السبت، 18 فبراير 2017

( الشعراء .. والثقافة السياسية )

الشعر السياسي العربي غالبا مصاب بمشكلة (الاغراق في المحليات)
 
 
د/ أحمد بن حامد الغامدي
 
جرت عادة شعراء العربية قديما وحديثا ان يفخروا بالإنجازات السياسية وبإنتصارات المعارك الحربية (أيام العرب) لشعوبهم ودولهم ولهذا طربنا مع شعر صناجة العرب الأعشى عندما تفاخر بانتصار العرب في يوم ذي قار أمام الفرس:
وجندُ كسرى غداة َ الحنوِ صبحهمْ
مِنّا كَتائبُ تُزْجي المَوْتَ فانصَرَفُوا
إذا أمَالُوا إلى النُّشّابِ أيْدِيَهُمْ،
مِلنا ببِيضٍ، فظَلّ الهَامُ يُختَطَفُ
لَوْ أنّ كُلّ مَعَدٍّ كانَ شارَكَنَا
في يومِ ذي قارَ ما أخطاهمُ الشّرفُ
 
إن للشاعر الجاهلي الكبير الأعشى كل الاحترام بالتفاخر (بأيام العرب) لأنها من صلب ثقافته التاريخية والسياسية التي يعيشها ولكن التقدير يكون أتم له إذا علمنا أن له نوع معرفة ثقافية (بأيام العجم) التي هي من نتائج بيئة حضارية مختلفة عن بيئة العربية وهنا تتجلى أبعاد (الثقافة السياسية) للشاعر العربي وأنه ليس أسير بيئته المحلية فقط. تذكر كتب الأدب أن الأعشى قال قصيدة عصماء في مدح ملك الحيره إياس الطائي وفي ثنايا هذه القصيدة عرج الأعشى بالإشادة بجهود إياس في نصرة الفرس ومساعدتهم في هزيمة الروم في موقعة (يوم ساتيدما) وهي معركة هامة وقعت جهة الموصل بالقرب من نهر صغير أو جبل يحمل اسم ساتيدما وحصل هذا القتال الشرس بين الفرس وبين الروم بقيادة هرقل عظيم الروم والذي بالرغم من شجاعته وخبرته القتالية إلا أنه انهزم امام الفرس مما تسبب في ضعف الروم لدرجة أنه تم لاحقا احتلال الفرس لمدينة القدس ولهذا استخدم الاعشى (ثقافته السياسية) بهذه المعركة (غير العربية) في بيان فضائل ممدوحة الذي ساهم في تشريد جيش هرقل حيث قال:
وَهِرَقْلاً، يَوْمَ سَاتِيدَمَا
من بني بُرْجانَ في البأسِ رَجَحْ
وَرِثَ السّؤدَدَ عَنْ آبَائِهِ
وغزا فيهمْ غلاماً ما نكحْ
صَبّحُوا فارِسَ في رَأدِ الضّحَى
بطحونٍ فخمة ٍ ذاتِ صبحْ
ثمّ ما كاؤوا، ولكنْ قدّموا
كَبْشَ غارَاتٍ، إذا لاقَى نَطَحْ
فَتَفَانَوْا بِضِرَابٍ صَائِبٍ
مَلأ الأرْضَ نَجِيعاً فَسَفَحْ
مثلَ ما لاقوا منَ الموتِ ضحىً
هَرَبَ الهَارِبُ مِنهُمْ وَامتضَحْ
 
في واقع الأمر يبدو أن الشعراء العرب الذين هم على شاكلة الاعشى في ثقافتهم السياسية خارج الأفق والإطار المحلي محدودي الوجود نسبيا وذلك لأن الأعشى كان في الأصل كثير الاسفار والاختلاط بالشعوب غير العربية حيث كان يفد على ملوك الفرس ويمدحهم كما إنه في المقابل كان يميل للنصرانية ولهذا كثرت الالفاظ والاخبار الاعجمية في شعره. وكنتيجة لانغلاق البيئة العربية القديمة ربما نحتاج لجهد جهيد لاستخراج أمثلة (للثقافة السياسية غير العربية) من شعر جرير أو الفرزدق في حين أننا من خلال شعر المتنبي قد يكون أقصى ما نعرفه أن لقب قائد الجيش البيزنطي هو (الدمستق) وان ملك الروم في زمنه هو (قسطنطين) لأن هؤلاء بكل بساطة كانوا أعداء سيف الدولة وخصومه في المعارك فثقافة المتنبي السياسية هنا تدور حول أمر له صلة وثيقة بالواقع المحلي العربي. وكذلك من قصيدة أبي تمام في فتح عمورية عرفنا اسم الملك البيزنطي توفيل بن ميخائيل (أو توفليس كما ورد في القصيدة البائية الخالدة) الذي أنهزم وهرب من أمام المعتصم ولكن هنا مرة أخرى كانت هذه المعلومة السياسية في سياق محلي بحت وليست كما حصل مع الاعشى عندما ذكر تفاصيل معركة (دولية) خارج النطاق العربي.
 
إن أوضح مثال على قضية (الثقافة السياسية) في الشعر العربي القديم هي القصيدة السينية الفريدة للشاعر العباسي البحتري والتي تسمى (قصيدة وصف إيوان كسرى) وهى على العكس من أبيات الاعشى المحدودة نجدها هنا قصيدة كاملة خصص منها حوالي أربعين بيتا لمناقشة وعرض موضوع سياسي وحضاري (غير عربي) حيث انها تدور حول وصف أطلال وأثار هيبة وعظمة الامبراطورية الفارسية ممثلة في توصيف إيوان وعرش كسرى أنو شروان في عاصمة بلادة مدينة المدائن. في واقع الأمر لا بد أن نعترف أن مقصود الشاعر في الأساس كان أن يسلي ويواسي نفسه بالتفكر بمصير من قبله لعل هذا الامر يخفف عنه شدة الوحشة والجفاء الذي حصل بينه وبين الخليفة المنتصر بالله. وبغض النظر عن سبب المحرك العاطفي لمشاعر الشاعر المثقف ما يهمنا في الواقع أن نذكر وصف البحتري لمعركة أنطاكية التاريخية التي حصلت عام 613 ميلادي بين الروم والفرس وهي المعركة التي ورد ذكرها في القران الكريم في سورة الروم والتي فيها الاشارة لهزيمة جيش الروم (الم * غُلبت الروم * في أدنى الأرض). وفي حين أن أبيات الأعشى السالفة كانت تركز على شخصية هرقل نجد أن أبيات البحتري محورها شخصية كسرى أنو شروان:
 وإذا ما رَأيْتَ صُورَةَ أنْطَاكيَةَ
 ارْتَعْتَ بَينَ رُومٍ وَفُرْسِ
والمَنَايَا مَوَاثِلٌ، وأنُو شَرْوانَ
  يُزْجي الصّفوفَ تحتَ الدِّرَفْسِ
في اخضِرَارٍ منَ اللّباسِ على أصْـفَرَ
  يَختالُ في صَبيغَةِ وَرْسِ
وَعِرَاكُ الرّجَالِ بَينَ يَدَيْهِ
  في خُفوتٍ منهمْ وإغماضِ جَرْسِ
منْ مُشيحٍ يُهوي بعاملِ رُمْحٍ
  وَمُليحٍ من السّنانِ بتُرْسِ
تَصِفُ العَينُ أنّهُمْ جِدُّ أحيَاءَ
  لَهُمْ بَينَهُمْ إشارَةُ خُرْسِ
يَغتَلي فيهمُ ارْتِيابيَ، حَتّى
 تَتقَرّاهُمُ يَدايَ بلَمْسِ
 
وبما أننا ما زلنا في سياق ذكر إيوان كسرى في الشعر العربي وحال وأخبار مملكة ساسان الفارسية وأباطرتها الكبار مثل دارا (داريوس الثالث والذي قتله الإسكندر المقدوني) فلا بأس من التذكير بالأبيات الشعرية الشهيرة في رثاء الاندلس للشاعر العربي الاصيل أبو البقاء الرندي والذي نجده كحال البحتري عندما أراد أن يواسي ويسلي نفسه من مصيبة فقد الاندلس أخذ يتذكر حال الأمم والشعوب من قبلنا التي جار عليها صرف الزمان:
 
أين الملوك ذَوو التيجان من يمنٍ
وأين منهم أكاليلٌ وتيجانُ  
وأين ما شاده شدَّادُ في إرمٍ
وأين ما ساسه في الفرس ساسانُ  
أتى على الكُل أمر لا مَرد له
حتى قَضَوا فكأن القوم ما كانوا
وصار ما كان من مُلك ومن مَلِك
كما حكى عن خيال الطّيفِ وسْنانُ
دارَ الزّمانُ على (دارا) وقاتِلِه
وأمَّ كسرى فما آواه إيوانُ
 
زخم الثقافة السياسية في الشعر المعاصر
بالجملة لقد كانت الثقافة السياسية للشعراء العرب الأقدمين شبه مقتصرة على الواقع والاجواء المحلية العربية وإن جاوزته فهي لا تبتعد أبعد من الاقاليم الاسلامية التركية والفارسية والهندية. هذا النقص في عالمية الشعر السياسي العربي ازداد سوءاً في عصور الانحطاط العربية وعصور الجمود الادبية التي امتدت منذ عصر المماليك وحتى مطلع القرن العشرين، ولذا لم يكن للشعراء العرب أي اهتمام لتسجيل الاحداث السياسية والتاريخية الكبرى غير الاسلامية في اشعارهم فلا انعكاس للثورة الفرنسية أو اكتشاف الأمريكيتين أو الحروب الاوروبية بين الكاثوليك والبروتستانت على الانتاج الادبي لتلك الحقبة. لكن كل هذا التجاهل الادبي للعالم السياسي من حولنا سرعان ما سوف يتلاشى بعد أن تصبح بلاد العرب هي قطب رحى ظاهرة الاستعمار الاوروبي وساحة المعركة الخلفية للقوي الغربية المتصارعة.
 
في اعتقادي الشخصي أنه لم يوجد في قديم الشعر العربي ولا حديثة شاعر أكثر ثقافة سياسية من أمير الشعراء ومستشار الامراء أحمد شوقي والذي نجد له عشرات القصائد الطوال في مواضيع سياسية وتاريخية وفكرية غير معتادة الطرق في البيئة العربية التقليدية. المتصفح لديوان أحمد شوقي يستطيع ان يتعثر ويتكعبل في كل صفحه منه باسم شخصية سياسية أو تاريخية كبرى سواء كانت عربية أو جاهلية أو فرعونية أو تركية أو يونانية أو أوروبية. فمثلا في أي قصيدة عن أبو الهول أو مومياء توت عنخ أمون يمكن أن يصادفنا كم غفير من اسماء آلهة وملوك الفراعنة مثل آمون ورع وسيتي وإيزيس وخوفو ورمسيس ومينا. أما الثقافة السياسية لأحمد شوقي وسعة اطلاعه بالحضارات وتاريخ الامم غير العربية فيمكن استجلائه من أنه كتب قصائد طويلة عن شخصيات سياسية أجنبية قديمة وحديثة مثل قصيدة (مصرع كيلوبترا) وقصيدة (على قبر نابليون) كما له قصيدة أخرى مخصصة لمناسبة تتويج الملك الانجليزي إدوارد السابع. الجدير بالذكر أن الرئيس الامريكي ثيودور روزلفت هو محور قصيدة لأحمد شوقي حملت عنوان (أنس الوجود) وهو معبد فرعوني في مدينة أسوان زاره الرئيس الامريكي في  عام 1910 وثارت ضجة دبلوماسية في حينه لأن روزفلت تهجم على الاسلام ودعم في كلمه له الاستعمار البريطاني لمصر ومن غرائب الأمور أن هذه القصيدة بالذات (أيها المنتحي بأسوان دارا) هي نفس القصيدة التي أثارت زوبعة محلية عندما اتهم البعض وزير الاعلام قبل سنه أنه سرقها وحورها لقصيدة (أيها المنتحي بمكة دارا).
ولإعطاء (شواهد شعرية) اكثر دلالة على الثقافة السياسية العالية والفريدة لأحمد شوقي يكفي أن نشير إلى أنه نظم حوالي اربع قصائد متنوعة تدور بشكل ما عن الملك الفرعوني الشاب الشهير (توت عنخ آمون) وما يهمنا هنا أن اكتشاف مقبرة توت عنخ آمون وقعت في بداية شهر نوفمبر من عام 1922م وبعد ذلك بأقل من أسبوعين بدأت مفاوضات مؤتمر لوزان في سويسرا بين الدولة التركية وبين بريطانيا بخصوص شروط استقلال تركيا من الاحتلال الانجليزي مقابل اعلان الغاء الخلافة والسلطنة التركية. وبحكم ثقافة أحمد شوقي التاريخية والسياسية قام بدهاء وحنكة أدبية بتوظيف هاتين الحادثتين (اكتشاف المقبرة ومعاهدة لوزان)
للقدح والاعتراض على موقف الانجليز من قاضينا المصيرية حيث يشتكى شوقي إلى توت عنخ آمون من أن القوم سوف تشغلهم الدهشة بمقبرته وتصرفهم عن اعطاء حقوق العرب والمسلمين التي يقسمها كما يشاء وزير خارجية بريطانيا في ذلك الوقت اللورد كيرزون:
وَأُقسِمُ كُنتَ في (لَوزانَ) شُغلاً    وَكُنتَ عَجيبَةَ المُتَفاوِضينا
أَتَعلَمُ أَنَّهُم صَلِفوا وَتاهوا        وَصَدّوا البابَ عَنّا موصِدينا
وَلَو كُنّا نَجُرُّ هُناكَ سَيفاً         وَجَدنا عِندَهُم عَطفاً وَلينا
سَيَقضي (كِرزُنٌ) بِالأَمرِ عَنّا     وَحاجاتُ الكِنانَةِ ما قُضينا
 
مفاوضات سياسية ومعاهدة استقلال أخرى غير عربية وظفها أحمد شوقي في شعره السياسي وهو ما نجده في قصيدته التي خصصها للسياسي الهندي البارز المهاتما غاندي. وكما توجس شوقي القلق من مفاوضات تركيا مع الاحتلال الانجليزي نجده كذلك يتوجس من تبعات مؤتمر (الدائرة المستديرة) بلندن عام 1931 المتعلق بمفاوضات استقلال الهند عن التاج البريطاني. ولهذا نجد أحمد شوقي يكتب قصيدة لتحية الزعيم غاندي عندم مر بمصر في طريقة إلى بريطانيا وفي ختامها يحذر شوقي الزعيم غاندي من ألاعيب الانجليز حيث شبه مفاوضات (الدائرة المستديرة) بدائرة لعبة القامر (لعبة البريدج) التي تستخدم أوراق الباصرة وأنه لضمان نجاح مستقبل الهند من هذه المقامرة السياسية لابد أن يكون غاندي على مستوى المهارة الازمة (لكشف ورق كوتشينة) الساسة الانجليز من السادة واللوردات:
من المائدة الخضراء       خذ حذرك يا غاندي
ولاحظ ورق السير         وما في ورق اللوردِ
وكن ابرع من يلعب           بالشطرنج والنردِ
ولاق العبقريين               لقـــاء النـــد للنــــدِ
وقل هاتوا افاعيكم        أتى الحاوي من الهندِ
 
كما هو معلوم لا يذكر أحمد شوقي في مناسبه ما إلا ويكون قرينه شاعر النيل حافظ إبراهيم لكن شتان ما بين الشاعرين في سعة الاطلاع السياسي ونفاذ البصيرة في الحكم على مظاهر الاشياء ومخابرها. فبينما نجد أحمد شوقي يدبج قصيدة ساخنة ضد زيارة الرئيس الامريكي روزفلت لمصر نجد أن حافظ إبراهيم في المقابل يكتب قصيدة بعنوان (أي رجال الدنيا الجديدة مُدوا) يخاطب فيها أمريكا (أرض كولمب) ويطلب منها مد اليد لرفعة الشرق (الدنيا القديمة) كما أنه يمدح أمريكا ويرتجي منها أن تكون داعمة للسلام !! :
أَرضُ كولُمبَ أَيُّ نَبتَيكِ أَغلى            قيمَةً في المَلا وَأَبقى مَتاعا
أَرِجالٌ بِهِم مَلَكتِ المَعالي                 أَم نُضارٌ بِهِ مَلَكتِ البِقاعا
لا عَداكِ السَماءُ وَالخِصبُ وَالأَمـ       ـنُ وَلا زِلتِ لِلسَلامِ رِباعا
طالِعي الكَونَ وَاُنظُري ما دَهاهُ          إِنَّ رُكنَ السَلامِ فيهِ تَداعى
 
وختماً إن الكلام عن أبعاد الشعر السياسي والاتجاهات الوطنية في الأدب العربي أمر واسع فقد تم نظم وتدبيج الاف القصائد التي تدور حول مقاومة المحتل أو للتفجع على مصائب الأمه ومن الشعراء من نظم قصائد المعارضة السياسية والبعض ربما غامر بهجاء الخلفاء مثل الأعشى الهمداني وهو غير أعشى قيس السابق الذكر. ولكن ما لاحظناه بصورة عامة أن الاهتمامات السياسية غير العربية أو الإقليمية ضعيفة جدا عند المتخصصين بالشعر السياسي من الشعراء العرب حتى المعاصرين منهم مثل نزار قباني أو الجواهري أو أحمد مطر أو مظفر النواب. والأغرب من ذلك أننا ربما نكاد نجد القصائد المعروفة (لشعراء المهجر) الذي أصلا عاشوا في مجتمعات غربية وغير مسلمة مثل الأمريكيتين الشمالية والجنوبية يندر نسبيا فيها الشعر السياسي غير العربي ولهذا ربما نجد قصائد جبران خليل جبران وإيليا أبو ماضي وميخائيل نعيمة وهم في المهجر تعاني من مشكلة (الإغراق في المحليات) العربية. في زمن العولمة و(القرية الكونية) التي نعيش فيها أعتقد لا بد أن يكون للأدباء والشعراء اهتمام أكبر بأن تعكس قصائدهم واشعارهم مشاكل ومآسي الشعوب الاخرى سواء كانت كوارث طبيعية أو جرائم سياسية أو فقر اقتصادي أو تفكك أسري وأخلاقي.
 


الاثنين، 6 فبراير 2017

( رواد الآفاق .. مع الرعيل الأول للرحالة العرب )

رواد الرحالة العرب .. خطوات كتبت التاريخ
 
 
د/ أحمد بن حامد الغامدي
 
إدمان السفر ظاهرة نفسية واجتماعية هي في واقع الأمر ليست جديدة تماما في واقعنا المحلي ويبدو أن لها جذور وراثية فكل الصيد في جوف فرا الجينات (all in  the genes) كما يقال ومنذ أزل الواقع العربي كم تشكى المتشكون من كثرة سفر الحبيب الذي لا يضع عصا الترحال عن عاتقه:
ما آب من سفرٍ إلا وأزعجه       رأيُ إلى سفرٍ بالعزم يزمعهُ
كأنما هو في حِلِّ ومرتحلٍ         موكلٍ بفضاء الله يذرعهُ
 
يقال أن عدد السياح السعوديين المغادرين للخارج يقارب العشرين مليون مسافر سنويا (حيث ان البعض قد يسافر أكثر من مره في السنة) فهل من أسباب ومسوغات هذه الاحصائية الغريبة أن الشعب العربي تجري في دمائه مورثات وجينات الترحال وكأننا بكل بساطة نسير على خطى وخط سير أجيال واجيال العرب الرحل منذ زمن فينيقي لبنان وتجار قريش وحضارمة اليمن
ورشايدة السودان وبني هلال المغرب وعقيلات القصيم. ربما غالبية العرب اليوم هم من نسل العرب العاربة حيث أن أصل العرب من اليمن وبعد انهيار سد مأرب رحل أهل اليمن و(سافروا) قاصدين الشمال إلى القرى المباركة ومن عجيب أمرهم أنهم ذاقوا حلاوة السفر ومشاقه ورغبوا في أن يطول زمن سفرهم ولهذا دعوا المولى عز وجل (ربنا باعد بين أسفارنا) فكأنهم طلبوا النصب والتعب ربما بسبب عشقهم لنوع المغامرة المصاحبة لقطع المسافات الطويلة. وبالعودة لوراثة إدمان السفر من الرعيل الأول فهل جيناتنا الوراثية ما زالت تحمل في كروموسوماتها بقايا مثل هذه الطفرات الغريبة والعاشقة للسفر. 
 
وكما أن للسفر والهجرة جذورها الوراثية فلها كذلك أبعادها الدينية والتشريعية فبصورة ما حث الاسلام على السفر فحين تنص القاعدة الفقهية الصريحة بأن (ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب) فوسيلة الحج والجهاد وطلب العلم هي ولا شك السفر وبهذا يتغير التكييف الشرعي للسفر. وفي السيرة النبوية الشريفة كانت ابرز المحطات في حياة الرسول الأعظم وثيقة العلاقة بالسفر متمثلة في معجزة الاسراء والمعراج والهجرة النبوية للمدينة المنورة والسياحة الشرعية (أي الجهاد كما يفسر العلماء هذا اللفظ إذا ورد في القرآن) لقتال الاعداء فيما عرف بالغزوات النبوية. كما إن المولى يُذّكر كفار قريش بنعمه وآلائه عليهم والتي منها أ يسر لهم السفر والانتقال في أمن وأمان في رحلتي الشتاء والصيف ولا يتصور عاقل أن المولى عز وجل يمتن على عباده إلا بما هو حلال ومباح. بقي أن نقول أن السفر كغيره من الاشياء حسنه حسن وقبيحة قبيح أو بالصيني الفصيح يقول المثل (السفر يجعل الانسان العاقل أفضل والأحمق أسوأ).
 
مع الرعيل الأول للسياح العرب
اللغة العربية الفصيحة للعرب الاقحاح تسمي السرج الموضوع على الدابة كالجمل والحصان (الرَحَلَ) ولا شك أن المبنى اللغوي يدل على المعنى المعرفي بمعنى أنه لكثرة سفر وتنقل ورحيل رجل الصحراء والبادية سمي مجلسه ومتكئه رَحَلَ. ويمكن أن نستشف من ذلك (شغف وولع) الشعوب العربية منذ الأزل بالسفر والانتقال و (السياحة). من هذا وذاك نفهم لماذا منذ العقود الاولى للحضارة الاسلامية انتشر العرب والمسلمون في شتى بقاع الارض وإن كان تسوقهم دوافع مختلفة ومتنوعة جهادية أو تجارية أو دعوية أو معرفية. ولهذا لا عجب أن بعض المصادر التاريخية والجغرافية العربية تشير إلى أن الرحالة العرب منذ القرن الأول الهجري ليس فقط قد وصلوا إلى الصين في أقصى الارض الشرقي بل أنهم استوطنوها وأقاموا فيها جالية اسلامية كبيرة في مدينة خانفو (كنتون الصينية) وكان لهم بها وبغيرها مساجد ومشايخ وقضاة. أما في أقصى الارض الغربي فيقال بأن أول عربي يعرف عنه في المراجع التاريخية أنه أول من وطئ الاراضي الأوروبية كان طريف المعافري الذي قام في نهاية القرن الهجري الأول بمهمة استطلاعية على سواحل اسبانيا الجنوبية.
 
ما سبق ذكره كان (البعد الزماني) لعراقة رحلات الرعيل الأول للسياح العرب أما (البعد المكاني) العجيب والفريد الذي وصله الرحالة والتجار العرب فليس فقط وصلوا إلى الصين وشبة الجزيرة الكورية (كما ذكر ذلك خرداذبة صاحب كتاب المسالك والممالك) وروسيا والدول الأوروبية والجزر الإندونيسية والادغال الافريقية بل من المحتمل أنهم وصلوا حتى اراضي القارة الامريكية !!. وهذا ما ذكره المؤرخ العربي المشهور المسعودي في كتابه مروج الذهب حيث اشار بأن الرحالة العربي خُشاش بن سعيد قام في حدود نهاية القرن الثالث الهجري بجمع عدد من فتيان مدينة قرطبة الاندلسية وركب بهم بحر أوقيانوس (المحيط الاطلسي) وغاب في المحيط مده من الزمن ثم انثنى وعاد بغنائم واسعه (كما حصل لاحقا مع كولومبوس بعد حوالي خمسة قرون من هذه الحادثة). وبالرغم من أنه هذه القصة مشهورة في كتب التاريخ برحلة (الفتية المُغَررين) حيث قد ذكرها كذلك الشريف الادريسي في كتابه نزهة المشتاق إلا إن بعض المؤرخين يرجح أنهم لم يصلوا إلى القارة الامريكية نفسها وإنما وصلوا فقط لجزر الانتيل في الطرف الشرقي لأمريكا الوسطى.
 
وبما أننا في سياق الحديث عن الريادة الجغرافية للرحالة العرب منذ قرون الاسلام الأولى فلعل من الملائم التذكير الخاطف برعيل الجيل الأول من المسافرين العرب الذين اخترقوا الافاق واجتازوا المفاوز فالرحالة الشهير أحمد بن فضلان في مطلع القرن الرابع الهجري وصل إلى بلاد الخزر والصقالبة وحتى الدول الاسكندنافية (أرض الفايكنج) وكان في الاصل بدأ رحلته كمبعوث رسمي من قبل الخليفة العباسي المقتدر إلى ملك البلغار (دولة تترستان حاليا في روسيا) بعد أن اسلم وطلب من الخليفة أن يرسل له وفد يعلمهم شرائع دين الاسلام. وأما اسطورة المسافرين العرب ابن بطوطة فقد جاب الافاق وكان على وشك أن تصل به اسفاره المتواصلة إلى سيبيريا فبعد أن وصل إلى شبه جزيرة القرم ونهر الفولجا أراد أن يسافر إلى سيبيريا وهي التي يسميها أرض الظلمة لكنه غير رأيه في الاخير وقال (.. أضربت عن ذلك لعظم المؤونة وقلة الجدوى والسفر إليها لا يكون إلا في عجلات صغار تجرها كلاب كبار فإن تلك المفازة فيها الجليد ولا تثبت قدما الادمي ولا حافر الدابة فيها). وكذلك الجغرافي والمؤرخ المسعودي جاب الافاق والاقاليم المختلفة ومن أبرزها وصوله إلى أرمينيا في حين يقال أن الجغرافي الكبير الشريف الادريسي وصل إلى سواحل فرنسا وبريطانيا أما الرحالة والتاجر العربي أبن حوقل فقد استغرقت رحلاته ثلاثين سنة في منتصف القرن الرابع الهجري انتقل خلالها من أقصى نقطة معروفة في جنوب الارض في زمنه (20 درجة جنوب خط الاستواء) على الساحل الشرقي لإفريقيا إلى إحدى اقصى المناطق المأهولة شمالا وهي مدينة كييف عاصمة أوكرانيا.
 
والجدير بالذكر أن كتب التاريخ خلدت كذلك ذكر بعض الرحالة العرب من غير المسلمين مثل الرحالة اليهودي ابراهيم الطرطوشي الاندلسي الذي وصل إلى بولندا والتشيك أما الرحالة والقسيس الكاثوليكي إلياس الموصلي الذي نجده في القرن السابع عشر الميلادي يهاجر من العراق إلى ايطاليا واسبانيا ثم يعبر المحيط الاطلسي ليصل إلى أمريكا الجنوبية فيزور فنزويلا والارجنتين وتشيلي والبيرو قبل أن يمم شطره نحو المكسيك. أما امريكا الشمالية فوصلها في بداية القرن السادس عشر الميلادي المغربي مصطفى الأزموري الذي وصل كعبد رقيق إلى ولاية فلوريدا الامريكية ومات هنالك بعد أن اعتنق المسيحية وتحول اسمه إلى استيفانيكو.
 
الطيور العربية المهاجرة واستيطان الغربة
صحيح أن شاعر العربية الأوحد المتنبي عبر عن غربة و فرادة العربي في أرض المهجر بقوله الخالد و الفخيم:
ولكن الفتى العربي فيها             غريب الوجه و اليد و اللسانِ
ويغلب على الظن والله أعلم أن المتنبي غلبته روح التقمص الشعرية المعروفة لدى الشعراء بأنهم يقولون ما لا يفعلون فهو في واقع الأمر لم يمكث كثيرا في أرض الغربة الحقيقية ليذوق مرارتها حتى وإن قال (بما التعلل لا أهلٌ ولا وطنُ) فهو لم يغادر ديار العرب إلا لشهور قصيرة عندما زار مدينة شيراز في بلاد فارس لكي يمدح عضد الدولة. ومع ذلك تشهد كتب التاريخ أن عدد من العلماء والادباء والمفكرين العرب عاشوا بالفعل حياة الهجرة واستوطنوا بلاد الغربة وبعضهم توفي فيها.
تشير بعض المصادر التاريخية إلى أن وجود العرب كجالية مقيمة في الغرب يعود لفترة طويلة نسبيا حيث هاجر عدد من العرب في منذ القرن التاسع عشر إلى أوروبا والأمريكيتين الشمالية و الجنوبية. كلنا نعلم أنه في علم الأنساب للقبائل العربية نجد التقسيمات الشهيرة بأن العرب تنقسم إلى عرب بائدة (قبائل عاد و ثمود) و عرب عاربة (القبائل القحطانية) و عرب مستعربة (القبائل العدنانية)، و لكن بحكم أن حياة الشعوب في تطور مستمر و تجدد، لهذا لا غرابة و لا مشاحّة أن نطلق على فئام من عشائر العرب المعاصرين بأنهم (عرب مستغربة) أي بمعنى أنهم عرب يعيشون في الغرب. و تجدر الإشارة إلى أن أعداد بني يعرب المستوطنين للديار الغربية كبيرة جداً لدرجة أن بعض الإحصائيات تتوقع أن عدد العرب المقيمين في أمريكا وحدها يبلغ حوالي مليون و نصف عربي بينما نجد أن عدد العرب التقديري في أوروبا قد يصل إلى سبعة مليون فرد عربي. وبحكم اننا نتحدث هنا رواد الرحالة العرب فربما نحتاج لتسليط ومضات كاشفة ولمحات سريعة إلى (رواد المغتربين العرب).
من ذلك مثلا أن عالم الجغرافيا العربي الكبير الشريف الإدريسي يوصف أحيانا باسم (أبن إدريس الصقلي) لأنه عاش أغلب عمره وتوفي في منتصف القرن السادس الهجري في جزيرة صقلية (المسيحية)  وهو يعيش بكنف ورعاية الملك الصقلي روجر الثاني وكتابه المشهور (نزهة المشتاق في اختراق الافاق) تم تأليفه خصيصا لهذا الملك ولهذا يعرف أحيانا (بكتاب روجر). ومرة اخرى لا أعلم هل كان الشريف الإدريسي صادق العاطفة عندما قال بيته الشهير التالي أم أنه هو الآخر اجتالته روح التقمص الشعرية كما حصل مع المتنبي:
ليتَ شعري أين قبري          ضاع في الغُربة عُمري
أما الطبيب العربي الحسن الوزان المعروف باسم قسطنطين الإفريقي يقال بل أنه تم أسره عندما كان مسافرا في رحلة بحرية من تونس و من ثم اقتيد في بداية القرن العاشر الهجري إلى روما كهدية للبابا ليون العاشر الذي أجبره على اعتناق المسيحية و البقاء لسنوات طويلة في ايطاليا لتدريس اللغة العربية و ترجمة و تأليف النصوص الطبية و اللغوية و الجغرافية من العربية إلى اللاتينية. و أحداث هذه القصة الفريدة للحسن الوزان تم روايتها و صياغتها بأسلوب أدبي رفيع في رواية (ليون الإفريقي) للروائي اللبناني الشهير أمين معلوف.
 
في القديم كما في واقعنا المعاصر وجد من مشاهير العرب من أقام في ديار الغربة لأطماع دنيوية بحته (مثل الادريسي) أو بسبب الاقامة الجبرية والاعتقال ( الحسن الوزارن والازموري نموذجا) أو بهدف الدراسة وتحصيل المعرفة (كحال عالم النبات العربي ابن البيطار الذي عاش لعدة سنوات في اليونان وطاف إلى أقصى بلاد الروم) فكذلك بعضهم قد يقيم في أرض الغربة كلاجئ سياسي. وهذا ما حصل مع الأمير فخر الدين المُعنى أحد أمراء لبنان عندما حاول في مطلع القرن السادس عشر الميلادي أن يمد إمارته لتشمل سوريا الكبرى وبالتالي يستقل عن سيطرة الحكم العثماني في اسطنبول. وبعد أن تعرض فخر الدين المُعني لحملة عسكرية ساحقة أرسلها السلطان العثماني مراد الرابع فر إلى حلفائه وداعميه الاوروبيين فوصل في عام 1613 إلى مدينة فلورنسا عاصمة اقليم توسكانا الايطالي حيث عاش لعدة سنوات كلاجئ سياسي في حماية عائلة مديتشي ذات الاثر الكبير في عصر النهضة الأوروبي.
بقي ان نقول أنه في القرون الثلاثة الأخيرة ظهر نوع جديد من أسباب الاقامة الدائمة للمهاجرين العرب في أرض المهجر واستيطان الغربة ولكن لأهداف دبلوماسية وأبعاد سياسية، حيث اقام المئات من أبرز الكفاءات العربية في بلدان أجنبية على هيئة سفراء أو قناصل لدولهم وحكوماتهم. لا شك ان تاريخ الدبلوماسية الاسلامية والعربية عريقاُ جدا منذ زمن المبعوثين الذين ارسلهم الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم كسفراء له إلى الملوك والاباطرة والحكام. وكتب التاريخ زاخرة بقصص وأخبار سفراء خلفاء الاسلام مثل الامام الشعبي سفير الخليفة عبدالملك بن مروان إلى امبراطور الروم أو نصير بن الأزهر سفير الخليفة العباسي المتوكل إلى القسطنطينية أو تبادل السفراء والهدايا بين الخليفة هارون الرشيد وملك الفرنجة شارلمان. لكن هذا النوع من التواصل الدبلوماسي كان مؤقت حيث أن السفير أو مندوب الملك يسافر لفترة قصيرة ولهدف محدد للتفاوض باسم الخليفة أو عقد معاهدة أو فك وتخليص أسرى أو حتى لتقديم واجب التهنئة بتولي عرش أو مناسبه زفاف.  أما أغرب المهام التي أوكلت لسفراء ومبعوثي خلفاء الاسلام فهي من مثل حادثة أرسال الخليفة العباسي الواثق بالله لمبعوثه سلام الترجمان إلى شرق اسيا لمحاولة تحديد موقع سد ذو القرنين وكذلك ارسل نفس هذا الخليفة وفد من المبعوثين إلي اسيا الصغرى (غرب تركيا اليوم) لتزور وتصف كهف أصحاب الكهف.
وختاما من الصعب جدا أن نحدد متى بدأت ظاهرة الاقامة الدائمة للسفير أو اعضاء السلك الدبلوماسي العربي في أرض الغربة لفترة طويلة من الزمن لكن توجد اشارات إلى أن أحد اقدم السفراء العرب الدائمين في القارة الاوروبية كان السفير المغربي محمد بن علي أبجالي سفير ملك المغرب في لندن منذ عام 1725 أما عميد السفراء العرب في القارة الامريكية فمن المحتمل أنه كان سفير السلطاني العماني أحمد النعمان الكعبي الذي وصل إلى أمريكا عام 1840 في زمن الرئيس أندرو جاكسون. 
 


الخميس، 26 يناير 2017

(زريبة المواشي .. واحة للاكتشافات العلمية )

روث وتربة زريبة الماشي كان مصدر الهام للخيميائيين للبحث عن الذهب والعلماء لاستخلاص الادوية
 
 
 
د/ أحمد بن حامد الغامدي
 
باتفاق أغلب مؤرخي العلوم يعتبر القرن العشرين هو أكثر العصور البشرية زخما بالاكتشافات والاختراعات العلمية الكبرى والمحورية وقبل اختتام ذلك القرن بثلاث سنوات تم الاعلان عن أحد آخر الاكتشافات العلمية المذهلة إلا وهو (استنساخ النعجة دولي). عندما قام عالم الاحياء الاسكتلندي المرشح بقوة للحصول على جائزة نوبل السير إيان ويلموت عام 1997 بالإعلان عن هذا الحدث العلمي الاسطوري لم تكن الصورة الملتقطة له في مختبره العلمي ولكن في زريبة الغنم وهو يحتضن النعجة المدللة دولي. الدرس المستفاد (المظاهر خداعة) ولا تستهين أو تحتقر الشيء التافه والمحتقر فقد يخرج من طياته ورحمه الأمر العظيم الباهر. اسطورة العلم مدام كوري وزوجها الفرنسي بيير كوري توصلا لاكتشافهما لعنصر البولونيوم ومن ثم الحصول على جائزة نوبل من تجارب كانا يجريانها في كوخ مهجور كان يستعمله قسم الأحياء بجامعة السربون لجمع جيف حيوانات التجارب وعندما زارها عالم الكيمياء الألماني وليم أوستوالد (الحاصل علي جائزة نوبل في الكيمياء) في مختبرها أصيب بصدمة ومفاجأة كبيرة حيث وصف مختبر مدام كوري وكأنه (زريبة حيوانات أو مستودع بطاطا).
في الأثر النبوي الشريف (يوشك أن يكون خير مال المسلم غنما يتبع بها شعف الجبال) ولبهيمة الأنعام والماشية إجمالا فوائد اقتصادية ومنافع معيشية متنوعة ولكن من أغربها الفوائد العلمية التي يمكن تحصيها من روث البهائم. ولا أدل على أن روث ومخلفات الماشية يمكن أن تعتبر ثروة قومية يجرم ويمنع التفريط فيها من أن الملك الإنجليزي تشارلز الأول أصدر في عام 1627 مرسوماً ملكياً ينزع فيه من أصحاب المزارع حقيه التصرف في أرضية حظائر الماشية واسطبلات الخيول. والسبب في ذلك أن أعوان الملك كانوا يقومون بشكل دوري بتجميع تربة هذه الزرائب لاستخلاص المخلفات الحيوانية منها والتي لاحقا يتم معالجتها كيميائياً لإنتاج مركب نترات البوتاسيوم منها والذي يعتبر مكون أساسي في تصنيع البارود والمتفجرات. الطريف في الأمر أن المرسوم الملكي الانجليزي السابق الذكر ولنفس الهدف ألزم كافة رعايا الجزيرة البريطانية بتسليم سوائل البول البشري يوميا لأشخاص رسميين من الحكومة. الشيء بالشيء يذكر فإذا كان الملك الانجليزي بلغ التقدم التقني والبحثي (والحاجة بسبب الحرب) إلى محاولة تحويل البول إلى متفجرات فإن عالم كيميائي ألماني توصل لنفس الفرقعة العلمية بطريقة الصدفة لأنه كان بكل بساطة كان يعتقد بأنه بالإمكان استخلاص الذهب من البول. وهذا ما حاوله الخيميائي الألماني هينيغ براند الذي كان مقتنع في النصف الثاني من القرن السابع عشر أن اللون الاصفر للبول البشر يوحي بوجد الذهب فيه ولهذا حاول أن يقوم بتقطير واستخلاص الذهب من البول. وبعد أن قام براند بتجميع حوالي خمسين دلو من البول البشر قام بتخزينها لعدة أشهر في قبو منزله لعدة لكي تتخمر و بعد عدة طرق و محاولات مختلفة للمعالجة الكيميائية توصل أخيرا لمادة شمعية أكتشف بمحض الصدفة أنها بعدة فترة زمنية اصبحت تضيء في الظلام و إذا عرضت للهواء تحترق بشكل سريع مصدره لهب ساطع. و بهذا بدل أن يستخرج هذا الكيميائي الالماني عنصر الذهب من البول أكتشف بمحض الصدفة عنصر الفسفور والذي يمكن استخدامه بشكل أو آخر في الحروب في حال كان على هيئة الفسفور الابيض المجرم استخدامه دوليا والذي استخدمته إسرائيل بشناعة إجرامية ضد المدنيين العزل في قطاع غزة.
وبالعودة لزريبة المواشي ومحاولة تحصيل الثورة منها نجد أن الخيميائي الايطالي بيرنارد تريفيسان في القرن الخامس عشر ليس فقط حاول أن يكتشف حجر الفلاسفة (الذي يحول المعادن إلى ذهب) ويستخلصه من البول ولكن أيضا حاول البحث عنه واستخراجه من روث البهائم ونظرا لطرافة أفكاره وتأثيره بشكل أو آخر في تطور علم الكيمياء كانت قصة حياته هي الفصل الافتتاحي للكتاب البالغ التشويق (قصة الكيمياء : بواتق وأنابيق) للكيميائي الأمريكي برنارد جافي ومن ترجمة الكيميائي والأديب المصري الكبير الدكتور أحمد زكي وقد كان عنوان الفصل الذي حكى قصة الخميائي بيرنارد تريفيسان (البحث عن الذهب في روث البهائم). عالم أخر حاول الاستثمار (العلمي) من وراء حظائر وزرائب المواشي ومُني هو الأخر بفشل اقتصادي مخزي كان ذالكم العالم الالماني نيرنست صاحب القانون الثالث في علم الثرموديناميك والحائز على جائزة نوبل في الكيمياء لعام 1920 ميلادي. وكما هي حال العديد من العلماء هم مبدعون في العلم مفاليس تماما في التجارة. لقد كان العالم نيرنست يمتلك مزرعة شاسعة تحتوي على زريبة كبيرة للبقر وكذلك يوجد بالمزرعة بركة مائية يربي فيها بعض الأسماك النهرية. وبحكم أن نيرنست خبير في علم الثرمودايناميك فقد لفت انتباه في أحد أيام الشتاء ان حظيرة البقر دافئة بشكل ملحوظ وهنا استنتج بشكل صحيح أن سبب هذا الدفء كان ناتج من النشط الأيض الحيوي للأبقار. وهنا خطرت فكرة تجارية مربحة حسب توقعات نيرنست وهي أن يبيع جميع الأبقار التي يملكها وبدلا من تسخين مياه البركة المكلف يمكن توفير التكاليف بتحويل الاستثمار كله في الزراعة السمكية بشرط أن تمتلئ البركة بالسمك وبهذا تقوم بالتسخين الذاتي للمياه الباردة. طبعا بعد هذه التجربة الفاشلة علمياً والكارثيه اقتصادياً لم يحصل إلا تسخين طفيف جدا لمياه البركة بسبب أن المعامل الحراري للماء مرتفع وهي معلومة يعرفها طلاب المدارس فضلا عن عالم حاصل على جائزة نوبل في مجال علم الثيرموديناميك وهو ما يلقي ظلال من الشك على جودة الأبحاث العلمية لهذا العالم !!.
صحيح أن اغلب المحاولات لتحويل دمن الغنم روث البقر إلى ذهب ونقود فشلت ولكن هذا لا يعني أن (كل) تلك المحاولات كان هذا مصيرها فمنذ عام 1859 بدأت الفكرة العلمية المتعلقة بتحويل مخلفات المجاري وروث الحيوانات إلى غازات قابلة الاشتعال (من خلال عملية التخمير أو الهضم بالبكتيريا اللاهوائية)ومن ثم استخدام غاز الميثان الناتج في الطبخ أو توليد الكهرباء. لكن في اعتقادي الشخصي أن الجهة التي نجحت في (تحويل الروث إلى ذهب) بكفاءة عالية هي الحكومة النيوزلندية وذلك لأنها فرضت عام 2003 ضريبة مالية جديدة علي جميع تجار ومزارعي المواشي بحجة أن قطعان المواشي تتسبب في انتاج غاز الميثان وهو ما يؤدي إلى مشكلة الاحتباس الحراري ذات الاضرار الوخيمة على البيئة. الجدير بالذكر أن أصحاب المزارع في نيوزلندا قاموا بعمل مظاهرة حاشدة اغلقت شوارع العاصمة ويلينغتون احتجاجا ضد ضريبة الفساء (fart tax) البشعة هذه.
 
إسهام زريبة البقر في تطور الطب !!
يقال قديما أن آخر العلاج الكي ولكن لو سألت أبو الطب جالينوس ما أول العلاج فلربما قال لك (التمرغ بروث البهائم). لقد كان من الاخطاء المستغربة في تاريخ تطور الطب أن جالينوس كان يعتقد أن وجود وتكون القيح في الجروح دليل على احتمالية الشفاء حيث أن للقيح دور ما في تحقيق العلاج ولهذا نجد أن جالينوس لم يكن يتردد عن وضع روث الماشية في جروح مرضاه لتحفيز تكوين القيح وطبعا الله سبحانه وتعالي وحده يعلم كم تسببت هذه الوصفة الطبية العجيبة من مشكال طبية وتسمم بكتيري. بالرغم من هذه العثرة المخجلة في بداية خطوات مسيرة العلم إلا أنه تم الاكتشاف إن لتربة زريبة المواشية المعفرة بالروث الحيواني بعض الفوائد الطبية والآثار العلاجية الصيدلانية. لو سألت الشخص العادي منا من هو العالم والطبيب الذي يوصف بأنه (أبو المضادات الحيوية) لتوجه الفكر مباشرة للعالم الانجليزي الأسطورة ألكسندر فلمنغ مكتشف البنسلين لكن في الواقع كتب تاريخ العلوم والطب تخصص هذا اللقب (Father of Antibiotics) لعالم الميكروبات الأمريكي سلمان واكسمان الحاصل على جائزة نوبل في الطب عام 1952 نظير أبحاثه حول ميكروبات التربة واكتشافه لعقار ستربتوميسين المضاد الحيوي المستخدم لعلاج مرض السل. الجدير بالذكر أن واكسمان وفريقه البحثي اكتشفوا هذا العقار وعدد كبير من المضادات الحيوية الأقوى من البنسلين التي تفرزها استخلاص بكتيريا مجهرية تعيش في التراب والوحل dirt ولهذا قامت ومجاميع بحثية عديدة بالتنقيب عن البكتيريا والميكروبات المفيدة طبيا في جميع أنواع التربة والأوحال من كل أنحاء العالم. وما يهمنا هنا أنه في عام 1948 اكتشفت باحثتين علميتين من جامعة مدينة نيويورك نوع جديد من الأدوية المضادة للفطريات تم استخلاصه من روث وتربة مزرعة أبقار من ولاية فرجينيا وهذا العقار الصيدلاني فعال في علاج الأمراض المعدية التي تصيب الرئة والدماغ.
لتحقيق أسلوب ابو الطب جالينوس في أن (أول العلاج) التمسد والتمرغ بروث البهائم لابد من التوجه إلى أقرب حظيرة للماشية لتحضير تلك الوصفة الطبية ومن غرائب الصدف أنه بالفعل وجد أن مفهوم وطريقة (أول العلاج) في العصر الحديث تم اكتشافها في زريبة بقر. أحد اركان الطب الوقائي الحديث هو تطعيم الاطفال بالأمصال الطبية وهذه العملية بحق هي (أول العلاج) ولكن ألم تتم لحظة اكتشاف عملية التطعيم vaccination بعد زيارة أحد الأطباء لمزرعة ابقار. كما هو معروف فإن الطبيب الانجليزي إدوارد جنر أكتشف طريقة الوقاية الطبية من مرض الجدري المميت عندما لاحظ أن النساء القرويات الاتي يتعرضن للعدوى بمرض جدري البقر نتيجة عملهن في زرائب البقر لا يصبن بمرض الجدري الخطير وكأنهن بذلك يمتلكن مناعة ضد هذا المرض. وحتى يتأكد الطبيب جنر من صدق ملاحظته الطبية قام بشكل متعمد بتعرض طفل صغير للعدوى بمرض جدري البقر ثم بعد ستة اسابيع عرضه للعدوى بمرض الجدري المميت كان من حسن حظ هذا الطفل (ومن حسن البشرية لاحقا)  أنه لم يتأثر بالعدوى لأنه كان قد اكتسب المناعة المطلوبة. هذا ويعتبر اليوم سلاح التطعيم ضد الامراض من أهم الاكتشافات الطبية عبر العصور والتي بفضل من الله سبحانه وتعالي تم انقاض حياة مئات الملايين من الاطفال عبر عقود الزمن الحديث وكل هذا الانجاز الطبي الحاسم نتج بفضل زريبة البقر.
 
ولهذا ختاما بعد أن قام أحد الادباء القدامى بتأليف كتاب خاص بأهمية الكلب صديق الانسان الوفي وسماه (فضل الكلاب على كثير ممن لبس الثياب) أعتقد أننا لابد أن نسطر لفتة شكر وتقدير للأم الرؤوم وحلوة اللبن البقرة وبعد أن عرفنا دورها في الرفاه الاقتصادي والعافية الطبية لنا ولهذا هي تستحق عن جدارة أن نخصص لها كتاب بعنوان (نزهة الأبصار في تبيان فضائل الأبقار).


الجمعة، 20 يناير 2017

( بعد ٦٠٠ سنة .. الاسطول البحري الصيني يعود لمدينة جدة !! )

في عام 1421 ميلادي هل قام البحار الصيني المسلم تشينغ هي باكتشاف قارة أمريكا أم مدينة جدة
 
 
د/ أحمد بن حامد الغامدي
 
أُعلن قبل عدة ايام عن وصول اسطول صيني حربي (مكون من ثلاث قطع حربية) لمدينة جدة وهو خبر صحفي تم تداول واسع بالكثير من العاطفة الجياشة الغريبة في وسائل التواصل الاجتماعي. الجدير بالذكر أنه في عام ١٤٢١ميلادي وليس هجري (اي في القرن الثامن الهجري) وصل اسطول بحري كبير من مكون من عدة سفن صينية ضخمة كان بقيادة الاميرال ( أمير البحار ) الصيني الاسطورة تشينغ هي والذي كان مسلم الديانة وعرف في المصادر التاريخية العربية باسم (حجي محمود شمس). 
 
في مطلع القرن الخامس عشر تولت اسرة سلالة المينغ Ming زمام الحكم في الامبراطورية الصينية وهنا وصلت الامة الصينية الي قمة التطور التقني والعلمي والذي انعكس في بناء اكبر اسطول بحري شهدة التاريخ حتى بداية الحرب العالمية الاولى وكان هذا الاسطول البحري يتكون من٤٠٠ سفينة ضخمة كما احتاج لطاقم بحري كثيف تقدره كتب التاريخ بحوالي ٢٨ الف من البحارة والجنود. ولقد قام القبطان البحري المسلم تشنغ هي بقيادة هذا الاسطول العرمرم في سبع رحلات بحرية مشهورة جدا في التاريخ وصل في الرحلة السادسة منها والتي تمت في سنة ١٤٢١ الي مدينة جدة حيث قام بأداء فريضة الحج.
 
بدون أدنى شك كانت هذه الرحلات البحرية الصينية هي تعبير واضح ومباشر عن قوة النفوذ العلمي والتجاري والحربي للإمبراطورية الصينية والتي كانت مؤهلة تماما في القرن الخامس عشر للسيطرة علي العالم بسبب ضعف الدول الاسلامية في بدايات قرون الانحطاط كما ان الدول والممالك الاوروبية الغربية كانت لا زالت بعد لم تخرج من القرون الوسطى وعصور الظلام.
 
الغريب في الأمر أنه حصل فجأة في عام ١٤٣٣ (وهي بالمناسبة السنة التي توفي فيها القائد تشينغ هي) أن قرر الامبراطور الصيني إيقاف جميع الحملات البحرية ثم أعقب ذلك قيام الحكومة الصينية بتفكيك اسطولها البحري بل وصل المر لدرجة إصدار قانون يمنع بناء أي سفينة كبيرة. لقد اثار هذا القرار حيرة المؤرخين لأنه تسبب في انحسار النفوذ الصيني وعودة انغلاق الامة الصينية علي نفسها. على كل حال من المرجح أن سبب هذا الانغلاق الصيني يرجع لسيطرة الفكر والاتجاه المحافظ في المجتمع الصيني الذي خشي كثيرا من تغير افكار وطباع ومفاهيم المجتمع الصيني بعد ان أخذ البحارة الصينيين يحضرون معهم العديد من المنتجات والتحف والحيوانات الغريبة ( مثل الزرافة ) من الدول الاخرى.
 
علي كل حال لقد لطف الله بالمجتمعات العربية والاسلامية في القديم حيث لم تتعرض للاستعمار او نشوب حروب طاحنة مع الامة والحضارة الصينية في بداية القرن الخامس عشر عندما كانت الامة الصينة في قمة قوتها وجبروتها. كما نسأل المولى عز وجل أن يصرف مرة أخرى الاطماع الصينية الحالية عن شعوبنا العربية والاسلامية المنكوبة في واقعها المعاصر المهلهل سياسيا والمفلس اقتصاديا والمتناحر اجتماعيا وطائفيا.
 
بقي أن اقول أن شخصية القائد البحري الصيني المسلم تشينغ هي شخصية ثرية من الناحية التاريخية ولهذا عندما كنت قبل عدة سنوات في زيارة للعاصمة الصينية بكين حرصت على زيارة معلم سور الصين العظيم الواقع شمال العاصمة وفي الطريق إليه قام مرشدي السياحي الصيني بأخذي أولا لزيارة مدافن وأضرحة سلالة اسرة مينغ Ming الصينية العريقة والتي كانت هي الراعية الرسمية لرحلات القائد تشينغ هي. وفي المتحف الملاصق للضريح الضخم لمؤسسة سلالة مينغ الامبراطورية الحاكمة أخذ مرشدي السياحي يتكلم بحماس وفخر أمام صورة القائد البحري المسلم تشينغ هي وخارطة الرحلات السبع الكبرى للأسطول الصيني. وعندما ذكرت للمرشد السياحي أن هذا القائد البحري معروف في كتب التاريخ العربية ومعروف بأنه مسلم الديانة وهنا تغير وجه المرشد وبدأ يكفهر (وبهت الذي كفر) فبالرغم من انني قد أخبرته منذ البداية بجنسيتي وبلدي إلا انه كما اعتقد تعمد أن يخفي عني أن هذا شخص مسلم وكان فقط يقدمه وكانه شخصية وبطل صيني عظيم.
 
وختاما ليس فقط أثار هذا القائد البحري إعجاب الأمتين الصينية والاسلامية بل أنه أثار اهتمام عدد كبير من الغربيين والامريكان بالذات وذلك لأنه نشر في عام 2008 كتاب بعنوان (1421 العام الذي اكتشفت فيه الصين أمريكا) وهو كتاب قام بتأليفه ضابط سابق في البحرية البريطانية له اهتمام واسع بتاريخ الرحلات البحرية. وفي هذا الكتاب (الذي اصبح من أكثر الكتب مبيعا في العالم) يزعم مؤلفه Menzies  أن الاساطيل البحرية الصينية بقيادة البحار الصيني المسلم تشينغ هي قد وصلت في عام 1421 ميلادي إلى أمريكا وأقامت مستعمرات هنالك وذلك قبل وصول كولومبوس للقارة الامريكية بحوالي سبعين سنة كاملة.  على كل حال بالنسبة لي يوجد شك كبير أن تشينغ هي قد (اكتشف) في عام 1421 أمريكا أما الامر الثابت تاريخيا أن العالم الاسلامي والشعب العربي هو من (اكتشف) وتعرف على هذا القائد البحري الاسطورة عندما وصل لمدينة جدة عام 1421 ميلادي.
 رحم الله القائد البحري المسلم حجي محمود شمس (الملقب بالصيني الفصيح تشينغ هي) والذي يعرفه ويفخر به بن الاصفر الصينيون ويتعجب منه بني الاحمر الامريكان ولا يعرفه أخوانة في الديانة والعقيدة.


السبت، 14 يناير 2017

( برودة الشتاء تؤجج زخم الابحاث العلمية !! )

حتى في الشتاء الكئيب .. المختبر العلمي لا يعدم الوسيلة للترفيه والمتعة
د/ أحمد بن حامد الغامدي
لطالما ارتبط الشتاء بالصيف كارتباط الليل بالنهار أو كتلاحم اليّن الاسود واليانغ الابيض في الفلسفة الصينية القديمة ولهذا جال في البال أن يتم تخصيص مقال عن قصص واخبار العلماء والمخترعين في الشتاء كما سبق وأن أشرنا لطرف عن أخبارهم في بداية الصيف الماضي عند الحديث عن (العلماء والاجازات). إن سياق الاخبار والقصص ولا شك دائما مسلي ومرغوب ولذا سوف نسير على خطى وليم شكسبير فبعد أن كتب أولاً مسرحية (حلم ليلة منتصف الصيف) ألحقها بعد ذلك بسنوات مسرحيته المقابلة (حكاية الشتاء)  ولهذا بعد أن كتبنا مقال (العلماء والصيف) لعلنا نستعرض هنا حال (العلماء في الشتاء).
في الثقافة الاسلامية يوصف الشتاء بأنه (غنيمة المؤمن الباردة) لأنه وقت مثالي للعبادات فنهاره بارد وقصير يسهل الصوم فيه بينما ليله طويل وهادئ وهي التوليفة المساعدة على قيام الليل والخشوع فيه. وبشيء من التجاوز يمكن أن نصف حال  بعض العلماء بأنهم كانوا يقومون الليل في محراب العلم ومن ذلك مثلا أن أبن سينا في أوائل شبابه طلب من سلطان مدينة بخارى أن يسمح له أن يتردد على مكتبة قصرة الضخمة وأن يسهر الليل فيها وهو يطالع مجلدات أمهات الكتب. العالم الكبير إسحاق نيوتن مشهور بأنه أحد أعظم علماء الفيزياء والرياضيات ولكن قلة من الناس من يعرف بأنه كان (خيميائي) شغوف بالبحث وإجراء التجارب الكيميائية لدرجة أنه لم يكن يأوي إلى فراشة قبل الساعة الثالثة بعد منتصف الليل وعندما كان يستغرق في تجاربه الخيميائية كان موقد مختبره لا ينطفئ وتستمر بعض تفاعلاته لعدة اسابيع متواصلة. ومثل نيوتن الذي كان يتحنث طوال الليل في محراب العلم نجد أن اسطورة العلم مدام كوري قبل أن تنجح في اكتشاف وفصل عنصر الراديوم كانت تسهر الليالي الطوال وهي تحرك مزيج يغلي من المواد الكيميائية بواسطة قضيب طويل من الحديد وهذا العمل الشاق تسبب في انهاك صحتها لدرجة أنها لم تستطيع السفر بعد ذلك إلى السويد لتستلم جائزة نوبل في الفيزياء.
إذا كانت ليلي الصيف تمنح السمر فإن ليالي الشتاء تورث الحكمة حيث أن هدوء وسكون الليالي الشاتية يوفر الفرصة الكافية للتفكير والتدبر ولهذا لا عجب أن بعض أهم الاكتشافات العلمية تمت في سكون الليل وليس في ضجيج المعامل والمختبرات. خذ على سبيل المثال أهم اكتشاف علمي في القرن العشرين وهو تحديد التركيب الكيميائي للحمض النووي DNA فحسب عالم الاحياء الامريكي جيمس واطسون الحاصل على جائزة نوبل الذي أشار في كتابه (اللولب المزدوج) والذي هو روايته الشخصية له عن قصة اكتشاف تركيب DNA أن بعض المراحل الجوهرية في ربط المعلومات للتوصل لهذا الاكتشاف العلمي التاريخ تمت في بعض ليالي الشتاء لشهر فبراير من عام 1953 ميلادي. وقبل ذلك تقريبا بقرن من الزمان أي في ليلة السابع عشر من شهر فبراير لعام 1869 توصل العالم الروسي الشهير ديمتري مندلييف لوضع تصور أولي للفكرة العلمية الثورية المتعلقة بالجدول الدوري للعناصر الكيميائية حيث كان تشغله قضية إيجاد طريقة علمية منضبطة يمكن من خلالها تصنيف وترتيب جميع العناصر الكيميائية بشكل سليم. الطريف في الأمر أن مندلييف نفسه قد أعترف أن فكرة الجدول الدوري للعناصر قد جاءته في حالة إلهام تمثلت في رؤية مناميه حلم بها تلك الليلة.  عادةً يقال أن (الشتاء أحلام) فظلامه الطويل وليليه الدافئة تحت دثار الكساء تغري بالنوم ولهذا تكثر أحلام العلماء كغيرهم من البشر خلال فصل الشتاء. 
ومن الأمثلة الإضافية لأحلام العلماء في الشتاء أن أحد أهم علماء الكيمياء في القرن التاسع عشر وهو العالم الألماني أوغيست كيكوليه تمكن من حل أحد أصعب المعضلات في الكيمياء العضوية والمتعلقة بفهم تركيب جزيء البنزين من خلال حلم عجيب شاهده في المنام في إحدى ليالي شهر ديسمبر لعام 1855 ميلادي. تقول القصة أنه عندما استرخى كيكوليه في منزله أمام المدفأة وهو مشغول البال بالتفكير في أحجية تركيب جزيء البنزين غلبه النوم وشاهد في الحلم سلاسل من ذرات الكربون تمثلت على شكل الافاعي والتي كانت  تتذبذب و تهتز  امام عينية و فجأة عضت إحدى هذه الافاعي بفمها على ذيلها مكونة شكل حلقة المتصلة. و عندما استيقظ كيكوليه من منامه قضى بقية تلك الليلة الشهيرة وهو يسجل فكرة هذا الحلم و يختبر احتمالية الشكل الحلقي لمركب البنزين.
لفهم سياق تاريخ العلم .. فتش عن الشتاء
من صور الترابط بين فصل الشتاء والاكتشافات العلمية أن بعض هذه الاكتشافات كان للبعد الزمني الشتوي دور حاسم في التوصل لها ومن ذلك مثلا أن اكتشاف ظاهرة النشاط الاشعاعي للعناصر كثيرا ما توصف بأنها اكتشفت (بالصدفة serendipitously) علي يد عالم الفيزياء الفرنسي هنري بيكريل ومع ذلك لم يكن من الصدفة ان هذا الاكتشاف العلمي المميز حصل في زمن الشتاء. السبب في ذلك أنه أثناء شهر فبراير من عام 1896 كان بيكريل يجري تجربة على أحد مركبات اليورانيوم والتي كان يعتقد (بشكل خاطئ) أنها إذا تعرضت لضوء الشمس يمكن أن تصدر اشعة مشابه بصورة ما لأشعة إكس. ولكن كما هي عادة الطقس في مدينة باريس أثناء شهر فبراير لم تشرق الشمس لعدة أيام ولهذا قام بيكريل بوضع بلورة مركب اليورانيوم في درج مختبره وبالقرب من لوح زجاجي لأفلام التصوير وطبعا بقية قصة الاكتشاف مشهورة ومعلومة. وكذلك أعتقد أن لفصل الشتاء دور حاسم في نجاح التجربة المشهورة للفيزيائي والسياسي الأمريكي بنجامين فرانكلين الذي حاول في عام 1752 اثبات أن البرق هو عبارة عن شرارة كهربائية هائلة وذلك من خلال تجربته الشهيرة في إطلاق طائرة ورقية مزودة بحافة حادة وجعلها تحلق في عمق سحابة رعدية عاصفة وماطرة. 
بالرغم من أن اكتشاف مركب النايلون كثيرا ما يوصف بأنه تم عن طريق الصدفة  في عام 1934 إلا إننا لا نستطيع أن نغفل مرة أخرى أنه من غير الصدفة أن يتم هذا الاكتشاف في فصل الشتاء. السبب في ذلك أن الفريق البحثي للمخترع الامريكي الكيميائي والاس كاروثرز فشل لمدة طويلة في تصنيع خيوط حريرية صناعية وكل ما توصل له كان فقط مادة بولمرية لزجة وذائبة في دورق زجاجي. وفي إحدى أيام شهر فبراير الباردة من تلك السنة أخذ أحد الباحثين في المختبر (يلعب) بتلك المادة اللزجة عندما لاحظ أنه يمكن أن يتم سحبها باستخدام قضيب زجاجي ومطها على شكل خيوط رفيعة من النايلون. وبهذا تتضح البصمة الثلجية للشتاء في اختراع النايلون من خلال اكتشاف ظاهرة وتقنية السحب على البارد cold drawing لخيوط النايلون والتي ربما لم تكن لتكتشف في فصل الصيف مثلا. 
الجدير بالذكر أن للشتاء دور حاسم ليس فقط في التوصل للاكتشافات العلمية ولكن أحيانا حتى في وقوع (الكوارث العلمية) ومن أبرز ما يمكن ذكره في هذا السياق أنه لأمراً ما وقعت كارثة انفجار ماكوك الفضاء تشالنجر في فصل الشتاء بالذات. سبب هذه الكارثة العلمية الاليمة أنه في عام 1986 تمت عملية الاطلاق الأخيرة لمركبة الفضاء هذه في يوم 28 يناير والذي صادف أن يوم كان شديد البرودة مما تسبب في ضعف وتشقق الحلقات المطاطية التي تربط بعض أجزاء خزانات الوقود الضخمة للماكوك وبتسرب وقود الصواريخ للخارج حصلت الكارثة المريعة في كبد السماء.
الشتاء .. موسم حصاد الاختراعات العلمية
العلماء والمخترعون لا يعانون من ظاهرة (البيات الشتوي) ولهذا على خلاف المتوقع قد يكون موسم الشتاء من أكثر فصول سنة إنتاجية علمية بسبب التفرغ شبه الكامل (لأجواء) البحث العلمي. وبعد قيامي باستقراء وحصر للاكتشافات العلمية الكبرى والاختراعات التكنولوجية التاريخية تبين لي أن عدد كبير منها تمت خلال فصل الشتاء ولولا خشية الاطالة لتم سرد تفاصيل تاريخ كل اكتشاف علمي باليوم والشهر والسنة. ما يستحق التنويه له بجدارة أن ليالي الشتاء الملبدة بالغيوم لم تحل دون حصول عدد كبير من الاكتشافات الفلكية واختراعات علم الفضاء خلال اشهر الشتاء. فهذا جاليليو الذي كان أول عالم يستخدم التلسكوب لدراسة الاجرام السماوية مكتشفا بذلك أقمار كوكب المشتري وتضاريس سطح القمر وقد كان ذلك في شتاء عام1610 وقبله بحوالي اربعين سنه رصد عالم الفلك الدنماركي المعروف تايكو براهي في ليله شاتيه ظاهرة نجوم السوبر نوفا أما في شتاء عام 1930 وفي ليله 18 فبراير أكتشف الفلكي الامريكي كلايد تومباو كوكب بلوتو في حين في شهر فبراير من عام 1967 أكتشف لأول  مره ما تسمى النجوم النابضة pulsar تلك الظاهرة الفلكية العجيبة. أما الاختراعات التقنية التاريخية التي تم تدشينها خلال الشتاء والمتعلقة بعلوم الفضاء فهي إطلاق أول قمر صناعي في التاريخ (القمر الصناعي الروسي سبوتنك) وذلك عام 1957 وكذلك تم إطلاق محطة الفضاء الروسية مير أثناء شتاء عام 1986ميلادي.
وبالانتقال الآن لأبرز الاكتشافات الطبية والاختراعات العلمية المرتبطة بتقدم وتطور الطب يمكن أن نشير إلى أن أوقات الشتاء الباردة عبر السنين المختلفة صاحبت فصل واكتشاف فيروس شلل الاطفال وأول استخدام طبي للأدوية الانسولين ومواد التخدير وإصدار براءة اختراع الاسبرين. أما في جانب إجراء العمليات الجراحية التاريخية فمثلا شهد شهر ديسمبر في سنوات مختلفة أول عملية زراعة قلب (1967) وأول  عملية زراعة ونقل كلية (1954) كما حصل في الثالث من ديسمبر لعام 1982 أول عملية زراعة قلب اصطناعي. 
وفيما يتعلق بالاختراعات التقنية المفصلية في تاريخ البشرية نجد أنه في بداية اشهر الشتاء من عام 1821 أخترع العلم البريطاني المعروف مايكل فاراداي أول محرك كهربائي وبعد ذلك بحوالي نصف قرن وفي شهر ديسمبر استعرض المخترع الاسطورة توماس أديسون أول مصباح كهربائي. ويبدو أن شهر ديسمبر كان دائما مع موعد مع تاريخ الاختراعات الكبرى ففيه شهد عام 1903 قيام الاخوين رايت بأول محاولة طيران ناجحة وفيه حلقت أول طائرة كونكورد كما شهد هذا الشهر الثلجي اختراع الترانسيستور وتم فيه عرض أول جهاز راديو. ولا تقل أهمية وإسهام شهر يناير في إضرام وإشعال زخم الاختراعات العلمية المفصلية ففيه قام المخترع الأمريكي صمويل مورس عام 1838 بإرسال أول برقية بجهاز التلغراف وفية تم اخترع الفولاذ وإصدار براءة اختراع الميكروويف والأهم من ذلك أن يوم 22 يناير لعام 1939 شهد بداية تجارب الانشطار النووي والتي سوف تقود لاحقا لتصنيع القنبلة الذرية. 
أما نصيب شهر فبراير من الاختراعات التقنية التي غيرت وجه العالم ففيه أصدر المخترع الامريكي جراهام بيل براءة اختراع الهاتف وفي شهر فبراير تم إجراء أول تجربة للبث التلفزيوني وفيه ايضا تم أول استخدام لجهاز الرادار وتشغيل أول جهاز كومبيوتر واختراع النايلون وإصدار براءة اختراع أول محرك ديزل واختراع آلة الخياطة.


الجمعة، 6 يناير 2017

( في زمن الحرب .. اللوحة الفنية أقوى من ألف خطبة )

لوحة جرونيكا لبيكاسو .. ما مدى تطابق مأساة حلب مع مأساة مدينة جرونيكا الاسبانية
 
 
د/ أحمد بن حامد الغامدي
في الاوضاع الاعتيادية يقال أن (الصورة أبلغ من ألف كلمة) لكن في حالة الهرج والمرج والاهوال المصاحبة للحروب والقتال والدمار يكون الواقع المر عدسة مكبرة تُبرز حقيقة الاشياء ولهذا الصورة الضوئية أو اللوحة الفنية ليست أبلغ من ألف كلمة بل أبلغ من الف خطبة. بدون جدال يعتبر الرسام الاسباني بابلو بيكاسو أحد اشهر الرسامين في جميع العصور لكن هل من قبيل المصادفة أن تكون لوحته المسماة (جورينكا Guernica) والتي هي أهم وأبرز لوحاته التشكيلية على الاطلاق وأكثرها تأثيراً هي لوحة عن الحرب والدمار. الجدير بالذكر أن أجواء وملابسات ودوافع بيكاسو للقيام برسم هذه اللوحة الشهيرة تتطابق تماما مع حالة المأساة الانسانية الشنيعة في مدينة حلب السورية التي تعرضت لقصف جوي أثيم ومروع. جورينكا هي مدينة بائسة في إقليم الباسك شمال اسبانيا وأثناء الحرب الاسبانية الاهلية قامت طائرات حربية ألمانية وإيطالية مساندة لقوات القوميين الاسبان بقصف المدينة عام 1937 مما تسبب في مجاز رهيبة للمدنيين ودمار شامل لهذه المدينة وقد كانت شدة القصف مقصودة بهدف إحداث صدمة الرعب لغرض ترويع وإجبار الحكومة الجمهورية الاسبانية على الاستسلام وهو ما حصل لاحقا. ما يهمنا هنا أن بيكاسو قام برسم هذه اللوحة المميزة والتي تعرض مأساة الحرب والدمار والمعاناة التي تتسبب فيها الحروب للشعوب والبشر. الغريب في الامر أن هذه اللوحة التي قصد منها دعاية سياسية في الاصل (لأنها كانت بطلب من الحكومة) تحولت إلى أيقونة (لوحة الحرب التي أشاعت السلام). حيث طافت هذه اللوحة العالم بالرغم من أنها لوحة جدارية ضخمة في جولة هدفت هذه لنشر السلام والتحذير من الحرب ولهذا لا غرابة أن نسخة طبق الأصل منها كانت معلقة أمام مدخل قاعة مجلس الامن في الامم المتحدة. لكن ما أصابني بالذهول غير المتوقع أنني كنت أعتقد أن تلك اللوحة في الامم المتحدة هي اللوحة الاصلية ولذلك قبل عدة سنوات عندما كنت أتتبع لوحات بيكاسو في المركز الوطني للفنون (متحف الملكة صوفيا) في مدريد إذا بي اشاهد تجمع كبير للجمهور أما لوحة ضخمة كانت هي عينها لوحة جورينكا ولذا أخذت أتمتم بيني وبين نفسي شعر نزار قباني عن غرناطة (ما أطيب اللقيا بلا ميعادِ).
وبالعودة لموضوع ارتباط الحرب والقتال بالحركة الفنية التشكيلية وتسبب أهوال وويلات الحرب في إلهام أشهر واهم اللوحات الفنية الخالدة يعلم الجميع أن أبرز وأشهر الرسامين العالميين بعد بيكاسو هو مواطنه الرسام الاسباني المعروف سلفادور دالي والذي كان هو الآخر بعض أهم أعماله الفنية على الاطلاق مرتبطة بالحروب ومآسيها مثل لوحته الفنية الشهيرة التي سماها (وجه الحرب) والتي رسمها عام 1940 ميلادي أي في بدايات الحرب العالمية الثانية. هذه اللوحة البشعة تمثل رسمة وجه بلا جسد في صحراء قاحلة حيث أن الوجه الذابل والكئيب يعطي (ملامح) بؤس الحرب ودوامتها الفظيعة. في واقع الامر تجدر الاشارة إلى أن سلفادور دالي كان مهموس وحساس جدا لفظائع ومشاكل الحروب والقتال لدرجة أنه كان يفخر بأنه تنبأ بحصول الحرب الاهلية الاسبانية قبل وقعها بفترة من الزمن وبسبب هذا الحس الداخلي أو الهاجس premonition قام سلفادور دالي برسم لوحته الذائعة الصيت (هاجس الحرب الاهلية premonition of civil war) قبل اندلاع الحرب الفعلية بستة أشهر. وفي هذه اللوحة يصور سلفادور دالي العنف والهلاك الناتج من الحرب الاهلية في صورة وحش بشري يتصارع مع نفسه مما يؤدي إلى (انشطاره الداخلي) بحيث تصبح اليد في جزء منه في حالة نزاع وتدافع مع الرجل في الشطر الآخر من الجسم.
وبالجملة ينبغي ان لا نستغرب (هوس وهاجس) الرسامين التشكيليين اتباع المدرسة الفنية السريالية وخوفهم من الحرب وكثرة اعمالهم الفنية والتشكيلية المرتبطة بالحروب والدمار فكما هو معلوم فإن أصل ظهور وانتشار المذهب والاتجاه السيريالي في الفنون كان أثناء الحرب العالمية الكبرى (الحرب العالمية الاولى) والتي لم يسبق للبشرية أن تعرضت لمثل هذه الدرجة والبشاعة للفظائع والجرائم المتعلقة بالحروب.    
بشاعة وقسوة الحرب الاهلية وانعكاسها على الاعمال الفنية الشهيرة نلتقي بها مرة ثالثة مع ثالث أشهر رسام اسباني وهو الفنان التشكيلي الكلاسيكي فرانسيسكو جويا Goya أحد أهم الرسامين التشكيلين في عصر الأنوار والرسام الملكي في بلاط الملك الاسباني تشارلز الرابع. وكما كانت أشهر وأهم اللوحات الفنية لبيكاسو وسلفادور دالي مرتبطة بشكل اساسي بمآسي وأهوال الحرب والقتال نجد كذلك أن الرسام جويا اشتهر بسلسلة لوحاته التي تعرف باسم (كوارث الحرب) والتي هي في غالبها انعكاس لانطباعات هذا الرسام عن تعرض بلده اسبانيا للاحتلال الاجنبي على يد جيوش نابليون بونابرت في عام 1807م. ومع ذلك تعتبر لوحة فرانسيسكو جويا المسماة : الثالث من مايو 1808 (البعض يسميها لوحة الإعدام أو المُعدَمين) أكثر لوحاته شهرة على الاطلاق وهي التي رسمها بهدف تخليد بطولة المقاومة الاسبانية في تصديها للاحتلال الجيش الفرنسي. وتُظهر هذه اللوحة فضائع وجرائم الحرب من خلال تمثيل قيام فرقة إعدام فرنسية بإطلاق النار وتصفية عدد من المدنيين العزل حيث تتم عملية الاعدام على شكل دفعات ففئات من أعدمت بالفعل وفئات أمام فوهات البنادق بينما دفعة ثالثة تنتظر مصيرها وهي في ذروة الحزن والفزع. بقي أن أقول أنه إذا كان لوحات بيكاسو هي أبرز ما في متحف المركز الوطني للفنون (متحف الملكة صوفيا) في مدريد فقد لاحظت أن الرسام فرانسيسكو جويا هو الملك المتوج بلا منازع في متحف برادو في مدريد وهو أحد أهم المتاحف الفنية على الاطلاق في أوروبا في حين لم أجد ولا لوحة واحدة لبيكاسو في هذا المتحف الراقي.
من حلب السورية إلى جورينكا الاسبانية .. يا أخت أندلسٍ عليكِ سلام
ما أود التأكيد عليه أنه توجد محاور تطابق متعددة بين مأساة حلب السورية المعاصرة وبين مأساة جورينكا الاسبانية الغابرة فكلاهما كانت نتائج حرب أهلية طاحنة تسببت في انشطار وانقسام حاد للمجتمع السوري والاسباني وكلا المدينتين تعرضتا لعدوان خارجي إجرامي من دول مساندة للطغيان والقهر. فكما دعم الشيوعي الروسي والشيعي الايراني نظام الاسد المجرم في حلب دعمت ألمانيا النازية وإيطاليا الفاشية النظام العميل الاسباني المعروف زورا وبهتانا بحركة القوميين الاسبان. وعلى الرغم من أن أسم هذه النزاع الدموي (الحرب الاهلية) إلا أنها في واقع الامر كانت أبعد من  تكون محصورة في نطاقها المحلي فهي كانت بالفعل حرب بالوكالة بين الالمان والايطاليين الذين يدعمون المنشقين الفاشيين من القوميين الاسبان بينما كان الاتحاد السوفيتي وفرنسا وبريطانيا وأمريكا يدعمون حكومة الجمهورية الاسبانية. التكتيك الحربي الشنيع المسمى (الصدمة والترويع shock and awe ) استخدم كثيرا في ساحات القتال والذي يهدف إلى بث الرعب والخوف في صفوف الخصم مما يدفعه للاستسلام أو التهجير والاخلاء وهذا ما حدث مع عصابات الهجناه الاسرائيلية وترويع الفلسطينيين في حرب 1948 وترويع حزب الكتائب المسيحي للمسلمين السنة في بيروت الغربية في الحرب الاهلية اللبنانية وكذلك في القصف المجرم والاثيم للروس على مدينة جروزني الشيشانية عام 1994 واستخدمه الصرب في قصف مدينة سراييفو عام 1992 ويستخدمه الروس اليوم بقصف مدينة حلب وهو نفس ما حصل عام 1937 في القصف الشنيع والمجرم لمدينة جورينكا الاسبانية كما سبق ذكره. يبقى أن نقول أن الظلم والطغيان والقهر مهما طال وانتشى وتسيد لابد أن يزول يوما ما فبعد ذلك القصف الرعيب انتصرت قوات القوميين الاسبان الفاشيين بقيادة الطاغية الاسباني اللعين فرانسيسكو فرانكو والذي وإن استمر حكمه الديكتاتوري والاستبدادي لمدة 36 إلا أن الامة الاسبانية في خاتمت المطاف تنسمت هواء الحرية وعادت أخيرا لصفوف الدول والشعوب الحرة والغنية والمستقرة.
وختاما واقعنا العربي مرير للغاية وركيك في جميع نواحيه السياسية والعلمية والادبية وحتى الفنية ولهذا لا يتوقع أن تصدر لوحات فنية تشكيلية ذات مستوى عالي تلفت الانظار لمآسي الشعوب العربية كما حصل من نجاح الفنانين والرسامين الاسبان عبر العصور في تخليد مشاعر وأحاسيس شعوبهم حيال القتال والدمار. الشعوب العربية لم تحسن إلا السخرية والاستهزاء وهو ما أنعكس في انتشار فن رسم الكاريكاتير السياسي ومع ذلك لم يتحمل الطغاة العرب حتى هذه الشخبطات الهزلية فقد تم اغتيال أشهر رسام عربي معاصر وهو الفلسطيني المناضل بالريشة ناجي العلي (مبدع شخصية حنظلة) بينما رسام الكاريكاتير السوري المعروف على فرزات وبالرغم من أنه كان يوما ما صديقاً مقرباً من الطاغية بشار الاسد إلا أن هذا لم يحميه من أن يتم ضربه والاعتداء عليه وتعمد كسر أصابعه. وعلى كل حال إن كان الرجال الشرفاء من كل جنس ولون اهتزت ضمائرهم للوحات بيكاسو حول دمار وخراب جورينكا فإن كل من في قلبه ذره من انسانية ورحمة صُدم للصور الفوتوغرافية الصاعقة لمعاناة أطفال سوريا كمثل صورة الطفل السوري الغريق إيلان كردي أو صورة الطفل السوري المصدوم والمذهول عمران أو عشرات صور الاطفال السوريين الذين أبكوا العالم لمناظرهم وهم قتلى جراء الغازات السامة أو تحت الانقاض.
وقبل أن نغادر لعل من الملائم التذكير بكارثة وقعت على مدينة أخرى من مدن الاسلام السليبة (فكلنا في الهم شرقُ) والتي تعرضت للدمار والخراب فأصبحت مدينة فقدها الاسلام وسلبت منه وتلك كانت مدينة أضنه التركية التي وقعت تحت الاحتلال البلغاري في عام 1912 بعد أن أبلت مقاومتها بلاءً حسناً كحال رجال مقاومة حلب اليوم. ولهذا رثى أمير الشعراء أحمد شوقي مدينة اضنة بقصيدة أطلق عليها أسم (الاندلس الجديدة) فكما خسرنا الاندلس خسر الشاعر في زمانه هذه المدينة الاسلامية الهامة تاريخيا والتي فيها قبور وآثار عدد كبير من سلاطين بني عثمان. في تاريخ المدن تنشر ظاهرة (التوأمة) بين المدن المتشابه نسبيا لذا سوف نستعين بقصيدة أحمد شوقي الاندلس الجديدة ونجعلها وكأنها خطاب ونداء من حلب الساليبه (الاندلس الثالثة) إلى أختها الاندلسية مدينة جورينكا الاسبانية:
يا أُخت أندلسٍ عليك سلامُ     هوت الخلافةُ عنك والاسلامُ
جُرحان تمضي الأمتان عليهما    هذا يسيل وذاك لا يلتامُ
ما بين مصرعها ومصرعكِ انقضت     فيما نحبُ ونكره الايامُ
والدهرُ لا يألو الممالكَ منذراً     فإذا غفلنَ فما عليه ملامُ
أخذَ المدائن والقُرى بخناقها    جيشٌ من المتحافلين لُهامُ
غطّت به الارض الفضاء وجوّها    وكست مناكبها به الآكامُ
تمشي المناكر بين أيدي خيلهِ      أنّي مشى والبغي والاجرامُ