السبت، 17 أكتوبر 2020

( الأندلس .. من الفردوس المفقود إلى أرض الأوهام )

العلوم العربية الأندلسية .. بين الحقيقة والخيال

د/ أحمد بن حامد الغامدي

 

أرض اليقين في الغالب مليئة بالعوائق والعلائق وللسير فيها يتكئ بعضنا على عصا الأوهام وهذه حيلة العاجز والكسيح ولذا نستحق استهزاء الكتاب الإيرلندي الساخر جورج برنارد شو عندما قال (نحن البشر كثيرا ما نحاول ابتلاع مرارة حياتنا بالأوهام). قبل أكثر من أسبوع استغربت انتشار كثيف في وسائل التواصل الاجتماعي لمقولة مفبركة عن العالم الفرنسي بيير كوري تنص كالتالي (تمكنا من تقسيم الذرة بالاستعانة ب 30 كتاب بقيت لنا من الحضارة الأندلسية ولو لم تحرق كتب المسلمين لكنا اليوم نتجول بين النجوم). هذه المقولة المزعومة مدغدغة للمشاعر بالرغم من ركاكتها العلمية وفجاجتها التاريخية وللأسف بسبب قيود الأوهام انقادت عقولنا المأسورة لتصديق هذه الخرافة والتزوير.

الحضارة العربية في الأندلس كانت إحدى أهم وأجمل ما قدمته الأمة الأسلامية للبشرية وقد قمت قبل حوالي سنة بكتابة مقال (ماذا خسر العرب من فتح الأندلس) لبيان أهميتها في نسيج حضارتنا ومسيرة تاريخنا. ومع ذلك لا ينبغي تحويل الأندلس من أرض اليقين إلى أرض الأوهام وخلق الأساطير والخرافات حولها وتصديق أنها كانت تحتوي اكتشافات علمية ساعدت الأوروبيين لاحقا على تقسيم الذرة وربما غزو الفضاء. الغريب في الأمر أن مضيق جبل طارق في الطرف الجنوبي للأندلس هو نفسه الموقع الخرافي المسمى (أعمدة هرقل) ومن هنالك يمكن العبور إلى المحيط الأطلسي للوصول إلى الفردوس المفقود (الأوروبي وليس العربي) أي جزيرة أو قارة أطلانطس الأسطورية. ومن غرائب الصدف أنه اشتهر قديما عن هذه (الأرض المفقودة) أنها كانت على درجة عالية من التقدم العلمي والتكنولوجي لدرجة أن البعض مقتنع أنها دمرت وغرقت في المحيط نتيجة حصول انفجار نووي بها وأن بعض سكانها قد هربوا بالسفر عبر الفضاء وبين النجوم.

لا أريد أن أحلق وأبتعد كثيرا عن الموضوع الأساسي للمقال وهو بيان عدم صحة تلك المقالة المزعومة للعالم الفرنسي بيير كوري وبيان ركاكتها العلمية والتاريخية في ثلاثة محاور أساسية (صاحب المقولة وفيمن قيلت وفحوى القول).

أما صاحب المقولة المزعومة فهو عالم الفيزيائي الفرنسي بيير كوري وهو من وجهة نظري اختيار فاشل لأنه صلته بمجال علم الانشطار الذري شبه معدومة. ينبغي التنبيه أنه حتى أواخر القرن التاسع عشر ما زال بعض العلماء غير مقتنعين تماما بوجود حقيقي للذرات وفيما يخص العالم الفيزيائي بيير كوري كانت خبرته العلمية في البداية ترتكز على مجال الدراسات المغناطيسية ولم يتجه إلى عالم الذرات إلا عندما أصبح (زوج الست) مدام ماري كوري فائقة الشهرة. في بحثها للدكتوراه تحت إشراف هنري بيكريل العالم الفرنسي الذي اكتشف ظاهرة النشاط الإشعاعي بدأت طالبة الدكتوراه ماري كوري تتعرف على مفهوم الذرات وهنا فقط غير بيير كوري مجال أبحاثه ليشترك مع زوجته ومشرفها الأكاديمي في الحصول على جائزة نوبل في الفيزياء لعام 1903م نظير لعزلهم واكتشافهم لبعض العناصر الذرية المشعة. المقولة المفبركة على لسان بيير كوري تزعم أن كتب الأندلس ساعدت علماء الغرب على تقسيم الذرة بينما ينبغي التنويه أن بيير كوري نفسه قد لاقى مصرعه تحت عجلات عربة أحصنة عام 1905م أي قبل حوالي ثلاثين سنة من توصل المجتمع العلمي لمفهم (انشطار الذرة). الغريب في الأمر أن عالم الفيزياء النيوزلندي الأصل أرنست رذرفورد صاحب نموذج تركيب الذرة الشهير والحاصل على جائزة نوبل في الكيمياء عام 1908م نجده في عام 1933م أي قبل وفاته بأربع سنوات ينفي في حزم إمكانية حصول تقسم الذرات وجعلها مصدر للطاقة وأن من يقول ذلك فهو يتحدث بالهراء.

ولعل المحور الأول من تفنيد صحة تلك المقولة تحقق من خلال بيان أن بيير كوري نفسه لم يكن يعلم عن (تقسيم الذرة) فضلا عن أن ينسبه لأمه وحضارة أخرى وننتقل الآن لبيان خطأ اختيار الأندلس وكأنها تمثل قمة التقدم العلمي في التاريخ الإسلامي. في تاريخ العلوم العربية اشتهرت الأندلس بتقدم وتطور الطب وخصوصا علم الجراحة على يد الطبيب الأندلسي الزهراوي أما في مجال علم الكيمياء (أقرب علم قديم لمجال الذرات) فلم تشهد الأندلس علماء بارزين لدرجة أن أشهر خيميائي أندلسي وهو مسلمة المجريطي (نسبة إلى مجريط/مدريد) هو أقرب لعلم الرياضيات من علم الكيمياء. من الناحية التاريخية أول من نشر إثبات علمي على مفهوم الذرات كان العالم البريطاني جون دالتون في مطلع القرن التاسع عشر والخطوة العلمية التالية المهمة كانت إثبات أن هذه الذرات تتحد بنسب ثابتة في أي مركب كيميائي وهو ما يعرف بقانون النسب الثابتة للعالم الفيزيائي جوزيف بروست. ما يهمنا هنا أن الكاتب الأمريكي بيرنارد جيف قد قرر في كتابه الشيق (البواتق: قصة الكيمياء) أن العالم المسلم عز الدين الجلدكي المقيم في القاهرة كان قد توصل لهذا الاكتشاف قبل الفرنسي بروست بأكثر من أربعة قرون من الزمن. وعليه كان من الحكمة أكثر لو أن تلك المقولة المزعومة نسبت فضل التقدم العلمي الأوروبي إلى حواضر إسلامية أخرى غير الأندلس مثل بغداد حاضنة بيت الحكمة العباسية أو القاهرة مقر دار الحكمة الفاطمية.

 

مصير الكتب العلمية في الأندلس .. الإحراق أم الإغراق أم الإشراق

ونصل الآن إلى المحور الثالث والأكثر إثارة للجدل والنقاش وهو هل فعلا تم فقدان وضياع جزء من الموروث العلمي والتقني والطبي العربي بعد سقوط الأندلس (بالإحراق) على يد مغول الغرب الفرنجة كما حصل بإتلاف الكتب (بالإغراق) على مغول الشرق عند حادثة سقوط بغداد الرهيبة. المشكلة إن علقنا الجمعي في العالم العربي كما قد يتأثر بسهولة بالأوهام هو كذلك يتأثر بظاهرة الاختزال والتبسيط. فمثلا الحدث الكبير الذي حدث لبلاد الأندلس مما يسمى حروب الاسترداد من قبل الجيوش المسيحية والذي استمر لعدة قرون نجد أننا نختزله في نقطة ومرحلة ما من الزمن نسميها (سقوط الأندلس) ونختزلها في حادثة سقوط مملكة غرناطة التي حدثت عام 1492 ميلادي. في الواقع بداية مشوار الانحدار والزوال العربي في الأندلس حصل قبل ذلك بحوالي أربعة قرون عندما كانت مدينة طليطلة هي أول دويلة من دويلات الطوائف تقع في عام 1085م تحت حكم النصارى ملوك قشتالة. وفي الواقع ما يهمنا هو مصير الكتب العلمية العربية بعد الاجتياح المسيحي وهل كان مصيرها الإحراق أو الإغراق كما حصل بعد سقوط بغداد. من الثوابت التاريخية المؤكدة الآن أن مدينة طليطلة بالذات بعد سقوطها في يد النصارى أصبحت أهم جسر ومعبر تم فيه نقل العلوم العربية إلى أوروبا (بالإضافة لجزيرة صقلية). وعندما أصبحت طليلطة هي العاصمة الجديدة لمملكة قشتالة وليون حرص حاكمها الجديد ألفونسو السادس إن يجعلها قبلة العلماء والرحالة من جميع أقطار أوروبا وكانت وسيلة جذبهم ليس بريق الذهب ولكن إشراق صفحات المخطوطات العربية. في نهاية القرن الحادي عشر عند سقوط طليلطة لم يكن مصير الكتب العلمية العربية الإحراق أو الإغراق بل مزيد من الإشراق عندما تم ترجمتها من اللغة العربية إلى اللغة اللاتينية وبهذا كانت تلك الكتب وتلك المدينة هي منارة النور التي أضاءت للأمم الأوروبية دروب الخروج من ظلام العصور الوسطى. كتب التاريخ الغربية تذكر أسماء عشرات العلماء والمترجمين الذين أقاموا في مدينة طليطلة وقاموا بحركة الترجمة ويكفي للإشارة لتفنيد زعم أن الكتب العلمية العربية قد ضاعت عند سقوط الأندلس أن نشير بأن المترجم الإيطالي جيرارد الكريموني الذي عاش في طليلطة قام لوحده بترجمة 87 كتاب من اللغة العربية إلى اللغة اللاتينية. أما الكتب العلمية التي ترجمها جيرارد فهي لأبرز علماء الإسلام من مثل الرازي وابن سينا والخوارزمي وابن الهيثم وجابر بن حيان والفارابي والكندي وثابت بن قره في حين أن ترجمته شملت أمهات الكتب العربية الكبرى حيث ترجم 24 كتاب في الطب و 17 كتاب في الهندسة والرياضيات والبصريات و12 كتاب في الفلك و 7 كتب في الكيمياء. الكتب المترجمة باللغة اللاتينية لهذه المراجع العلمية العربية ما زالت معروضة حتى اليوم في مكتبة طليطلة بينما المخطوطات العربية الأصلية يمكن العثور عليها في العديد من المكتبات الكبرى في إسبانيا. ونخص بالذكر مكتبة الإسكوريال الشهيرة والواقعة في ضواحي مدينة مدريد والتي تحتوي على عدة آلف من المخطوطات العربية لدرجة أنه صدر كتاب من ثلاثة أجزاء لإعطاء قائمة وفهرسة لهذه المخطوطات العربية الوفيرة.

أمر آخر بالغ الأهمية الإشارة إليه وهو أن قمة ما يسمى (العصر الذهبي للعلوم العربية) كان خلال القرن الثالث والرابع الهجري وفيه ظهر أغلب العلماء والأطباء الكبار في تاريخ الإسلام ومن حسن الحظ أن أغلب الكتب العلمية العربية معروفة ومخطوطاتها محفوظة ولم يضع منها شي مهم. قبل قرن من سقوط مدينة طليطلة وقبل حوالي ثلاثة قرون من سقوط بغداد ظهر كتاب الفهرست لابن النديم وذلك عام 377 هجري وفي هذا الكتاب أحصى ابن النديم أسماء أكثر من ثمانية آلاف كتاب لأكثر من ألفين مؤلف المئات منهم من مشاهير علماء الإسلام وباستعراض كتاب ابن النديم ربما لا نجد كتب عربية مهمة ومحورية ضاعت وتلاشت بسبب أعداء الإسلام.

 

وفي الختام لا بد من أن نعرج لحادثة اضطهاد المسلمين و (حرق الكتب) العربية بعد (السقوط النهائي) لآخر معقل عربي في الأندلس. في الواقع استمرت حروب الاسترداد المسيحية أكثر من أربعة قرون وبالرغم من سقوط الممالك والدويلات العربية المتوالية إلا أن العرب لم يتم اضطهادهم بشكل ممنهج لدرجة أن العديد منهم عاشوا كرعايا تحت حكم النصارى. وكان بعض الشعراء يمدح ملوك النصارى والبعض الآخر يعمل في خدمتهم وبالذات في بناء القصور لهم على الطراز الأندلسي لدرجة أن قصر المورق البالغ الجمال في إشبيلية هو في الواقع أعاد بنائه ملك قشتالة وليس هو القصر الأصلي للمعتمد بن عباد. على كل حال تغير الأمر بعد سقوط مملكة غرناطة سنة 1492م وبعد أن استمر العمل بشروط تسليم غرناطة (تأمين حياة المسلمين والسماح بفتح المساجد وإقامة الشريعة الإسلامية بينهم وألا يولى على المسلمين إلا منهم) لعدد من السنوات. ثم بدأ عصر الاضطهاد ونقض ميثاق التسليم عندما أصدر الملك فرديناند في عام 1499م قرارا بحظر الشرائع الإسلامية ويأمر بغلق المساجد ثم بعد ذلك بثلاثين سنة صدر قانون أثيم يحرم على المسلمين التحدث باللغة العربية وقراءة القرآن وكذلك صدر حظر ومنع ارتداء اللباس والزي العربي. ومع مطلع القرن السادس عشر تم إنشاء محاكم التفتيش الإسبانية الشنيعة السمعة والتي بدأت منذ عام 1502م تضطهد المسلمين واليهود في إسبانيا وتخيرهم بين اعتناق المسيحية أو مغادرة البلاد. ويبدو أنه في هذه الفترة ظهرت محاولة طمس الوجود العربي والإسلامي في الأندلس السليب وكان من صور ذلك حرق الكتب والمخطوطات العربية والتي هي في الغالب الكتب الدينية والشرعية وكتب الموروث الأدبي والفكري العربي. في حين أن الكتب العربية العلمية حتى وإن أحرق بعضها خلال هذه الفترة إلا أنه كما ذكرنا كان قد سبق ترجمتها إلى اللغة اللاتينية قبل أربعة قرون مما ضمن لها البقاء والخلود من خلال استخدامها كقاعدة بناء تم عليها تشييد العلوم الأوروبية خصوصا في مجال الطب والفلك والرياضيات.

 

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق