السبت، 19 أغسطس 2023

( حملة القراءة أمام الجميع )

د/ أحمد بن حامد الغامدي

 بلا جدال فإن القراءة مؤشر من مؤشرات جودة وديمومة التنمية وهي من الروافد الأساسية للثقافة والحضارة وكمحاولة لتعزيز وجود ظاهرة القراءة في المجتمعات كثير ما كانت تقام مهرجانات (القراءة للجميع). ومن فعالية القراءة للجميع تطور الحال إلى مبادرات (القراءة أمام الجميع) والتي تهدف لتعزيز مكانة القراءة في المجتمع من خلال تشجيع اكتساب عادة القراءة التي قد تنتقل بالمحاكاة والتقليد عند مشاهدة البعض ممن يمارس عادة القراءة في الأماكن العامة بكل ثقة ودون خجل. وعلى ذكر الخجل من القراءة نجد أنه قديما كان يوصف الشخص الشغوف جدا بأنه (دودة كتب) بينما في الغرب كان يميلون أحيانا للقول بأنه شخص: أنفه في كتاب (his nose in a book) بمعنى أنه شخص منغمس جدا في القراءة.

وللأسف في جميع الحالات سواءً وصف الطفل بأنه دودة كتب أو أنفه ملاصق دائما للكتاب فهذا أمر يجلب لذلك الطفل أحيانا السخرية والتنمر من الأطفال الآخرين بل وحتى من البالغين مما سبب ابتعاد البعض سواء من الأطفال أو الكبار عن القراءة (أمام الجميع) بل وربما هجر القراءة بالكلية. وهذا ما دفع بعض الأفراد والهيئات العامة لمحاولة إعادة إحياء وبعث خصلة عشق القراءة وتحفيز الجميع على القراءة والالتصاق بالكتاب في كل حين من خلال التشجيع على (القراءة أمام الجميع).

 في السابق كان من أشهر وأبرز مظاهر القراءة أمام الجميع أن تجد الأشخاص من رواد الحدائق والمنتجعات السياحية الواحد منهم يستلقي على العشب أو يجلس على كرسي الحديقة وهو يقرأ في كتاب. وبحكم أن شهر مايو مرتبط ببهجة الربيع وتردد الناس على الحدائق والمتنزهات ولذا يخصص هذا الشهر لحملة توعوية راقية تحث الناس على الارتباط بالكتاب وعدم الحرج من القراءة أمام الجميع. في عام 1999م أطلقت جمعية الناشرين الأمريكيين حملة لتعزيز القراءة في المجتمع من خلال تخصيص شهر مايو من كل عام ليصبح شهر القراءة أمام الجميع وذلك من خلال حملة توعوية تحمل شعار (صادوه وهو يقرأ Get Caught reading). المقصود أنه في الولايات المتحدة نجد أن شهر مايو هو (الشهر الوطني للقراءة) وأن من الأساليب المحفزة على القراءة حثّ الجميع على عدم الخجل من أن يشاهدك الناس (يكفشوك ويصيدوك) وأنت متلبس بفعل القراءة بحيث يكون وجهك مدسوسا بين صفحات الأوراق وأنفك ملاصق للكتاب.

للأسف الشديد العادة الحضارية الراقية التي كانت توجد في بعض المجتمعات والمتعلقة بارتباط الناس بالقراءة (أمام الجميع) في أي مكان أو أي وقت أخذت تتلاشى. وبعد ما كان أمرا سائدا وسائغا أن تشاهد شخصا يقرأ كتاب وهو واقف في عربة قطار المترو أو وهو جالس على طاولة المقهى أو وهو متمدد على ظهره على العشب في حديقة عامة أصبحت هذه المظاهر (الحضارية) تتقلص. وأصبح السائد في جميع دول العالم في الشرق والغرب أن البشر مشغلون في جميع تلك الحالات السالفة الذكر (في القطار والمقهى والحديقة وغيرها) بالنظر إلى شاشات جولاتهم (الذكية) التي تزيدهم غباء وحماقة عندما يشغلون أوقاتهم بمتابعة التفاهة في وسائل التواصل الاجتماعي.

على كل حال يبدو أن القراءة ليست فقط نشاط ثقافي ومعرفي ينمي الإبداع والتفكير بل إنها يمكن أن تكون كذلك نشاطا اجتماعيا يثري التواصل الفعال مع الآخرين وتعزز مهارات الحوار، هذا فضلا عن أن القراءة في الأماكن العامة قد تخلق شعورا بالانتماء إلى المجتمع. ومن الفوائد الملموسة للقراءة في الأماكن العامة وأمام الغرباء بصوت مسموع أن ذلك يساعد في تحسين المهارات اللغوية والثقة في النفس والتعايش والتعاطف مع الغير وهي بالإضافة لذلك وسيلة للتواصل مع الآخرين الذين قد يشاركونك نفس الاهتمامات والهوايات.

 الأدباء وتعزيز ثقافة القراءة في الأماكن العامة

قبل حوالي سنة قامت هيئة الشارقة للكتاب بحملة تهدف للتشجيع على قراءة الكتب حملت شعار (إذا مهتم بشيء، يعني مهتم بالكتب) شارك في دعمها عدد من المشاهير من ضمنهم بعض الممثلين وقبل ذلك بسنوات عدة نظمت لدينا حملات مشابهة للحث على القراءة واقتناء الكتب وشارك فيها بعض مشاهير لاعبي كرة القدم بالسعودية. وبالرغم من أن هذه الحملات التوعوية هي جهد مشكور ومطلوب ومع ذلك من جهة نظري الشخصية قد يكون (اقتناع) المستقبل بمصداقية تلك الرسالة التوعوية أكثر لو أن الشخص الذي يوجد في الإعلان عن تلك الحملة له مظهر المفكر أو المثقف بدلا من مجرد اختيار شخصيات بعيدة عن القراءة من مشاهير وسائل التواصل الاجتماعي أو نجوم (حسب زعمهم) عالم الرياضة والفن.

ولذا أقترح حيث نحن الآن في منتصف شهر مايو (شهر القراءة أمام الجميع ومصاحبة الكتاب) وبالتزامن مع عالم الشعر العربي 2023 (حتى الآن لم أرصد أي فعاليات جادة تحتفل به !!) أن يتم الإعداد لبعض الفعاليات الثقافية التي تعزز من القراءة وتساهم في بث الوعي بمفهوم وظاهرة القراءة أمام الجميع. ومن ذلك مثلا لماذا لا يقوم النادي الأدبي في الرياض بتنظيم أمسية شعرية في حديقة سلام وبالتالي يمكن أن نشهد لفيفا من الشعراء يقرؤون من دواوينهم الشعرية وهم أمام جمع من زوار الحديقة المضطجعين على العشب. كما هو معلوم الشاعر اللبناني الكبير جبران خليل جبران هاجر منذ صباه لمدينة بوسطن الأمريكية ويقال إنه لاحقا عندما أصبح شاعر مشهور كان يقرأ من كتبه في داخل الحديقة العامة لمدينة بوسطن علما بأنه على بعد عدة مئات من الأمتار من هذه الحديقة يقام نصب خليل جبران التذكاري. وهذا الكاتب والروائي البريطاني أوسكار وايد قضى آخر ثلاث سنوات من حياته في فندق بالقرب من حدائق لوكسمبورغ في الحي اللاتيني بمدينة باريس ويقال إنه كان يقرأ من كتبه لأصدقائه وللمعجبين وهم في أحضان تلك الحديقة المذهلة. ومن طرائف العلاقة بين الحدائق والأدب أن الكاتب الكبير عباس محمود العقاد كانت أول ندوة ثقافية عقدها لتلاميذه في رحاب حديقة الحيوان بالجيزة.

ومن الحدائق الغناء إلى الشوارع الثقافية فمثلا شارع المتنبي في بغداد هو شارع الثقافة بامتياز لأنه محور تجمع المكتبات التجارية بعاصمة الرشيد وعلى أرصفته تنتشر بسطات الكتب المستعملة وعليه لا غرابة أن تجد فيه من يقرأ وهو واقف. وبحكم أن هذا الشارع يعرف كذلك بشارع الأدباء ففي نهايته يقع مبنى المركز الثقافي البغدادي ولهذا أصبح ملتقى للثقافة والأدب وساحة إقامة الندوات الثقافية والمنتديات الشعرية. وعلى ذكر ارتباط الشوارع بالشعر والأدب والقراءة من الدواوين فتجدر الإشارة إلى أن الشارع رقم 92 في مانهاتن بمدينة نيويورك يحتوي على مركز ثقافي بارز يتسابق كبار الشعراء والأدباء على القراءة من دواوينهم الشعرية فيه ومن أبرزهم الشاعر المعروف تي إس إليوت حيث قرأ فيه في عام 1950م مقاطع من قصيدته المشهورة الأرض اليباب.

ومع ذلك يبقى أكثر الأدباء الذين نقل عنهم قيامهم بأنفسهم بقراءة اشعارهم في الشوارع والساحات العامة هو شاعر فلورنسا الأبرز دانتي الذي كان يقرأ للعامة في مدينة فلورنسا ولاحقا في منفاه في مدينة فيرونا الإيطالية ومدينة باريس. وإذا ذكر الحديث عن قراءة الأدباء للعامة والدهماء فلا ينبغي أن نغفل الإشارة إلى الروائي البريطاني تشارلز ديكنز الذي يوصف بحق بأنه (القارئ العام public reader) حيث قضى آخر 12 سنة من حياته في قراءة مقاطع مطولة من روايته الأدبية للجمهور في العديد من الأماكن العامة وقاعات الاجتماعات لدرجة أنه حصل من المال والثروة من هذا النشاط الثقافي أعلى بكثير من بيع رواياته. تشير الدراسات التاريخية لحياة تشارلز ديكنز أنه قام خلال عقدين من الزمن بحوالي 472 قراءة للعامة في أماكن مختلفة من المدن البريطانية والأمريكية. بمعنى أن عامة الشعب الإنجليزي في النصف الثاني من القرن التاسع عشر كان بإمكانه بمبلغ مالي معقول أن يثقف نفسه بالاستماع إلى القراءة الدرامية (dramatic reading) الشيقة والمؤثرة التي يبدع في أدائها تشارلز ديكنز. بينما في نفس العصر الزمني تقريبا وفي واقعنا العربي كان عموم الشعب يستمتعون كذلك بالقراءة العامة التي يؤديها (الحكواتي) في المقاهي الشعبية وهو يقرأ لهم دراما تمثيلية ماتعة من كتاب قصص عنترة أبو الفوارس أو تغريبة بني هلال أو حكاية الأميرة ذات الهمة.

وبالجملة القراءة أمام الجميع أو في الأماكن العامة من العادات الراقية لأهل الأدب ومشاهير المفكرين لدرجة أنه كان من دلائل حسن الضيافة أن يقوم الأديب أو الشاعر بقراءة صفحات من كتبه للضيوف والزوار الذين يستقبلهم في منزله كما كانت تفعل ذلك الروائية الإنجليزية جين أوستن وكما هو حال عباس محمود العقّاد صباح كل يوم جمعة عندما يجتمع بتلاميذه ومريديه في شقته المشهورة في حي مدينة نصر بالقاهرة.

وفي الختام أود أن أؤكد أن ظاهرة (القراءة أمام الجميع) وإن كانت ليست بدرجة زخمها قديما ومع مزاحمة الجولات الذكية للكتاب إلا أن هذه الظاهرة الراقية أخذت بالتزايد وبالخصوص في بعض المقاهي وصالات الانتظار بالمطارات. ولهذا وفيما تبقى من شهر مايو سوف أساهم في تعزيز انتشار عادة القراءة أمام الجميع أو حمل الكتاب في الأماكن العامة حتى ولو أنا مع العائلة في أحد المطاعم. 

 

( لحظة التتويج .. لقطة لذاكرة التاريخ )


 د/ أحمد بن حامد الغامدي

 يوم أمس تابع مئات الملايين على مستوى العالم (لحظة) بلحظة وخطوة بخطوة مراحل تتويج الملكي الإنجليزي تشارلز الثالث وذلك في نقل تلفزيوني (حي ومباشر). طبعا كان للتقدم التقني دور حاسم في توصيل هذه الصورة للمشاهد حتى وإن كان في أقصى الأرض فمثلا قبل سبعين سنة عندما تم تتويج الملكة الراحلة إليزابيث الثانية لم يحظ سوى الشعب الإنجليزي بتلك الفرصة. في عام 1953م تمكن حوالي عشرين مليون من الشعب الإنجليزي من مشاهدة تتويج الملكة الأم عبر البث التلفزيوني المباشر بينما بقية العالم استطاعوا فقط (سماع) وصف عملية التتويج من خلال صوت إذاعة البي بي سي.

قبل ذلك بالطبع كان يمكن مشاهدة (لحظة) التتويج ليس من خلال البث التلفزيوني أو الإذاعة، ولكن بواسطة (الصور الفوتوغرافية) المنشورة على صفحات الجرائد وتقريبا أقدم صورة فوتوغرافية ملتقطة في هذا الشأن كانت من حفل تتويج الملك الإنجليزي جورج الخامس وذلك في صيف عام 1911ميلادي. وهذا التسلسل يقودنا ولا شك أنه لكن نعرف أحداث ومشاهد عملية التتويج للملوك الأباطرة القدماء لن نتمكن من ذلك إلا من خلال (اللوحات الفنية) التي كانت ترسم خصيصا لهذه المناسبات.

فمثلا أحد أكبر وأجمل اللوحات الفنية الموجودة في متحف اللوفر في باريس هي في الواقع لوحة (تتويج نابليون) والتي رسمت عام 1807م وكانت توثق (لحظة) تتويج الإمبراطور الأول نابليون بونابارت مع زوجته الإمبراطورة جوزفين. الطريف في الأمر أنه كما حصل يوم أمس من كثافة المظاهر الدينية في عملية تتويج الملك تشارلز الثالث من ناحية وقوع الحفل داخل كنيسة ويستمنستر وقيام زعيم الكنيسة الإنجليزية (أسقف كانتربري) بتتويج الملك، نجد أنه ومع تتويج الإمبراطور نابليون في كنيسة نوتردام وبحضور البابا بيوس السابع إلا أن نابليون رفض أن يتوجه أحد إلا هو نفسه. فالإمبراطور المغرور نابليون هو من وضع التاج على رأسه بنفسه ولاحقا وضع التاج على رأس زوجته كما يتبين من تفاصيل تلك اللوحة الشهيرة والتي أرفق تصوير (مهزوز) لها صورته أنا من متحف اللوفر. بالمناسبة في حفل تتويج الملكة إليزابيث الثانية حضر الملك فهد (الأمير في وقتها) حفل التتويج ويوم أمس حضر كل من ملك البحرين والأردن وأمير قطر مراسم حفل تتويج الملك تشارلز الثالث بينما في لوحة تتويج الإمبراطور نابليون سالفة الذكر نجد من ضمن الشخصيات المرسومة في اللوحة السفير العثماني محمد سعيد أفندي المبعوث من قبل السلطان محمد الثاني.

وعلى ذكر سلاطين الدولة العثمانية ربما نجد أن أحد أقدم اللوحات الفنية التي توثق لعملية تتويج واعتلاء العرش لأي من الخلفاء والسلاطين العرب والمسلمين هي تلك اللوحة القماشية التي تخلد (لحظة) تتويج السلطان سليم الأول والتي حصلت في يوم الثامن من شهر صفر لعام 918 هـ وهي من إنتاج الرسام العثماني سيد لقمان ومنشورة في كتاب الملوك.

طبعا أي أعمال فنية ولوحات يدوية مرسومة على القماش أو حتى منقوشة على الخشب وتوثق للحظات تتويج الملوك والأباطرة القدامى في التاريخ العتيق سوف تتلاشى مع الزمن إلا إذا كانت منقوشة على حجر الصوان. ولهذا لا غرابة أن نجد إحدى أقدم لحظات توثيق عملية تتويج الملوك في التاريخ البشري تلك المتعلقة بملوك الفراعنة. ومن أمثلتها (لحظة) تتويج الفرعون المصري بطليموس الثامن والذي نجده يحمل على رأسه تاجين وليس تاجاً واحدا حيث إن أحد هذه التيجان قامت بوضعه على رأسه ربة مصر السفلى بينما التاج الثاني وضعته ربة مصر العليا.

 وبعد أن شرقنا وغربنا في الممالك والإمبراطوريات وبعد أن تجولنا خلال عصور التاريخ يبقى سؤال في حال أطال الله في عمر أي منا وشهد في مستقبل الأيام عملية تتويج الملك الإنجليزي الجديد جورج السابع (حفيد الملك الحالي) فكيف سوف تتم مشاهدة تلك (اللحظة). أتوقع أنه من خلال تطور تقنية الواقع الافتراضي المعززة Augmented Reality يمكن أن (نستشعر) بالفعل أننا موجودون حقا داخل كنيسة ويستمنستر. حيث من المتوقع أنه في المستقبل سوف يتم وضع كرسي فارغ أو مجموعة كراسي وتسلط عليها مخرجات التقنية الحديثة في ذلك الزمن المستقبلي وبالتالي يمكن لمن يعمل عملية دخول على ذلك البث الرقمي المطور أن يشاهد ويسمع ويحس ويلمس ويشم كل ما يحصل أثناء حفل تتويج الملك الجديد وكأننا أحد كبار كبار المدعوين بينما نحن في الواقع الحقيقي في أحلاس بيوتنا.

 

( الرياض تودع آلة الانفجار العظيم وإنتاج الثقوب السوداء !! )


 د/ أحمد بن حامد الغامدي

 تنبيه تنبيه: لمن يقيم في مدينة الرياض باقي من الزمن أسبوع واحد فقط للاستكشاف خفايا وأبعاد (أخطر/أكبر/أغلى) تجربة علمية في التاريخ البشري وذلك من خلال حجز موعد لمشاهدة المعرض العلمي (سيرن في الرياض CERN in Riyadh) والذي تستضيفه منذ شهور مدينة الملك عبدالعزيز للعلوم والتقنية. في الواقع المنظمة الأوروبية للأبحاث النووية المعروفة باسم سيرن تقوم ومنذ سنوات بإقامة سلسلة من المعارض العلمية التي تجوب عددا من دول العالم (أقيم هذا المعرض في الكويت في عام 2019م) بهدف التعريف بالتجربة الفيزيائية الفريدة التي تقوم بها هذه المنظمة العلمية لمحاولة تحطيم نويات الذرات. كما هو معلوم تحطيم وتفتيت الذرات في جانب منه هو ما يعرف بعملية (الانشطار النووي) وما يصحب ذلك من إطلاق طاقة حرارية هائلة من أحد أشكالها القنابل النووية الشنيعة.

ومن هذه المقدمة ليس من المستغرب أن نجد البعض يثير التخوف من آثار وتداعيات التجارب العلمية التي تقوم بها منظمة سيرن وأنها قد تتسبب في دمار البشرية وهذا ما أفضى إلى وجود تجارب سيرن في قلب و (نواة) الحبكة الدرامية لأحد أشهر الروايات والأفلام السينمائية الحديثة ألا وهي رواية (ملائكة وشياطين) للكاتب الأمريكي البارز دان براون. في رواية (شيفرة دافنتشي) أثار دان براون غضب الكنيسة الكاثوليكية والفاتيكان عندما طرح فكرة أن المسيح ابن الرب بزعمهم كان في الواقع رجل متزوج من مريم المجدلية وأنجب منها طفلة. بينما في رواية ملائكة وشياطين كرر دان براون إثارة حنق الكنيسة عندما جعل محور الرواية الأساسي الصراع بين العلم والدين لدرجة قيام شخص مهووس بسرقة قنبلة علمية من مختبرات منظمة سيرن في جينيف وزرع تلك القنبلة في قبو مبنى الفاتيكان. المشكلة أن تلك الرواية في جانب منها تشويه للدين كما هي بشكل ما تشويه للعلم فهي تتخيل أن التجارب العلمية المتقدمة التي تقوم بها منظمة سيرن قد تتسبب في فناء البشرية. فمثلا القنبلة التي زرعت تحت مبنى الفاتيكان هي في الأصل كبسولة تحتوي نواتج تجربة علمية كانت تقوم بها سيرن لإنتاج الطاقة من خلال إجراء تفاعلات فيزيائية ذرية بين المادة ومضاد المادة. ولهذا تثير الرواية القلق من انفلات التجارب العلمية وإمكانية تحويرها إلى قنابل ذرية هائلة أو الأخطر من ذلك أن تجربة التفاعل بين الماد ومضاد المادة antimatter التي تجرى في مختبرات سيرن قد تتسبب في نشوء ثقب أسود مصغر يبتلع مدينة جنيف.

صحيح أن علماء الفيزياء في مختبرات سيرن لم ينفوا احتمالية تصنيع ثقب أسود في داخل المختبر، ولكنهم حاولوا طمأنه الجمهور أنه بالرغم من الطاقة الهائلة جدا التي يتم توليدها لتشغيل في هذه التجربة (حوالي 14 ترليون إلكترون فولت !!) فإن حجم الثقب الأسود لو تم إنتاجه سوف يكون صغيرا جدا وفي الواقع أصغر حتى من الذرات التي يتم تحطيمها. ولهذا تسمى تلك الظاهرة العلمية المريعة (الثقب الأسود الكوانتمي) كما أنه سوف يتلاشى في زمن بالغ القصر جدا جدا لذا لن يتاح له الوقت الكافي لابتلاع وتدمير المختبر. ومع ذلك العديد من العلماء فضلا عن العامة (والدهماء من الناس الذين لديهم هلع ونفور من أي تقنية الحديثة) اعترضوا وتظاهروا ضد التجارب التي تقام في مختبرات سيرن. وهذا عالم الكيمياء الألماني أوتو روسلر تقدم بدعوى قضائية أمام المحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان يطالب فيها بإيقاف وحضر تشغيل تجربة مصادم الهادرون الكبير LHC التي تقام تحت الأرض في مختبرات سيرن.

ينبغي أن نقول إنه في هذه المرحلة من الحديث عن تجارب مختبرات سيرن لتسريع الجسيمات الأولية لنويات الذرات ومصادمتها ببعضها البعض ثبت حتى الآن أنها غير خطرة فلا هي تتسبب في نشوء ثقب أسود مدمر ولا هي أنتجت جسيمات مضادات المادة التي يمكن أن تصنع قنبلة ذرية كما في رواية ملائكة وشياطين. بل من الطرائف والمفارقات أن مختبرات سيرن أنفقت عام 2004م مبلغ 20 مليون دولار لإنتاج عدة أجزاء من الترليون من الجرام من جسيمات مضادات المادة لعنصر الهيدروجين وفي الواقع هذه الكمية الضئيلة جدا من تلك المادة الباهظة الثمن لا تستطيع توليد طاقة كافية لتشغيل مصباح كهربائي عادي لعدة دقائق فكيف يتصور أنها يمكن أن تنتج قنبلة ذرية فتاكة.

 أخطر/أكبر/أغلى تجربة علمية في التاريخ

وإذا كان البعض يعارض تلك التجربة من باب أنها خطرة فإن البعض قد يعارضها لأسباب دينية بحتة وذلك لأن تلك التجربة في جزء منها تحاول أن تحاكي الظروف التي كان عليها الكون في لحظة نشوئه. وبحكم أن البعض يطلق على تجربة مصادم الهادرون الكبير LHC في مختبرات سيرن تسمية (آلة توليد الانفجار العظيم Big Bang Machine) وهذا قد يعني للبعض أن هؤلاء العلماء يحاولون تقليد الخالق العظيم في عملية انشاء الكون من العدم وهذا ولا شك نوع من التجذيف. ومن الغرائب والتناقضات أن كهنة الإلحاد في الزمن المعاصر هم علماء الفيزياء وبالخصوص الباحثين في مجال فيزياء الجسيمات الأولية وعلم نشأة الكون وكلا منهما يعتمد بشكل كلي على نتائج تجارب مختبرات سيرن. ومع ذلك نجد أن علماء الفيزياء وهم يستخدمون تجربة مصادم الهادرون الكبير LHC لم يترددوا كثيرا في أن يطلقوا على أحد الجسيمات الأولية بالغة الصغير في نواة الذرة بأنه جسيم الرب God particle وإن كان اسمه العلمي هو: جسيم بوزون هيغز نسبة إلى العالم البريطاني بيتر هيغز الذي طرح فكرة وجوده وحصل قبل سنوات على جائزة نوبل. وهذا يقودنا للربط بين جهاز توليد الانفجار العظيم ومحاولة فهم نشوء الكون وذلك من خلال دراسة جسيم هيغز الذي يتوقع بأنه ربما كان أول جسيم تكون في لحظة ظهور الكون بعد الانفجار العظيم.

ومن التناقض الديني لدى علماء مختبرات سيرن واختلاف حال بعضهم بين الإلحاد الاعتقادي والقبول اللفظي بوجود الإله الخالق للجسيمات الأولية إلى التناقض العلمي الفريد أن دراسة ورصد أصغر الجسيمات العلمية على الإطلاق تتطلب بناء واستخدام أكبر وأضخم الأجهزة العلمية. وعليه بعد أن ناقشنا لماذا توصف تجارب مختبرات سيرن بأنها (أخطر) التجارب العلمية بسبب احتمالية تكوينها الثقوب السوداء وكذلك لإنتاجها ما تسمى جسيمات مضادات المادة والتي تتفاعل مع المادة وتتسبب في ظاهرة (الفناء annihilation) وتحويل المادة إلى طاقة كما يحصل في القنابل الذرية. كما يجب ألا نغفل أن من أخطار تجارب سيرن أنها لكي تحقق تجربة مشابهة ونمذجة الانفجار العظيم Big Bang كان لا بد من توليد طاقة حرارية مذهلة جدا تصل إلى رقم يصعب استيعابه حيث يبلغ أكثر من خمسة ترليون درجة مئوية. وإذا كانت حرارة سطح الشمس خمسة آلاف درجة مئوية فهذا يعني أن علماء سيرن توصلوا لتوليد درجة حرارة أعلى بمليون ضعف حرارة الشمس وهي حرارة خطرة جدا لو أنها استمرت لأكثر من مليون جزء من الثانية لأنها في تلك الحال بالفعل سوف تتسبب في حدوث انفجار عظيم ومدمر وإحداث فرقعة صاخبة (بيق بانق).

تجربة مختبرات سيرن في أطراف مدينة جنيف وعلى الحدود الفرنسية كانت من الضخامة أنه تم خصيصا لها حفر خندق على عمق 100 متر تحت الأرض وعلى هيئة حلقة دائرية طولها 27 كيلو متر وقطرها حوالي أربع أمتار وخلال هذه المسار توجد تسع فراغات ضخمة تحتوي كل واحد منها تجربة علمية مختلفة. وليس من فراغ تم تسمية تجربة مختبرات سيرن (مصادم الهدرونات الكبير LHC) ففي أحد تلك التجاويف الهائلة تحت الأرض تم تجميع أكبر جهاز علمي في التاريخ البشري والمسمى ATALS وبحكم أن طول هذا الجهاز 46 متر ووزنه سبعة آلاف طن فلذا فهو اسم على مسمى إذا عرفنا أن (أطلس) هو أحد عمالقة الجبابرة في الأساطير الإغريقية والذي يحمل قبة السماء بينما هو الآن يحمل قبة علم وتقنية المستقبل.

الجدير بالذكر أن عملية تصميم وتركيب وتشغيل تلك الأجهزة التسعة بالغة الضخامة في مختبرات سيرن الموجودة تحت الأرض احتاجت عبر السنين لتعاون ومشاركة أكثر من عشرة آلاف عالم وباحث ومهندس من مائه دولة وممثلين لمئات المختبرات والمراكز البحثية والجامعات والمعاهد العلمية. ولا نفشي سرا إذا قلنا أن هذه الجيش من العلماء وتلك الأجهزة العلمية الهائلة والضخمة (جهاز تجربة CMS لوحده يزن14 ألف طن أي وزن قطار ضخم) يحتاج إلى مبالغ مالية ضخمة لتغطية تكاليف (أغلى تجربة في التاريخ). صحيح أن التكلفة الإجمالية لبرنامج أبولو الأمريكي للهبوط على القمر أو مشروع مانهاتن لتصنيع القنبلة الذرية كانت مكلفة جدا لكن هي في الوقع (سلسلة) من التجارب العلمية المتكاملة بينما تجربة (مسارع الجسيمات الأولية) في مختبرات سيرن في جنيف هي تجربة علمية من نوع واحد ولهذا الميزانية الإجمالية لهذا المشروع العلمي التي بلغت حوالي عشرة بلايين دولار تجعها بالفعل ربما (أغلى) تجربة في التاريخ البشري.

بالمناسبة تلك التجارب العلمية الضخمة والمكلفة والتي تتطلب تضافر المئات أو حتى الآلاف من العلماء من عشرات الدول أصبحت تعرف بالعلوم الضخمة Big Science والتي يستلزم تنفيذها اشتراك عدد كبير من الدول من خلال المنظمات الدولية والمعاهد العلمية والمراكز البحثية كما هو حاصل مع تجارب سيرن أو محطة الفضاء الدولية ومشروع الجينوم البشري وتجارب الاندماج النووي بأجهزة التوكاماك. لكن المشكلة تكمن أن هذه المشاريع والبرامج العلمية الهائلة والمكلفة مثل دراسات الجسيمات الأولية في نواة الذرة بواسطة تجارب سيرن أو اكتشاف أطراف الكون العميق بواسطة تليسكوب جيمس ويب الفضائي لا تعني الكثير لعامة البشر الذين يفضلون صرف تلك البلايين من الدولارات في تطوير تقنيات متقدمة لتوفير الدواء والغذاء.

وبحكم أن الأموال الهائلة التي تنفق على هذه التجارب المتقدمة تكون مدفوعة من الضرائب المجمعة من عامة الشعب ولهذا غلبا ما ينبري المشاهير من العلماء والمفكرين ورجال السياسة لمحاولة أقناع الجمهور بأهمية هذه التجارب لدرجة أن أحد مؤتمرات سيرن الذي عقد في مدينة باريس في عام 2010م حضره الرئيس الفرنسي ساركوزي وألقى كلمة الافتتاح لهذا المؤتمر وشدد على أهمية هذا النوع من الأبحاث البحتة والأساسية. وكذلك عندما سأل عالم الفيزياء البريطاني المشهور ستيفن هوكينغ عن القيمة العلمية لتجارب مختبرات سيرن رد بقوله (يعتمد المجتمع الحديث على التقدم في العلوم البحتة حتى وإن لم يكن من المتوقع أن يكون لها تطبيقات عملية).

ومع ذلك يحاول القائمون على مختبرات سيرن وبشكل مبالغ فيه أن يثبتوا أن لتجاربهم البحثية وأجهزتهم العلمية التي يطورونها استخدامات جانبية ينتج عنها تقنيات وأجهزة (منبثقة عنها spin-off) ذات فوائد قصوى للبشرية. وأشهر مثال يتردد كثيرا على الفوائد غير المباشرة للتقدم العلمي في مختبرات سيرن الزعم أن شبكة الانترنت العالمية (www: world wide web) اخترعها عالم الكمبيوتر الإنجليزي السير تيم برنرز لي وذلك في عام 1989م عندما كان يعمل في مختبرات سيرن في مدينة جنيف. هذا وعندما قمت بزيارة معرض (سيرن في الرياض CERN in Riyadh) وجدت شاشة تلفزيونية مخصصة بالكامل لاستعراض الأجهزة البحثية أو التقنيات العلمية المتقدمة التي كان لعملية اختراعها أو تطويرها ارتباط بمختبرات سيرن والتي أصبحت تستخدم في مجالات متعدد بعيدة عن علم الفيزياء مثل الطب وعلوم الحاسب الآلي وعلوم الفضاء.

 كلمة أخيرة أود أن أشير إلى أن أهم اكتشاف علمي على الإطلاق تم التوصل له مختبرات سيرن في جنيف من خلال تجربة مصادم الهادرونات الكبير كان الإعلان في صيف عام 2012م تأكيد رصد الجسيم الأولي (بوزون هيغز) السالف الذكر. في العام التالي كنت أنا وبعض الزملاء الأفاضل في زيارة لمدينة جنيف ونظرا للشهرة الطاغية لمختبرات سيرن وتجارب مسرعات تصادم البروتونات التي تقوم بها وكذلك من منطق حرص المنظمة الأوروبية للأبحاث النووية CERN على التواصل مع الجمهور العام من خلال معرضها العلمي والإعلامي الفريد. ولهذا كنت في تلك الرحلة حريصا على مشاهدة مركز الزوار في مختبرات سيرن المسمى (معرض العلوم والابتكار) ذلك المبنى المميز والمصمم على شكل قبة خشبية ضخمة ولو تمت تلك الزيارة كانت سوف شبه متزامنة مع الإعلان عن فوز العالم الأسكتلندي بيتر هيغنز بجائزة نوبل في الفيزياء. للأسف في تلك السنة أي عام 2013 كان مركز الزوار مغلق للصيانة وكذلك تم إيقاف الأمر الأكثر أهمية وهو الجولات العلمية tours للزوار لبعض مواقع التجارب القديمة تحت الأرض لمشاهدة مسرعات الجسيمات الأولية. وبعد عشر سنوات من الإخفاق في زيارة معرض سيرن العلمي على أرض الواقع كم كانت سعادتي غامرة في بداية عام 2023 عندما علمت عن وجود معرض مصغر (ومبسط) لمختبرات سيرن يقام في مدينة الرياض. ولهذا (عجلت) بزيارة ذلك المعرض لمعرفة المزيد عن التقنيات المتطورة في تعجيل وتسريع البروتونات وإحداث تصادم هائل بينها للكشف عن أسرار فيزياء الجسيمات الأولية التي لا تنتهي وصدق من وصفها بحديقة الحيوانات المتعددة والغريبة (Particle Zoo ).

 

( الذكاء الاصطناعي والمذهب الفقهي الجديد !! )

 

د/ أحمد بن حامد الغامدي

 حتى الآن الغالبية العظمى منا عندما نحتاج البحث عن معلومة ما، أول ما يخطر ببال الواحد منا أن (يستفتي) محرك البحث فضيلة (الشيخ قوقل) فهو صاحب القول السديد والرأي الرشيد وكأنه هو المقصود بقولهم (إذا قالت حَذامِ فصدقوها). وفي الواقع هذا سلوك عام في جميع الشعوب ولذا نجد أنه من شدة تعلق الغربيين بمحرك البحث (قوقل) وثقتهم في نتائج المعلومات التي يقدمها أصبحت كلمة (القوقلة googling) لفظة لغوية مقبولة عندهم وموجودة في قواميس اللغة الإنجليزية لتدل على معنى: البحث عن المعلومة.

لعله من الملائم أن نعلم أن محرك البحث قوقل يستخدم بكثافة الخوارزميات البرمجية المتقدمة في البحث وفهرسة وترتيب نتائج المعلومات والبيانات التي يقدمها للمستخدم. ولهذا بالنسبة للمستخدم الغربي هو متوافق مع نفسه عندما يقول إنه (يقوقل googling) محرك البحث قوقل للحصول على المعلومات لأن ذلك المحرك بالدرجة الأولى يوفر له (روابط) على شبكة الإنترنت تتيح له الحصول على المعلومة التي يرغب بها وبعد ذلك عليه أي المستخدم أن يبذل بعض الجهد في استعراض تلك الروابط واختيار الأنسب منها (محرك قوقل حتى الآن لا يوصف بالذكاء الخارق). المشكلة تظهر مع المستخدم العربي عندما يزعم بأنه سوف يسأل (أو يستفتي) فضيلة الشيخ قوقل عن معلومة ما ففي الواقع محرك البحث القوقلي ذاك لا (يفتيه) أو يجيبه بشكل مباشر وصريح وإنما يعرض له قائمة طويلة جدا من (الروابط) التي يحتاج المستفتي أن ينقب ويفتش فيها ليصل إلى المطلوب.

وهنا نصل إلى (لب) الموضوع وهو أننا نرغب في أن نسأل (لبيبة) الإلكترونية أو (حذام) الرقمية فتعطينا الجواب المباشر وذلك من خلال توظيف الذكاء الاصطناعي في تقنية (الدردشة الرقمية أو روبوت المحادثة) وبالخصوص تلك القفزة المعرفية الهائلة المتعلقة بتطبيق (شات جي بي تي ChatGPT). ومن خلال محاكاة طريقة عمل الشبكات العصبية لإنتاج المحادثة أو التفكير أصبحت البرمجيات الحديثة المرتبطة بمحركات البحث مثل ChatGPT أو محرك Bing AI Chat من شركة مايكروسفت أو محرك Bard AI من شركة قوقل قادرة ليس فقط على تزويد المستخدم بالمعلومات المجردة التي يطلبها، بل كذلك توليد ردود مطولة ونصوص مكتوبة بالذكاء الاصطناعي.

وهذا يقودنا إلى أنه في المستقبل القريب عندما نسأل أو نستفتي الشيخ قوقل عن معلومة ما (مثلا ما حكم صيام الست من شوال قبل قضاء الأيام التي تم إفطارها من رمضان) فليس فقط سوف نحصل على (روابط) لمواقع الإفتاء المتنوعة على شبكة الإنترنت التي تجيب على هذا الاستفتاء الفقهي، بل سوف نجد برنامج Google Bard AI أو حتى برنامج ChatGPT وبشكل تلقائي يقوم بعملية (التطوع) لإعطاء رأي فقهي من توليفها حول هذه المسألة الشرعية البحتة. بمعنى أن الدور القديم لمحرك بحث قوقل بأن يكون فقط مجرد وسيط بين المفتي والمستفتي والسائل والمجيب قد تغير بشكل جذري ليصبح الشيخ قوقل بالفعل قادر على منح الفتوى الفقهية التي يقوده لها ذكائه الاصطناعي بعد أن (يستنبطها) من خلال تحليل مئات الآلاف من النصوص الشرعية المنشورة على شبكة الإنترنت وذلك بعد أن يحدد نمط تسلسل البيانات الخاص بها وهي تلك العملية التقنية التي تسمى التدريب المسبق.

ما حكم استفتاء الفقيه الإلكتروني ؟!!

قبل عدة أسابيع صرح أحد المشايخ بأنه يرجو من الله أن ينشئ على يديه مذهباً فقهياً جديداً ونظرا لأن رغبة الشيخ لاقت ردودا سلبية واسعة جعلت من المستحيل أن تتحقق أمنيته تلك بعد تراجع شعبيته. إلا أنه في المقابل ونتيجة الرواج الواسع لطلب الفتاوى الشرعية من خلال شبكة الإنترنت فربما هذه الشعبية الرقمية تتسبب في احتمالية ظهور مذهب فقهي إلكتروني يصبح هو السائد في زمن الذكاء الاصطناعي. وفي ضوء الإحصائيات التي تقول إن حوالي 86% من السعوديين يستخدمون محرك البحث قوقل كل يوم وأنه على مستوى العالم عدد مرات استخدام قوقل يصل إلى 99 ألف بحث في الثانية الواحدة ومن هذا وذاك نخمن أن الاستخدام اليومي لمحرك قوقل للحصول على معلومات أو (استفتاء) فقهي غالبا سوف يكون أمرا شائعا جدا. قبل حوالي ألف عام كتب الفقيه الشيعي الشيخ الصدوق مؤلفه الذي حمل عنوان (من لا يحضره الفقيه) وقصد منه أن يكون كتاب مبسط وشامل في الفقه يغني المستفتي عن سؤال المفتي وعلى نفس النسق ربما في القرن الواحد والعشرين سوف يصبح محرك قوقل المطور والذكي هو أحد أهم مصادر الإفتاء الشرعي ومصدر العلم الشرعي لمن لا يحضره الفقيه.

قبل عدة سنوات عندما تنامت ظاهرة الفتاوى الشرعية عبر القنوات الفضائية أو صفحات مواقع الإنترنت حذّر وأنذر البعض من مخاطرة التساهل والاستعجال في إصدار الفتوى الدينية بالرغم أنها تصدر في الأصل من مشايخ وفقهاء بشر هم من يجيبون على أسئلة الجمهور. ولا شك أن المخاطر والمحاذير في المستقبل أكبر مع استخدام برامج الذكاء الاصطناعي مثل شات جي بي تي في الحصول على الحكم الشرعي للمسائل الفقهية تكون مستله ومستنبطة من مصادر مجهولة ومن خلال الآلات الصماء غير البشرية. من المقولات الحكيمة للسلف الصالح (إن هذا العلم دين، فانظروا عمّن تأخذون دينكم) والمعنى أن أمور الشرع الفقهية يجب أن تؤخذ فقط من العدول والثقات من (علماء) الشريعة وليس من (خوارزميات) وبرامج رقمية افتراضية.  

الجدير بالذكر أنه حتى في الغرب نفسه تعالت الأصوات المحذرة في هذه الأيام على ضرورة (تحجيم) ووضع الضوابط على أنظمة الذكاء الاصطناعي لدرجة أن الملياردير إيلون ماسك وبالرغم من أنه من مؤسسي شركة OpenAI المطورة لبرنامج ChatGPT إلا أنه قام مع حوالي ألف شخص من خبراء التقنية بتوجيه رسالة مفتوحة تدعو إلى توقيف تطوير برنامج شات جي بي تي لمدة ستة أشهر وذلك حتى التأكد من أن مخاطرها المحتملة ضد المجتمع سوف تكون تحت السيطرة. وفي الولايات المتحدة بالذات تتزايد التحذيرات من قبل بعض المشرعين القانونيين باحتمالية وجود تأثير سلبي لبرنامج ChatGPT على التعليم والجوانب الأمنية وفي الوقت الحالي تمنع إيطاليا استخدام برنامج الدردشة الرقمية شات جي بي تي على أراضيها.

والمقصود أن أنظمة الدردشة المبنية على الذكاء الاصطناعي قابلة بدرجة كبيرة لتوليد معلومات وبينات مغلوطة ومضللة لدرجة أنها قد تقوم بتوليف آيات قرآنية أو أحاديث نبوية مفبركة كما رصد ذلك بعض الكتاب عندما طرح سؤال ديني على برنامج شات جي بي تي. والجدير بالذكر أن النسخة الرابعة الجديدة من هذا البرنامج (ChatGPT -4 plus) تم إلى حد ما تدارك كوارث ومخاطر إعطاء المعلومات مضللة أو ضارة حيث تم إعادة برمجة هذا التطبيق ليمنع الإجابة عن الأسئلة غير المسموح بها خصوصا تلك المتعلقة بالجرائم الالكترونية والمخاطر الأمنية أو إثارة العنصرية وازدراء الأديان وما شابه ذلك. ولعل من الملائم أن تنظم الحملات الشعبية أو الرسمية للضغط على الشركات المطورة لبرامج الذكاء الاصطناعي العاملة في حقل الدردشة الرقمية أن تراعي عدم المساهمة في تحريف وتلويث المورث الشرعي الإسلامي.

( الجدال حول مطالع الهلال )

 

د/ أحمد بن حامد الغامدي

 في عام 1876م وصل الرحالة الإنجليزي تشارلز داوتي إلى منطقة تيماء وعاش لفترة من الزمن بين البدو ولهذا وثق في كتابه الضخم (ترحال في صحراء الجزيرة العربية) مشاهداته عن عادات بدو الجزيرة في صوم رمضان ومظاهر عيد الفطر. وفي ضوء الجدل الحالي عن (رصد) الهلال نجد أن داوتي قبل حوالي قرن ونصف من الزمن (يرصد) لنا حالة الجدل القديمة والمتكررة بين البدو فيما يتعلق بالهلال. لقد شاب رصد هلال رمضان في تلك السنة (1876م) شيء من عدم الدقة في تحديد بداية شهر رمضان حيث تبين لأهل البادية أن هلال اليوم الأول من رمضان مرتفع كثيرا مما يعني أنهم في الواقع في اليوم الثالث من الشهر وعليه هم صاموا شهر رمضان في تلك السنة 28 يوما فقط كما حصلنا مع الجيل الطيبين في عام 1404هـجري.

وما يهم هنا أنه أثناء (الجدال) والنقاش الذي دار بين البدو حول هذا النقص وهل سوف يجرح صومهم يذكر داوتي أن أحد البدو علق بقوله إن الناس في المدن يعتمدون على الحساب الهندي في تحديد الشهر وإن ذلك الحساب دقيق ولا يخطئ مطلقا. والغالب أن المقصود بالحساب الهندي في تحديد مطالع شهر رمضان هي تلك الجداول الفلكية التي وضعها أبو يحي زكريا القزويني واشتهرت منذ ثمانية قرون باسم (جدول الشهور والأيام) وهي في الأصل مستله من البيانات الفلكية التي رصدها عالم الفلك المروزي حبش الحاسب الذي أنتج زيجا فلكيا خاص عرف باسم الجدول المجرد استخدم لتحديد موعد رؤية الهلال.

وفي ضوء ما سبق نعلم أنه في التاريخ العربي تم ومنذ زمن بعيد تداول جداول فلكية وكتب منشورة تبين التواقيت الحسابية لمطالع هلال رمضان أو هلال العيد ولهذا نعلم الآن أن اللواء المصري محمد مختار باشا عندما قام في عام 1311 هجري بنشر كتابه (التوفيقات الإلهامية) كان يستند على معرفة فلكية عربية عريقة. وكما هو معلوم في الأيام الماضية تم وبشكل كثيف تداول خبر هذا الكتاب الفريد وكيف أنه في جزء منه يوثق لكل سنوات التاريخ الإسلامية قديما وفي المستقبل (حتى عام 1500 هجري) تواريخ هلال شهر رمضان وهلال العيد. وهذا يعني أنه في حدود 14 سنة فقط من (الجدال) الذي (رصده) تشارلز داوتي بين بدو تيماء حول الحساب الهندي لرؤية هلال رمضان تم بالفعل نشر وطباعة مؤلف وكتاب عربي يحدد مواعيد تلك المناسبات الدينية الهامة.

البعض منا استغرب كيف أمكن ومنذ أكثر من مئة سنة حساب الموعد الدقيق لتوقيت ظهور هلال العيد لعام الذي نحن فيه كما نشر في جداول كتاب (التوفيقات الإلهامية) في حين أننا نغفل أنه ذكر في القرآن الكريم الآية الكريمة (الشمسُ والقمرُ بحسبان) ويقول أهل التفسير إن المعنى أنهما يجريان بحساب معلوم لا يختلف يمكن من خلاله تحديد منازل ومطالع القمر. وهذا أمر موجود ومعلوم في كل الحضارات البشرية القديمة فمنذ الزمن القديم للهنود والإغريق تم وضع جداول فلكية عن حركة الأجرام السماوية ومنها الشمس ومنازل القمر. بل وصل الأمر إلى أن الإغريق تمكنوا منذ أكثر من ألفي سنة من صنع أداة فلكية ميكانيكية (آلية أنتيكيثيرا Antikythera mechanism) تستطيع التنبؤ بمواعيد الخسوف والكسوف وكذلك تحديد حركة الشمس والقمر وبالتالي بداية الشهر القمري.

والمقصود أن المعرفة البشرية فيما يخص حركة الأجرام السماوية دقيقة بشكل مذهل في القديم والحديث ومع ذلك يبدو أنه فيما يتعلق بالشعائر الدينية كانت الحكمة النبوية الشريفة أن نعتمد على الرؤية المباشرة للهلال لأن أهل الحساب المجرد قد يختلفون، بل ويختصمون ويتهارشون كما (رصدنا) جميعا تلك المهزلة التي حصل في عيد هذه السنة.


( فتح مكة وفتح جدة في المنظور الغربي )

 

د/ أحمد بن حامد الغامدي

 في كثير من مراحل التاريخ البشري نجد أنه من مسلمات الحتمية التاريخية أن نتيجة التنافس والتدافع بين الحضارات والشعوب تفضي غالب للصراع والقتال الدامي. وفيما يتعلق بالتاريخ الإسلامي كان من الأمور الواضحة فيما يتعلق بدراسات المستشرقين عنايتهم بالدراسة المستفيضة لمفهوم الجهاد وكذلك تتبع دقائق ما يسمى (الفتوحات الإسلامية). والسبب في ذلك معرفتهم أن الإسلام دين حيوي وديناميكي كاسح لا يقبل الهوان ويندفع بقوة في نشر الحق الذي يمتلكه ولهذا لحظة الاصطدام بين الأديان والحضارات الكبرى سوف تحصل عاجلا أو آجلا. وفيما يتعلق بتاريخ الفتوحات الإسلامية من الملاحظ عناية المستشرقين والمؤرخين الغربيين بشكل مفرط في تتبع توسع الإسلام في خارج جزيرة العرب مع الكيانات الحضارية الكبرى بينما لم يهتموا كثيرا بتتبع الفتوحات والغزوات داخل الحيز العربي المنعزل عنهم.

وبمناسبة مرور ذكرى فتح مكة التي تتوافق اليوم الإثنين (20 رمضان) فلو حاولنا أن نستقصي حديث المستشرقين عنها أو عن أي غزوة إسلامية كبرى مثل معركة بدر أو أحد أو الخندق فربما لن نجد الكتب التي تناقش بالتفصيل هذه الأحداث الكبرى. بينما الدراسات التاريخية الغربية عن الفتوحات الإسلامية في الشام ومصر والعراق نجد أنه تم تغطيتها من خلال كتب متوسعة وقد قرأت وأطلعت على عدة كتب في هذا الشأن من مثل كتاب (في سبيل الله In God's path) وعنوانه الجانب: الفتوحات العربية وإنشاء الإمبراطورية الإسلامية وهو كتاب حديث من تأليف المؤرخ الإنجليزي روبرت هولاند. وقبل ذلك قام المستشرق والمؤرخ الإنجليزي هيو كيندي بتأليف كتاب ضخم حمل عنوان: الفتوح الإسلامية والعنوان الجانبي لهذا الكتاب (كيف غير انتشار الإسلام العالم الذي نعيش فيه) يؤكد ما أشرنا إليه من اهتمام المستشرقين بتأثير الجهاد وانتشار الإسلام على الحضارات الأخرى أكثر من اهتمامهم بالمعارك والغزوات التي حصلت بين العرب أنفسهم.

في ضوء ما سبق من تلك التوطئة للأسف لا يوجد شيء كثير يمكن أن يقال عن نظرة واهتمام المستشرقين عن ذلك الحدث التاريخي الهام والمفصلي إلا وهو فتح مكة. ومع ذلك ينبغي الاعتراف أن هذا الأمر يختلف قليلا إذا كان من يكتب التاريخ شخصا غير متخصص مثل أن يكون جنرالا عسكريا !! فبحكم خلفيته الثقافية والمعرفية قد ينظر للأحداث والمنعطفات التاريخية بشكل مختلف. مايكل لاننج هو كولونيل متقاعد من الجيش الأمريكي لها نشاط بارز في تأليف الكتب المتعلقة بالتاريخ العسكري ولعل من أبرزها كتاب (100 قائد عسكري The Military 100) وإن كنت لا أتفق معه على الإطلاق على اختيار القائد والسياسي الأمريكي جورج واشنطن في الترتيب الأول لقائمة أكثر القادة العسكريين تأثيرا في تاريخ البشرية. على كل حال ما يهمنا هنا أنه يوجد كتب آخر في التاريخ العسكري من تأليف مايكل لاننج يحمل عنوان (100 معركة The battle 100) قام فيه بترتيب وتصنيف أهم مئة معركة حربية تأثيرا في التاريخ البشري. ومرة أخرى سوف نضطر أن نغض النظر عن رعونة الكولونيل الأمريكي مايكل لاننج ليس فقط لأنه اختار الجنرال الأمريكي جورج واشطن كأهم وأعظم قائد عسكري في تاريخ البشرية ولكن أيضا لاختياره الغريب لمعركة يورك تاون كأهم معركة حربية في التاريخ لا لشيء إلا أن تلك المعركة حققت استقلال أمريكا عن التاج البريطاني.

وبما أن الحديث اليوم عن فتح مكة فمن الملائم أن نشير إلى أن مايكل لاننج في كتابه عن أهم مئة معركة في التاريخ اختار انتصار الإسلام على الوثنية والشرك كما حصل في فتح مكة لكي تكون تلك الحادثة من اللحظات الحاسمة والمفصلية. ترتيب أهمية معركة فتح مكة حسب وجهة نظر مايكل لاننج كان في المرتبة ( 21 ) ضمن قائمة (المائة معركة) وهو ترتيب متقدم نسبيا ومع ذلك توجد معارك إسلامية في زمن الرسول صلى الله عليه وسلم ربما كانت أكثر أهمية من فتح مكة مثل غزوة بدر أو أحد أو الخندق أو حتى صلح الحديبية ولم يتم ذكرها في الكتاب. في غزوة بدر كان من دعاء الرسول (اللهم إن تهلك هذه العصابة من أهل الإسلام لا تعبد في الأرض) بينما بعد انتهاء غزوة الخندق قال الرسول صلى الله عليه سلم (الآن نغزوهم ولا يغزونا) بينما صلح الحديبية هو المقصود بالفتح المبين في سورة الفتح (إنا فتحنا لك فتحا مبينا) وليس فتح مكة وما سبق يشير للأهمية المحورية والمفصلية لهذه الغزوات بالمقارنة مع فتح مكة.

وكما أغفل ذلك المؤرخ العسكري الأمريكي اللحظات الحاسمة والمفصلية في تاريخ صدر الإسلام لذا لا غرابة أن يهمل ذكر واختيار المعارك الكبرى المؤثرة في مسيرة الحضارة الإسلامية مثل معركة اليرموك أو القادسية وبلاط الشهداء وعين جالوت وفتح الأندلس والهند. وفي مقابل ذلك أهتم باختيار ضمن قائمة المعارك المئة الكبرى تلك المعارك التي هزمت فيها الجيوش العربية مثل هزيمة الجيش المصري في معركة التل الكبير أو هزيمة الجيش السوري في معركة القنيطرة أو هزيمة الجيش العراقي في معركة عاصفة الصحراء.

وفي الختام نصل الآن إلى معركة (فتح جدة) والمفاجأة غير المتوقعة أن نجد المعركة ذات الترتيب 89 في قائمة المعارك الأكثر تأثيرا في التاريخ الإنساني هي معركة وثيقة الصلة بواقعنا المحلي. في مطلع عام 1925م تم توقيع اتفاقية تسليم مدينة جدة والتي بموجبها انتقل حكم منطقة الحجاز من سيطرة الأشراف إلى حكم الملك عبدالعزيز. ومرة أخرى بالرغم من وجود مراحل أكثر أهمية في تاريخ الدولة السعودية من لحظة تسليم جدة من مثل معركة فتح الرياض أو معارك التي هزم فيها ابن رشيد أمير حائل المنافس القوي، إلا أننا نجد الكولونيل مايكل لاننج يختار معارك أقل أهمية. ليس هذا فحسب، بل بلغت به الصفاقة أن يحاول يبرر للقارئ الغربي لماذا اختار معركة حصار وتسليم جدة لتكون ضد قائمة (100 معركة The battle 100). يقول الكولونيل أن معركة جدة التي تمت عام 1925م كان من الممكن أن تكون هامشية وعلى حاشية التاريخ minor footnote لو لم تكتشف شركة البترول الأمريكية ستاندرد أويل النفط في المنطقة الشرقية عام 1936م وعليه نظرا للثقل الاقتصادي الهائل للملكة وتأثرها في منظمة أوبك كانت لحظة السيطرة على مدينة جدة تمثل الحدث الأخير البارز قبل نشوء النهائي للمملكة العربية السعودية.

الأمة الإسلامية والعربية في الماضي والمستقبل لها وجود مؤثر في مسيرة الحضارة الإنسانية ولهذا تستحق مواقع ومراتب أكثر عددا وأكثر تقدما في أي قوائم لأهم المعارك الحربية أو القادة العسكريين لو كان من يكتب التاريخ منصف وجاد في البحث عن المعلومات الدقيقة.


( نظرة الغرب عن الإسلام والقطط )


 

د/ أحمد بن حامد الغامدي

 

قبل أيام تناقلت وسائل الإعلام العربية بشكل كثيف الحادثة المعبرة عن سماحة الإسلام وأهل والمتعلقة بموقف الإمام الجزائري الشيخ وليد مهساس (الملقب بأبي هريرة الزمن المعاصر) مع تلط القطة العجيبة التي قفزت عليه أثناء صلاة التراويح. الجدير بالذكر أن القنوات الفضائية الغربية الكبرى مثل السي إن إن وقناة البي بي سي وكالة رويترز للأنباء وغيرها من وسائل الإعلام الغربية الكبرى تناقلت وبشكل كثيف تلك القصة وفي الغالب تم استعراض الخبر في صيغة من الإعجاب والثناء على موقف الإمام. في الواقع تذكرنا قطة الشيخ الجزائري بحادثة غريبة لها انتشارا وذيوعا في الحضارة المسيحية الأوروبية أكثر من حضارتنا العربية ويستدل بتلك الحادثة على سماحة الإسلام وخصوصا على نبل أخلاق نبي المرحمة الرسول صلى الله عليه وسلم.

بشكل غريب تنتشر في الغرب منذ عقود طويلة أن رسولنا الكريم كان له قطة يحبها بشكل كبير ويذكرون له معها عدد من القصص والأخبار ومن ذلك مثلا أن تلك الهرة التي يزعمون أن اسمها (معزة Meuzza) كانت نائمة يوما ما على طرف رداء الرسول وعندما أذن المؤذن وأراد الرسول أن يقوم للصلاة لم يرد أن يزعج تلك الهرة المحبوبة ويسحب ثوبه من تحتها. ولذا تزعم القصة أن رسول المرحمة أخذ مقصا وقام بقطع قماش ردائه وعباءته من حول القطة لكيلا يزعجها. وفي مقطع من رواية (عولييس) للأديب الإيرلندي البارز جيمس جويس نجد هذا المقطع من ذلك العمل الأدبي عندما يقول السيد بلوم Bloom بطل القصة (ليس من الشفقة أن تزعج الهرة، قد مزق محمد نبي المسلمين شقاً من عباءته حرصاً على نوم الهرة وراحتها). وفي بعض الأخبار المنتشرة في الغرب قديما عن تلك القطة المزعومة والمنسوبة للرسول الكريم أنها أحيانا كانت تنام في حجر النبي وهو جالس وربما كان يخطب أو يحدث أصحابه وهي نائمه على فخذه. ويقولون إنه في أحد الأيام عندما رجع الرسول من المسجد قابل تلك القطة فقامت بتقويس ظهرها كنوع من التحية له وهنا تزعم الأسطورة الغربية أن رسول الله ضرب بيده بلطف ثلاث مرات على ظهر تلك القطة ومن تلك اللحظة أصبحت القطط تمتلك المرونة والمهارة في حال وقعت من ارتفاع عال أن تسقط على أرجلها بدل أن تقع على ظهرها.

الجدير بالذكر أنه في كتاب (مئة قطة غيرت الحضارة البشرية) للكاتب الأمريكي سام ستال عندما عرض هذه الأخبار عن الهرة المزعومة لنبي الإسلام قارن بين موقف الإسلام من القطط والحيوانات وبين موقف المسيحية التي كانت تنظر لحيوان القطة بارتياب ولذا انتشر لدى الشعوب المسيحية أن الهرة كائن قد يتسبب في الشر فهو قد يتسبب في مقتل الأطفال الرضع عن طريق سرقة أنفاسهم كما أنها قد تكون تابع وخادم الشيطان. وطبعا تشتهر الأفكار الغريبة لديهم أن القطة قد تجلب الشؤم أو أن القطة السوداء تكون ملازمة للسحرة وأهل الشر.

ونختم بالذكر أنه بالرغم من أن القصة غلبا غير صحيحة وهي قصة مجهولة تماما في الثقافة الإسلامية إلا أننا من جانب آخر نستشف أنه بالرغم من حملة التشويه والتشنيع الحاقدة للنبي الكريم في غالب التاريخ الأوروبي إلا أنه تسرب لهذه الحضارة أمثال هذه الأخبار والقصص التي تدل على سمو أخلاق نبي الإسلام وصحة دينه وشريعته. والجدير بالذكر أن قصة الهرة النائمة على بردة النبي تم ذكرها في كتاب تاريخي رصين للكاتبة البريطانية المشهورة كارين أرمسترونج خصصته لذكر سيرة الرسول الكريم وكيف أنه (يتميز بأقصى درجات الشفقة ورقة المشاعر) مما يشير لدرجة شيوع انتشار هذه القصة في الثقافة الغربية.