؤتمرات الصحفية للرئيس الامريكي. 
الرئيس الامريكي الثاني الذي تضرر كثيرا من الاعلام وخسر منصبه القيادي هو الرئيس ليندون جونسون الذي كان الرئيس الامريكي الوحيد الذي لم يستطع توظيف عدم رغبة الشعب الامريكي في تغيير الرؤساء وقت الحروب كما حصل مع الرئيس ويلسون أثناء الحرب العالمية الأولى والرئيس روزفلت خلال الحرب العالمية الثانية والرئيس جورج بوش الابن بعد حرب العراق الثالثة. في الواقع توافقت الانتخابات الامريكية الرئاسية عام 1968م مع قمة زخم حرب فيتنام الكارثية وبالرغم من وجود أكثر من نصف مليون جندي في ساحات القتال تلك إلا أن الشعب الامريكي فضل اسقاط الرئيس جونسون بالرغم من اصلاحاته الداخلية الملموسة فيما يتعلق بالحركة المدينة أو حقوق السود. مشكلة الرئيس جونسون كانت مع الصحافة ووسائل الاعلام التلفزيونية التي نقلت للشعب الامريكي وبشكل صاعق فضائع الحرب الطاحنة في فتنام والخسائر الهائلة للجنود الامريكان وحرق قرى الشعب الفيتنامي المقهور. ولهذا كان اداء الرئيس جونسون في الانتخابات الامريكية ضعيفا جدا ومخزيا لدرجة أنه خرج من الادوار التمهيدية الاولى ولم ينجح حتى بضمان ترشيح الحزب الديمقراطي له. وبهذا نعلم سبب المرارة التي شعر بها الرئيس جونسون حيال الصحفيين وخصوصا المشرفين على جريدة النيويورك تايمز حيث وصفهم في محادثة خاصة  بأنهم (شلة من الشيوعيين
a bunch of commies).

السردية التاريخية للصراع بين الرئاسة والإعلام
ساحات القتال والتراشق بين فخامة رؤساء أمريكا وبين سفراء صاحبة الجلالة (الصحافة) أمر متجذر في تاريخ الولايات المتحدة الامريكية ويعود إلى حقبة الاباء المؤسسين للأمة الامريكية. وإذا كان رجال الصحافة يتسلحون بالتعديل الأول First Amendment للدستور الامريكي الذي تم اعتماده عام 1791م والذي يكفل في جزء منه حرية التعبير عن الرأي ويمنع التعدي على حرية الصحافة إلا أن الرد الرئاسي كان حاسما وإن تأخر بعض الشيء. فالرئيس الامريكي جون آدمز (ثاني رئيس للولايات المتحدة) اصدر بعد ذلك بسبع سنوات أي عام 1798م القانون الصاعق المسمى (قانون منع التحريض على الفتنة  Sedition Act) والذي جعل من نشر أي نقد للحكومة جريمة يعاقب عليها القانون !!. هذه المهزلة القانونية لم تستمر طويلا في التاريخ الامريكي فبعد وصول الرئيس الامريكي الثالث توماس جيفرسون للسلطة ألغى هذا القانون المثير للجدل وقال عبارته المشهورة (أنا أفضل صحافة بدون حكومة على حكومة بدون صحافة) ومع ذلك لاحقا عبر جيفرسون نفسه عن امتعاضه من الصحافة عندما قال (الرجل الذي لا يقرأ شيءً على الإطلاق أفضل تعليما من الرجل الذي لا يقرأ إلا الجرائد).

بلا شك إن أكثر فترة يتعرض فيها الرؤساء لحرب الاستنزاف مع الصحافة غالبا ما تحصل وقت الحروب وانشغال الحكومة بمشاكل الصراع الحربي مع الدول الأخرى. ولهذا نجد أن الرئيس الامريكي وودرو ويلسون أثناء سنوات الحرب العالمية الاولى يفرض الرقابة على التقارير الصحفية التي كان يخشى أن تؤثر على الجهود الحربية لحكومته كما أنه أنشأ ما سُمي (لجنة الاعلام الأمني) لمحاولة توجيه الرأي العام لدعم موقف الحكومة من الحرب. وعلى نفس النسق تقريبا نجد أن الرئيس الامريكي فرانكلين روزفلت كان شديد الصرامة ضد تأثير الصحافة أثناء سنوات الحرب العالمية الثانية وكما فعل سلفه السابق انشأ روزفلت (لجنة الاتصالات الفيدرالية) التي تهدف لخمد أي أخبار صحفية مضره للحكومة كما أنه حاول اصدار قانون من الكونجرس سمي مشروع قانون التشهير Libel Bill يهدف لتجريم نشر أي تقارير صحفية حساسة تضر بالحكومة أثناء الحرب.

وفي الختام يمكن استعراض أمثلة متكررة طوال التاريخ الامريكي لحالة الشحناء والتنافر بين الصحافة والاعلام وبين أبرز وأشهر رؤساء الولايات المتحدة مثل لينكون وثيودور روفلت وايزنهاور وكيندي وكارتر وريجان وكلينتون ومع ذلك تبقى (القوة الناعمة) في المجتمع الامريكي مثل حرية التعبير عن الرأي هي من أهم الضمانات لسلامة الامة الامريكية ومقدرتها على التصحيح الذاتي وتخطي الازمات والاخطاء المقترفة في دهاليز السياسة.

الاثنين، 17 سبتمبر 2018

( اينشتاين .. تاريخ حافل بالفشل !! )

التلميذ أينشتاين .. أشهر تلميذ متعثر في التاريخ

د/ أحمد بن حامد الغامدي

بلا جدال يعتبر عالم الفيزياء الالماني الأصل ألبرت أينشتاين اسطورة العلم الحديث وأحد أشهر الشخصيات المعروفة على مستوى العالم وهو بهذا رمز للنجاح والتوفيق وحسن الطالع. في تصور البعض قد يكون اينشتاين رمز وتجسيد ملموس لما يمكن وصفه (بأيقونة النجاح) ومن كان بعبقرية وتفوق اينشتاين يصعب أحيانا تخيل أنه قد ذاق مرارة الفشل. ومع ذلك فإن أحد أسرار نجاح اينشتاين أنه مثال واقعي للمقولة الحكيم للداهية السياسي البريطاني وينستون تشرشل (النجاح هو القدرة على الانتقال من فشل إلى فشل آخر من دون فقدان الحماسة).
النجاح رحلة مستمرة تمر على عدد كبير من محطات الاخفاق ولهذا مع استعدادنا جميعا يوم غد الأحد (للعودة للمدارس) يجب أن لا نقسوا كثيرا على أبنائنا الطلاب إذا واجهتهم بعض الكبوات أثناء صعودهم لسلم النجاح. قبل حوالي سنتين وفي مثل هذه الاجواء لاستقبال العام الدراسي الجديد كتبت مقال حمل عنوان (العودة للمدارس ..  لحظة كئيبة في طفولة عباقرة العلماء) تم الاشارة هنالك للبيئة المدرسية الكئيبة التي سببت الفشل المؤقت لكبار ومشاهير العلماء والمخترعين مثل نيوتن واينشتاين واديسون ودارون وثمانية علماء آخرين ممن حصلوا على جائزة نوبل.
 وهنا سوف نكمل فقط مسيرة حياة شيخ مشايخ قبيلة العلم اينشتاين والاخفاقات والفشل المتكرر في تاريخه وفي جميع مناحي حياته التعليمية والمهنية والبحثية لنعطي لمحة سريعة عن the Other Einstein الوجهة الاخر لأينشتاين. ومن صفحات كتاب حياة هذا (العالم) نثبت خطأ مقولة الاديب الانجليزي أوسكار وايد الذي قال: النجاح هو (علم) .. إذا حققت الظروف تنال النتيجة.

السجل الأكاديمي لأينشتاين .. إخفاق متواصل
مشكلة (صعوبات التعلم) أبعد ما تكون مرتبطة في ادراكنا بشخصية علمية في قمة العبقرية مثل اينشتاين لكن هذا هو الواقع بكل ما فيه من غرابة ودورس في طبيعة واقع الحياة. توجد اشارات تاريخية موثقة للحياة المبكرة لأينشتاين أنه تأخر في النطق والكلام إلى حوالي السن الثالثة من عمره كما يشاع أنه كان يعاني من مشكلة عسر القراءة Dyslexia وإن كان خبر تأخر قدرته على القراءة لسن متقدمة أقرب للخرافة من الحقيقة التاريخية الثابتة. ومع ذلك وباعتراف اينشتاين نفسه فقد ذكر انه في طفولته كان يعاني من ضعف ملكة الحفظ لديه  ومن هنا حصلت الحادثة الشهيرة من أن معلم اينشتاين للغة الاغريقية كتب في سجله الدراسي (بأنه لا ينفع لشي) كما قال له أنه لن ينجح في حياته. وبالجملة كانت قدرات اينشتاين التعليمية في المدرسة تتسم بالبطيء وشورد الذهن والانعزال والمشاكسة وعدم قبول النظام وتكرار الغياب.
في سن الرابعة عشرة انتقلت اسرة اينشتاين للعيش في جنوب ايطاليا في حين ظل الفتى المراهق اينشتاين يقيم في مدرسة داخلية في مدينة ميونخ الالمانية وبعد ستة اشهر من مغادرة اسرته ترك اينشتاين المدرسة وغادر البلد. وبالرغم من الاخفاق المبكر في حياته إلا أن الخطوة الغريبة للشاب أينشتاين أنه في سن السادسة عشرة تقدم للتسجيل في المعهد التقني العريق بمدينة زيورخ السويسرية وهنا حصل أول أخفاق حقيقي في حياة اينشتاين حيث رسب في اجتياز اختبارات القبول لهذا المعهد العلمي ولهذا اضطر أن يتعلم لمدة سنة في المدرسة الثانوية السويسرية لكي يستعد لاجتياز اختبارات القبول التي فشل فيها سابقا.
أما عن الاداء الاكاديمي لأينشتاين في دراسته الجامعية فيبدو من كتاباته الخاصة أنه واجهته بعض الصعوبات الاكاديمية اثناء تلك الدراسة، فمثلا يقول أنه في وقت الامتحانات كان يشعر وكأنه ذاهب للإعدام بالمقصلة وليس ذاهب لأداء الاختبار كما أنه يعترف بأن التعليم كان صعبا عليه وانه كان يحتاج أن يسأل معلميه العديد من الاسئلة. كما أن سجله الجامعي يوثق لغيابه المتكرر عن المحاضرات الاكاديمية لدرجة أنه في أحد المقررات الجامعية لم يحضر إلا لمدة اسبوعين فقط وتغيب عن بقية المحاضرات.
كما سوف نناقش بعد قليل كانت المسيرة المهنية لاينشتاين في بداية حياته الوظيفية متواضعة ولهذا حرص منذ البداية أن يحسن فرصته بالعمل بالجامعة من خلال الحصول على درجة الدكتوراه وهي المهمة بالغة الصعوبة والالم في حياته. قصة تعثر أينشتاين (المتكرر) في الحصول على الدكتوراه معقدة ومحزنة وغريبة ونتيجة للمصاعب الحقيقية التي واجهها اينشتاين في نيل درجة الدكتوراه كتب رسالة إلى صديق مقرب يذكر فيها أنه قد تخلى عن الفكرة برمتها لأنها لن تقدم له الكثير كما أنه بدأ يشعر بالضجر من هذه (المسرحية الهزلية). على كل حال يمكن تلخيص معاناة أينشتاين في فشله في الدكتوراه كالتالي: خلال خمس سنوات من عام 1901م وحتى عام 1905م حاول اينشتاين في (ستة محاولات منفصلة) للتقدم لنيل درجة الدكتوراه من جامعة زيورخ السويسرية. في بداية الأمر كان المشرف على بحثه في الدكتوراه عالم الفيزياء الألماني هاينريش فيبر Weber وقد قام اينشتاين بتقديم ثلاثة مقترحات بحثية لهذا المشرف بل أن المقترح الثالث منها قدم علي شكل رسالة دكتوراه dissertation  مكتوبة . لكن هذا المشرف العنيد رفضها جميعا إما بحجة عدم كفاية التجارب العلمية أو رفض المحكمين لها أو عدم كتابتها بالطريقة السليمة (بل حتى كان يحتج على نوع الورق المستخدم). بعد كل هذه المعاناة قام اينشتاين بطلب تغيير مشرف رسالة الدكتوراه إلى عالم الفيزياء السويسري ألفرد كلاينر Kleiner والذي بدوره هو الاخر كرر في البداية نفس  المأساة برفض رسالة دكتوراه كتبها اينشتاين لأن فيها انتقادات علمية حادة لأحد أعمدة علم الفيزياء في ذلك الوقت الفيزيائي النمساوي الشهير بولتزمان. وفي بداية عام 1905 قدم اينشتاين الفكرة الخامسة لأطروحة الدكتوراه عن موضوع الديناميكا الكهربائية للأجسام المتحركة وقد تم رفضها لأن استاذة الجامعة الذين قاموا بمراجعتها وتحكيمها  لم يفهموها. ومن حادثة قصة رفض استاذة الجامعة للأطروحة العلمية لأينشتاين لأنهم لم يفهموها نعرف مصدر القصة المشهورة عن أخت اينشتاين مايا التي ذكرت أن اينشتاين تقدم ببحثة حول النظرية النسبية إلى جامعة زيورخ لنيل درجة الدكتوراه لكن الجامعة رفضت طلبه لأن استاذة الجامعة بدت لهم النظرية غريبة وغير مفهومة. بقي أن نقول أن العنوان العلمي الرصين (الديناميكا الكهربائية للأجسام المتحركة) هو نفسه ما اشتره لاحقا بلاسم الاكثر (شعبية) ألا وهو النظرية النسبية الخاصة. ثم في منتصف عام 1905م قدم اينشتاين الفكرة السادسة لمشروع بحث الدكتوراه ممثلة في أطروحة علمية مكتوبة تتعلق بتحديد حجم الجزيئات الكيميائية في السوائل وبحسب ما رواه اينشتاين فقد أبلغه أساتذة جامعة زيورخ أن الاطروحة الجديدة غير مقبولة تماما لأنها قصيرة جدا ويجب عليه تعديلها وهنا كان موقف اينشتاين (وربما بشيء من الدعابة) أنه أضاف جملة واحدة فقط لرسالة الدكتوراه وأعاد تقديمها للجنة المناقشة التي اضطرت لقبولها. لاحقا سوف يندم اينشتاين  على عدم قيامه بتعديل رسالة الدكتوراه لأنه لو فعل لكان جنب نفسه مهانة رفض طلبه للعمل كأستاذ جامعي !!.

المسار المهني لأينشتاين .. بداية متعثرة
كما قلنا سابقا يعتبر اينشتاين (رمز وأيقونة النجاح) ومع ذلك تبين لنا أن مسار النجاح طريق مفروش بالفعل بالأشواك وكما تعثر اينشتاين مرارا حتى حصل على درجة الدكتوراه ففي نفس تلك الفترة الكئيبة من حياته كان يجاهد للحصول على وظيفة ملائمة تعيله واسرته. في عام 1900م عندما تخرج اينشتاين من المعهد التقني السويسري كاد ان يحصل على وظيفة معيد لولا اعتراض أحد اساتذة الكلية بسبب السلوك غير الاكاديمي المشاغب لأينشتاين. بعد ذلك حاول اينشتاين أن يبحث له عن وظيفة معلم للرياضيات والفيزياء وبالفعل تمكن من التدريس بشكل مؤقت لمدة ستة أشهر في المدرسة الثانوية بمدينة فينترتور الصغيرة شمال زيورخ. وبعد التنقل في بعض المهن الصغيرة واضطراره للعمل كمدرس خصوصي وصل اينشتاين لحالة من الاحباط وهنا كتب الرسالة التي سبق ذكر أنه أرسلها لأحد أصدقائه المقربين ويذكر فيها فقدانه الأمل للحصول على الدكتوراه والعمل بالجامعة. وهنا قام هذا الصديق وبمساعدة والده في التوسط لحصول اينشتاين على وظيفته الشهيرة والمتواضعة من الدرجة الثالثة في مكتب تسجيل براءة الاختراعات بمدينة بيرن السويسرية.
وبعد أن حصل اينشتاين على شهادة الدكتوراه من جامعة زيورخ تقدم عام 1907م للحصول على وظيفة أستاذ جامعي بجامعة  مدينة بيرن Bern المغمورة ومع ذلك تم رفض طلبه تحت ذريعة أن أطروحة الدكتوراه ناقصة وغير كافية. ولهذا اضطر اينشتاين أن يتقدم بعد سنة لنفس  تلك الجامعة ولكن هذه المرة بعد تعديل وتطويل الاطروحة ومع ذلك كانت الوظيفة الجامعية التي حصل عليها اخيرا ليست وظيفة دائمة وإنما قبول (تحت التجريب) بل أن  لقبه العلمي في تلك الجامعة كان : محاضر شخصي (privatedozent). وبهذه المناسبة تجدر الاشارة إلى أن صورة خطاب رفض الجامعة لطلب اينشتاين المتداول بشكل واسع في مواقع التواصل الاجتماعي والانترنت هو خطاب مزيف . في ذلك الخطاب المفبرك يتم تعليل رفض طلب اينشتاين للوظيفة الجامعية إلى أن النظرية النسبية لأينشتاين خيالية وتم نقدها بأنها غير علمية وهذا التناقض (المزعوم) هو ما ساهم في شعبية انتشار ذلك الخطاب.
بعد هذه البداية المهنية المتعثرة كمدرس خصوصي أو كموظف مغمور من الدرجة الثالثة ثم كأستاذ جامعة مؤقت بدأت الشهرة العلمية والمكانة البحثية لآينشتاين تتزايد يوما بعد آخر فحصل على وظيفة جامعية في جامعة براغ بدرجة بروفيسور ثم انتقل منها إلى جامعة زيورخ واخيرا حصل على  منصب مدير المعهد الفيزيائي في جامعة برلين. وكما هو معلوم بعد وصول هتلر والحركة النازية للحكم في ألمانيا هاجر اينشتاين إلى الولايات المتحدة وعمل في معهد الدراسات المتقدمة بجامعة برينستون الأمريكية.
كلمة أخيرة فيما يخص (المسار المهني) لأينشتاين فهو إلى حدا ما ناقص فبحكم أن أينشتاين منذ بدايات القرن العشرين وحتى وفاته وهو يعتبر بدون منازع أعظم وأشهر شخصية علمية  وبهذا كان بإمكانية العمل في أفضل الجامعات أو المراكز البحثية العريقة والمشهورة. ولكن لأسباب غير مفهومة تماما فضل العمل في معهد الدراسات المتقدمة IAS حديث الأنشاء بالإضافة لكونه معهد علمي متخصص أكثر في علم الرياضيات. في نفس الفترة عرض علي اينشتاين العمل في جامعة أكسفورد لكنه رفض ذلك وفضل العمل في ذلك المعهد شبه المجهول (لاحقا بفضل شهرة اينشتاين تقاطر العشرات من أبرز العلماء على هذا المعهد) . لقد كان باستطاعته العمل في أهم مراكز أبحاث علم الفيزياء مثل جامعة كيمبردج أو جامعة مانشيستر التين لهما تاريخ عريق في أبرز الاكتشافات العلمية المتعلقة بالذرات وكذلك الجامعات الامريكية الشهيرة في مجال الفيزياء مثل جامعة بيركلي وهارفرد وكالتك بل وحتى جامعة برينستون نفسها ولكن في قسم علم الفيزياء وليس معهد الدراسات (الرياضية) المتقدمة. يبدو أن اينشتاين متواضع أو لا يعرف تماما ثقل قيمته العلمية بدليل أنه عندما تم التعاقد معه للعمل في جامعة برينستون طلب منه أن يحدد الراتب الذي يرغب فيه فطلب فقط ثلاثة الاف دولار في حين أن الجامعة عرفت (قيمته في سوق الاقتصادي المعرفي) ومنحته أكثر من خمسة أضعاف الراتب الذي طلبه.

أخطاء اينشتاين العلمية وهفواته
قديما قيل لكل جوادِ كبوه ولكل عالمِ هفوه وعباقرة العلم ليسوا بمعزل من هذا المصير فهم عرضه للأخطاء والهفوات لدرجة أن من الاقوال التي تنسب لأينشتاين نفسه (الشخص الذي لم يقع في أي خطأ هو الشخص الذي لم يجرب عمل أي شيء). ومع ذلك الاخطاء في بعض الأحيان ليست مجردة هفوات مقبولة ولكن قد تصل إلى حماقات علمية فاحشة يحتار الواحد منا في فهم كيف تقع من القامات العلمية الرصينة. دنيا العلم والعلماء بها العديد من التناقضات المضحكة والعجيبة من ذلك مثلا: عالم الفيزياء المجري فيليب لينارد الحاصل على جائزة نوبل في الفيزياء عام 1905م عن أبحاثه عن الاشعة المهبطية أقتنع المجتمع العلمي بتفسير اينشتاين لمصدر تلك الاشعة المهبطية وربطها بظاهرة التأثير الكهروضوئي photoelectric effect التي اقترحها اينشتاين وحصل من جرائها جائزة نوبل عام 1921م. لكن الفيزياء فليب لينارد رفض قبول تفسير اينشتاين كما رفض قبول النظرية النسبية وكان يصفها بالخدعة اليهودية. الاغرب من ذلك أن ظاهرة التأثير الكهروكيميائي التي ضمنت جائزة نوبل لأينشتاين لا يمكن تفسيرها علميا من غير القبول بنظرية ميكيانيكا الكم التي يرفضها أينشتاين !! ولك أن تعجب من علماء نوبل الذين يرفض بعضهم أبحاث بعض حتى وإن نالت جائزة نوبل !!.
بعد قرون من شبه الجمود في علم الفيزياء بدأ العلماء في مطلع القرن العشرين  يطرحون نظريات وافكار علمية غريبة ومحيرة وغير مألوفة مثل النظرية النسبية ونظرية الكم. ولهذا لم يكن مستغربا بطء تقبل المجتمع العلمي لهذه الافكار بل أن اينشتاين بعد أن طرح فكرة النظرية النسبية عام 1905م وكان يتم ترشيحه كل سنة لجائزة نوبل إلا أنه لم يحصل عليها إلا عام 1921م وفي موضوع غير النظرية النسبية. صحيح أن بعض العلماء في البداية لم يقتنعوا بصحة فركة عدم صرامة القوانين الفيزيائية في نظرية ميكانيكا الكم القائمة على الاحتمالات (مبدأ عدم اليقين) إلا أن الغالبية العظمى سرعان ما غيروا قناعاتهم وقبلوا تلك النظرية الهلامية. من طرائف ما يذكر هنا أن ثلاثة علماء ألمان في أوائل شبابهم (قبل أن يحصلوا على جوائز نوبل) اجتمعوا عام 1913م وهم اينشتاين وأتو شتيرن و ماكس لاوي وتناقشوا في صحة نظرية ميكانيكا الكم ثم اتفقوا جميعا بقيامهم بالحلف والتعهد أنه في حال تأكد الهراء والتخريف المتعلق بنظرية الكم فإنهم جميعا سوف يهجرون علم الفيزياء. طبعا لم يبقى على عناده من مشاهير العلماء في رفض نظرية الكم إلا اينشتاين واستمر على ذلك حتى وفاته بينما اصبحت نظرية الكم هي أكثر نظرية فيزيائية مرتبطة بالاكتشافات الفيزيائية الكبرى التي حصلت على عدد كبير من جوائز نوبل كما أنه بسببها أمكن انتاج المخترعات المذهلة مثل الكمبيوتر والليزر والاقمار الصناعية وغيرها كثير.
لمدة نصف قرن لم يقتنع اينشتاين بصحة ميكانيكا الكم كما أنه أضاع العقود الاخيرة  من حياة وهو يجهد ويكد عقلة العبقري في محاولة فاشلة ومتكررة لإنتاج ما أصبحت تعرف (بنظرية التوحيد الكبير)  Grand Unification Theory أو الاسم الشعبي لها: نظرية كل شيء !!. حتى الانفاس الاخيرة حاول اينشتاين أن يجمع في معادلة واحدة كل القوانين الاساسية في علم الفيزياء وخصوصا دمج الجاذبية مع الكهرومغناطيسية وقوى الذرات ولكن فشل في كل مساعيه المتواصلة تلك لدرجة أنه قبل ايام قليلة من وفاته في المستشفى عام 1955م كان يحاول ويحاول حل هذه المعضلة المعقدة.
ربما لم يعترف اينشتاين ابدا بخطأه حيال عدم القبول بنظرية ميكانيكا الكم لكنه في المقابل كان شجاعا  في الاعتراف بما سماه (أكبر خطأ ارتكبه في حياته) وهو عدم قبوله في البداية بمفهوم انكماش أو تمدد الكون. منذ زمن فلاسفة اليونان وحتى مطلع القرن العشرين كان أغلب العلماء يعتقدون أن الكون سرمدي وفي حالة مستقرة. ولهذا عندما تسببت معادلات اينشتاين المشتقة من النظرية النسبية العامة بإعطاء إيحاء بأن الجاذبية سوف تتسبب في انكماش الكون لذا قام  اينشتاين  وبشكل تعسفي بإضافة شيء جديد لمعادلاته سماه (الثابت الكوني) وذلك لكي يحافظ على حالة ثبات الكون. ولكن بعد ذلك بفترة من الزمن ظهرت النماذج الأولية من نظرية  الانفجار الكبير Big Bang لكي تبين أن الكون ليس ثابت كما تصور اينشتاين وغيره من العلماء. اللطيف في الامر أن اينشتاين لم يكن فقط مخطئا في عدم تقبل أن السماء (تتحرك) لكنه ايضا لم يقبل النظرية العلمية التي تقول أن الارض تتحرك. كما أن أهم نظرية في علم الفلك هي نظرية الانفجار الكبير التي رفضها اينشتاين في البداية فإن أهم نظرية في علم الجيولوجيا هي نظرية انزياح القارات continents drifting وهي الظاهرة الجيولوجية المتعلقة بالحركة المستمر وان كانت ضئيلة جدا للصفائح التكتونية الارضية وهذا ما يسبب حركة وانزياح القارات عن مواضعها وتكون الجبال. في نفس العام الذي توفي فيه اينشتاين أي عام 1955م قام بكتابة مقدمة لكتاب علمي في مجال علم الجيولوجيا عنوانه (قشرة الارض المنزاحة) وهو الكتاب الذي يعارض نظرية انزياح وتحرك القارات وكأن اينشتاين وحتى اللحظات الاخيرة من عمره لا يتوب من خطيئة (الجمود العلمي) وعدم قبول النظريات والافكار العلمية الجديدة علما بأنه كذلك في فترة ما كان يرفض الفكرة قبول صحة الفكرة العلمية المتعلقة بحقيقة وجود الثقوب السوداء.
وبعد سلسلة الاخطاء والهفوات هذه أعتقد أننا لن نستغرب أن نعلم قيام اينشتاين برفض ظاهرة فيزيائية معقدة جدا ويكتفي (من باب السخرية)  بتفسير حصولها بأنها ناتجه عن طريق الاشباح !!. حسب النظرية النسبية فلا شيء في الكون اسرع من الضوء ومع ذلك أكتشف العلماء ظاهرة محيرة تسمى التشابك الكمي quantum entanglement حيث قد توجد جسيميات تحت ذرية صغير يؤثر بعضها في بعض بشكل آني وفي التّو والحظة حتى ولو كانت المسافة بينهما كما بين الارض والمريخ. لم يقبل اينشتاين هذه الفكرة ولهذا سخر منها وقال أنها لو حصلت فالسبب في حصولها راجع للأشباح (spooky action at distance) علما بأن هذه النظرية الغريبة تم اثبات صحتها بعد وفاة أينشتاين بحوالي عشر سنوات.
لا شك أن اينشتاين بدأ شبابه بأمارات العبقرية الصارخة لكن للأسف أنهى شيخوخته بالجمود والعناد المذموم لدرجة أن عالم الفيزياء الامريكي المعروف روبرت أوبنهايمر (الملقب بأبو القنبلة الذرية) قال عنه: خلال السنوات الأخيرة من عمر اينشتاين لم يعمل شيء جيدا. ومع اكتشاف أن أينشتاين حتى في أوائل حياته العلمية وقع في أكثر من خطأ في المعادلات الرياضية لإثبات معادلته الشهيرة (E = mc2) بل أن جميع الحلول الرياضية  الاخرى التي اقترحها لاحقا كانت غير دقيقة تماما. بهذا يمكن أن نقول أن  حياة اينشتاين كلها كانت حافلة بالفشل والوقوع المتكرر في الاخطاء والهفوات . ومع ذلك ينبغي التنبيه أنه ليس مقصدنا من هذا السرد هو تشوية أو انتقاص صورة هذا العبقري الفريد ولكن للتنبيه لحقيقة (الطبيعة البشرية) للعلم والعلماء وأنهم قد يقعون في الخطأ والزلل. ومن جانب آخر مسيرة حياة أينشتاين والصعوبات التي اعترضت حياته في كل منعطف هي درس لنا جميعا أن النجاح في دروب الحياة لا يعنى بأي شكل أن تكون حياتنا خالية تماما من الاخطاء والهفوات أو أن نستسلم عند بوادر أي إخفاق أو ضعف أو انكسار.

الجمعة، 31 أغسطس 2018

( الصور الشعرية للحج .. وشح البدايات )

الشعر العربي القديم فقير في ذكر صور ومشاهد الحج والمناسك 

د/ أحمد بن حامد الغامدي

الشعر عاطفة تقتاد عاطفة كما قرر ذلك الشاعر العربي الكبير على الجارم ومن الحالة الوجدانية ودفق الاحاسيس وسمو الروح أثناء مناسك الحج أو حتى بمجرد التواجد على ثرى البلد الحرام، تنبثق أعذب القصائد الشعرية الخالدة. شواهد هذه القصائد الشعرية عن الحج في العصر الحديث تستعصي عن الحصر والرصد ولكن ما يصيب المرء بالحيرة أن نماذج هذه (القصائد الروحانية) في الشعر العربي القديم نادرة جدا بل تكاد تكون معدومة إلا من بعض الابيات المفردة والمبعثرة في ديوان العرب. الشاعر الداهية ابو العتاهية هو ولا شك ايقونة شعر الزهد والروحانيات وبالرغم من (عاطفته المتوقدة) وهو أيضا ممن حج البيت العتيق  ومع ذلك ربما انعكاس أرض المشاعر وشعائر الحج في ديوانه لا يتجاوز بيتين يتيمن من الشعر هما:
وأما ورب المسجدين كلاهما         وأما ورب منى والراقصاتْ
وأما ورب البيت ذي الاستار         والمسعى وزمزم والهدايا المشعراتْ

الغريب في الأمر أن المشاهد الشعرية عن الحج ومناسكه غابت كذلك عن قصائد من يعرفون باسم (شعراء الفقهاء) كمثل الامام الشافعي وعبدالله بن المبارك وعروة بن أذينه وابن حزم الاندلسي. وفي ديوان الامام الشافعي لم أجد إلا بيتن من الشعر تم فيهما توظيف (أجواء مناسك الحج) لتوصيف فيض محبة الشاعر للنبي الهاشمي عليه سلام الله وصلواته:
يا راكبا قف بالمحصب من مِنىً          واهتف بقاعد خِيفها والناهضِ
سحرا إذا فاض الحجيج إلى مِنىً         فيضا كملتطمِ الفراتِ الفائضِ
إن كان رفضا حُب آل محمدٍ              فليشهد الثقلان أني رافضي

وفي مقابل هذه البدايات الشحيحة نجد أن (شاعر الحج) الأديب المكي المعاصر أحمد إبراهيم الغزاوي تتضمن مجموعته الشعرية حوالي ثمانين قصيدة عن الحج توصف أحيانا بالحوليات حيث ألقيت أغلبها في المناسبات الرسمية أمام الملوك في الاحتفال السنوي الذي تحضره وفود الحجيج في منى. في حين ان شاعرنا الكبير أحمد قنديل أصدر مجموعة شعرية تحمل عنوان (مكتي قبلتي) ضمنها عشرات القصائد له ولكبار شعراء الحجاز. ولتعلم أيه القارئ العزيز غزارة القصائد المعاصرة عن الحج والمشاعر المقدسة تكفيك إطلاله خاطفة على الانتاج الشعري المنشور في مجلة رابطة الادب الاسلامي أو مجلة الحج أو حتى الملاحق الثقافية بالصحافة المحلية في موسم الحج.
وبعد هذا المدخل ليس من المستغرب أن نجد أن الانتاج الشعري في العصر الجاهلي شحيح هو الآخر في الصور الادبية عن الحج ومواضع النسك بالرغم من المفارقة الكبرى لحميمه الارتباط بين شعراء ذلك الزمن وبين أرض المشاعر المقدسة. ألم تكن قصائد الشعراء تعلق على أستار الكعبة (المعلقات) وألم يكن أغلب شعراء الجاهلية يشهدون موسم الحج كل سنة لكي يتنافسوا بينهم أيهم أجود شعرا في اجتماعاتهم الادبية في سوق عكاظ وسوق مجنه وسوق ذي المجاز قبل أن ييمموا مسيرهم إلى حج البيت العتيق. فلماذا اذا خفتت كثيرا انعكاسات أجواء الحج ومشاهده في شعر أهل الجاهلية.
النابغة الذبياني الخبير الشعري واللغوي كانت تعقد له قبة حمراء من أدم في سوق عكاظ فتأتية الشعراء وتعرض عليه اشعارها فيفاضل بينها وبهذا هو كثير التواجد في موسم الحج ومع ذلك لم يسجل عنه إلا ابيات ضبابية غير واضحة عن شعيرة الحج عندما أعتذر لتلك المرأة التي دعته في أشهر الحج للسمر عندها فرد عليها بانه لا يحل له لهو النساء وهو متوجه في طريقه للبيت الحرام يرجو بر الاله. وسبحان من غير حال النابغة الذبياني من حال مجون القول في أفحش أبيات جنسية قالتها العرب قديما في وصف عملية الجماع إلى حال التعفف عن اللهو والسمر مع النساء. ولأسباب متعددة (من ضمنها الوصف السابق الذكر لزوجة الملك النعمان المساه المتجردة) هرب النابغة من النعمان ملك الحيرة وقال فيه قصائده المشهورة (باعتذاريات النابغة) وهنا لا نكاد نجد في كامل ديوان النابغة الشعري إلا شطر بيت واحد فقط يتعلق بشكل صريح بالحج في صورة الطواف والتمسح بالبيت العتيق. إذ يقسم النابغة بالله الذي زار وطاف وتمسح ببيته الحرام مرارا أنه ما قال في النعمان قولا سيئا وإن كان كاذبا فأصاب الله يده بالشلل:
فلا لعمرُ الذي مسّحتُ كعبته             وما هريقَ على الانصاب من جسدِ
ما قلت من سيءٍ مما أتيت به           إذا فلا رفعت سوطي إلى يدي

وهذا الشاعر الجاهلي زهير بن ابي سلمى الذي قال فيه أبنه كعب (أنا ابن الذي قد عاش تسعين حجة) فهو قد عمّر وسأم من الحياة في سن الثمانين لطولها ومن المحتمل أنه خلال تلك السنوات (أو الحجج كما وصفها كعب) قد زار البيت الحرام حاجا ومع ذلك لم نجد في ديوانه هو الآخر إلا شطر بيت عن مظاهر التعبد حول الحرم:
فأقسمت بالبيت الذي طاف حوله       رجالٌ بنوه من قريشٍ وجُرهمِ
لن نستطيع أن نسترسل في تقصي أحوال فحول شعراء المعلقات مع صور الحج ومشاهد أماكن النسك فطرفه بن العبد قتل في ريعان الشباب وأمرؤ القيس شغل بطلب الثأر والمجون وعنترة عبد مملوك والاعشى ربما شغلته اسفاره ورحلاته المتكررة لمدح الغساسنة والمناذرة واشراف اليمن.

أما فيما يخص الشعر والشعراء في صدر الاسلام فيبدو أن الوحدة الموضوعية في القصيدة الشعرية بدعة متأخرة بمعنى أن الشعراء المخضرمين الذين عاصروا الجاهلية وشهدوا بداية الدين الحنيف تأثروا بالأسلوب الشعري القديم القائم على تعدد وتشعب المواضيع في القصيدة الواحدة. ولهذا موضوع (الصور الشعرية للحج) لو وجد في أي قصيدة فسوف يكون نصيبه أبيات محدودة فقط. وربما هذا يفسر إلى حدا ما ندرة الابيات الشعرية عن الحج في شعر حسان بن ثابت وكعب بن زهير والخنساء والنابغة الجعدي (مادح الرسول) فضلا عن الشاعر الفحل لبيد بن ربيعة صاحب المعلقة والذي ترك الشعر بعدما أسلم ولم يقل بعد ذلك إلا بيتا واحدا من شعر. ولعل مع ذلك تحسن الاشارة الخاطفة لنماذج توظيف شعراء صدر الاسلام لمشاعر الحج في أغراضهم الشعرية مثل رثاء حسان بن ثابت للرسول الكريم:
وامست بلادُ الحَرم وحشاً بقاعها         لِغيبةِ ما كانت من الوحي تعهدُ
وبالجمرةِ الكبرى له ثمّ أوحشت          ديار وعرصات وربع ومولدُ
وعلى نفس النسق رثاء الخنساء لأخيها صخر:
حلفتُ بالبيت وزوّارهِ              إذ يُعملون العيس نحو الجِمارْ
لا أجزع الدهر على هالكٍ         بعدك ما حنّت  هوادي العِشارْ

مشاهد شعر الحج في العصر الأموي
بعد صدر الاسلام وكثرة الفتوحات تدفقت الاموال على الامة الاسلامية وبهذا تغيرت الحياة الاجتماعية في عهد الأمويين فعم الترف واللهو في المدن الكبرى بينما أنتشر الفخر بالأحساب والطعن في الانساب بين أهل البادية ولهذا نجد أن أجواء الحج ومشاهد أرض المشاعر المقدسة يوظفها الشعراء لأغراض شعرية ابعد ما تكون عن (الأدب) سواء في شعر المجون أو شعر المفاخرة والهجاء. الفطرة السليمة ترى في اجتماع الحجيج بمنى وعرفات سمو شعائر الاسلام وتوكيد أواصر الاخوة الايمانية بينما شعراء النقائض وقصائد الهجاء يرون تجمع الحجيج فرصة لتهديد خصومهم بالمفاخرة عليهم وتحقيرهم أمام الاشهاد. لم يكتفِ الفرزدق وجرير بسفههم المعهود بالتهارش الشعري فيما بينهما أمام الجموع في سوق المربد بالبصرة بل نقلوا نقائضهم ونقائصهم تلك للمحفل الأعظم في البلد الحرام. حدث وأن التقى الفرزدق وجرير في الحج فتوعد الفرزدق جرير بأنه سوف يفاخره في مشهد منى:
إنك لاقٍ بالمحصب من منى         فخاراً فخبرني بمن أنت فاخرُ
فإن كُليباً من تميم وإنما              غدا بك من قيس بن عيلان عاهرُ
ولقد كان جرير أحكم وأشرف في رده حيث عظم شعائر الله وأكتفى بالرد بأنه سوف يفخر (بلبيك اللهم لبيك). ومع ذلك لم يسلم جرير من تعمد هجاء الفرزدق وتوظيف اجتماع الحجيج في منى وعرفات وأنه مكان ملائم لكي يخزي الله عشيرة الفرزدق آل مجاشع ويتحدث أهل قريس بغدرهم:
ألم تر أن الله أخزى مجاشعاً              إذا ضم أفواج الحجيج المعرفٌ
ويوم منى نادت قريش بغدرهم          ويوم الهدايا في المشاعر عكّفُ
ويبغض ستر البيت آل مجاشعٍ           وحجابه والعابد المتطوفُ

الطامة الكبرى والعار المخزي أن بعض أهل المجون من الشعراء لم يجد في اجتماع الحجيج وتزاحمهم في أرض المشاعر إلا فرصة للفسوق والغزل والتهتك. فينقل عن بعض الشعراء أنه كان يبتهج ويسعد بموسم الحج لأنه فرصته للهو:
يا حبذا الموسمُ من موفدِ            وحبذا الكعبة من مشهدِ
وحبذا اللاتي يزاحمننا              عند استلام الحجر الاسودِ
وأما حامل لواء المجون والطيش والسفه في استغلال موسم النسك لتصيد النساء والتحرش بهن فهو بلا منازع عمر بن ابي ربيعة فهو كصاحبة السابق الذي أحب الطواف لمزاحمة النساء فهذا أيضا كان يطرب لموسم الحج لأنه اشبه (بموسم الصيد) لمغازلة نساء وبنات الحجيج ولهذا قال:
ليت ذا الدهر كان حتما علينا           كل يومين حِجةً واعتمارا
ولهذا وللأسف تحول صحن المطاف من موقع عبادة وخشوع إلى موعد للغرام والهيام والاعلان عن ذلك على رؤوس الاشهاد والعياذ بالله:
قف بالطواف ترى الغزال المحرما         حـج الحجيـج فعـاد يقصـد زمزمـا
عـنـد الـطـواف رأيـتـه متلـثـمـا              للـركـن والحـجـر المعـظـم يلـثـمـا
أقسمـت بالبيـت العتيـق لتخـبـري           ما الأسـم قالـت مــن سـلالـة آدمــا
الاســم سـلـمـى والـمـنـازل مـكــة          والـدار مـا بيـن الحجـول وغيلمـا
قلـت عدينـي مـوعـداً أحـظـى بــه          أقضي بــه ما قـد قضـاه المحرمـا
فتبسمـت خجـلاً و قالـت يــا فـتـى          أفســدت حجـك يـا مُحـل المُحـرمّـا

لقد تسبب شعراء الغزل الفاحش مثل عمر بن أبي ربيعة والشاعر العرجي وغيرهما بفتنة النساء وتأثرهم بأشعارهم فيذكر أن واعظ المدينة أبي حازم بن دينار شاهد امرأة حسناء في الحج قد شغلت الناس لفرط جمالها فقال لها: أمة الله خمري وجهك فقد فتنت الناس. فقالت له: إحرامي في وجهي أصلحك الله يا أبا حازم، وأنا من اللواتي عناهن العرجي بقوله:
أماطت كِساءَ الخزّ عن حر وجهها           وأدنت على الخدين بُرداً مهلهلا
من اللاّءِ لم يحجُجنً يبغين حِسبةً             ولكن ليقتلن البريءَ المغفلا
وفي مثل هذه الاجواء التي يعتريها بعض الغبش والخبث من تصرفات بعض الحجاج نحو النساء والجواري يمكن ان نلتمس العذر لأبي العلاء المعري في تهوره الكبير عندما اسقط (فرضية الحج) على النساء بقوله:
أقيمي لا أعُدُّ الحج فرضاً           على النساء ولا العذرى
ففي بطحاء مكة شرَّ قومٍ            وليسوا بالحماة ولا الغيارى

وللأسف يبدو انه تكرر في التاريخ انتهاك حرمة الحجاج والاعتداء على ارواحهم ونسائهم وهذا ما سبب قصيدة الهجاء التي خص بها أحمد شوقي الشريف حسين عندما أنفلت الأمن في زمن حكمه:
ضجًّ الحجيج وضجًّ البيت والحرمُ        واستصرخت ربها في مكة الأممُ
أهين فيها ضيوف الله واضطهدوا        إن أنت لم تنتقم فالله منتقمُ
أفي الضحى وعيون الجند ناظرةٌ         تسبى النساء ويؤذى الأهل والحشمُ

أدب الحج والمنظومات الشعرية المطولة
بعد أن كانت الصور الشعرية والمشاهد الادبية عن الحج شحيحة ونادرة في قصائد الشعر العربي القديم كما بينا سبقا أصبحت هذه الصور منتشرة بشكل ملحوظ في شعر الهجاء والفخر وشعر الغزل في العصر الأموي لكنها مع ذلك ما زالت من الأبيات ذات العدد في نسيج متشعب من المواضيع الشعرية في القصيدة الواحدة. وبالرغم من أن الوحدة الموضوعية (وحدة الغرض) هي بدعة حديثة نسبيا في الشعر العربي إلا أننا يمكن أن نجد لها بعض النماذج المتعلقة بالحج مع الرعيل الأول من شعراء العصر العباسي. فمثلا الوحدة العضوية المرتبطة بأحاسيس الشاعر اثناء أدائه مناسك الحج نجدها في قصيدة خاصة بالحج تنسب إلى الشاعر أبي نواس (وسبحان الهادي) يقول في تلبيته للحج في قصيدة من أثنى عشر بيتا منها:
إلهنا ما أعدلك             مليك كل من ملك
لبيك قد لبيت لك           لبيك إن الحمد لك
والملك لا شريك لك      ما خاب عبد سألك
لبيك إن الحمد لك         أنت له حيث سلك
التعبير عن المشاعر الروحانية المتولدة أثناء الحج تعتبر طفرة في أدب الحج عما كان سابقا وبالإضافة لقصيدة التلبية لأبي نواس توجد قصيدة روحانية وفلسفية لجلال الدين الرومي عنوانها (آه ايها الذاهب للحج). تجديد شعري آخر في أدب الحج لم يكن منتشر قديما يتعلق بالتوصيف التفصيلي لما يحدث مع الشاعر اثناء تأديته لمناسك الحج واقدم الابيات في هذا الامر حسب ما وجدته هي سبعة ابيات ضمن مقصورة أبن دريد يصف فيها مراحل أدائه للحج والعمرة والتنقل بين المشاعر المقدسة. مقصورة أبن دريد عدد ابيتها حوالي مائتين وأربعين بيتا وتخصيص سبعة أبيات لوصف مناسك الحج أمر شبه معقول ولكن منذ مطلع القرن الثامن الهجري يمكن أن نتتبع بدايات ظهور ما يمكن وصفه (بالمطولات الشعرية) عن أدب الحج. فمثلا في القصيدة الميمية لأبن القيم الجوزية (وهي قصيدة وعظيه اشتهرت باسم: رحلة إلى بلاد الأشواق) نجد أن هذه القصيدة الطويلة ذات 181 بيتا شعريا خصص لموضوع مشاهد الحجيج وتنقلهم واشواقهم ومشاعرهم حوالي خمسين بيتا من الشعر ومطلع الجزء الخاص بأشواق الحج:
أما والذي حج المحبون بيته                 ولبّوا له عند المَهَلّ وأحرموا
يُهلون بالبيداء لبيك ربنا                      لك الملك والحمد الذي أنت تعلمُ
تراهم على الانضاءِ شعثاً رؤوسهم         وغبرا وهم فيها أسرُ وأنعمُ

مشاعر الاشواق ومشاهد ألم الفراق بعد انتهاء مناسك الحج سطرها العلامة ابن حجر العسقلاني في قصيدة جميلة وطويلة نسبيا من أربعة واربعين بيتا تدور عن يوميات رحلة الحج. ومن صور ومشاهد أدب الحج (القصيدة الذهبية والحَجة المكية والزورة المحمدية) للواعظ والفقيه الشافعي محمد بن رشيد البغدادي المتوفي في منتصف القرن العاشر الهجري وتنسب هذه القصيدة بشكل خاطئ للإمام اليمني المعروف محمد بن اسماعيل الأمير كما حقق ذلك الشيخ حسن بن محمد المشاط من كبار علماء الحرم المكي الشريف. وبعد أن كانت دواوين الشعر لمشاهير الشعراء لا يوجد بها إلا أبيات شعرية محدودة العدد عن مشاهد ومشاعر الحج نجد هذه القصيدة المفرطة الطول تشتمل على 283 بيتا من  الشعر. ومع ذلك الجودة الأدبية لمثل هذه المطولات الشعرية عن مناسك الحج منخفضة لأنه فرق بين الشعر التعليمي والتوثيقي وبين شعر بث المشاعر والاحاسيس.

وفي الختام قد يصعب أيجاد تفسير أدبي وتاريخي حاسم في تعليل (شح البدايات) للصور والمشاهد الشعرية للحج ومع تلك الندرة للأبيات المتناثرة عن الحج والبلد الحرام إلا أنها لصدق عاطفتها وابداعها الأدب ما زالت أكثر تواجد في الذاكرة الشعرية من مئات القصائد الحديثة عن الحج. مئات الشعراء دبجوا القصائد عن الشوق للبلد الأمين والحرم الشريف ومع ذلك المهم صدق المشاعر لأن بيت من الشعر لأبن عمرو الجرهمي فاقها شهرة وترددا على الألسن:
كأن لم يكن بين الحَجونِ إلى الصفا        أنيسٌ ولم يَسمر بمكة سامرُ
منذ الفترة الأدبية الموصوفة بعصر الجمود والخمول (يعترض الباحث الكبير الدكتور عمر فروخ على توصيف هذه الفترة بعصر الانحطاط) تدهورت جودة الشعر العربي وربما من ضمن أسباب ذلك ظهور بدعة (شعر المناسبات). أهم ركيزة في الشعر العاطفة الصادقة وهذا مقتل القصائد والاشعار التي تقال فقط كنوع من (أداء الواجب) لحلول مناسبة معينة. الغالبية العظمى من قصائد المناسبات الدينية أو الوطنية أو القومية أو الاجتماعية سرعان من تتلاشى من الذاكرة. كلنا نعلم قصيدة البردة في مدح الرسول الكريم للبوصيري وهي قصيدة كتب لها  الذيوع والخلود ولكن نتيجة لأن البوصيري أوقف شعره في مدح الرسول الكريم لهذا ألزم نفسه أن يكتب قصيدة في في كل موعد ذكرى للمولد النبوي الشريف ولكن للأسف خفت جذوة شعر المناسبات هذه كما خفتت وتلاشت عشرات القصائد للشاعر أحمد الغزاوي التي ألقها في موسم الحج.
المشكلة أن الشعراء مولعون بالتقليد ومتابعة اللاحق للسابق فما أن يسير شاعر في فج معين إلا تبعه بقية الشعراء منذ زمن تقليد الوقوف على الاطلال في مستهل أي قصيدة. ولهذا بعض الشعراء ومن دافع التقليد تجده يكون مأسور بشعر المناسبات ويندفع أحيانا بغير شعور لكتابة قصائد قد ينقصها الروح أو العاطفة الصادقة. وربما هذا يفسر لنا الظاهرة العجيبة في منتصف القرن الماضي عندما كتب بعض الشعراء من نصارى العرب عدد من القصائد عن مكة المرمة والكعبة ومشاعر الحج !!.  فهذا الشاعر المسيحي السوري جاك صبري شماس ينشر قصيدة عنوانها (مكة الحبيبة) والشاعر والسياسي اللبناني جبران تويني الجد يكتب قصيدة كان عنوانها (مناسك الحج) في حين الشاعر السوري جورج ميخائيل صيدح له قصيدة اسمها (الحجيج) وبهذا تكون هذه القصائد المسيحية هي بكل بساطة أمثلة ونماذج لما نسميه أدب الحج. للشعراء النصارى العرب أثر بارز في الأدب العربي منذ زمن أمية بن أبي الصلت والاخطل وحتى جبران خليل جبران وخليل مطران وإيليا أبو ماضي وميخائيل نعيمة وآخر من توفي من هؤلاء الرواد الكبار قبل ثلاث سنوات الشاعر المسيحي اللبناني سعيد عقل وما يهمنا هنا هو ذكر قصيدته الشهيرة (والبعض يعرفها بأغنية فيروز) التي يمدح فيها مكة وأهلها وحجيجها:
غنّيتُ مكة أهلها الصيدا             والعيدُ يملأُ أضلعي عيدا
ضج الحجيجُ هناك فاشتبكي        بفمي هنا يغر تغريدا