الثلاثاء، 9 يونيو 2020

( عندما يحزن العيد )

التجديد في العيد (عيد الكمامات)

د/ أحمد بن حامد الغامدي

قديما قيل (وبضدها تتبين الأشياء) والقائل هو طيب الذكر المتنبي فهو وإن كان نبهنا إلى أن نقيض الشيء وضده يبين كمال صورة الأصل فالليل يجلي جمال النهار والحزن يبين بهجة الفرح، إلا أن المتنبي بمخيلته الأدبية النافذة عرفنا في سياق مختلف بنقص القاعدة التي يتشدق بها علماء المنطق (الأضداد لا تجتمع). بهجة السرور قد تكون ممزوجة بمرارة الفجيعة فهذا المتنبي مرة أخرى يصف حال وقع صدمة خبر وفاة والدة سيف الدولة على نساء وجواري القصر المنعمات والضاحكات وكيف أنهن شرقن باجتماع دمع المرح بدمع الترح:
أتتهنّ المصيبةُ غافلاتٍ        فدمع الحزن في دمع الدّلالِ

بشيء من التجوز ربما يصح أن يكون هذا وصف مآل الحال لأغلبنا اليوم في هذا (العيد الفريد) فمن جانب نسح الدمع فرحا بالعيد وما يمثله من إشراقة الحبور ولكن في (النقيض) والضد من ذلك قد تتحدر دموع الحزن وشهقات الحنين لفقد اجتماع الأهل والأحباب والجيران بسبب احتياطات العزل المنزل. وبالعودة مرة ثالثة لابي الطيب المتنبي فهل في (مستجدات) حال عيدنا الفريد هذه العام جزء من الإجابة على سؤال المتنبي الشهير والمتكرر كل عيد عبر العصور عن (الجديد في العيد):
عيدٌ بأية حال عدت يا عيدُ        بما مضى أم بأمر فيك (تجديدُ)

صفحات التاريخ ووريقات دواوين الأدب تكشف لنا عن تكرار وتجدد تماهي وتمازج الأضداد في أجواء العيد ما بين فرح وترح لدرجة الشيك والحيرة كما قال شاعر الموصل ابن الدهان:
أمأتمٌ هذه الأيام أم عيدُ                وذي الأغاني نوحٌ أم أغاريدُ
كانت مواسم أفراحٍ تجددها          فاليوم هُنَ لفرط الوجد (تجديدُ)

وكعادة الشعراء يحوم بعضهم حول معنى واحد مشترك ويكرر بعضهم النسج والغزل على غرز الأول فالمعنى التصويري لفجيعة الأفراح (العيد الحزين) عند المتنبي الحلبي كرره بعده ابن الدهان الموصلي وأعاد سبكه لاحقا الشاعر الدمشقي الأمير منجك الجركسي بقوله:
لا العيد من بعد سُكان الحِمى عيدُ       ولا لصبري الذي أبليت (تجديدُ)
سيان عندي نوح بعد بينَهُم               ومن بلابل دوح اللهو تغريدُ
قد أغرقت مُقلتي قلبي بأدمعها           إن السرور الذي أبدية تقليدُ

هذا الجو الكئيب في قصائد هؤلاء الشعراء وغيرهم كثر يرجع بكل بساطة يا سادة لفقد (مشاركة الأحباب) لأجواء وبهجة العيد فهذا المتنبي يتمنى عدم حلول العيد واللقاء به لا لشيء إلا أنه بعيد عن أهله وعشيرته (أما الأحبة فالبيداء دونهمُ). ينقل عن الحافظ ابن رجب رحمه الله قوله (ليس العيد لمن لبس الجديد .. إنما العيد لمن طاعته تزيد) وهذه مقياس شرعي صحيح ومن جانب المقياس العاطفي والوجداني للعيد نجد الطبيب والشاعر الأندلسي ابن زهر الحفيد يشخص حقيقة العيد بأقصر عبارة موشحة (العيد أنتم):
ما العيدُ في حلَة وطاق       وشمُّ طيبِ
وإنما العيد التلاقي            مع الحبيبِ

وبالعودة للمرة الرابعة لحال المتنبي مع العيد و (لواعج الذكريات) نفهم في هذا السياق عمق مأساته في العيد عندما كرر في قصيدة ثانية وصف (العيد الحزين):
يضاحكُ في ذا العيد كُلٌّ حبيبهُ            حِذائي وأبكي مَنْ أحب وأندبُ
أحِنُّ إلى أهلي وأهوى لقاءهم             وأين من المشتاق عنقاءُ مُغربُ

لوعة المحب بفقدان الأهل وغصته في يوم العيد جراء تعذر اللقاء بهم ألهبت مشاعر الشعراء وأذكت قرائح الأدباء ولهذا قَصدت هذا المعنى القصائد وبُنيت أبيات الشعر حوله هذه الخاطرة الوجدانية.  ومن ذلك قول الشاعر العراقي المعاصر مصطفى جمال الدين:
هذا هو العيدُ ، أين الأهل والفرحُ       ضاقت به النفسُ أم أودت به القُرحٌ
وأين أحبابنا ضاعت ملامحهم         من في البلاد بقي منهم ومن نزحوا

وقديما قبل يشدو مصطفى جمال الدين قصيدته قال بلدياته شاعر العراق الفحل صفي الدين الحلي ماذا ينفع العيد إذا كان الحبيب بعيد؟:
العيدُ أتى ومن تعشقتُ بَعيد         ما أصنعُ بعدَ منيّة القلب بِعيدِ

ومن مشاهير الشعراء الذين تجرعوا مرارة الذكريات في العيد الحزين الشاعر السوري الكبير نزار قباني إذ يقول:
يا عيدُ عذراً فأهل الحيّ قد راحوا
واستوطنَ الأرض أغرابٌ وأشباحُ
يا عيدُ ماتت أزاهير الرّبى كمداً
وأُوصد الباب ما للباب مفتاحُ

وهذا شاعر سوري آخر (ابن ملك الحموي) يتجرع قبل قرون طويلة نفس تلك الكأس المرة:
قالوا غداً العيد ماذا أنت لابسهٌ        فقلت قد حاكت الأسقام لي بدنا
وهل يٌسر بعيد من أحبته              عنه نأوا وبهم حادي السرى ظعنا

من البنى الأسلوبية في الشعر العربي توظيف الشيء في نقيض وعكس سياقه الظاهر فالعيد فرحة قد يتم توظيفه لبث معاني الحزن والتفجع وهذا كثير في شعر مآسي العرب والمسلمين وفي قصائد متعددة لعمر أبو ريشة وعمر بهاء الدين الأميري وفدوى طوقان عل سبيل المثال. في واقعنا المحلي وفي صبيحة يوم عيد من سنة 1408هـ نجد شاعرنا الكبير عبد الرحمن العشماوي ومن باب المشاركة الوجدانية وبالرغم من أنه في ذلك العيد بين أهله وقرابته في مدينة الباحة إلا أنه يتمثل حال المشردين جراء مآسي أهل الإسلام فيقول بلسان الحال في قصيدته الفريدة (عندما يحزن العيد):
أصبحتُ في يوم عيدي والسؤال على     ثغري يئنّ وفي الأحشاء نيـرانُ
أين الأحبّـةُ وارتـد السـؤال إلى            صدري سهامًا لها في الطعن إمعانُ


العيد في مقام الذم !! 
في الغالب العيد نشوة وفيض المشاعر ولهذا ناسب توظيف الشعر في الكشف عن مكنون النفس البشرية وتفاعلها مع أجواء العيد ولكن كما هو معلوم الشعر يُساق للمديح والثناء كما قد يُعتسف للهجاء والتنقص. في بعض الحالات سبب سعادة من حولك هو نفسه عين ومصدر شقاوتك أنت ولهذا من عجائب النفس البشرية المضطربة أن أجواء السعادة قد تكون هي ذاتها منغصة الروح. قديما تمنى المتنبي ألا يأتي العيد لأنه (يجدد) أحزانه ومن هنا أطلقها مدوية وصاعقة في النفرة من العيد (فليتَ دونك بِيداً دونها بِيدُ) وعلي نفس المنوال تمنى الشاعر الأندلسي ابن الجنان الأنصاري أن تتباعد المسافات والأوقات بينه وبين (العيد الحزين):
دَنا العيدٌ ليت العيد لم يدنُ وقته         فقد هاج لي وجداً وزاد غراما
وذكرني إقباله بمواسم                  مضت كن بالشّمل النظيم كراما

وبالعودة لحديث (اجتماع الأضداد) في العيد والتقلب بين البهجة والغصة لا عجب أن نجد أن البعض يتألم من عدم قدرته مشاركة الآخرين مباهجهم وأفراحهم ولهذا يتخذ موقف أبي فراس الحمداني (إذا مت ظمآناً فلا نزل القطرُ) فإذا حالت صروف الدهر أن ابتهج بالعيد فليته لا يأتي. أشتهر عن الشاعر العراقي الكبير معروف الرصافي اصطفافه مع المعدمين والمعذبين في الأرض كما في قصيدته الحزينة عن الأرملة الفقيرة بينما نجده في قصيدة (اليتيم في العيد) يلخص ظاهرة (ذم العيد) والنفور منه:
 ألا ليت يوم العيد لا كان إنه         يجدّد للمحزون حزناً فيجزعُ
يُرينا سروراً بين حزن وإنما         به الحزن جَدٌ والسرور تصنعُ

ونبقى في بغداد ومع شاعر آخر انحاز للمعذبين في الأرض وهو الشاعر العباسي الأحنف العكبري والذي وصفه شيخ الأدب الثعالبي بأنه شاعر المكدين من أهل الاحتيال والتهميش ولهذا لم يتورع عن أن يذم العيد في سياق الانتصار لقضايا المسحوقين:
قالوا أتى العيدُ قلت العيد عادته             غمّ الفقير وتفريج المياسيرِ
حظي من العيد بعد الأجر                    مع الغبار وأكل الخبز بالصيرِ
أغدو على العيد في أثواب مضطهدٍ        والناسُ في العيد في خزّ ومقصورِ

ومن الدفاع عن المهمشين اجتماعيا لتبني قضايا المضطهدين في دنيا السياسة وبنفس درجة الاندفاع نجد أن العيد لا يسلم من الذم والقدح فهذا الشاعر المعاصر الكبير أحمد محرم يتألم لحال الأمه في زمن بهجة العيد:
 لا مرحبا بالعيدِ أقبل رَكبهُ         يطفو ويرسُبُ في عُبابٍ من دمِ
يا عيدُ جدّدت الهموم بطلعةٍ        أبلت بشاشة عهدك المُتقدمِ
ماذا حملت من الكروب لأمةٍ      رزحت بأعباء الخطوب الجُثّمِ
 
ونختم بذكر نكبة الأمير الأديب المعتمد بن عباد فبعد عز المجد في إشبيلية تجرع ذل الهوان في سجن أغمات المغربي ولهذا ربما أصابته لوثة نفسية (اضطراب ما بعد الصدمة) فإذا بنا نجده يتهجم على العيد ويعتبره قدومه إساءة له وفترة كئيبة لا يرغب أن تتكرر عليه:
فيما مضى كُنت بالأعيادِ مسرورا       فساءك العيدُ في أغمات مأسورا
أفطرت في العيدِ لا عادَت إساءتُهُ        فكان فطرك للأكباد تفطيرا


( فيزياء الحرب العالمية الثانية )

كتيبة علماء الفيزياء المشاركين في السلاح الذري

د/ أحمد بن حامد الغامدي

مرت قبل عدة أيام ذكرى مرور خمسة وسبعين عاما على انتهاء الحرب العالمية الثانية وبسبب تفشي وباء كورونا لم يصحب هذه الذكرى احتفالات جماهرية حاشدة في الدول الغربية بينما في محيطنا العرب مر الحدث بتجاهل كبير. البعض قد يقول إن تلك الحرب الملعونة لا ناقة لنا فيها ولا جمل فلما نهتم بها بينما البعض قد يتعمد نسيان تلك الحرب لأن الانطباع العام عند الأوروبيين أن العرب كانوا مناصرين للنازية pro-Nazi بدليل الصور المشهورة لمفتي القدس الشيخ أمين الحسيني مع هتلر وقائد الجيستابو النازي هيملر ولقاء ودعم رئيس الوزراء العراقي رشيد الكيلاني لهتلر. وفي المقابل يقول البعض إنه يحق للعرب الاحتفال بيوم النصر في أوروبا (V-E Day) لأن بعض الدراسات التاريخية تقدر عدد الجنود العرب (أغلبهم من دول المغرب العربي) الذي قتلوا في معارك تحرير أوروبا (وخصوصا فرنسا) قد يصل إلى أربعين ألف شخص بينما عدد الجنود العرب الذين تم أسرهم من قبل الألمان قد يقارب التسعين ألف أسير. وبسبب هذه الربكة في موقفنا كعرب من الحرب العالمية الثانية فظلت أن أترك عالم التاريخ المحير إلى دنيا العلم الأكثر أريحية ووضوحا.
 في عام 2014 كتبت مقال حمل عنوان (الحرب العالمية الأولى .. حرب الكيميائيين) تم تسليط الضوء فيه على الاهتمام الدولي بمناسبة مرور مائة سنة على اندلاع الحرب الكونية الأولى والتي عرفت بلقب (حرب الكيميائيين) وقد تم مناقشة هذا الموضوع التاريخي والسياسي من جهة النظر الكيميائية البحتة. ولسبب لا يخفى على اللبيب ربما ليس من الحكمة الانتظار لحوالي عشرين سنة (فالأعمار بيد الله) لتتاح الفرصة الملائمة لأحدنا أن يكتب مقال بمناسبة مرور مائة سنة على اندلاع أحداث الحرب العالمية الثانية لكي يفسر في هذا المقال المنتظر لماذا بعض المصادر التاريخية تصف ذلك الحدث السياسي الجلل (بحرب الفيزيائيين).
لا شك أن نشوب الحرب العالمية الثانية هي إحدى اللحظات السياسية الحاسمة في التاريخ البشري المعاصر ومع ذلك ربما لولا الجانب والبعد العلمي لهذه الحرب لما كان لها هذا الزخم التاريخي. ودلالة على ذلك يقول عالم الفيزياء البريطاني الشهير ستيفن هوكنغ إن العالم تغير في القرن الأخير كما لم يحصل في أي قرن آخر وذلك ليس بسبب السياسة أو الاقتصاد ولكن بسبب التكنولوجيا. وبالاستعارة مما تم ذكره في المقال السابق بأن تسمية الحرب العالمية الأولى بحرب الكيميائيين لا يفسرها فقط أنه تم في تلك الحرب استخدام الأسلحة الكيميائية من الغازات السامة لأول مره فعلى نفس النسق نجد ارتباط الحرب العالمية الثانية بالفيزياء أعمق وأوثق من مجرد واقعة أنه في تلك الحرب الشنيعة تم استخدام القنابل الذرية لأول مرة. في الواقع لا يمكن إغفال الأثر الحاسم لمخترعات (فيزيائية) أخرى ظهرت خلال الحرب العالمية الثانية مثل أجهزة الرادار لرصد الطائرات أو أجهزة السونار للكشف عن الغواصات أو تطوير المحركات النفاثة للطائرات الحربية وما تبع ذلك من ظهور الصواريخ كسلاح حربي مريع وكذلك تطوير أجهزة الاتصالات والإلكترونيات بل إن اختراع أجهزة التشفير وفك الشفرة (آلة إنجما) يعتمد على علم الفيزياء اعتماده على علم الرياضيات.

مع الرعيل الأول للقنبلة الذرية
نقطة جديرة بالملاحظة أنه من أبرز مظاهر العلم المعاصر ظاهرة العلوم الكبيرة big science والتي يقصد بها أنشطة بحثية في مجالات علمية محددة تحتاج تضافر جهود عدد كبير من العلماء المتعاونين كفريق بحث مترابط يتمتع بميزانية مالية ضخمة. ويبدو أن انطلاق هذا النوع من (العلوم الكبيرة) تم خلال سنوات الحرب العالمية الثانية وهو ما أثمر ترسانة التقنيات الحربية السابقة الذكر والتي حققت إلى حدا ما تنبأ به أينشتاين عندما قال (إن القليل من العلم مضر .. والكثير منه أيضا !!!). ولا أدل على خطورة (الكثير من العلم) من اختراع القنبلة الذرية والتي كان اختراعها بلا ريب (أم العلوم الكبيرة) فالجميع يعرف أن إنتاج القنبلة الذرية كان نتاج لمشروع مانهاتن الشهير والذي ترجح بعض المصادر العلمية والتاريخية أنه اشترك فيه أكثر من أربعة آلاف عالم من مختلف الجنسيات والتخصصات العلمية. وبما أن الحكمة الشهيرة تنص على (أن للنصر ألف أب) وبحكم أن الفيزيائي الامريكي المعروف روبرت أوبنهايمر تخلده كتب التاريخ بلقب (أبو القنبلة الذرية) بسبب قيادته لذلك الجيش من العلماء ولكن التاريخ يسجل أيضا أن عدد كبير من (آباء القنبلة الذرية) كانوا من مشاهير العلماء حيث تشير السجلات إلى أن حوالي عشرين عالما من الباحثين البارزين الحاصلين على جوائز نوبل سواء في الفيزياء أو الكيمياء قد اشتركوا في مشروع مانهاتن لصناعة القنبلة الذرية. ومن أبرزهم ألبرت أينشتاين ونيلز بوهر وأنريكو فيرمي وريتشارد فاينمان والسير جيمس تشادوك مكتشف النيوترون وإرنست لورنس مخترع معجل السيكلوترون وآرثر كومبتون. وإذا صح القول إن هنالك أب للقنبلة الذرية فبشيء من التجوز يمكن اعتبار عالمة الفيزياء الأمريكية والألمانية الأصل ماريا مايرز هي (أم القنبلة الذرية) بحكم كونها المرأة الوحيدة التي عملت في مشروع مانهاتن وفي نفس الوقت حصلت على جائزة نوبل في الفيزياء.
من الثابت تاريخيا أنه أثناء سنوات الحرب العالمية الثانية وجد تنافس عسكري تمثل في سباق تسلح بين دول الحلفاء ودول المحور (ممثلة بألمانيا النازية) لمن يسبق في إنجاز تصنيع أول قنبلة ذرية. ولهذا نجد أن عالم الفيزياء الألماني المعروف فيرنر هايزنبرغ صاحب مبدأ عدم اليقين في علم ميكانيكا الكم والحاصل على جائزة نوبل في الفيزياء لعام 1932م كان قد كلفه هتلر بترأس مشروع إنتاج القنبلة الذرية للنظام النازي. وبحكم أن الحروب غالبا ما تكون قذرة ولا أخلاق لمسعريها لذا كان قادة دول الحلفاء على استعداد تام لمحاولة اغتيال هايزنبرغ في حال تأكدوا أن مشروع القنبلة النازية يمكن أن يكلل بالنجاح. ففي عام 1944م قامت وكالة الخدمات الاستراتيجية agency OSS (وهي المنظمة السابقة لجهاز الاستخبارات الامريكية CIA) بإرسال عميل سري ليشهد محاضرة لهايزنبرغ في مدينة زيورخ وطلب من هذا العميل أنه في حال استنتج من المعلومات التي سوف يطرحها هايزنبرغ في تلك المحاضرة بأن المشروع الألماني لصنع القنبلة الذرية يحقق تقدم ملموسا فعلية ان يقوم بإطلاق النار على هايزنبرغ فورا. ولقد ظل هذا العميل طوال المحاضرة وهو يضع يده على مسدسه المخفي وكما هو متوقع فإن هايزنبرغ ما كان ليفضي بأي معلومات حساسة في مثل تلك المحاضرة العامة ولهذا نجى من الاغتيال ولكنه لن ينجو لاحقا من الاعتقال والسجن. حيث إنه في نهاية الحرب العالمية الثانية وبعد انهزام الألمان قامت قوات الحلفاء باعتقال هايزنبرج وفريقه العلمي المتعاون معه في مشروع القنبلة الذرية النازية وتم سجنهم في بريطانيا لمدة ستة أشهر.
وختاما وقبل أن نغلق سيرة القنابل الذرية البغيضة تجدر الإشارة إلى أن عددا من أبرز العلماء الذين شاركوا في تصنيع أول قنبلة ذرية أعربوا بشكل واضح عن أسفهم في المشاركة في هذه الخطيئة الإنسانية المفجعة. فمثلا يقال إن أينشتاين علق بعد سماعه بأخبار إلقاء القنبلة الذرية الأولى على هيروشيما (لو كنت أعلم أنهم كانوا سيعملون هذا لكنت عملت صانع أحذية) كما أنه أصبح بعد الحرب العالمية الثانية من أبرز المؤيدين لتقليص التسلح النووي. وهذا ما حصل بالضبط مع الفيزيائي الدنماركي المعروف نيلز بور (صاحب النموذج الشهير لتركيب الذرة والحاصل على جائزة نوبل في الفيزياء لعام 1922م) والذي كان منذ البداية من فئة العلماء الذين عارضوا الإسقاط الحقيقي للقنبلة الذرية على المدن البشرية حيث كانت رغبتهم فقط استخدامهم للردع والتخويف. وكاستمرار لنهجه وأفكاره السلمية قام نيلز بور عام 1950م بكتابة خطاب مفتوح شهير موجه للأمم المتحدة يدعو فيه لنشر أفكار السلام والتخفيف من أخطار السلاح الذري كما أنه قام بتنظيم أول مؤتمر الذرات من أجل السلام Atoms for Peace Conference المقام في جنيف عام 1955م وقد كان نيلز بور أول عالم يحصل على جائزة الذرات من أجل السلام وذلك عام 1957 ميلادي. ومن (آباء القنبلة الذرية) الذين تنكروا لاحقا لأبوتها نجد العالم الألماني الأصل هانس بيته الحاصل على جائزة نوبل في الفيزياء عام 1967م والذي نادى وناضل لعدة عقود من السنوات لحظر التجارب النووية كما عارض بشدة إنتاج القنبلة الهيدروجينية الأشد خطورة وتدميرا. بينما نجد العالم البريطاني جيمس تشادويك مكتشف النيوترون والحاصل على جائزة نوبل في الفيزياء عام 1935م والذي بالرغم من دوره المهم في مشروع مانهاتن إلا أنه يذكر عن نفسه أنه بعد الحرب وإلقاء القنبلة المشؤومة على رؤوس الأبرياء المدنيين أصبح يعتمد طوال حياته الباقية على استخدام الحبوب المنومة للحصول على الراحة النفسية في النوم. وبالرغم من أن عالم الفيزياء الأمريكي ريتشارد فاينمان الحاصل على جائزة نوبل عام 1965م يعد أحد أبرز علماء الفيزياء على الإطلاق في النصف الثاني من القرن العشرين وأكثرهم تأثيرا في جذب أجيال من آلاف الشباب لدراسة العلم إلا أنه يصف نفسه بأنه (بعد إلقاء القنابل الذرية على المدن اليابانية) ظل لعدة سنوات بعد الحرب وهو فاقد الإحساس بالمتعة في تعليم الفيزياء.

خطوط الدفاع الفيزيائية .. جوا وبحرا
الاختراع العلمي الآخر ذو الأهمية العسكرية الذي تم تحسينه كثيرا خلال سنوات الحرب العالمية الثانية وتطلب إنتاجه (جيش) من أبرز علماء الفيزياء هو جهاز الرادار لرصد واكتشاف الطائرات المقاتلة المعادية علما بأن جهاز الرادار قد شهد نماذج بدائية منه قبل اندلاع الحرب العالمية الثانية. وعلى نسق (أبو القنبلة الذرية) نجد أن البعض يصف الفيزيائي والمخترع البريطاني روبرت واطسون وات بأنه (أبو الرادار) ولماكنته العلمية بإنجاز هذا الاختراع لا غرابة أن نجد الملك البريطاني جورج السادس يكرمه عام 1942م بمنحة رتبة سير sir وذلك لدوره في تطوير هذا الاختراع الرئيسي في صمود الأمة الإنجليزية من الوقوع تحت الاحتلال الألماني بسبب فداحة قصف الطائرات الالمانية المعادية وربما يكون هذا الاختراع من الاسباب الرئيسية لفوز الحلفاء بالحرب. اللافت في الأمر أن عددا من أبرز علماء الفيزياء شاركوا بشكل أو أخر في الأبحاث الهادفة لتحسين أداء منظومة أجهزة الرادار وكان سبعة منهم على الأقل من العلماء الحاصلين على جوائز نوبل. فمن أشهر هؤلاء العلماء يمكن ذكر اسم العالم الفيزيائي الامريكي تشارلز تاونز الحاصل على جائزة نوبل في الفيزياء عام 1964م والذي خلده التاريخ باختراعه لجهاز الليزر وكذلك الفيزيائي الأمريكي وليم شاوكلي الحاصل على جائزة نوبل في الفيزياء لعام 1956م والشهير باختراعه للترانزستور ومطلق الثورة العلمية المتعلقة باختراع الدوائر المتكاملة والتي هي حجر الزاوية في صناعة الكومبيوتر.
 وعلي ذكر اختراع الترانزستور من المعروف أن الفيزيائي الأمريكي جون باردن قد اشترك مع شاوكلي في اختراع الترانزستور وكذلك في الحصول على جائزة نوبل لعام 1956م (هو في الواقع وحتى الآن عالم الفيزياء الوحيد في التاريخ الذي حصل على جائزة نوبل في الفيزياء مرتين حيث كانت الثانية عام 1972م) ومع ذلك نجد أن باردن وإن لم يساهم في تطوير أجهزة الرادار نفسها إلا أن له إسهام علمي من نوع آخر حيث نجده في سنوات الحرب العالمية الثانية يخدم في المختبرات العسكرية الخاصة بسلاح البحرية الامريكية. ومن علماء الفيزياء الحاصلين على جوائز نوبل والمشتركين في تطوير أبحاث الرادار يمكن أن نذكر الفيزيائي الأمريكي لويس ألفاريز الحاصل على جائزة نوبل في الفيزياء عام 1968م والذي كان له اسهام علمي سواء في التجارب على استخدام وتطوير الرادار أو حتى المشاركة في مشروع منهاتن لتصنيع القنبلة الذرية. وأما أحد أشهر وأهم علماء الفيزياء النظرية في القرن العشرين الذين قاموا بتقديم الدعم النظري لمشروع الرادار فقد كان عالم الفيزياء الأمريكي جوليان شيفنجر الحاصل على جائزة نوبل في الفيزياء عام 1965م.
والغريب في الأمر حقا أن تطوير وتحسين منظومة أجهزة الرادار لم تكن قاصرة فقط على محترفي مهنة الفيزياء فهذا العالم البريطاني فرانسيس كريك الحاصل على جائزة نوبل في الطب لعام 1962م لاكتشافه تركيب الحمض النووي DNA كان له في أوائل شبابه ميول وخبرة فيزيائية عالية أهلته للمشاركة في أثناء سنوات الحرب في أبحاث تطوير الرادار. كما ساهمت خبرة ومهارات فرانسيس كريك الفيزيائية في أثناء الحرب العالمية الثانية في تطوير كاشفات مغناطيسه للكشف على الألغام الحربية. والأمر الأكثر غرابة في قصة تطوير الرادار من قبل علماء غير مختصين في علم الفيزياء أو الهندسة نجد أن العالم الإنجليزي النيوزيلندي الأصل موريس ولكينس ليس فقط اشترك مع فرانسيس كريك في اكتشاف تركيب الـ DNA والحصول على جائزة نوبل في الطب عام 1962م لكن نجده هو الآخر في بدايات سنوات الحرب العالمية الثانية يستخدم خبرته الفيزيائية في تطوير وتحسين شاشات أنابيب الأشعة المهبطية والتي كانت تستخدم في صناعة منظومة أجهزة الرادار.
وبالانتقال من خطوط الدفاع الفيزيائية الجوية إلى الجبهات البحرية نجد أن من الاختراعات العلمية البارزة التي ساهمت في حسم مجريات الحرب العالمية الثانية والتي لا يحسن أن نختم هذا المقال دون التعريج عليها أجهزة الكشف عن الغواصات التي اشترك في تطويرها أثناء سنوات الحرب العالمية الثانية العالم الأمريكي إدوين ماكميلان الحاصل على جائزة نوبل في الفيزياء لعام 1951م والذي قام بتوظيف خبرته الفيزيائية في تحسين أداء أجهزة السونار التي تستخدم الموجات فوق الصوتية للكشف عن الغواصات الحربية. بينما نجد أن الفيزيائي الأمريكي وليم شاوكلي (مخترع الترانزستور سالف الذكر) عمل أثناء الحرب الثانية كمدير للأبحاث الحرب المضادة للغواصات في البحرية الامريكية. وبمناسبة الحديث عن جهود كبار علماء الفيزياء في تحسين أجهزة السونار لرصد وكشف الغواصات لعلة من الملائم أن نشير أن جذور توظيف تطبيقات علم الفيزياء في الكشف عن غواصات العدو تعود لسنوات الحرب العالمية الأولى. فمثلا عالم الفيزياء الشهير أرنست رذرفورد الملقب بأبو الفيزياء النووية (يا كثر آباء العلوم والاختراعات في هذا المقال !!!) والحاصل على جائزة نوبل لعام 1908م نجده أثناء الحرب العالمية الأولى يقطع أبحاثه التاريخية في الفيزياء النووية ويركز بحثه على تطوير طريقة لرصد الغواصات بالموجات الصوتية. وهذا ما حصل بالضبط مع العالم الفيزيائي الإنجليزي البارز لورنس براغ الذي نجده في نفس السنة التي حصل فيها على جائزة نوبل في الفيزياء أي سنة 1915م يتفرغ هو الآخر لتطوير وتحسين الطرق العلمية المستخدمة للكشف عن الغواصات وهو أمر بالغ الأهمية عشية اندلاع الحرب العالمية الأولى.

 وفي الختام نود أن نذكر بالحقيقة التاريخية المعلومة أنه في حال الحروب والأزمات الكبرى نجد أن العديد من الدول والحكومات تستدعي الرجال والشبان من مواطنيها لأداء خدمة العسكرية الإلزامية وأحيانا تكون خدمة الشباب في الجيش في المجال الذي لديهم خبرة فيه فبعضهم قد يخدم حسب خبرته في الخدمات الطبية أو الهندسية أو القتالية. وعليه لا عجب أن نعرف أن بعض الشباب ذوو الخبرة والمهارة العلمية يتم تجنيدهم فيما يلائمهم وهذا ما حصل مع مهندس الإلكترونيات الأمريكي جاك كيلبي الحاصل على جائزة نوبل في الفيزياء عام 2000م نظير دوره التاريخي في اختراع الدوائر المتكاملة (وهي أهم اختراع ساهم في تطوير الكومبيوتر بعد الترانزستور) نجده في أوائل شبابه يخدم كفني إلكترونيات في الجيش الأمريكي أثناء الحرب العالمية الثانية. وفي الواقع حملة الاستفادة من خبرات ومهارات رجال العلم لم تتوقف كما هو متوقع عند الشباب من العلماء فمثلا هذا المخترع والفيزيائي الروسي الأصل فلاديمير زوريكن أحد مخترعي جهاز التلفزيون (يوصف أحيانا بأبو التلفزيون الحديث) والذي شارك كذلك في اختراع المجهر الإلكتروني نجده بعد عقود من هجرته للولايات المتحدة الأمريكية يحصل على جنسيتها ثم لاحقا خلال سنوات الحرب العالمية الثانية يشارك بسبب خبرته العالية في الإلكترونيات في العديد من اللجان والأبحاث المتخصصة بتطوير الأسلحة والصواريخ للجيش الأمريكي.

( إطلالة دولية من شرفة المنزل )

إطلالة مميزة على أربع دول


د/ أحمد بن حامد الغامدي

يُنقل عن الناشطة الامريكية هيلن كيلر المصابة منذ الطفولة بالعمى والصمم قولها (الشيء الوحيد الأسوأ من العمى أن تكون تبصر ولكن بدون رؤية) وفي أجواء الحظر المنزلي التي نمر بها حاليا الأمر الذي يزيد من مرارة الأسر أن تكون شرفة منزلك تطل على منظر بديع ولكن لا تستطيع الذهاب إليه. الرغبة في (التعويض) وسد النقص الشعوري بإشباع رغبة الانطلاق والانعتاق من المرابطة الالزامية للمنزل قادتنا إلى تبادل مقاطع الفيديو والصور الفوتوغرافية عبر وسائل التواصل الاجتماعي لبعض المعالم السياحية والطبيعية التي كان يصعب رؤيتها من بعيد بسبب تلوث هواء الغلاف الجوي.
البعض يقول إنه لأول مره أصبح بالإمكان لسكان المنازل المشرفة على كورنيش مدينة الخبر مشاهدة أطياف الأبراج الشاهقة في مدينة المنامة عاصمة مملكة البحرين. كما يتداول مقطع بديع واحترافي لمصور أردني يوثق من مرتفعات البلقاء (شمال مدينة عمان) مشهد ثلاث دول هي فلسطين السليبة وأطراف حدود سوريا ولبنان بالإضافة للصور الشيقة لمدينة نابلس الفلسطينية ولزهرة المدائن القدس. أما من أعلى جبال فيفا فقد قام أحد المواطنين الكرام بالتصوير المنزلي من سطح بيته لمعالم مدينتي صبيا وأبو عريش وغيرها من حواضر سهل تهامة بالإضافة لقمم جبل رازح من أرض اليمن.
الاطلالة الجميلة على منظر طبيعي منساب أو أثر تاريخي خلاب أو معلم حضاري جذاب هي من الأشياء التي تنعش الروح وتزيد في رونق الفندق أو قيمة الدار. وحتى على مستوى الدول والممالك الكبرى نجدها تتزاحم على موطئ قدم لإطلالة على نهر متدفق أو بحيرة فسيحة ولهذا لن نستغرب عندما نعلم أن شلالات المياه الكبرى كثيرا ما تتشارك في الاطلالة عليها أكثر من دولة. كما هو الحال في تقاسم الولايات المتحدة الامريكية وكندا لشلالات نياجارا وإطلالة كلا من زامبيا وزيمبابوي على شلالات فيكتوريا واشتراك كلا من سكان البرازيل وأهالي الارجنتين بالتمتع بسلسلة شلالات إجوازو الهائلة والمذهلة. وبسبب هذا التزاحم الدولي حول هذه المعالم الطبيعية الفريدة تتقارب كثيرا الحدود بين الدول لدرجة أن تتلاقى أطراف ثلاثة دول في نقطة واحدة ليست بعيدة عن تلك الشلالات. فمثلا على بعد عدة كيلومترات فقط من شلالات إجوازو تقع مدينة بويرتو جواسيو الأرجنتينية التي يتمتع سكانها ليس فقط بالإطلالة الخلابة على منظر نهر بارانا المتدفق الذي يغذي الشلالات ولكن أيضا موقع هذه المدينة الفريد يمكن سكان المدينة من الاطلالة المباشرة من نوافذ منازلهم على أراضي البرازيل وكذلك حدود دولة الباراجواي. قد تكون الاطلالة من شرفة منزلك على دولتين مختلفتين أمر يستحق التفاخر به فما بالك إذا كان توجد نقطة جغرافية تجتمع فيها حدود أربع دول دفعة واحدة. غير بعيد عن شلالات فيكتوريا تقع مدينة كازنقولا على نهر زامبيزي وتتميز هذه المدينة الزامبية الصغيرة بأمر فريد لا تشاركه فيها أي مدينة أخرى في العالم حيث إن سكان الضاحية الجنوبية من تلك المدينة بإمكانهم الانفراد بالنظر إلى أراضي ثلاث دول هي زيمبابوي وناميبيا وبوتسوانا.
بلا شك المناطق الجغرافية التي تدعى بالنقطة الحدودية الثلاثية tripoint يكون لها بريق خاص وغالبا ما تصبح مناطق وأقاليم سياحية مميزة وهي وإن كانت جاذبة للسياح والأموال إلا أنها أحيانا قد تكون جاذبة للمصائب والخراب. خذ على سبيل المثال مدينة بان سوب رواك في أقصى شمال تايلند والتي بعد انتعاشها من الناحية السياحية لأنها تقع عند ملتقى نهري رواك ونهر ميكونغ وكذلك لتمتع العديد من فنادقها منازلها بإطلالة على أراضي دولتي بورما ولاوس (وما الصين عنهم ببعيد) إلا أن هذه المنطقة بالذات أصبحت نقطة جذب مكثف لتجار المخدرات لدرجة أن اشتهر تسميتها (بالمثلث الذهبي) لسهولة تهريب وتوزيع المخدرات بها. وبحكم أن هذه المنطقة أصبحت إحدى أكثر المناطق في العالم في تجارة المخدرات أصبحت منطقة مشبوهة وحظيت بسمعة دولية سيئة لدرجة أن الاستخبارات الامريكية CIA هي من أطلق عليها تسمية المثلث الذهبي لتجارة المخدرات وذلك خلال الحملة الامريكية للحرب على المخدرات.
منطقة جغرافية أخرى ثلاثية الحدود واجهت المشاكل المتواصلة بسبب موقعها الفريد هي تلك التي تعرف في كتب التاريخ باسم (ركن الامبراطوريات الثلاثة) وهي تلك الزاوية الحدودية التي كانت قديما تلتقي عندها الإمبراطورية النمساوية والامبراطورية الألمانية والامبراطورية الروسية. وبسبب صراع الجبابرة بين تلك الامبراطوريات المتناحرة لم يكتب الاستقرار والأمان لإقليم الركن الثلاثي وعاصمته الرئيسية مدينة ميسوفيتسه (تقع حاليا جنوب بولندا) حيث عبر التاريخ كثيرا ما تم انتقال ملكيتها لواحدة من تلك الممالك المتصارعة.
في الختام أود أن أتقدم باعتذار خاص لعشاق الأسفار ورواد الأمصار لأنه ربما نتج من هذا المقال تعذيبهم بذكر أخبار الانتقال ومتعة الارتحال ولكن لعل الله أن يفرج عنا جميعا ما نحن فيها ويسعدنا بنعمة السلامة من الوباء وبهجة اللقاء بالأهل والأصدقاء ومتعة السفر للآفاق والارجاء. وحتى ذلك الحين يمكن لمن لا يستطيع السفر منا أو حتى الخروج من منزله أن يقلد بشكل جزئي الكاتب الفرنسي كزافييه دو ميستر الذي قام في عام 1970م بتأليف كتاب حمل عنوان (رحلة حول غرفة نومي) ثم ألحق ذلك الكتاب بعد ثمان سنوات أخرى بالجزء الثاني استعرض فيه رحلته الثانية حول غرفته ولكن هذه المرحلة كان زمن الحلة في المساء ولهذا كان عنوان الكتاب الثاني لأدب الرحلات المنزلية (رحلة ليلية حول غرفة نومي) !!.

( الرهاب من التقنية .. رِدة علمية أم اضطراب نفسي )

الخوف من أبراج الجيل الخامس هل له شواهد في التاريخ

د/ أحمد بن حامد الغامدي

تحذير .. تحذير في المرة القادمة التي ترغب فيها بشراء زجاجة مشروب أو قطعة بسكويت من أجهزة ثلاجات البيع الذاتي vending machine أعلم أنه على مستوى العالم يقتل سنويا حوالي 60 شخص بسبب أخطار هذه الأجهزة. أرجو ألا أكون أفزعتك أيها القارئ العزيز من تناول علبة كولا مثلجة لكن أن رغبت أن تستعيض عن ذلك بتناول فنجان من القهوة الرائقة فالحذر الحذر فمنظمة الصحة العالمية وعلى موقعها الرسمي تنبه من وجود احتمالية أن القهوة الساخنة يمكن أن تتسبب في حصول سرطان المريء.
للغالبية العظمى منا يعتبر ما جاء من التحذير في الفقرة السابقة محض هراء وتخوف زائد عن الحد وأعراض رهاب نفسي حاد بالتحسس من الاخطار المتوهمة والتي لا تخلو منها الحياة حتى ولو في تجرع شربة ماء أو أخذ غفوة نوم على أريكة المنزل. بالرغم من أننا في القرن الحادي والعشرين إلا أن البعض ما زال لديه (جاهلية علمية) فيما يتعلق بالموقف من التقنية والاكتشافات العلمية والمخترعات الحديثة. لا بأس من القلق والتحوط من الاخطار المحتملة لكن غير المقبول (الرِدة العلمية) والنكوص عن الايمان بفائدة العلم والتقنية والمتمثلة بالرفض العام والمنع التام للأفكار العلمية الجديدة والاختراعات التقنية المطورة. في الفترة الأخيرة على سبيل المثال تم اثارة غبش كثير حول الاضرار المتوهمة لاستخدام التطعيمات الطبية على الأطفال ولكن فرق كبير وجوهري بين القلق من سلامة هذه التطعيمات وفائدتها وبين المنع التام لها والتحذير الهستيري منها. وقل نفس الشي مع الموقف من التقنيات الحديثة مثل تقنية النانو والتقنية الحيوية والهندسة الوراثية والاستنساخ وما شابه ذلك من المجالات الحديثة التي يثير البعض الخوف والفزع منها وبذا يصح وصف أحمد شوقي فيهم:
والناس في عداوة الجديدِ              وقبضة الأوهام من حديدِ

وهذا يقودنا إلى سياق الظاهرة الجديدة والمتمثلة ليس فقط في الخوف والقلق من تقنية الاتصالات الجديدة (شبكة الجيل الخامس 5G) ولكن الممانعة والعداء العنيف لها لدرجة قادت إلى اتلاف واحراق أبراج البث لهذه التقنية المتطورة. لهؤلاء الأشخاص اضطراب نفسي ورهاب وجداني للأشياء الجديدة والغريبة يدفعهم لتبني أفكار ومسلمات خاطئة تجاهها ومن ثم المعارضة العنيفة لها ولو بالحرق والتدمير وكأنهم بذلك هم من قصدهم الفيلسوف والعام البريطاني الشهير روجر باكون بقوله (إنه من السهل على رجل أن يحرق منزله أكثر من أن يتخلص من آرائه المسبقة). الغريب في الامر أن حالة الهستيريا ضد تقنية الاتصالات الحديثة أشد ما تكون في الدول الأوروبية وبالذات في بريطانيا وهولندا وبلجيكا وألمانيا وروسيا وهو ما يعكس تعقيد هذه الظاهرة النفسية الغريبة التي تستحق توصيف (جاهلية القرن الواحد والعشرين). ومع ذلك تجدر الإشارة إلى أن هذه (الجاهلية العلمية) تكررت كثيرا في تاريخ تطور العلوم لدرجة أن هذه (البدعة) قد شملت العديد من المجتمعات وكان الدافع والمحرك لتبني هذا الموقف الجاحد بالتقنية متنوع ومتعدد بين مؤثرات دينية أو اقتصادية أو نفسية.
ومن الأمثلة على ممانعة ومصادمة التقنية العلمية لأسباب دينية مزعومة ما حصل في منتصف القرن الثامن عشر عندما تمكن قسيس مسيحي من بلد التشيك من اختراع أول مانعة صواعق في التاريخ. وهنا أعترض عليه كبار رجال الكنيسة لدرجة أن أحدهم قال له (إذا كان الله يريد أن يعاقب إنسانا آثما بتصويب صاعقة إلى بيته فكيف يجرؤ البعض على التدخل بين الله وخلقه). وبعد ذلك بقرن من الزمن عندما توصل الطبيب الأسكتلندي جيمس سمبسون لفكرة استخدام مخدر الكلوروفورم لتخفيف آلام الوضع والولادة لدى النساء حاجج بعض رجال الكنيسة بأن (مشيئة الخالق اقتضت ان تلد النساء حال الألم ولا يجوز مخافة ذلك). حسب المفاهيم الدينية المسيحية أن الله سبحانه وتعالى عاقب حواء وبناتها بالحيض وأن يتعرضن لمعاناة آلام الحمل والولادة لأن حواء كانت هي من أغوى آدم بالأكل من الشجرة المحرمة. وفي نفس ذلك السياق عندما نشر الجراح الإيطالي أندرياس فيزاليوس كتابه الشهير عن تشريح جسم الانسان رد البعض على اكتشافه الطبي بأن عدد اضلاع القفص الصدري للرجل والمرأة متساوية ورفضوا هذا الأمر لأنه يخالف اعتقاداتهم الدينية التي تنص على أن المرأة مخلوقة من ضلع الرجل ولهذا يجب أن تكون أضلاع الرجل اقل من اضلاع المرأة.
مرة أخرى نجد أنه في العقائد المسيحية يذكر أن الله خلق الانسان على صورته عزّ وجلّ ولهذا في منتصف القرن التاسع عشر عندما تم اختراع الصور الفوتوغرافية اعتبر البعض أن انتاج هذه الصور نوع من التجديف والكفر. لأنه إذا كان الانسان على صورة الخالق فلهذا لا يمكن أن توجد أي آلة أو جهاز يقدر على رسم صورة الاله وبهذا وصف بعض القسس آلة التصوير بأنها من اختراع الشيطان. ومن الأمثلة الإضافية لوقوف المفاهيم الدينية المغلوطة حجر عثرة في سبيل التقدم التقني أنه عندما أعلن المخترع الالماني كارل بنز في السبعينات من القرن التاسع عشر عن انتاجه لأول سيارة ذات محرك ذاتي. أعترض علية بعض المتعصبين الدينيين بحجة أن هذا الاختراع يخالف طبيعة وحكمة خلق الله للخيول والدواب المستخدمة في ذلك الحين لجر العربات.
وربما يتوقع البعض أن مصادمة الدين بالعلم والتقنية كان محصورا فقط في العصور القديمة ولكن للأسف ما زال رجال الدين الكاثوليك حتى اليوم يحرمون لأسباب دينية مزعومة استخدام حبوب منع الحمل أو استخدام تقنية التلقيح الاصطناعي المشهورة باسم أطفال الانابيب. ولا نريد أن ننكأ الجراح باستذكار بعض الفتوى الدينية للفقهاء المسلمين المصادمة للعلم والتقنية بسبب عدم التفعيل الكامل للاجتهاد الفقهي أو توسيع فقه النوازل وإن كان الأمر آخذ في التحسن في مجال الطب بالذات مع انتشار المجامع الفقهية المعاصرة.

في هجاء القطارات والكهرباء !!

أما الخوف من التقنية من منظور اقتصادي فهو أمر للوهلة الأولى يبدو غريبا إلا أنه من زاوية ما قد يكون موقف مفهوم وإن كان غير مبرر ولا مقبول. جميع الاختراعات التقنية الحديثة تكون مصحوبة بفرص اقتصادية مربحة ولكن بحكم أن منظومة الاقتصاد قائمة على التنافسية الشديدة فما تربحه أنت أخسره أنا ومن هنا يظهر مأزق أن الخاسر لا يتحلى دائما بالروح الرياضية ولربما سعى لتغيير قواعد اللعبة. الإمبراطورية البريطانية التي كانت لا تغيب الشمس عن مستعمراتها توصلت لهذه المكانة الفريدة في التاريخ بسبب الرخاء الاقتصادي الباذخ الذي نتج عن الثورة العلمية والثورة الصناعية التي ظهرت إرهاصاتها في الجزر الإنجليزية. ومع أول مواليد الثورة الصناعية المتمثل في جهاز غزل القطن المخترع على يد السير البريطاني ريتشارد أركروايت ظهرت بواكير الخوف والنفور من التقنية التي قد تسبب في الاستغناء عن الايدي العاملة البشرية. ولهذا منذ فجر عصر الثورة الصناعية هاجت وماجت فئام من الناس ضد التقنية والأجهزة الحديثة وحاربتها وتعمدت تدميرها وحرقها ومن ذلك قيام عدد من الغوغاء في نهاية القرن الثامن عشر بتدمير مصنع غزل القطن الذي يملكه أركروايت في مدينة مانشيستر. وحذو القذة بالقذة تعرضت كذلك مصانع وماكينات المخترع الإنجليزي إدموند كارترايت مخترع آلة النسيج المطورة للحرق والتدمير وهو نفس مصير المخترع الفرنسي جاك دي فوكانسون الذي بعد اختراعه لنول النسيج الأتوماتيكي نال سخط عمال الغزل في مدينة ليون الفرنسية ولهذا كما تسبب في عطالتهم عن العمل تسببوا هم في طرده من مدينتهم. الجدير بالذكر أن هذه الحركة الاحتجاجية الثورية في صفوف العمال في بداية القرن التاسع عشر امتدت إلى عدد من الدول الأوروبية وانخرط فيها الآلاف من العمال الذين اصابتهم البطالة ومن ثم كانت وسيلة احتجاجهم الفجة هي تدمير عشرات المصانع ومئات الماكينات والآلات الصناعية الحديثة.
الجوانب الاقتصادية الخفية كثيرا ما تكون وراء العداء والرهاب النفسي والممانعة ضد المخترعات التقنية الجديدة وقد تكون بعض الأطراف الاقتصادية الخاسرة من ظهور التقنية الحديثة هي من يذكي ويأجج نار الرهاب من التقنية. في الموجه الهستيرية الحالية ضد شبكة الاتصالات المطورة وأبراج الجيل الخامس يقال إن بعض الشركات الأوروبية التي خسرت عقود إقامة هذه الشبكة هي من تبث الشائعات في أوساط الجمهور ولهذا نجد هذه الهوجة والموجة  العجيبة تنتشر بشكل حاد في الدول الأوروبية دون بقية بلدان العالم. الغريب أننا يمكن أن نجد (شواهد تاريخية) لمثل هذه الظاهرة مع التقنيات القديمة فمثلا في السابق كان نقل البضائع (المنسوجات في الغالب) بين مدينة مانشستر الصناعية وميناء مدينة ليفربول يتم عبر القوارب في القنوات المائية. ولهذا عندما تم طرح فكرة إقامة سكة حديد بين مانشيستر وليفربول عارض بعض الاقطاعيين والمتنفذين تلك الفكرة الرائدة لخشيتهم أن تنافس السكة الحديدية أعمالهم ومكاسبهم المالية ولهذا قاموا بدفع بعض الأهالي والفلاحين والعمال لمعارضة انشاء سكة وسيلة المواصلات الجديدة.
نسمع هذه الأيام هستيريا عجيبة تبالغ في التحذير الصحي والبيئي من أخطار أبراج شبكة اتصالات الجيل الخامس وكأنه بالفعل التاريخ يعيد نفسه فعين وذات هذه الهستيريا النفسية المعارضة للتقنية وظفت لمقاومة انشاء خطوط السكك الحديدية ببريطانيا في بداية القرن التاسع عشر. وصل الأمر إلى أنه انتشرت شائعات تقول أن المنظر البشع للقطار وهو ينطلق مسرعا بجلبته الصوتية العالية سوف يثير الرعب لدرجة تتسبب في اجهاض النساء الحوامل وتوقف الابقار عن در الحليب والدجاج عن وضع البيض !!!. كما زعم البعض في زمن الجاهلية العلمية للقرن التاسع عشر أن الدخان المتصاعد من مدخنة القطار سوف يخنق البهائم وسيفتك بالطيور فوق الأشجار وكذلك فإن الشرر المتطاير من مدخنة القطار سيتسبب في احتراق المنازل على طول سكة القطار. وعليه كما تتردد اليوم أخبار المخابيل والمتعصبين الذين يتلفون ويحرقون أبراج الجيل الخامس فكذلك في ذلك الزمن ترددت أخبار قيام بعض المزارعين بسطاء التفكير بإطلاق النار على المساحين والعمال الذين يجهزن لإنشاء سكة الخطوط الحديدية.
الاغرب من ذلك أنه في مثل هذه الأجواء الهستيرية المسمومة بالرهاب من التقنية قد ينجرف حتى الأطباء في التنظير لهذا العبث فبالعودة إلى مسلسل التخويف من القطارات قال بعض الاطباء إن ركوب القطار قد يسبب مشكال صحية لأن جسم الانسان لا يستحمل سرعة تزيد عن 15 كيلومتر في الساعة وربما يختنق من قوة اندفاع الهواء إلى جوفه. ولاحقا عند بدأ العمل في إدخال سكة القطار إلى ألمانيا حذرت هيئة كبار الأطباء في مدينة ميونخ من تأثير سرعة القطار الضارة على العين وقوة الابصار!!. ولا غرابة أن التخوف والممانعة لكل جديد استمرت في جميع القرون ففي منتصف القرن العشرين ومع بدايات التجارب التقنية لإطلاق صواريخ الفضاء حذر طبيب بريطاني من أن التسارع الكبير الذي تسببه الصواريخ من الممكن أن تؤدي لحدوث تلف خطير في الدماغ. وبكل جدية أخذ علماء الفضاء في مطلع عصر غزو الفضاء التحذيرات التي كانت تزعم أن البشر قد لا يستطيعون أن يعيشوا في أجواء انعدام الجاذبية لأن الدم لن يتدفق في الأوردة لكي يعود للقلب ولهذا كان (أول رائد فضاء) من غير البشر وهنا خلد التاريخ الكلبة لايكا والقرد ألبرت.
وفي الختام قبل أن نغادر موضوع معارضة الدهماء من البشر لأي شي جديد وغير مألوف تجدر الإشارة إلى أنه في نهاية القرن التاسع عشر وعندما كانت الكهرباء شيئا جديد في حياة الناس واجه المهندسون الذين أقاموا أول محطة توليد للكهرباء في لندن العديد من العقبات بسبب المشاكل النفسية والتعقيدات البيروقراطية الممانعة لإنشاء المحطة الكهربائية. (الخوف من الكهرباء) أنتقل لاحقا من بريطانيا إلى ألمانيا سنة 1891م عندما عارض العديد إقامة أول محطة توليد الكهرباء في مدينة فرانكفورت.
وإذا كانت الكهرباء أهم الاختراعات البشرية على الاطلاق قد واجهت الممانعة والخوف والتشكيك من أخطارها الصحية وتعقيداتها الاجتماعية فهذا يجعلنا بدرجة ما نكون على استعداد (لتوقع وتفهم) لماذا شرائح متزايدة حتى من المجتمعات المتقدمة والمتحضرة يمكن أن تتردد كثيرا في تقبل المستجدات التقنية الحديثة. ولهذا لا غرابة أن تجد بعض المفكرين والمتعلمين يعارضون لأسباب فلسفية وبيئية وأخلاقية انتشار بعض مظاهر التقنية مثل طغيان الروبوتات أو الكومبيوترات في عمليات التصنيع. في حين أن البعض يعارض بشراسة إهدار مليارات الدولارات على برامج اكتشاف الفضاء والكواكب أو أبحاث الجسيمات الأولية الأصغر من الذرة وما شابه ذلك من المجالات البحثية التي تدعى )بالعلوم الضخمة Big Science).



الخميس، 30 أبريل 2020

العودة إلى ( رمضان خارج المألوف )

الصيام في زمن الكورونا 

د/ أحمد بن حامد الغامدي

قبل عدة سنوت كتبت مقال بعنوان (رمضان خارج المألوف) رغبت فيه التطرق والنظر لهذا الشهر الفضيل من زاوية مختلفة ونافذه محتجبة مثل صعوبة الصيام في الفضاء والجدل الفقهي حول ذلك أو محاولة حصر من صام في القطب المتجمد أو من مر عليه شهر الصيام وهو على قمة افريست بجبال الهملايا. في ذلك الوقت لم يخطر في بالي على الاطلاق أن الصيام والانفراد بشهر الخير في المنزل سوف يكون يوما ما من أغرب الأمور وأكثر حالات رمضان خروجاً عن المألوف. لم يحصل قط في التاريخ الإسلامي في مثل هذا الشهر أن رابط الصوّام وتهجد القوّام في مشارق الأرض ومغاربها في دورهم وحجزوا أهاليهم بأنفسهم في بيوتهم.
ولحكمة ما يشاء الحكيم العليم سبحانه أن يغير من أحوال هذا الشهر من الرخاء إلى الشدة ومن النصر إلى الهزيمة ومن الرحمة إلى العقاب. شهر رمضان (شهر الانتصارات) والمعارك الإسلامية الخالدة كغزوة بدر وفتح مكة والقادسية وحطين وعين جالوت ولكن حصل في رمضان كذلك هزيمة المسلمين الكبرى في معركة بلاط الشهداء عام 114 هـ والتي سقط فيها أكثر من عشرة آلاف شهيد بالقرب من مدينة بواتييه الفرنسية. فاجعة هذه المقتلة العظيمة ليس لأنها أوقفت التقدم الإسلامي لقلب أوروبا ولكن لأنها كانت باكورة الهزائم المرة التي سوف نتجرعها بشكل متواصل من يد ذلك العدو الصليبي الشرس.
رمضان (شهر الخير والبركة) وفي الغالب هو موسم النماء والوفرة ولكنه قد يوافق امتحانا للأمة الإسلامية بسبب ذنوبها فيصيبها الله بالجوع والخوف والقحط كما حصل لأرض مصر في سنة 595 هـ عندما اشتدت المجاعة على الخلق في شهر رمضان بسبب نقصان مياه النيل. وبلغ بالناس المسغبة وشدة الجوع لدرجة أن المؤرخ عبد اللطيف البغدادي ذكر أن الجياع (ولا أدري هل كانوا يصومون أو لا) أكلوا الكلاب والجيف وروث البهائم والجثث بل وحتى الأطفال.
في شهر رمضان تعم (السكينة والطمأنينة) ولكن قد يحدث أحيانا أن تفزع القلوب الوجلة بسبب كارثة طبيعية حصلت فجأة كما كان شعور أهل مدينة أغادير المغربية في فجر اليوم الثالث من رمضان لعام 1960م عندما دك مدينتهم زلزال مدمر خلف حوالي خمسة عشر ألف قتيل. وفي الجزر الأندونيسية لطالما كان بركان كاراكاتوا مصدر قلق لسكان البلاد بسبب نشاطه البركاني المتجدد حيث تسبب في عام 1883م بمقتل 35 ألف نسمه. وفي هذه الأيام بالذات يدخل شهر الصوم وفوهة الحميم هذه ما زالت نشطة علما بأن هذا البركان ثار آخر مره قبل أسبوعين فقط وخلف موجات تسونامي بحرية تسببت في مقتل عدة مئات من الضحايا.
(الأجواء الروحانية) من أبرز معالم شهر رمضان المبارك لكن قد يقع في بعض السنين أن تكون تلك الأجواء مفعمة بالأعاصير وصاخبة بالعواصف الرعدية. وهذا ما مر به أهل سلطنة عمان في يوم الثاني عشر من شهر رمضان قبل سنتين حيث عاشوا ساعات عصيبة عندما ضرب إعصار مدمر سواحل السلطنة بسرعة هائلة بلغت 170 كيلومتر مما خلف خسائر كبيرة وهلع من غضب الرحمن الذي أصابهم في عصر يوم الجمعة.
وفي يوم الثاني عشر من شهر رمضان تذكر كتب التاريخ كذلك حادثة مناخية فريدة أصابت هذه المرة المدينة المنورة على صاحبها أفضل الصلاة والتسليم عندما تعرضت لعواصف رعدية شديدة نتج عنها إصابة إحدى الصواعق لمئذنة المسجد النبوي وذلك في عام 886 هجري. وقد نتج عن ذلك مصرع رئيس المؤذنين الشيخ شمس الدين بن الخطيب كما انشق سقف منارة المسجد واشتعلت النيران في بعض أجزاء الحرم النبوي وتوفي في هذا الحريق عدة أشخاص. وبسبب الاضرار البالغة في سقف المسجد النبوي وسقوط حوالي 120 عامود من أعمدته ففي الغالب أن الصلوات الجامعة وصلاة التراويح ربما تغير نمطها في رمضان تلك السنة. والجدير بالذكر أن تلك الأجواء الغائمة في شهر رمضان قد شهدها المسجد الحرام في مكة المكرمة وذلك في سنة 883 هـ عندما تسببت الامطار الغزيرة في منتصف شهر رمضان بدخول السيول المتدفقة للمسجد الحرام من أغلب أبوابه بل وحتى بعض نوافذ الحرم. وتكرر هذا الأمر مرة أخرى بعد ذلك بأسبوع عندما دخل السيل في يوم الجمعة الثالث والعشرين من شهر رمضان. ومن المحتمل أن هذه السيول الغزيرة والمتكررة على المسجد الحرام أثرت على صلاة الناس للجمعة والتراويح واعتكافهم في الشهر الكريم.

وأخيرا لا يجدر ختام ذكر النكبات والكوارث التي توافقت مع الشهر الفضيل دون التعريج على ما نحن فيه هذه الأيام من انتشار الوباء والبلاء وكما هو متوقع حصل في التاريخ الإسلامي عدد كبير من الأوبئة والطواعين التي تزامن انتشار بعضها مع شهر رمضان. ومن ذلك مثلا الطاعون الخطير الذي وقع بالعراق عام 131 هـ وساهم بشكل أو بآخر في تعجيل سقوط الخلافة الأموية بعد ذلك بسنة وتذكر كتب التاريخ أن شدة ذلك الوباء كانت في شهر رمضان من تلك السنة. وكذلك الطاعون الأسود الشهير والوباء الاعظم الذي عمّ العالم كله عام 749 هـ وقتل عشرات الاف من المسلمين في الشام ومصر وكان من جملتهم عدد كبير من مشاهير العلماء والادباء الذين توفى بعضهم في شهر رمضان مثل صلاح الدين الصفدي وابن الوردي.
وبعد فإن ما سبق كان سردا للأخبار والقصص عن النكبات والمصائب الجسام التي أصابت المسلمين أثناء شهر الصيام ثم ما أسرع أن انجلت بفضل الله وأصبحت (حديث الذكريات) وخبر السنين الغابرات وهو ما سوف يحصل بمشيئة الله مع هذه الجائحة الحالية فهي أزمة وتنجرف وغمة وتنكشف.

( الفرج بعد الشدة .. الصين أنموذجا )

الصين تعيد كتابة التاريخ بطمس دور أمريكا


د/ أحمد بن حامد الغامدي

لطالما كانت الصين على موعد مع الكوارث في الواقع وفي الاساطير على حدا سواء وفي كل مره كانت الأمة الصينية كما طائر الفينيق تنهض متجدده من رماد الحريق. في عالم الاساطير فجع الإمبراطور المؤسس للصين فو زي بغرق ابنته في النهر ومن هذه الفاجعة ظهرت الحضارة الصينية حيث تحولت الفتاه الغريقة إلى إلهة النهر الأصفر الذي نمت على ضفافة الإمبراطورية الصينية الممتدة في التاريخ. للحضارة الصينية خصوصية عجيبة مع التاريخ فبالرغم من توالي وتعدد الكوارث والنكبات التي أصابتها إلا أنها هي الحضارة الوحيدة المتواصل بقائها عبر العصور بينما اندثرت مع الغابرين الحضارة الفرعونية والاشورية واليونانية والرومانية والبيزنطية والمكسيكية (المايا) والعباسية والعثمانية. وبسبب هذه الديمومة والحيوية المتجددة لاقت الحضارة الصينية إعجاب الكثير لدرجة أن فولتير الحبر الأكبر لعصر الأنوار (عصر فولتير كما وصفه وول ديورانت في كتاب قصة الحضارة) كان مفتون بالحضارة الصينية حتى أنه قال عنها (لقد دامت هذه الامبراطورية أربعة آلاف عام دون أن يطرأ عليها تغير يذكر وإن نظام هذه الإمبراطورية لهو في الحق خير ما شهده العالم من نظم).
وكل هذا العز المديد والمجد التليد للأمة الصينية لم يأت صفو من الأكادر ولا خلو الانحدار بل أصابته النكبات المتتالية والجوائح المتواصلة من مثل الفيضانات والزلازل والاوبئة والمجاعات والحروب.
الإمبراطورية الصينية فريدة في امتدادها التاريخي لكنها شحيحة في بعدها الجغرافي لدرجة أنها امبراطورية بدون مستعمرات فهي امبراطورية الثروة وليست امبراطورية الثورة. الاعجب من ذلك أن الأمة الصينية عاشت لعقود طويلة وهي تخشى من جيرانها وليس العكس وبالرغم من بناء سور الصين العظيم منذ أكثر من ألفين سنة وبطول زاد عن عشرين ألف كيلومتر إلا أن ذلك لم يمنع وقوع الصين تحت الاحتلال العسكري المتكرر من الغرباء. يقول شاعرنا الجاهلي (ليس الكريمُ على القنا بمحرمِ) وعلى نفس الجناس ليست الدول الكبرى على بمحرمه على حِراب الحرب وسيوف الحُتوف ولهذا قد تقع تحتل ذل الاحتلال وهوان الاجتياح. في القرن الخامس الميلادي اجتاح برابرة الشعوب الجرمانية مدينة روما معلين بذلك سقوط الإمبراطورية العظمى وقبل ذلك بفترة اجتاحت جموع البرابرة الخمسة الإمبراطورية الصينية القديمة وتم تدمير عاصمتها القديمة لويانغ. الاحتلال الأجنبي السافر للصين أكثر ما تمثل في سيطرة قبائل المغول أحفاد جنكيز خان على كامل الصين لمدة قاربت القرن من الزمن ومع ذلك ينبغي التنبيه أن حكم هؤلاء (البرابرة) التتار للصين وخصوصا زمن الامبراطور قبلاي خان شهد ذروة التقدم التقني والحضاري للصين. بينما في المقابل زمن الاحتلال البريطاني للصين في منتصف القرن التاسع عشر شهد قاع الضعف للأمة الصينية خصوصا زمن حروب الافيون واقتحام ونهب وحرق قصور الاباطرة في العاصمة بكين. وبسبب انتشار تعاطي المخدرات في أوساط الشعب الصيني أفرز ذلك تدهور مريع في القدرة الاقتصادية والعسكرية للبلد لدرجة أن الإمبراطورية الصينية تعرضت في تلك الفترة لذل لغزو المباشر للجيوش الإنجليزية والفرنسية بالإضافة للخضوع للابتزاز والاستغلال الامريكي والروسي. وفي نهاية المطاف خارت تماما قوى التنين الصيني ليتم أخيرا الإعلان النهائي عن انهيار الإمبراطورية الصينية وعزل (الامبراطور الأخير) في مطلع القرن العشرين. وما كادت الامة الصينية تتعافى من ذلل حروب الافيون حتى وقعت في عام 1931م تحت بطش الاحتلال الياباني الشنيع لإقليم منشوريا في شمال الصين والذي لا يبعد عن العاصمة بكين إلا بمسافة قصيرة وبعد هلاك حوالي عشرين مليون شخص تم تحرير الصين من القبضة اليابانية في نهاية الحرب العالمية الثانية.
المرحلة الأولى (للفرج بعد الشدة) في قصة الصين بدأت منذ منتصف القرن العشرين حيث بعد انتهاء زمن الاحتلال المهين دخلت مرحلة (الآن نغزوهم ولا يغزونا) ومن تحرير إقليم منشوريا إلى احتلال الصين لدولة التبت في أسيا الوسطى أعلن التنين الصين دخوله لنادي الدول العظمى. لكن في عز انفراج الشدة الأمنية وقعت الصين في واحدة من أصعب شدائدها الكبرى وهي حادثة (المجاعة الكبرى) التي هلك فيها أكثر من أربعين مليون منكوب. إذا كانت سهول الهلال الخصيب بين الشام والعراق هي مهد الزراعة قبل أكثر من عشرة الاف سنة فإن الصين وبدون منازع هي مهد صناعة الغذاء وفن الطبخ منذ آلاف السنين كما أن أرضها زراعية خصبة وغنية بالأنهار والقنوات المائية هذا بالإضافة لنظام صوامع حفظ الحبوب المعقد والضخم. تناقض الخصوبة الزراعية مع المجاعة والفقر في الصين كانت هي محور الرواية الأدبية البديعة (الأرض الطيبة) للكاتبة الامريكية بيرل بيوك التي أهلتها للحصول على جائزة نوبل في الادب عام 1938م. بسبب الكثافة السكانية المنفرطة للصين لطالما عانى الشعب الصيني من المجاعات المتكررة لدرجة أنه يقال إن الصين في الالفين سنة الماضية أصيبت بحوالي 1900 مجاعة خطيرة إي بمعدل مجاعة مهلكة كل سنة. وخلال المائة سنة الأخيرة قبل المجاعة الكبرى التي حصلت عام 1959م تشير الاحصائيات إلى أن الصين ربما خسرت ما يقارب المائة وخمسين مليون هالك جراء المجاعات والجفاف والقحط.
المثير للسخرية أن المجاعة الصينية الكبرى كانت بسبب الأخطاء الكارثية في المشروع الاقتصادي والاجتماعي الذي طرحة الرئيس الصيني الهالك ماو تسي تونغ تحت العنوان الجذاب (القفزة الكبرى إلى الامام) والذي كان يهدف إلى تحويل الصين من دولة زراعية متخلفة إلى دولة صناعية عظمى. وما كادت الصين تخرج من كارثة المجاعة تلك حتى وقعت في الشدة والكارثة الأخرى التي أفرزها الفكر الشيوعي (الماوي) وهي مصيبة (الثورة الثقافية الكبرى) التي أطلقها مرة أخرى القائد الأحمر ماو تسي تونغ عام 1966ميلادي. وكان من ثمارها المرة احتقار ركائز المجتمع الصيني ممثلة في الاسرة والتعليم والدين وغسل أدمغة شباب المدارس والجامعات لإهانة وتعذيب بل وحتى قتل والديهم ومعلميهم ورهبان المعابد وهو أمر بالغ الإثم في المجتمع الصيني القائم على تعاليم الكونفوشيوسية التي تقدس الاسرة والاسلاف. تخمين أثر هذا الزلازل المجتمعي الهائل يمكن استيعابه عندما نعلم أن هذه الثورة الثقافية المزعومة نتج عنها قتل واعدام حوالي نصف مليون شخص في حين تعرض عشرين مليون للتعذيب والسجن.

الصين .. قوة عظمى تعود
عندما طرح نبي الاشتراكية كارل ماركس أفكاره الجديدة حول الشيوعية في كتابه رأس المال (الذي أطلق عليه إنجلز لقب: إنجيل الطبقة العاملة) كان النداء أن يتحد عمال العالم في الدول الصناعية ولكن الكارثة أن من استجاب له هم المزارعين وأهل الفلاحة في روسيا والصين. ولهذا كانت الشيوعية كارثة و(شدة) خانقة بكل المقاييس على هذه المجتمعات لدرجة أنها أنهكتها وتسببت في نهاية المطاف بانهيار وتقويض المنظومة الشيوعية كما هو معلوم. وفي حين تفتت كيان الاتحاد السوفيتي بشكل كامل نجد أن الصين نجت إلى حدا ما بسبب (حيوية) الأمة الصينية وسرعة تأقلمها مع المصائب والنكبات (الاحتلال الأجنبي والافيون والمجاعات .. الخ). ولهذا من الأساس اختطت الصين لها طريق اشتراكي ذو خصوصية صينية ثم لاحقا بعد هلاك ماو تسي تونغ بدأ عهد الإصلاح والانفتاح والذي أثمر أخيرا سياسة (الحلم الصيني) والمتمثل في جعل الصين بلد شبة رأسمالي بغلاف اشتراكي ماركسي.
قبل حوالي قرن من الزمان تنبأ المفكر والفيلسوف البريطاني برتراند راسل أن الولايات المتحدة هي من سوف تكون أهم دولة في العالم لمدة قرن أو قرنين ثم قال (وبعد ذلك سوف يأتي دور الصين). مع الزخم الاقتصادي للصين في عالم اليوم أغلبنا لن يستغرب كثيرا هذا التوقع ولكن ينبغي التنويه أن هذه المقولة صدرت من برتراند رسل عام 1930 والصين على مشارف أن تقع تحت الاحتلال الياباني المهين بمعنى أنها أبعد ما تكون أن تصبح دولة عظمى. وكما هو متوقع فإن عالم الرياضيات العبقري برتراند راسل أعتمد في حساب معادلته المستقبلية تلك على الرصيد الحضاري الكبير والثري للأمه الصينية وليس على واقعها المخزي في زمنه.
قبل الحرب العالمية الثانية والحرب الباردة كانت الأمة الامريكية تتميز بضخامة قدرتها الاقتصادية ولكن المال ليس كل شي في عالم السياسية الدولية ولكن الأهم (الرغبة) في الريادة والمنافسة على القيادة. لسنوات طويلة تتمتع ألمانيا الاتحادية بثروة اقتصادية وتقنية هائلة ومع ذلك توصف في عالم السياسية بأنها (عملاق اقتصادي وقزم سياسي) وأخشى أنه بعد أزمة فيروس الكورونا سوف تصبح الصين هي الأجدر بهذا الوصف الساخر والمهين إذا ركزت فقط على تضخيم قوتها الاقتصادية. (اهتبلوا الفرصة) هكذا نصح الرئيس الأمريكي السابق ريتشارد نيكسون في كتابه الذائع الصيت (الفرصة السانحة) عندما حث أمته الامريكية للانتهاز الفرصة بعد سقوط الكتلة الشيوعية والتفرد بزعامة العالم. فليت شعري هل يوجد من بين رجالات السياسة في الصين من يدفع قادة بلدة ويصرخ بهم: (اهتبلوا الفرصة) واغتنموا الارتباك الدولي بسبب الوباء وعززوا تحرككم السياسي والعسكري والتقني للتفرد بقيادة العالم بعد انكماش سيدة العالم ماما أمريكا.
سبق وأن ذكرت بأن الصين وهي منذ فجر التاريخ امبراطورية بلا مستعمرات بل أنها حضارة منكفئه على نفسها لدرجة أن الامبراطور الصيني المؤسس تشين شي أقام حضارة متماسكة ومملكة شاسعة وفي نفس القوت أمر بحرق الكتب ومنع انتشار الأفكار. لقد كانت الصين في القرن الخامس عشر خلال حكم سلالة المينغ مؤهلة تماما بفضل اسطولها البحري الضخم (وقائدها المسلم الهمام أمير البحر تشنغ هي أو حجي محمود شمس) أن تسيطر على العالم ولكن بدلا من اقتناص وانتهاز التنين الصيني للفرصة السانحة اتخذ حكام ومفكري المارد الصيني خيار التراجع والانغلاق. فهل سوف يعيد التاريخ نفسه مع الإمبراطورية الصينية الحديثة وتستمر حسب المعنى الحرفي لاسمها القديم (المملكة الوسطى) التي لا ترغب في مد حكمها للشرق أو للغرب. توقعي الشخص أنه هذا ما سوف يحصل وسوف تستمر الصين كعملاق اقتصادي بالغ الضخامة وكقوة دولية عظمى superpower الجميع يأخذها بعين الاعتبار لكن لا يخشى تغولها العسكري.
بالنسبة لما يهمنا في الدور الصيني في عالم الغد أنها في الغالب سوف تكون دولة مزاحمة وليست دولة ممانعة للنفوذ الأمريكي وهذا من شأنه ليس فقط تخفيف أجواء التوتر السياسي ولكن والاهم هو دورها في اشغال واضعاف نفوذ النسر الأمريكي وتحويل عالم السياسية من حالة العالم (أحادي القطب) إلى العالم (متعدد الاقطاب). لكن سؤال المليون كما يقال هو لماذا لن يكون عالم السياسية القريب ثنائي القطب (أمريكا في مواجهة الصين) وكذلك من هو القطب الثالث وهل سوف نشاهد الرايات الخفاقة (للرايخ الرابع) تنبعث من جديد من الديار الجرمانية. تعمدت أن أختم المقال (بنهاية مفتوحة) قابله لجميع الاحتمالات لأن العاقل من اتعظ بخير كما يقال ومن الحكمة ألا يقع المرء في سذاجة الكاتب الأمريكي فوكوياما الذي ألف كتاب (نهاية التاريخ) وبشر بغباء أن أمريكا والرأسمالية الغربية سوف تحكم البشرية إلى الأبد.


دور (المريض) العربي في علاج البشرية

المرضى العرب أكثير تأثيرا في الطب من الأطباء العرب !!

 
د. أحمد بن حامد الغامدي
للأسف الشديد منطقتنا العربية تستحق بجدارة التوصيف السياسي الدولي لها بأنه (حزام الازمات) وذلك لتجذر الثلاثي النكد في جنباتها منذ قرون طويلة (الجهل والمرض والفقر) وفي أزمة وباء الكورونا الأخيرة أكملنا الضلع المفقود وربعنا المثلث. البعد الجديد في منظومة الكوارث العربية هو ضلع العبث والعبثية والتي هي وليدة تزاوج وتمازج الجهل مع القهر. فبعد مهزلة اكتشاف جهاز الكفتة الطبي للواء عبدالعاطي التي حصلت قبل سنوات تشهد الساحة الإعلامية العربية هذه الأيام تزايد تداول (الخلطات والمتبلات) وليس الوصفات الطبية المزعومة لعلاج الوباء القاتل. المشهد العبثي المنتشر حاليا هو اقتراح وصفات طبية لعلاج مرض الكورونا بالغ الخطورة باستخدام الفول والشلولو والكركم والسماق وعصير الليمون والشاهي الساخن !!.
مرة أخرى نتأسف بشدة أنه ليس للعرب في العصر الحديث أي دور ملموس في تقديم أي نفع للبشرية في الجائحة الوبائية الأخيرة بل من العجائب (والعجائب جمة كما قال الأول) أننا في وقتنا الحالي أقل نفعا للبشرية عما كنا قبل قرن من الزمان. والمهزلة الكبرى أننا في تلك الفترة لم تكن منفعتنا للإنسانية أننا تقمصنا دور (الطبيب) بل لأننا أتخذنا دور (المريض).
يعتبر الطبيب الألماني وعالم الاحياء الدقيقة روبرت كوخ أحد أهم علماء الجراثيم والامراض المعدية على الاطلاق ولهذا استحق بكل جدارة الحصول على جائزة نوبل في الطب عام 1905م نظير اكتشافه وعزله للبكتيريا المسببة لمرض السل كما إن له أبحاث مهمة تتعلق بالميكروبات المسببة لأمراض وأوبئة الملاريا والطاعون والجمرة الخبيثة وغيرها. ومن هنا ندخل لدور (المريض) العربي في علاج البشرية حيث انتشر وباء خطير لمرض الكوليرا في مصر في عام 1882م وبحكم أن روبرت كوخ كان في تنافس شديد مع أسطورة العلم الفرنسي لويس باستور في اكتشاف المكروب المسبب لمرض الكوليرا لهذا سارع كوخ للسفر إلى مصر. وفي مستشفى اليوناني بالإسكندرية بدأ روبرت كوخ أبحاثه المتواصلة لعزل الميكروب وهنالك توصل إلى نتائجه الأولية بأن هذا المرض القاتل يتسبب به مكروب يدعى بكتيريا الضمة vibrio  وليس هذا وحسب بل أن كوخ أثناء إقامته في مصر أجرى كذلك بعض الأبحاث الطبية لمحاولة تحديد سبب مرض الدوسنتاريا. الجدير بالذكر أن روبرت كوخ في بحثه المنشور حول دراسته عن وباء الكوليرا في مصر يشكر الاثنا عشر مريضا الذي طبق أبحاثه عليهم كما لم يفته أن يذكر أهمية جثث الموتى العشرة التي ساعدته كثيرا في عزل الميكروب القاتل.
ومن وباء الكوليرا بالديار المصرية إلى وباء الملاريا في البلاد الجزائرية ومن مدينة الإسكندرية إلى مدينة عنابة نلتقي مرة أخرى بطبيب أجنبي ومريض عربي غيروا وجه التاريخ الطبي. لقد دخل الطبيب الفرنسي شارل لافران التاريخ من أوسع أبوابه ليس فقط لحصوله على جائزة نوبل في الطب عام 1907م ولكن أيضا لإسهامه في اكتشاف سبب أحد أكثر الامراض تأثيرا في تاريخ البشرية الا وهو مرض الملاريا. طريق المجد الذي سار عليه لافران بدأ في عام 1878م عندما وصل إلى مدينة عنابة الجزائرية ولقد ساهمت دماء الجزائريين (المرضى وليس المجاهدين للاحتلال الفرنسي) في تمكينه من اكتشافه الطبي الكبير. لاحقا أنتقل لافران للعمل في المستشفى الفرنسي العسكري في مدينة قسنطينة الجزائرية واهتم كثيرا بتحديد سبب مرض الملاريا المتفشي في صفوف جنود الاحتلال الفرنسي وكذلك بين السكان. وهنا استطاع لافران أن يكتشف بعد تشريحه لجثث العديد من المرضى بالملاريا أن دماءهم تحتوي على ميكروب طفيلي يدعى Plasmodium والذي تم تعريبه ليعرف باسم المُتصوِّرة. وللتأكد من صدقية هذا الاكتشاف قام لافران في مرحلة تالية بفحص عينات دماء 192 شخص من مرضى الملاريا (جلهم من الجزائريين وبعض الجنود الفرنسيين) ووجد أن 148 مريض منهم تحوي دمائهم على هذا الميكروب الطفيلي.
وما زلنا مع دور المرضى العرب في تقدم الطب الحديث وأحداث قصتنا هذه المرة تقع في البلد الجميل تونس الخضراء ومع الطبيب الفرنسي شارل نيكول الحاصل على جائزة نوبل في الطب لعام 1928 ميلادي. منذ عام 1903م تولى هذا الطبيب الفرنسي إدارة فرع معهد باستور المقام في مدينة تونس العاصمة واستمر في منصبه ذاك لمدة جاوزت الثلاثة عقود لدرجة أنه توفي وهو مقيم في الديار التونسية. ما يهمنا هنا أنه في عام 1909م انتشار وباء خطير وقاتل لحمى التيفوئيد (التيفوس) في الأراضي التونسية لدرجة تكدس جثث المرضى على مداخل المستشفيات. لفترة من الزمن عمل الدكتور شارل نيكول في المستشفى الصادقي (حاليا هو مستشفى عزيزة عثمانة الجامعي) بساحة القصبة بمدينة تونس وهنا لاحظ أن المرضى المصابين بوباء التيفوئيد عند مخالطتهم للمرضى الاخرين في غرفة الانتظار بالمستشفى ينقلون لهم الوباء. بينما لو تم تغيير ملابس المرضى بالتيفوئيد وجعلهم يستحمون لحظة دخولهم للمستشفى تقل كثيرا احتمالية تسببهم في نقل عدوى المرض بل أن ملابس المرضى المغسولة بالماء الساخن لا تنقل المرض. من هذا وذاك استنتج شارل نيكول بشكل سليم أن النقال لمرض التيفوئيد هي حشرة القمل المجودة بملابس المرض ولهذا توصل لمعلومة مهمة لتقليل انتشار المرض عن طريق فقط رفع مستوى النظافة الشخصية في المناطق الموبئة. وهذا الاكتشاف البسيط منح شارل نيكول جائزة نوبل في الطب حتى ولو لم يساهم في اكتشاف الميكروب المسبب للمرض أو اكتشاف مصل علاجي له أو لقاح وتطعيم يمنع حصوله ابتداءً مما يدل خطورة ذلك الوباء وسعادة الأطباء في التخفيف بأي قدر من غلوائه وهو ما كان للمريض العربي بشكل أو آخر شرف المساهمة فيه.
ونختم بذكر رابع طبيب يحصل على جائزة نوبل في الطب وله ارتباط بنا ولكن هذه المرة مع إخوتنا في الدين والعقيدة حيث ننتقل إلى أكبر بلد إسلامي من حيث عدد السكان وهو إندونيسيا وبالتحديد جزيرة جاوة وعاصمة البلاد جاكرتا. لقرون طويلة خضعت إندونيسيا للاحتلال الهولندي حيث كانت إحدى أهم المستعمرات الاقتصادية لها ومن باب الاستفادة القصوى من مواردها الزراعية والبشرية اهتم الهولنديين بتقصي أسباب مرض البري بري الذي يضعف بشدة الحيوية الجسمانية والحركية للشخص مما يضعف انتاج المزارع. ولهذا تم في عام 1897م ارسال الطبيب الهولندي كريستيان أيكمان والذي ليس فقط اكتشف سبب هذه المرض وأنه يعود إلى نقص فيتامين ب 1 الذي يوجد في قشر الأرز ولكن الأهم من ذلك اكتشافه لأول مره مفهوم (الفيتامينات). وبسبب تعرف أيكمان للفيتامينات ووجودها في المواد الغذائية وارتباطها الكبير بصحة الانسان، لذا استحق بجدارة أن يحصل على جائزة نوبل في الطب لعام 1929 ميلادي.
بقي أن نقول إنه في الختام نحتاج أن نذكر بكتاب حمل اسم (تذكرة داوود) وسبب التذكير بهذا الكتاب بالذات لأنه آخر اسهام علمي عربي كبير في مجال العلاج الطبي والأدوية الصيدلانية وهو من تأليف الطبيب المسلم المشهور داوود الانطاكي والذي توفي بمكة المكرمة عام 1008 هجري وهو بهذا آخر علماء الطب العرب ذوي الشهرة العالمية المرموقة. ومنذ وفاة داوود الانطاكي وحتى الان وبعد مرور أربعة قرون كاملة لا يوجد لأهل الإسلام إسهام حقيقي بارز ومميز في تقدم علم ومهنة الطب. للأسف الشديد أمتنا الإسلامية والعربية أصابها الوهن الشديد وأصبحت بالفعل عالة على العالم لدرجة أن (أهل المرض) منها وليس (أهل الطب) هم من ساعدوا بشكل أو آخر في تحقيق بعض أهم الاكتشافات الطبية الحديثة.
ومع ذلك كلمة حق يجب أن تقال وهي أن أهل الطب في عالمنا الإسلامي وإن كانوا لم يتوصلوا لاكتشافات مبهرة وتاريخية ولكنهم في الغالب على درجة عالية من (المهنية) الصحية و(الخبرة) الطبية والتميز السلوكي والتفاني في الإخلاص. وفي زمن الكورونا الحالي الجميع وبجميع اللغات البشرية يلهج بالدعاء ويصدح بالثناء على جهود الأطباء وجميع العاملين في القطاع الصحي على دورهم البطولي في التصدي لهذه الجائحة المريعة.