الجمعة، 31 يناير 2020

( هروب الفتيات .. من الاسطورة إلى التراجيديا )

منذ زمن الاغريق .. هروب الفتاة خطيئة لا تغتفر

د/ أحمد بن حامد الغامدي

تعتبر الروائية الانجليزية جين أوستن إحدى أبرز الرموز الأدبية عبر العصور لريادتها في مجال الأدب النسوي وطرحها لقضايا المرأة المهيضة الجناح ولهذا تشتهر مقولة جين أوستن التي وردت على لسان بطلة روايتها كبرياء وهوى (إيلزابيث بينيت) : من لا يتذمر ويعترض لا يؤسف عليه. حالة الشكوى والاعتراض مفهومة ومتوقعة في دنيا المرأة لكن فرق شاسع (وغير مقبول) بين التذمر والتنمر. التنمر سلوك عدواني وعنف وأذى نفسي هو في أصله ردة فعل غير سوية حيال إساءة اجتماعية أو نفسية. ومن أشنع افرازات العنف الاسري وثمرته التنمر الاجتماعي تنامي كارثة هروب الفتيات والتمرد الاخلاقي. فحتى جين أوستين نصيرة المرأة وحاملة لواء الدفاع عنها نجد في نفس الرواية السابقة الذكر (كبرياء وهوى) ترسم صورة غاية في التنفير للفتاة الطائشة واللعوب ليديا بينيت البنت الصغرى التي تهرب من اسرتها المحافظة للزواج من ضابط عسكري محتال غرر بها.
المأساة تتجذر أكثر أن أغلب المجتمعات البشرية قد تتقبل على ممض: عودة الأبن الضال (كما في رواية الاديب الفرنسي هنري بوردو بنفس العنوان تقريبا) لكن قل ما يحصل ذلك مع فتيات الخطيئة الاتي يختفين و(يأخذهن الوباء) كحال هنادي في رواية دعاء الكروان لطه حسين.  الجدير بالذكر أن الوعي الجمعي للبشرية منذ الأزل لا يقبل إلا مصير واحد لأي فتاة أو سيدة تتنمر وتنشق عن اسرتها وهذا ما نجده ليس فقط في أحوال الناس الواقعية المشاهدة بل حتى في توهمات عالم الاساطير. في الميثولوجيا الإغريقية نجد في أسطورة جاسون ومحاولته استرجاع عرشه أنه لم يتمكن من سرقة الصوف الذهبي من بلاط ملك أيتس إلا بعد أن وقعت ابنة الملك المسماة ميديا في حبه وهنا خانت والدها وقتلت أخاها ثم هربت مع عشيقها (من ميديا الاغريقية إلى ليديا الانجليزية تستمر المأساة النسوية). ولهذا لا عجب أن نجد المستقبل الأسود لهذه المتنمرة والفتاه الهاربة حيث تصاب ميديا لاحقا بجنون الغيرة ضد عشيقها جاسون لدرجة أنها تقول بقتل طفليها البريئين للانتقام منه.
الفتاة المتنمرة والخائنة لأسرتها ومجتمعها مصيرها أن تكون منبوذة ومهملة وهو مصير الفتاة المدللة أردياني أبنة مينوس ملك جزيرة كريت. وفق الاساطير الاغريقية القديمة ساعدت أردياني الملك اليوناني ثيسيوس على قتل الرجل الثور المعروف بالمينوتور والهروب من متاهة قصر التيه الذي أنشأه والدها الملك ودلت أردياني ثيسيوس على فكرة مد الخيط خلال المتاهة مما سوف يساعده لمعرفة طريق الخروج. وبعد رومانسية الفتاة أردياني الهاربة مع حبيبها ثيسيوس تبدأ الدراما والتراجيديا حيث تذكر الاساطير الاغريقية أن حبيبها ذاك الذي ضحت بأسرتها من أجله هجرها بطريقة غريبة حيث  تركها وحيدة عندما كانت نائمة على جزيرة ناكسوس.
أما اشهر (سيدة هاربة) من بيت الزوجية فهي ولا شك الاميرة هيلين تلك التي خلد قصتها الدرامية الشاعر الأغريقي البارز هوميروس في ملحته الشعرية التراجيدية (الإلياذة) والتي تحكي هروب الفتاة المغرر بها هيلين زوجة مينلاوس ملك اسبارطة. فيما أحسب فإن القصة معروقة للجميع فبسبب هروب الزوجة هيلين مع الشاب اللعوب باريس اندلعت إحدى أكبر الحروب الاغريقية والتي بعد حصار طويل لمدينة طروادة الاسطورية انتهت الدراما باجتياح المدينة وحرقها بالكامل. القصة مشهورة كما ذكرت لكن الأمر غير المعروف بالضبط ماذا كان مصير تلك الأميرة الهاربة فحسب الشاعر الاغريقي ستيسكوروس الذي وصف بدوره هو الاخر قصة حصار طروادة فقد ذكر أنه بعد سقوط المدينة تجمع الإغريق الغزاة مع أهل طروادة لرجم وقتل تلك المرأة المشؤومة. البعض يذكر أن مصيرها كان كما هو متوقع القتل بالسيف على يد زوجها المغدور الملك مينلاوس في حين أن البعض الاخر وأن كان وافق على الاحتمال الاخر من وصف الاحداث أنها نجت وعادة للحياة مع زوجها الملك إلا أن شؤم أفعالها الشنيعة لاحقتها في آخر حياتها فحسب رواية المؤرخ الاغريقي باوسانياس أنه قام أهل جزيرة رودوس بشنقها من فوق شجرة.

صحيح أن ما سبق هو مجرد أساطير من نسج الخيال ولكن الذاكرة الجمعية للبشرية عبر القرون الطويلة سجلت مئات الاحداث والقصص الحقيقة التي وجدت طريقها في كل الثقافات الانسانية وبكل اللغات المحكية وفي أغلب الاقاليم الجغرافية والتي كلها رسخت الحقيقة الصاعقة: من يتنمر يتدمر. وفي مجال الرواية والأدب يمكن كتابة مجلدات متواصلة من ذكر الامثلة التي ناقشت شؤم العاقبة وسوء الخاتمة للمرأة المتحررة أو الفتاة المتنمرة ويكفينا هنا سرد أبرز تلك الاعمال الادبية العالمية بالغة الانتشار والشهرة من مثل رواية (مدام بوفاري) للأديب الفرنسي غوستاف فلوبير أو رواية (فتاة من روما) للكاتب الايطالي ألبرتو مورافيا أو رواية (آنا كارينينا) لأديب روسيا تولستوي أو رواية (نعومي) للروائي الياباني تانيزاكي أو رواية (صورة سيدة) للكاتب الامريكي هنري جيمس أو رواية (بيت الأرواح) للكاتبة البارزة في أمريكا اللاتينية إيزابيل أيندي أو رواية (ونسيت أنني امرأة) للروائي المصري إحسان عبدالقدوس أو في واقعنا المحلي رواية (أنثى تشطر القبيلة) لإبراهيم شحبي.
لماذا كل هذا الزخم المتدفق من الاعمال الادبية العالمية والافلام السينمائية الأوسكارية لتجسيد مأساة ودراما دوامة التشرد والاستغلال والانتحار التي تقع فيه الفتاة المتنمرة أو المرأة المتذمرة، لأن قصتها في غالب هي الحبكة الروائية المثالية لإبراز الدراما والتراجيديا في أعلى تجلياتها. وهذا بكل بساطة هو بالفعل ما حصل ويحصل وسوف يحصل لأكثر حالات هروب النساء من رمضاء العنف الاسري إلى جحيم ونار المجتمع الطاحن للفريسة الشاردة من القطيع. ولو تتبع المرء منا محور أي رواية ادبية أو فلم سينمائي أو أغنية فنية تدور عن (الفتاة الهاربة) أو (الأنثى المتحررة) أو (السيدة المستقلة) فلا شك أنه سوف يجد أغلب هذه الاعمال والمنتجات الفنية والادبية سوف تركز في النهاية على الجانب الدرامي المأساوي لحياة لتلك الفتاة الساذجة وكيف سوف يتم تحطيم مشاعرها واستغلال جسدها واحتقار رعونتها وبساطة تفكيرها في عاقبة ومألات الأمور.
في الآونة الغيرة بدأت أخبار الفتيات الهاربات والنساء المتنمرات بالتزايد في مجتمعنا المحلي وبطبيعة الحال يمكن محاولة التصدي لهذه الظاهرة الكارثية بأسلوب الوعظ الديني أو استثارة بقايا الحياء القبلي لدى المرأة أو استعراض الإحصائيات الاجتماعية أو سرد الدراسات النفسية والسلوكية. ولكنني فظلت توظيف جانب حب الشغف بالروايات والقصص لدى الفتيات والنساء إجمالا لكي أحذرهن منذ (البداية) بأن (نهاية) قصتهن الشخصية واضحة المعالم ومكررة المأتم إذا أصررن على سلوك ذلك الطريق الموحش واتخاذ ذلك المصير البائس وأن الأمر لن يختلف كثيرا عما توقعه يوما ما رئيس الوزراء الانجليزي ونستون تشرشل (لا أعدكم إلا بالدم والدموع والبكاء والألم).

الجمعة، 24 يناير 2020

( اللغة العربية ما زالت تؤذن في مالطا )

لوحة أرشادية في مالطا تثبت تفوق اللغة العربية !!!

د/ أحمد بن حامد الغامدي

اللغة من حيث هي منتج بشري ليست فقط وعاء فكري لنقل الحضارة والثقافة ولكنها من حيث كونها (قوة ناعمة) نجدها بعد انتهاء حروب اللغات إما أن يتم تدميرها وإعطابها أو يتم استلابها وكأنها (غنيمة حرب). بعد حروب الاسترداد الاسبانية وسقوط الأندلس تم طرد الاسلام والعرب من الجزيرة الايبيرية بشكل مهين وشنيع أما اللغة العربية في تلك الديار فأصبح جزء منها مأسور ومعتقل ضمن سياج اللغة القشتالية وكأنها بذلك غنيمة حرب فضل الإسبان منذ زمن ملك قشتاله وليون ألفونسو العاشر (ألفونسو تحكيم) الاحتفاظ ببعض المفردات العربية كما غنموا وحافظوا على العلوم العربية وعلى قصر الحمراء في غرناطة وقصر المورق في إشبيلية. تذكر الباحثة الاسبانية كارمن برافو والمهتمة بدراسة تاريخ وتأثير الحضارة العربية في الأندلس أنها عندما حللت نتائج استفتاء أجرته إحدى المجلات الاسبانية عن أجمل عشر كلمات باللغة الاسبانية، وجدت أن ثماني كلمات من تلك الكلمات العشر الفائزة هي كلمات ذات أصول عربية. كلنا يعرف بشاعة محاكم التفتيش الاسبانية والتعذيب المريع لسلخ المسلمين من دينهم وطردهم من بلادهم ومع كل هذا الاقصاء الحضاري والتطهير الديني إلا إن اللغة العربية (تلك القوة الناعمة والغنيمة الثقافية) وجدت طريقها للتغلغل والبقاء في نسيج الحضارة الاسبانية لدرجة أن بعض التقديرات تشير إلى أن ربع المفردات اللغوية في اللغة الاسبانية الحالية هي عبارة عن كلمات عربية الأصل.
القوة الناعمة العربية ممثلة في اللغة بالرغم من أنها استفزت محاكم التفتيش والاقصاء في الاندلس السليب لدرجة أنه تم في عصر الامبراطور الاسباني فليب الثاني منع المسلمين من التخاطب باللغة العربية وتحريم اقتناء الكتب العربية إلا تلك (اللغة الخالدة) كُتب لها البقاء وهذا أمرر تكرر كثيرا في التاريخ والجغرافيا ففي أزمان متعددة ومواقع متنوعة تمكنت اللغة العربية بشكل أو آخر من الصمود والممانعة. بعد سقوط الخلافة العثمانية لم يكتفي الرجل الصنم مصطفى كمال أتاتورك بمحاربة الدين وفرض العلمانية ولكنه سعى وبشكل متعمد في اجتثاث اللغة العربية من المجتمع التركي ليس فقط بمنع استخدم الأحرف العربية في كتابة اللغة التركية ولكن وصل درجة الفجور به لحظر الآذان باللغة العربية حيث أعتبر رفع الآذان باللغة العربية فعل مخالف للقانون. وفي سياق سياسة التتريك الاقصائية غزى الغازي أتاتورك على بقايا النفوذ العربي في المشهد الحضاري التركي فشكل لجنة خاصة أطلق عليها أسم لجنة صيانة اللغة التركية وكان هدفها الاساسي تخليص وتنقية اللغة التركية من مفردات وكلمات اللغة العربية. ومع كل هذا الاقصاء ضد الدين الاسلامي واللسان العربي ليس فقط عاد الآذان يرفع مرة أخرى باللغة العربية من فوق مآذن المساجد بل ما زالت مفردات اللفة العربية حية وشائعة في اللغة المحكية والمكتوبة التركية حيث يُقدر أن عدد المفردات ذات الأصول العربية المستخدمة في اللغة التركية قد تصل إلى حوالي 15 ألف كلمة. وبحكم أن كل التراث التركي القديم مكتوبا في الأصل بأبجدية الحروف العربية لهذا تم في السنوات الاخيرة إدخال تدريس اللغة العربية كمادة إلزامية في المدارس التركية لتمكين الأجيال الجديدة من قراءة الإرث التركي ومدارسة الدين الاسلامي بلغته العربية الخالدة.
قبل حوالي قرن من الزمن من توقيت منع الآذان باللغة العربية في اسطنبول (في 1932عام  ميلادي) وصل الأديب والكاتب اللبناني المعروف أحمد فارس الشدياق إلى جزيرة مالطا سنة 1826م وهنالك أكتشف أن المثل الدرج (كمن يؤذن في مالطا) أصبح خارج سياق الزمن ليس فقط لأن جزيرة مالطا الصغيرة يقيم بها الاف من المسلمين بل لأن الأغرب من ذلك أن اللغة العربية متوغلة بشكل استثنائي في اللغة المالطية. لا نعلم على وجهة الدقة ما هي قصة المثل الشائع لدينا في العالم العربي (بعد خراب مالطا) لكن نعلم أنه في غابر الزمن تم محو وازالة أي معالم تدل على أن الاسلام حكم تلك الجزيرة لمدة قاربت قرنين ونصف على يد ملوك قبيلة الأغالبة العربية القادمين من تونس. بالرغم من أن جزيرة مالطا خرجت من الحكم الاسلامي في نهايات القرن الحادي عشر الميلادي إلا أن (خراب مالطا) الحقيقي والمتمثل في محو الاسلام منها حصل بسقوطها الثاني عام 1479 ميلادي تحت حكم مملكة أرغون الاسبانية والتي سوف تتحالف بعد ذلك بسنوت قليلة مع مملكة قشتالة لإسقاط آخر معقل للمسلمين في الأندلس وهي مدينة غرناطة التي أحتلت عام 1492 ميلادي كما هو معلوم. والمقصود أن تلك المملكة المسيحية (مملكة أراغون وقشتالة) المتطرفة في التعصب الديني والتي قامت بتجريف الأندلس من مظاهرة الاسلامية لتجعله كالأرض اليباب والخراب هي نفسها من تسبب في (خراب مالطا) لدرجة أنه لم يبقى فيها من يستطيع أن يجاهر بحضوره  للصلاة ولهذا قيل في وصف أي شيء بدون فائدة (كمن يؤذن في مالطا).
وتشير المراجع التاريخية الأوروبية أنه بنهاية القرن الخامس عشر تم طرد عدد كبير من المسلمين من جزيرة مالطا (الشتات العربي يتكرر في كل وقت وحين ألم يقل الشاعر الفلسطيني محمود درويش: وسنسأل أنفسنا في النهاية هل كانت الأندلس ههُنا أم هناك !!) ومن بقي منهم أجبروا جميعا على اعتناق المسيحية وتغيير اسمائهم العربية. ومع ذلك مأساة مسلمي مالطا لم تنتهي فصولا بعد فمنذ منتصف القرن السادس عشر تولى حكم مالطا طائفة دينية مسيحية اكثر تعصبا وشراسة حيث حكمها (فرسان مالطا) لمدة ثلاثة قرون. في بداية الحروب الصليبية في المشرق العربي ظهرت طائفة (فرسان المعبد) لحماية القدس المسيحية من الوقوع في يد المسلمين بعد استرجاعها وبعد ذلك بخمسة قرون سوف يقوم أحفادهم (فرسان مالطا ورودوس) بحماية مدينة روما من السقوط في قبضة الاسطول العثماني المسيطر على البحر الابيض المتوسط. أمر غريب في تاريخ فرسان مالطا تنبغي الاشارة والتنويه إليه يتمثل في كون تاريخهم مشبوه ليس فقط بسبب كونهم فلول وبقايا الحملات الصليبية ولكن توجد شبه قوية بارتباط منظمة فرسان مالطا بالماسونية العالمية والاساطيل البحرية للقراصنة. ما أود الوصول له بعد هذا التطوف التاريخي هو رسم الصورة المعادية للإسلام ورموزه الحضارية في جزيرة مالطا في القرون القديمة ومن ذلك ولا شك التضييق على المظاهر العربية مثل اللغة واللباس. ومع كل هذا العداء ما زالت اللغة المالطية متأثرة ومنذ اكثر من ألف عام باللغة العربية وقت أن حكم العرب جزيرة مالطا وصقلية ولهذا توصف اللغة المالطية بأنها مشتقة من اللهجة العربية الصقلية. بمعنى أن اللغة المالطية في الأساس ليست لغة أصيلة ذات جذور أوروبية  وإنما هي ذات أصول شرقية سامية فينيقية أو عربية على الأرجح. صحيح أن اللغة المالطية الحالية بها العديد من الكلمات والمفردات من اللغة الايطالية والانجليزية لكن اللغة المالطية الأصلية والقديمة يقال أن أكثر من ثلثي كلماتها والعديد من قواعدها النحوية مأخوذة من اللغة العربية وبلهجة تونسية واضحة. بدون مبالغة كل من يزور الجزيرة المالطية الخلابة سوف يصعق من شدة التقارب بين اللغة المالطية واللغة العربية وأشهر نص مكتوب يوثق ويناقش التقارب الغريب بين هاتين اللغتين هو ما ذكرة الأديب اللبناني السابق الذكر أحمد فارس الشدياق في كتابه الفريد (الواسطة في معرفة أحوال مالطا). تحت عنوان (فصل في لغة مالطة) ذكر الشدياق أن اللغة المالطية فرع من الدوحة العربية وشيصة من تمرها وتعجب أنها (لغة محكية) لم يتم استخدامها في الكتابة ولأن أغلب كلماتها تم اشتقاقها بشي من التحوير من اللغة العربية فلهذا كانت لغة هجينة وضعيفة وعليه (نقدها) الشدياق بقولة:
تباً لها لغة بغير قراءةٍ          وكتابةٍ عين بلا أنسانِ
أذنابها ورؤوسها عربية       فسدت وأوسطها من الطلياني
والأمر الملاحظ بشكل جلي في اللغة المالطية أنها ليس فقط تستخدم كم مهول من المفردات العربية بل أن تكوين الجمل اللغوية الطويلة بل وحتى الابيات الشعرية مبني على استخدام تركيب الكلمات العربية ومن ذلك ما ذكره الشدياق من الابيات الشعرية التي سمعها من أهل تلك الجزيرة وبلغتهم المالطية مثل قول الناظم:
المحبوب تا قلبي سافر       ليلي ونهاري نبكيح
جعلتو بدموعي البحر     وبالتنهيدات تا قلبي الريح
كما يقول أحمد فارس الشدياق أن مما سمعه من الشعر المالطي قول أحدهم في الغزل:
ينا اشتقت نجي فوق سدتك         نجي شبيهه تا عصفور
نطفي المصباح بجوانحي       نعطيك بوسه ونرجع نمور

Xi hadd jitkellem bl-Ingliz
العبارة السابقة المكتوبة بالحروف الانجليزية هي ترجمة قوقل من اللغة العربية إلى اللغة المالطية للعبارة العربية (هل يوجد أحد يتكلم الإنجليزية) والتي تصبح باللغة المالطية كالتالي (في حدا يتكلم بالانجليز). وخلال زيارتي لجزيرة مالطا هذا الاسبوع كنت في الواقع عندما أقول (كم تسوا دان إلكتيب) kemm tiswa dan il-ktieb فأن في الواقع كنت أنطق باللغة المالطية العبارة العربية التي تقول: كم تكلفة هذا الكتاب. شواطئ جزيرة مالطا جميلة جدا وإذا أردت أن أعبر عن رغبتي في السباحة في ماء البحر فسوف أنطق ذلك باللغة المالطية كالتالي: أنحوب نعوم في إيلما بحر (inhobb nghum fl-ilma bahar). العبارات الكاملة من اللغة المالطية شبة المتطابقة مع اللغة العربية يجدها الزائر بكل سهولة في اللوحات الارشادية والتحذيرية في شوارع مالطا ومن ذلك مثلا تجد أن اللافتة التحذيرية من رمي القمامة (الزبالة) في الطريق تنطق كالتالي: ترميش زبل فت تريق (tarmix zibel fit-triq). جزيرة مالطا جميلة ونظيفة ومتعة للزائرين ولهذا يحق للسائح لها أن يردد يردد المثل الدراج باللغة المالطية الذي يقول بلهجتهم: فين نحب القلب يمشو الرجلين (fejn thobb il-galb jimxu r-riglejn) والذي يقابله باللغة العربية الفصيحة: حيثما يعشق القلب تتبع الأقدام.
وبعد هذه الامثلة اللغوية السريعة ليس من المستغرب أن نعرف الان أن أكثر من 70 بالمائة من مفردات اللغة المالطية هي مشتقة أو محورة من كلمات عربية. وأوضح ما يكون ذلك في معرفة أن جميع كلمات الاعداد هي مفردات عربية فمثلا لو اردنا أن ننطق تاريخ سنة 1919 ميلادي فهي تنطق كالتالي باللغة المالطية (ألف دسعا ميا وا دسعتاش) elf disa mija u dsatax واخترنا هذا التاريخ باذات لأنه يوافق مرور مائة سنة على إقامة أهم شخصية عربية في جزيرة مالطا وهو الزعيم المصري سعد زغلول عندما قامت قوت الاحتلال الانجليزي بنفيه وبعض رفقائه من مصر إلى مالطا في ذلك التاريخ.

وفي الختام اللغة العربية بالرغم من كل محاولات (حرب اللغات) للاستنقاص من مكانتها وساحة تواجدها هي لغة محفوظة ومباركة وثرية وسوف يكتب لها بمشيئة الله الخلود. في المسيرة البشرية الطويلة عدد ملحوظ من اللغات الكبرى اندثرت (مثل اللغة الفرعونية واللغة الفينيقية) وعدد هائل انصهر في لغات أخرى. ولكن اللغة العربية ما زالت فتية ومتجددة لها كيانها الخاص كما أن لها تواجدها الطاغي والمؤثر في اللغة الفارسية واللغة التركية واللغة الهندية واللغة السواحلية في شرق أفريقيا واللغة الامازيغية في شمال افريقيا بل وحتى اللغة الانجليزية التي دخلها عدد كبير من الكلمات العلمية المستوردة من الحضارة العربية القديمة.


الأربعاء، 8 يناير 2020

( النباتات المهاجرة .. النخلة أنموذجاً )

وجود النخلة في باريس .. حيرني وحير رفاعة الطهطاوي قبلي!!

د/ أحمد بن حامد الغامدي

تذكر كتب الأدب العربي أن مؤسس الدولة الأموية في الأندلس عبدالرحمن الداخل الملقب بصقر قريش، شاهد يوماً ما بالأرض الإسبانية شجرة نخيل وحيدة فاستغرب نموها في غير مرابعها وموطنها الأصلي، ولهذا هاجت أشجانه وتذكر وطنه بأرض الشام فقال:

تبدَّتْ لنا وسط الرُّصافةِ نخلةٌ         تناءتْ بأرض الغربِ عن بلدِ النخلِ

فقلت شبيهي في التغرب والنوى     وطول التنائي عن بنيَّ وعن أهلي

نشأتِ بأرض أنتِ فيها غريبة        فمثلك في الإقصاء والمنتأى مثلي

وقع ذلك المشهد قبل 1200 سنة وقد جرت مياه كثيرة تحت الجسر (جسر قرطبة وليس جسر الرصافة) منذ ذلك الحدث، فتغيرت شعوب واندثرت أمم وانطلقت من إسبانيا ذاتها كشوف جغرافية طافت الكوكب من أدناه إلى أقصاه نُقلت خلالها عادات وبضائع ونباتات. لم يعرف العرب بشكل واضح شجرة البرتقال وإن كان عرفوا أشجار النارنج الشبيه به، ولاحقاً، في زمن الانحطاط انتقلت شجرة الحمضيات تلك من أرض الأندلس إلى أغلب الدول العربية عبر الرحالة والتجار البرتغاليين، ولهذا جادت قريحة أسلافنا بتسمية تلك الفاكهة بذلك الاسم الملون الغريب (البرتقال).

   الهجرات البشرية واقع ملموس منذ الأزل، وتم خلال تيار الزمن الجراف نقل آلاف من الحيوانات والنباتات والأفكار والمخترعات عبر الحضارات والممالك المتباعدة. الحضارة الإسلامية نشرت في الآفاق مورثها الديني واللغوي والمعرفي، ولكنها بيئة شحيحة بالنباتات فلم تحرص على نقلها، ففاقد الشيء لا يعطيه، كما يقال. المنظور الثقافي للشعوب الأخرى قد يختلف عنا، ففي حين كان الملك العربي الأندلسي يتعجب من وجود النخلة في الأرض الأندلسية نجد لاحقاً ملوك الإمبراطورية الإسبانية والبرتغالية هم من نقل زراعة النخيل إلى العام الجديد في أمريكا اللاتينية. النخلة في موروثنا الثقافي الجمعي رمز للرسوخ والثبات فلم نحرص على نقلها، بينما في الموروث الكنسي المسيحي يجدون مكتوب عندهم في سفر المزامير أن الأخيار سوف يزدهرون وينتشرون مثل شجر النخيل. في الواقع فيما يخص النخيل: الثابت عندنا هو متحول عندهم، ولهذا لا غرابة أن الإسبان عندما وصلوا إلى الغابات الاستوائية في أميركا الوسطى ووجدوا نبات شبيه بالنخيل يغير مكانه مع الزمن لم يترددوا بأن يطلقوا عليه وسم شجرة النخلة الماشية (Walking Palm Tree).

لاحقاً في ثنايا هذا المقال سنعرف أن لا (خصوصية ثقافية) لشجرة النخيل ببلاد العرب وواحات الصحراء بل هي تزرع الآن في أرض الجليد وجزر المحيط، ومن هذا وذاك يجب أن نفخر أنه بالفعل (عمتنا النخلة) هي إرث حضاري مشاع بين أغلب شعوب العالم. في هذا الأسبوع من شهر يناير من عام 2019م صدر قرار منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة (اليونسكو) إدراج شجر النخيل والتمر ضمن قائمة التراث غير المادي للبشرية. البعد العالمي لشجرة النخلة متجذّر في التاريخ البشري منذ الأزل فالعديد من الحضارات القديمة والمذاهب الدينية تعتبر النخلة تجسيد لأسطورة (شجرة الحياة) كما نجد ذاك عند الفراعنة في أرض النيل أو الآشوريين في بلاد الرافدين، كما اعتبرت النخلة رمزاً لسر الحياة وفق عقائد القبالة اليهودية. قبل سنوات نشرت مقالاً حمل عنوان (رمزية الجَمل في الثقافات الأخرى) أشرت فيه إلى المبالغة في افتراض الخصوصية المزعومة للمجتمعات العربية ببعض المظاهر الحضارية وكأنها حكر علينا وماركة مسجلة لنا. وعلى نفس نسق مثال الجمل وقافلة الإبل، نقول هنا أن شجرة النخيل أو واحة الصحراء أو قهوة الضيافة ليست بالضرورة هي (خصوصية ثقافية) للمجتمعات العربية فقط. بكل تجرد يمكن القول إن وصول شجرة النخيل إلى (العالمية) عبر قرار اليونيسكو سالف الذكر لاقى صدى عالمي ليس فقط لجهود الدول العربية ولكن أيضاً (للجاذبية الحضارية) لشجرة النخيل عند الشعوب الأخرى لدرجة أنه في الحس الغربي فإن وصف (مدينة النخيل) يعني عندهم مدينة لوس انجلس الأمريكية وليست مدينة البصرة العراقية أو الهفوف السعودية أو مراكش المغربية.

النخلة شجرة مباركة في أرض غريبة

بعد آخر زيارة لي للعاصمة الفرنسية باريس صح العزم مني أخيراً أن أقرأ كتاب (تخليص الإبريز عن تلخيص باريز) للكاتب والرحالة المصري الشهير رفاعة الطهطاوي والذي وثّق في هذا الكتاب مشاهداته وانطباعاته وانتقاده للحضارة والثقافة الفرنسية في مدينة باريس في منتصف القرن التاسع عشر. الغريب في الأمر أن كلاً من المفكر الطهطاوي وشخصي المتواضع لفت انتباهنا وأثار استغرابنا وجود أشجار النخيل في ساحات وميادين باريس، وإن كان كل منا استغرب الحدث من زاوية مختلفة متأثراً بتصوراته القديمة. أما أنا فشخصية ذات خلفية علمية وبحكم أنني لم يسبق لي على الإطلاق أن شاهدت شجر النخيل في أي من دول شمال أوروبا إلا أشجار النخيل التي شاهدتها في البيت الزجاجي الضخم والبالغ الجمال والأناقة المسمى (بيت النخيل) في حدائق النباتات الملكية في منطقة كيو Kew  في ضواحي مدينة لندن. ولهذا ضللتني سذاجتي في طريقة التفكير العلمية للاستنتاج أن شجر النخيل لا يمكن أن يعيش في المناطق الباردة إلا تحت أجواء اصطناعية دافئة كما فعل الإنجليز. ولهذا استغربت (كما استغرب صقر قريش من قبل) وجود أشجار النخيل (المهاجرة) تلك ونموها في غير مرابعها وموطنها الأصلي. ومن جانب آخر شعرت أنا وزملائي الكرام بالفخر البالغ للاعتناء الخاص من قِبل الفرنسيين بأشجار النخيل في حدائق لكسمبورج الرائعة الجمال في الحي اللاتيني في وسط باريس حيث أبرزت بغرسها في حاوية خاصة ومنفردة ووضعت في أمكان استراتيجية حول البركة المائية الرئيسة وأمام مدخل القصر التاريخي الفاخر (وفي مناسبة سياحية أخرى رصدنا وضع النخلة في موقع مميز من الحدائق المذهلة لقصر الشنبرون في العاصمة النمساوية فيينا).

أما ما كان من استغراب رائد النهضة العربية رفاعة الطهطاوي لوجود النخيل في مدينة باريس فإنه كان قد قرأ في شبابه في كتاب (عجائب المخلوقات وغرائب الموجودات) لشيخ الجغرافيين العرب القزويني أن النخلة شجرة مباركة وعجيبة ومن عجائبها أنها لا تنبت إلا في بلاد الإسلام، ولهذا اهتزت ثقة الطهطاوي في بعض المعارف العلمية التي عرفها سابقاً.

حقاً وصدقاً (وَمَا أُوتِيتُم مِّنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا) ففي الوقت الذي غررت بي خلفيتي العلمية القاصرة إلى استبعاد إمكانية نمو شجر النخيل في الهواء الطلق بالمواقع الجغرافية الباردة، كان علماء أوروبا ومنذ منتصف القرن الثامن عشر يتبادلون بينهم الرسائل والتقارير في رصد ظاهرة نمو أشجار النخيل في بعض المدن الأوروبية. في العام 1764 ميلادي تم نشر مقال علمي خاص في كتاب السجل السنوي البريطاني The Annual Register حمل عنوان (تشجيع زراعة شجرة النخيل في المناطق الشمالية الباردة) نوقش فيه رصد تجارب زراعة أشجار النخيل في بعض المدن الأوروبية مثل مدينة برلين ومدينة مونبيليه الفرنسية. وبالانتقال لجنوب أوروبا نجد في القصة القصيرة (قطة في المطر) للأديب الأمريكي البارز ارنست هيمنغواي، نتبين أن شجرة النخيل حاضرة في المشهد الأدبي حيث تدور القصة في مدينة ايطالية زاخرة بشجر النخيل. بينما الجزر اليونانية وبلاد الإغريق قصة ارتباطها بشجرة النخيل المباركة عريقة وقديمة، فوفق بعض الأساطير الإغريقية تعتبر النخلة شجرة مقدسة لأن الإله الإغريقي أبولو إله الشمس ولد بزعمهم تحت شجرة نخيل في جزيرة ديلوس. ولهذا عندما انتصرت دول المدن اليونانية (المسماة دول الحلف الديلي نسبة إلى جزيرة ديلوس) بقيادة مدينة أثينا ضد الجيوش الجرارة لأعدائهم من الفرس والفينيقيين في منتصف القرن الخامس قبل الميلاد تم الاحتفال بالنصر عن طريق نصب مجسم برونزي لشجرة النخيل في مدينة ديلفي اليونانية المقدسة. ومن هنا أرتبط شجر النخيل في الثقافة اليونانية والرومانية القديمة بالانتصار وتحقيق الفوز، ولهذا جرت عادة منح وتقديم سعف النخيل للفائزين في البطولات الرياضية أو للقادة العسكريين المنتصرين في الحروب. ولاحقاً، دخلت هذه العادة في الديانة المسيحية حيث كما هو مشهور أُستقبل السيد المسيح بجريد النخيل عندما دخل مدينة القدس. من عجائب الأمور أن ارتباط شجرة النخيل بالسيد المسيح تسبب بشكل أو بآخر في نقل وانتشار هذه الشجرة المقدسة عندهم (المباركة عندنا) في بقاع كثيرة من الأرض. فمثلاً، نجد أن بعض المصادر التاريخية تشير إلى أن بداية زراعة النخيل في أمريكا الشمالية وبالتحديد في ولاية كاليفورنيا تم من خلال البعثات المسيحية الإسبانية في القرن السابع عشر الميلادي لاحتياج رجال الكنيسة لاستخدام سعف النخيل في طقوس المواكب الدينية التي كانت تطوف المدينة في يوم الأحد من عيد الفصح من كل سنة. ولمثل هذه الأسباب الدينية وغيرها انتشر شجر النخيل في عموم العالم الجديد في أمريكا الشمالية وأمريكا اللاتينية.

سبق وأن ذكرنا أنه في الحس الجمعي للشعوب الغربية ترمز النخلة للنصر والسمو والازدهار ولكنها في الوقت الحالي أصبحت كذلك هي رمز وأيقونة للشيء الفاتن والغريب exotic ولهذا انتشر لدى العديد من أهل الثراء والجاه في الغرب والشرق زراعة شجر النخيل في قصورهم وحدائقهم الخاصة. وهذا ما يفسر أسباب الموجة الثانية من شيوع زراعة النخيل في أغلب حدائق ومدن العالم الكبرى. في واقع الأمر، فإن الانتشار الجغرافي لزراعة النخيل واسع ومستمر ويمتد من القارة الأسترالية في أدنى الشرق وحتى القارة الأمريكية في أقصى الغرب. وعلى ذكر الولايات المتحدة الأمريكية وصل الأمر فيها لكثرة تواجد شجر النخيل بها، أن نجد أن لقب ولاية كارولاينا الشمالية هو (ولاية النخلة) في حين أن مدينة لوس أنجلس التي تحتوي شوارعها على حوالي خمس وسبعين ألف نخلة تستحق بجدارة اسم (مدينة النخيل). بالمناسبة العديد من المدن الأمريكية مثل فلوريدا وسان دييغو ولوس أنجلس ليست فقط تشتهر بكثرة النخيل في شوارعها ومنتجعاتها ولكن أيضاً بفخامة سلالة ذلك النوع من النخيل الذي يتميز بالطول الشاهق جداً، علماً بأن أطول أشجار النخيل على الإطلاق توجد في وسط دولة كولومبيا في أمريكا الجنوبية والتي قد يصل طول أشجار النخيل فيها إلى حوالي ستين مترا !!. وفي الواقع أجمل وأروع موقع للنباتات النخيل الباسقة جدا نجده في الحديقة النباتية في مدينة ريو دي جانيرو (بالمناسبة معنى اسم هذه المدينة باللغة البرازيلية: جنة الله) حيث نجد أن ما يسمى (الممر الأمبراطوري) والذي يمتد لمسافة 750 متر ويشمل على صفين من أشجار النخيل الباسقة التي يبلغ طولها حوالي ثلاثين متر وعددها 134 نخلة مما يشكل منظر مذهل جدا.

بقي أن أختم بتذكير واعتراف، فأما التذكير فهو للخطأ الذي وقع فيه قديما شيخ الجغرافيين العرب القزويني عندما قال (أن النخلة شجرة مباركة وعجيبة ومن عجائبها أنها لا تنبت إلا في بلاد الإسلام)، وإذا بنا كما علمتم نجدها تنبت وتزدهر وتنتشر في أي (أرض غريبة) وكأنها قد هاجرت من بلاد الإسلام مع من هاجر. وأما الاعتراف، فهو في جزء منه تذكير بخطأي الذي أشرت إليه سابقاً عندما كنت أعتقد أن النخلة لا تعيش في (أجواء غريبة) مثل الأجواء الأوروبية الباردة. في الواقع لو لم يغب عن ذهني عنوان كتاب القزويني لما وقعت في هذا الخطأ، فإذا كان عنوان كتابه (عجائب المخلوقات وغرائب الموجودات) فلماذا العجب من احتمالية نمو النخيل في الأجواء الباردة؟ بل حتى في المناطق شديدة الزمهرير. من عجائب المخلوقات أن تجد أشجار النخيل تنمو الآن وتزدهر في مناطق تتجمد فيها الأنهار والبحيرات في فصل الشتاء كما في مدينة موسكو الروسية أو مدينة فانكوفر الكندية أو مدينة شيكاغو الأمريكية.

لقد بدأنا المقال ببلاد الأندلس وسوف نختمه بالأرض الإسبانية، حيث قامت الروائية الإسبانية لويز جاباس في عام 2012 بنشر رواية لاقت انتشاراً كبيراً ومن ثمّ تحولت لفلم سينمائي ناجح، وما يهمنا هنا أن عنوان تلك الرواية/ الفلم هو (شجرة نخيل في الثلج). وبعيداً عن الأجواء الرومانسية لتلك الرواية الطويلة جداً يبدو أن عنوان الرواية سوف يحول عالم (المجاز الأدبي) إلى دنيا (الحقيقة العلمية). فقبل أشهر قليلة مضت، تم الإعلان عن زراعة بعض أشجار النخيل في أرض الثلج والجليد أيسلندا (Iceland) في إحدى حدائق العاصمة ريكافيك، علماً بأن درجة الحرارة منخفضة جداً في غالب أيام السنة، فهل سوف تنجو تلك (النخلات الثلجية) لتصبح بالفعل من عجائب المخلوقات وغرائب الموجودات.

 


الجمعة، 20 ديسمبر 2019

( عطارد .. عابر سبيل عَجِل )

مرور كوكب عطارد أمام الشمس .. لحظة فريدة في السجل الفلكي

د/ أحمد بن حامد الغامدي
لكوكب عطارد مكانة خاصة على حدا سواء في عالم الاساطير وفي دنيا العلم حيث أنه في الميثولوجيا الرومانية تجسيد  لإله العلم والحكمة بينما هو عند علماء القرن العشرين تسجيد للدليل الملموس لتفوق اينشتاين على نيوتن. ولهذا ينتظر هواة الفلك في جميع أنحاء العالم بشوق ساعة الأصيل من يوم الأثنين القادم وذلك لرصد (عبور) كوكب عطارد أمام قرص الشمس. ولقد أعلن قيام المرصد الفلكي بكلية العلوم بجامعة الملك سعود باستقبال الزوار لمشاهدة هذه الظاهرة الفلكية (Transit of Mercury) الجميلة والساحرة لحركة كوكب عطارد التي حيرة علماء الفلك قديما وعلماء الفيزياء حديثا.
قبل أربعة قرون من الزمن توصل عالم الفلك الالماني يوهان كبلر لاكتشاف قوانينه الخاصة بحركة الكواكب وما يهمنا هنا هو القانون الثاني منها والذي ينص على أن الكوكب يدور بسرعة أكبر كلما أقترب من الشمس. يبدو أن أسلافنا القدماء من أهل الجزيرة العربية قد لاحظوا أن كوكب عطارد هو بالفعل أسرع الأجرام الملحوظة في السماء ومن هنا قد تنكشف لنا سبب التسمية الغريبة لكوكب (عطارد) والتي قد تكون مشتقة من الفعل (عَطْرَدَ) بمعنى أسرع وتابع في سيرة. وعلى نفس النسق ربط الاغريق بين عطارد وسرعة الحركة ولهذا جعلوه إله السفر ومرسال الآلهة وأشهر ما كان يميزه هو أن لديه حذاء مجنح يمكنه من الطيران والانتقال الرشيق بسرعة خاطفة. منذ زمن الرومان تم الربط بين كوكب عطارد ومعدن الزئبق حيث ان كلا منهما يحمل نفس الاسم Mercury فالزئبق معدن عالي السيولة والكوكب المسمى عطارد جرم سماوي متدفق الحركة.
 إن سرعة دوران كوكب عطارد حول الشمس كل ثلاثة اشهر أربكت علماء الفلك في أرض اليونان فظنوا أنه عبارة عن كوكبين منفصلين يظهر أحدهما بعد الغروب في فترة الغسق (كوكب هيرمس) ويظهر الاخر في الشفق قبل الفجر (كوكب أبولو). بعد ذلك بعقود طويلة رصد عالم الفلك المسلم ابن باجه بقعتين مظلمتين على سطح الشمس فسرهما لاحقا قطب الدين الشيرازي بأنهما عبور عطارد والزهرة أمام الشمس. ومن هنا بدأ علماء الفلك العرب في هز عرش اساسيات كتاب المجسطي لعالم الفلك الشهير بطليموس الذي استبعد إمكانية رصد عبور كوكب عطارد أمام الشمس. مسمار آخر في نعش معلومات كتاب المجسطي غرزه عالم الفلك الاندلسي الزرقالي عندما أقترح أن مدار كوكب عطارد إهليجي يشبه البيضة في حين أن نظام بطليموس الفلكي يصوره دائما على شكل دائرة تامة. ثم جاء دور عالم الفلك الدمشقي ابن الشاطر والذي يعترف اليوم مؤرخي العلوم في أوروبا بأن حساباته ورسومات وتحديده لمسارات كوكب عطارد هي التي استفاد منها عالم الفلك البولندي نيكولاس كوبرنيكوس ليضع نموذجه الفلكي المشهور لمركزية الشمس ومن ثم يطلق فجر الثورة العلمية الاوروبية.

لاحقا ومنذ منتصف القرن التاسع عشر لاحظ العلماء أن مدار كوكب عطارد لا يتفق تماما مع قوانين المعادلات الفيزيائية لأسطورة العلم اسحاق نيوتن وهذا ما أفرز ظاهرة فلكية جديدة سمية التعجل precession حيث تزيد في مرحلة ما سرعة حركة عطارد المرصودة عما هو متوقع رياضيا. إن رصد (العبور العَجِل) لكوكب عطارد أمام قرص الشمس هذه الايام مناسبة تاريخية وفلكية مميزة لأنها تقريبا تتزامن مع مرور حوالي قرن من الزمن على تفاخر اينشتاين بأنه تفوق على نيوتن. ما حصل يا سادة أن عملاق الفيزياء اينشتاين توصل عام 1915 لطرح نظريته النسبية العامة والتي هي في جانب منها تنقيح لقوانين الجاذبية لنيوتن وهنا تباهى أينشتاين بأن نظريته النسبية وعلى خلاف نظرية نيوتن تستطيع بدقة علمية كبيرة تفسير ظاهرة (التعجل) الشاذ لسرعة حركة عطارد ويقال بأن اينشتاين ظلّ منتشيا من السعادة لأيام متواصلة وكتب إلى أحد اصدقائه يخبره (لقد تحققت أبعد أحلامي منالاً).
بقي ان نقول في الختام أن ظاهرة المرور العابر لكوكبي عطارد والزهرة أمام قرص الشمس ليس فقط ظاهرة فلكية نادرة الحدوث ولكن ايضا قد ينتج عن عملية رصدها اكتشاف أحد أغرب المعلومات العلمية. القبطان الانجليزي جيمس كوك في الوقت الذي يعتبر أحد أهم الرحالة والمكتشفين الجغرافيين على مر العصور إلا أن أحد أغرب (اكتشافاته الجغرافية) تم في السماء وليس على الأرض !!.  في واقع الامر الرحلات البحرية الجغرافية التي قام بها جيمس كوك هي في الاصل بعثات علمية لرصد بعض الظواهر الفلكية ففي عام 1769م رصد الفريق العلمي المصاحب لحملة كوك ظاهرة عبور كوكب عطارد امام الشمس وحتى اليوم تسمى المنطقة التي تم الرصد منها في نيوزلندا بجزيرة عطارد وخليج عطارد. 
الأهم من ذلك قيام جيمس كوك وفريقة العلمي في نفس تلك السنة برصد عبور كوكب الزهرة Transit of Venus ولكن هذه المرة من جزيرة هايتي في البحر الكاريبي. لقد مكن رصد عبور كوكب الزهرة من قبل كوك وبعثات علمية أخرى متعددة في كندا وروسيا والمكسيك والنرويج من حساب المسافة بين الارض والشمس وأنها تبلغ 150 مليون كيلومتر. ولقد تم ذلك من خلال استخدام هذه البينات الفلكية المتنوعة من مواقع جغرافية متباعدة على سطح الارض وتوظيفها في دراسة ظاهرة تخاطل أو تزيح الشمس solar parallax التي تعتمد على التغير الظاهري لموقع الشمس واختلاف المنظر المرئي باختلاف مكان الرؤية.
صحيح أن مرور عطارد على قرص الشمس سريع وعابر ولكن اللحظات المميزة في تاريخ العلم لا تدوم طويلا فينبغي اهتبال الفرصة وعيش الحدث. تنبيه لهواة العلم والتاريخ: لن تحصل هذه الظاهرة الفلكية النادرة التي ترتبط بعمالقة العلماء مثل بطليموس وابن الشاطر وكوبرنيكوس وإدموند هالي (رصد مرور عطارد عام 1677م) ونيوتن واينشتاين إلا بعد ردهة من الزمن فالمرور التالي لعطارد أمام الشمس لن يرصد إلا عام 2032 ميلادي.

السبت، 9 نوفمبر 2019

( حروب سقراط .. الحرب التجارية وأخواتها )



اسلحة الحرب التجارية بين امريكا والصين

د/ أحمد بن حامد الغامدي

في عالم السياسة اليوم دوي المدافع يصم الآذان ومن لم يسمع طبول الحرب فهو أصم كما حذر سابقاً ثعلب السياسة الأمريكية هنري كيسنجر. ولكن لكل زمان دولة ورجال وقتال فبعد تقليعة التحذير من (حروب الجيل الرابع والخامس والسادس ... الخ) سوف نختزل متاهة الاسماء تلك إلى مفهوم مركّز هو مبدأ (الحرب الشاملة) وربيبتها الطفلة الشقية (الحرب الاقتصادية).
منذ عقود طويلة والحرب الطاحنة بين الدول الكبرى والتكتلات السياسية العظمى لا تتم في ساحات المعارك ولا جبهات القتال ولكن تتم في شوارع الاسواق التجارية وباحات البورصات المالية وأرقام التعريفات الجمركية.
وفي هذا السياق يمكن فهم  التصعيد الاخير بين الولايات المتحدة والصين والدور الذي يلعبه الرئيس الأمريكي دونالد ترامب كمسعر حرب  وأنه  - حسب زعمه - الرئيس المختار من الله لخوض (الحرب التجارية) مع الصين الاشتراكية.

صحيح أن أسباب الحرب ونتائجها غالبا ما تكون عصية على الفهم لكن لا يحتاج المرء للرجوع لعباقرة الفكر وفلاسفة الفهم ليدرك أن حقيقة الحرب كما قال سقراط من غابر الزمن (كل الحروب تشن من أجل المال). المال هو الغنيمة الكبرى في أي حرب ولكن ينبغي أن لا نغفل كذلك أنه عندما تعجز الدول الكبرى والقوى العظمى  عن سحق بعضها البعض في أرض المعركة فإنها تلجأ إلى استراتيجية كسر عظم الهيكل الاقتصادي للخصم.
ومن هنا سوف تتردد بكثرة في مستقبل الايام مصطلحات الحروب الاقتصادية من مثل الحرب التجارية والحرب الجمركية وحرب العملات وحرب الضرائب وحرب الاسعار وحرب البورصات. في مجال العلوم الحربية نجد أن مصطلح (العمليات العسكرية) يدور حول منظومة من الاستراتيجيات القتالية التي تهدف بشكل أساسي لتحقيق هزيمة العدو من خلال تدمير العديد من الأهداف التكتيكية أو الاستراتيجية على حدا سواء.
في ساحات المعارك الاقتصادية والتجارية تكون الاهداف الحربية المعرضة للقصف والتدمير هي الاسواق المالية والبورصات التجارية والحسابات البنكية وسعر صرف العملات النقدية. ونظرا لاختلاف أرضية المعركة التجارية سوف تختلف ولا شك طبيعة أسلحة الدمار الشامل المستخدمة هنا فهي تشمل مثلا أسلحة (هجومية) مثل الحصار والمقاطعة والتلاعب بالعملة والمضاربة بالأسهم وإغراق الاسواق ومنع القروض وحظر المعاملات المالية والتخريب أو التجسس الاقتصادي.
في حين أن ترسانة الاسلحة الاقتصادية (الدفاعية) سوف تكون من نوع تخفيض سعر الفائدة وزيارة الرسوم وحضر الاستيراد وزيادة فائض الميزان التجاري وما شابه ذلك من الاحترازات والعمليات الاقتصادية المتعمدة.

للوهلة الاولى وبسبب زخم المصطلحات التجارية السابقة الذكر قد نعتقد أن الحروب الاقتصادية هي ظاهرة حديثة في التاريخ البشري بينما في الواقع أن استخدام تلك الاسلحة الاقتصادية الماحقة حاصل منذ فجر التاريخ.
لقد عاصر الفيلسوف الاغريقي المعروف سقراط أحداث الحرب البيلوبونيزية اليونانية بين أثينا واسبارطة ولهذا عندما توصل لتأطير حقيقة أن (كل الحروب تشن من أجل المال) عرف ذلك من رصده أن سبب هذه الحرب الكبرى بدأت من توسع حلف مدينة اثينا الاستعماري والتجاري على حساب حلف مدينة إسبارطة. في واقع الأمر خلال هذه الحرب استخدمت الأساطيل البحرية لمدينة إسبارطة سلاح الحصار البحري sea blockade ضد مدينة أثينا وبعد ذلك بعدة قرون سوف يتكرر نفس هذا التكتيك الحربي الاقتصادي عندما تقوم مدينة روما في نهاية الحروب البونية  بفرض حصار بحري لمدة ثلاث سنوات ضد مدينة قرطاجة.
 أما سلاح المقاطعة boycott ذو الاثار المالية المزعزعة لاستقرار الدول اثناء النزاع العسكري فمن أمثلته البارزة المقاطعة الامريكية للبضائع الانجليزية عند اندلاع ثورة الاستقلال الامريكية في نهاية القرن الثامن عشر الميلادي. ومن أشهر عمليات استخدام سلاح المقاطعة الاقتصادي ما قامت به الدول العربية من حظر بيع النفط للدول الغربية المساعدة للكيان الصهيوني بعد اندلاع حرب الايام الستة سيئة الصيت.
في العقود الاخيرة زادت حدة فرض التدابير المالية والعقوبات الاقتصادية sanctions بين الدول المتناحرة ومن أمثلتها في التاريخ الاقتصادي القديم فرض الامبراطور الفرنسي نابليون قانون يحرم التجارة وشحن السلع من وإلى الجزر البريطانية.

أمريكا والصراع على السلع التجارية

في عز سنوات الحرب على الإرهاب كان المفكر الأمريكي البارز نعوم تشوميسكي يحذر من أن الولايات المتحدة نفسها هي قائدة الإرهاب في العالم وأنها مصدر التهديد الأخطر للسلم الدولي. ومع زخم الضجة الإعلامية حول جبهات القتال الجديدة بين أمريكا والصين والحرب التجارية النشابة بينهما لا غرابة أن نجد نعوم تشوميسكي يشكك مرة أخرى من سلامة السياسية الخارجية لبلاده وأنها قد تضر الاقتصادي الأمريكي نفسه.
سجلات التاريخ تكشف لنا أن الأمة الامريكية خلال تاريخها القصير نسبيا (بالمقارنة بالإمبراطوريات الأخرى) دخلت في صراع مسلح مع أكثر من ثلاثين دولة في أزمان متفاوتة. وبمثل هذا التاريخ الحافل بالعدوان ورد العدوان لا غرابة أن نكتشف أن الولايات المتحدة أكثر دولة معاصرة انخرطت في شن الحروب التجارية وافتعال المعارك الاقتصادية.
تداول السلع التجارية هو المحرك الاساسي لأي اقتصادي دولي مربح ولهذا لم يكن الاقتصادي الفرنسي القديم فردريك باستا يبالغ كثيرا عندما قال (عندما لا تعبر البضائع الحدود بين الدول فإن الجيوش سوف تفعل ذلك). بمثل غطرسة القوة هذه المعجونة بالأطماع الرأسمالية المعروفة نجد أن كل التاريخ الأمريكي سلسلة متصلة من الحروب التجارية منذ (معركة الشاي) مع بريطانيا وحتى (حرب الجولات) اليوم مع الصين.

التاريخ الامريكي أنبثق بحفلة شاي في مدينة بوسطن وذلك في عام 1773 وذلك عندما قام مجموعة من المستوطنين الامريكان باقتحام السفن الانجليزية في ميناء بوسطن واتلاف حمولتها من صناديق الشاي كوسيلة للتعبير عن رفضهم لسياسات الضرائب الحكومية البريطانية وكمحاولة للإضرار بالاقتصاد الانجليزي من خلال مقاطعة صادراته التجارية.
الطريف في الأمر أنه بتعدد وتنوع السلع الاقتصادية والبضائع التجارية نجد حزمه من المعارك التجارية التي شنتها الولايات المتحدة مع مختلف دول العالم المعادية لها والحليفة لها على حدا سواء. من ذلك مثلا نجد أن النزاع العسكري المسمى (حروب الموز) نشب في نهاية القرن التاسع عشر بين أمريكا من جهة وبين مجموعة من دول أمريكا الوسطى وجزر الكاريبي وذلك لحماية المصالح الامريكية الاقتصادية والاستراتيجية المزعومة في الحديقة الخلفية لأمريكا.
(حلفاء اليوم ربما هم أعداء الغد) يبدو أن الولايات المتحدة أكثر من يؤمن بهذه الفرضية ولهذا لم تتردد أمريكا عن شن الحروب الاقتصادية على أي دولة تنازعها نفوذها الاقتصادي حتى ولو كانت تلك الدولة أقرب حليف.
هذا السلوك العدائي أصبح سائد في السياسة الأمريكية بعد منتصف القرن العشرين عندما أصبحت سيدة العالم الغربي ومن دلائل ذلك شنها للمعركة الاقتصادية (حرب الموز الثانية) والتي استمرت لحوالي عشرين سنة ضد الاتحاد الأوروبي وذلك عندما تم مضايقة شركات الفاكهة الأمريكية  العاملة في أمريكا اللاتينية من تصدير منتجاتها الزراعية إلى أوروبا.

كنوع من الحماية الاقتصادية لتجارة الدواجن في فرنسا وألمانيا قامت السلطات التجارية في هذين البلدين بفرض رسوم عالية على دخول الدواجن الامريكية وهذا ما تسبب في اعلان الولايات المتحدة لشنها الحرب التجارية (المسماة حرب الدجاج) وذلك عندما وضعت حواجز مالية ضد استيراد الخمور والشاحنات من فرنسا وألمانيا.
(حرب المعكرونة) هي حرب تجارية مشابهه شنتها أمريكا ضد ايطاليا وبعض الدول الاوروبية وذلك عندما قامت هذه الدول برفع رسوم دخول الصادرات الزراعية الامريكية من البرتقال والحمضيات فكان القصف الامريكي المضاد وضع تعرفة رسوم مرتفعة ضد منتجات الباستا والمعكرونة الاوروبية.
بشكل متكرر عانت الدول الاوروبية من الصلف الامريكي الاقتصادي ولهذا كتب التاريخ وكتب الاقتصاد على حدا سواء تذكر تفاصيل الحروب التجارية بين إخوة السلاح بالأمس والإخوة الاعداء اليوم ولهذا نشبت (حرب الاخشاب) بين أمريكا وكندا و (حرب الفولاذ) بين أمريكا والاتحاد الاوروبي.
أحد أهم المشاكل الاقتصادية للدول الكبرى أن يكون (الميزان التجاري) بينها وبين الدول الأخرى مائل لصالح الشريك التجاري والخطورة تكمن عندما يكون العجز في الميزان التجاري بمبالغ فلكية ضخمة تتسبب في استنزاف الاقتصاد المحلي. وفي مثل هذه الحالة تنشب أشد وأشنع الحروب التجارية بين الدول كما حصل قبل عدة عقود من الزمن بين أمريكا واليابان (حرب الإلكترونيات) وكما هو حاصل اليوم بين أمريكا والصين تلك الحرب الاقتصادية التي يمكن تسميتها (بحرب الجولات).

من غرائب التاريخ أن الولايات المتحدة ساهمت مباشرة بعد الحرب العالمية الثانية في (صناعة) خصومها الاقتصاديين فعن طريق مشروع مارشال في أوروبا وألمانيا والدعم المالي والسياسي لليابان ولاحقا لكوريا الجنوبية تم إنعاش اقتصاديات هذه الدول ومن ثم نموها السريع بطريقة مذهلة وصفت بالمعجزة الاقتصادية.
وبحكم أنه في الاقتصاد كما في السياسة لا توجد صداقات دائمة أو عداوات دائمة ساهمت الولايات المتحدة بعد ذلك في حصول ركود اقتصادي لليابان عندما فرضت تعرفه رسوم جمركية عالية ومجحفة ضد دخول الصناعات اليابانية المتطورة مثل الأجهزة التقنية والشرائح الالكترونية وكذلك تعمد الامريكان قصف قطاع صناعة السيارات اليابانية خصوصا شركة تويوتا وهي الحرب التجارية التي توصف أحيانا (بحرب السيارات).

وختاما بعد هذا التطواف في زوايا التاريخ ودهاليز السياسة وبورصات المال والأعمال نصل إلى مشارف أرض ساحة القتال الاقتصادي الاخيرة بين أمريكا والصين وماذا يمكن أن يسفر عنها. التنين الصيني عبر القرون المتطاولة لم تزيده النكبات والصعاب إلا صلابة وحيوية فهو كما يقال قد يمرض لكنه لا يموت والشعب الصيني هو الوحيد بين شعوب العالم الذي تعرض لحرب اقتصادية مهينة ومذلة ولكنه خرج منها بحال أقوى وحيوية أوفر.
هذا ما حصل قبل حوالي قرن ونصف من الان عندما تعرضت الصين لحرب قذرة مع الامبراطورية الانجليزية اشتهرت في كتب التاريخ باسم (حرب الأفيون).  في عز عنجهية الامبراطورية الانجليزية التي لا تغيب عنها الشمس في منتصف القرن التاسع عشر أعلنت شنها حرب ضروس ضد الامبراطورية الصينية لكي تجبرها بقوة السلاح على فتح حدودها أمام (تجارة) الافيون.
 لقد كان الانجليز يشرفون على زراعة هذه المخدرات في شمال الهند ومن ثم شحنها إلى الصين لكي يقايض بها الجنتلمان الانجليزي مشترياته التجارية من الصين المتمثلة في الشاي والحرير والبورسلان. في حرب الافيون الثانية شاركت فرنسا بريطانيا في هذا الاثم المخزي ولهذا أعترض الأديب الفرنسي البارز فكتور هوغو صاحب رواية البؤساء عن هذا الوضع البائس في سياسية الدول الرأسمالية عندما تتحول الحكومات إلى لصوص.

اسمح لي يا قارئي العزيز بالتوقف قليلا للتذكير بشيء مهم وهو أن بعض المعارك الكبرى قد ينتج عنها دول سياسية مهيمنة وقوى عظمي مسيطرة super power كما حصل مع الامبراطورية البريطانية في العصر الفيكتوري بعد انتصارها مع حلفائها على جيوش نابليون في عام 1812م وكما سوف يحصل لاحقا مع أمريكا عندما انتصرت مع حلفائها على جيوش هتلر وعصبته. تحذير مهم أطلقه أحد ألمع العقول الامريكية وأحد الاباء المؤسسين للولايات  المتحدة وهو بنجامين فرانكلين عندما قال (تكاليف الحروب لا يتم  دفعها اثناء زمن القتال ولكن الفواتير تأتي لاحقا).
في منتصف القرن التاسع عشر (بالمناسبة يطلق عليه قرن الامبراطورية البريطانية) وتحت نشوة القوة وسكرة النصر أكملت بريطانيا احتلالها للصين بعد حرب الافيون الثانية كما أنها سيطرت بالكامل على الهند وأقامت حكم (الراج البريطاني) ثم قلّمت أضافر الامبراطورية الروسية القيصرية في وسط أسيا بعد انتصرت عليها في حرب القرم ثم بعد ذلك أكملت بسط حكمها على جنوب أفريقيا وختمت أخيرا عدوانها العسكري المتواصل باستعمار مصر والسودان. وفي
خاتمة المطاف حان موعد تسديد الفواتير الذي حذر منه قديما بنجامين فرانكلين فبعد أن كانت الجزر البريطانية مهد الثورة الصناعية وموطن الثورة العلمية وورشة العالم وملجأ المضطهدين (كانت أول دولة أصدرت قانون  إلغاء العبودية) وإذا باقتصادها يصيبه الكساد وإذا بشرائح واسعة من الشعب الانجليزي تقع تحت ثقل الفقر واختلال النسيج الاجتماعي وفي مثل هذه الفوضى قد نتفهم لماذا ظهر فجأة كارل ماكس من قلب مدينة لندن يدعو إلى الشيوعية والاشتراكية.

الكل يعلم أن رأس المال جبان ورجل الأعمال يبحث دائما عن مواطن الاستثمار الآمن ولهذا لا غرابة في أجواء الاضطراب الاقتصادي والبلطجة السياسية في نهاية القرن البريطاني هاجرت الاموال والايدي العاملة من الجزر البريطانية إلى وجهات الفرص الواعدة في أرض أمريكا البكر وبلاد الرايخ الالماني الصاعد بقيادة بسمارك.
قبل حوالي مائتين سنة حذر الرئيس الامريكي جيمس ماديسون رجال السياسة في بلاده من خطورة  أن يعميهم الطمع وغرور القوة في التعامل مع الشعوب والدول الأخرى ولهذا قال (تداول الثقة خير من تداول المال) فالاستثمار السياسي والاقتصادي يحقق أرباحه فقط إذا اطمأن الناس للتعامل معك. وكما لاحظنا التطابق في كثرة المعارك العسكرية والحروب الاقتصادية لكل من إمبراطورية القرن التاسع عشر(بريطانيا) إمبراطورية القرن العشرين (أمريكا)  ولهذا لماذا نستغرب أن يكون في نهاية المشوار مصير العم سام الامريكي يختلف كثيرا عن مصير سلفه وقريبة العم جون الانجليزي.

بقي أن نقول أنه في زمن المصانع متعددة الجنسيات والشركات العابرة للقارات والقوميات أصبح عالم الاقتصاد المعاصر معقد ومتداخل ففي أي حرب تجارية الان وأثناء القصف بالقذائف الاقتصادية من المحتمل أن يصيب الشرار والنار الخارج من الفوهة الخلفية لسبطانة البازوكا جسم الجندي المدجج قبل ان تصل القذيفة المدمرة لهدفها.
قد تستطيع الولايات المتحدة في الحرب التجارية الحالية التسبب في أذى وضرر اقتصادي هائل على الصين لكن في الغالب والله أعلم أنه كما حصل مع خاتمة حرب الافيون لن تسفر حرب الجولات عن تركيع أو ترويض التنين الصيني.


الجمعة، 27 سبتمبر 2019

( مدينة الطائف وكيمياء الورود )


شذى التعطير في كيمياء التقطير

د/ أحمد بن حامد الغامدي

في تاريخ علم الكيمياء يعتبر جهاز الإمبيق وعملية التقطير من المعالم البارزة في تقدم مسيرة صنعة الخيمياء ومعجزة الكيمياء ولهذا لا غرابة أن جميع الشعوب حاولت ربط حضارتها برابطة كيميائية وآصرة تارخية بجهاز الإمبيق. في محيطنا العربي المحلي نزعم بأن أبو الكيمياء العربي جابر بن حيان هو من أخترع جهاز الإمبيق بدلالة أن اسم هذا الجهاز باللغة الانجليزية هو Alembic مما يشي بأصله العربي. هذه معلومة شائعة لكن ما أربك افتخاري العربي بهذا الانجاز انني قبل فترة قصيرة وعندما كنت اقرأ في كتاب (العلوم والتكنولوجيا في الصين) صعقت وشرقت عندما عرفت أن أول العمليات الكيميائية المعقدة باستخدام جهاز التقطير مثل استخراج الزئبق من مسحوق الزنجفر تمت ليس بجهاز إمبيق فخاري عربي ولكن بجهاز نحاسي صيني. من شبة الثابت الآن من الناحية التاريخية أن معرفة الصين لجهاز التقطير تعود في أقل تقدير إلى فترة حكم سلالة الامبراطورية الثانية (أسرة هان) والتي وجدت في القرن الثاني قبل الميلاد أي قبل ظهور الإمبيق الحيّاني الكوفي بثمانية قرون كاملة.
للأسف الشديد ليست فقط الصين العتيقة هي من زاحم جابر بن حيان على شرف جهاز التقطير ولكن وصل الأمر إلى العصر الحديث وبالذات في أرض العم سام ممثلة بالجمعية الكيميائية الأمريكية . لقد تأسست هذه الجمعية العلمية العريقة قبل حوالي قرنين من الزمان وهي تعد حاليا وبدون منازع أكبر جمعية علمية في العالم من ناحية عدد الاعضاء المنتسبين لها وميزانيتها السنوية تزيد عن نصف بليون دولار. ما يهمنا هنا ان شعار هذه الجمعية ACS logo هو شكل مطور ومعقد لجهاز التقطير يدعى kaliaappart استخدم ليس فقط لفصل المركبات الكيميائية ولكن ايضا لتفكيكها ومن ثم تخمين تركيبها الكيميائي. وهذا اتحاد الاتحاد الدولي للكيمياء البحتة والتطبيقية (الأيوباك IUPAC) وهو المظلة الأعم والمرجع الرسمي لعلم الكيمياء نجده هو الآخر يفتخر بجهاز الإمبيق ويجعله في القلب من شعار الأيوباك.
وبمناسبة (تقاطر) الذكريات والمعلومات عن جهاز التقطير  الإمبيقي حصل قبل عدة سنوات عندما كنت أتولى مهام الأمين العام لاتحاد الكيميائيين العرب أن تقدمت إلى الزملاء والزميلات في المجلس الأعلى لاتحاد الكيميائيين العرب باقتراح تغيير شعار الاتحاد الكيميائي إلى شعار مطور يحتوى في القلب منه على شكل جهاز الإمبيق الذي أرتبط بتاريخ الكيمياء العربية ولكن تم التصويت في خاتمة المطاف على الاحتفاظ بالشعار القديم الموروث.

شذى التعطير في كيمياء التقطير
كشخص ينتمي لعلم الكيمياء (صنعة جابر) أعترف بفضل وأثر جهاز الإمبيق على أهل الكيمياء ومن لف لفهم وبحكم أنني كذلك ولدت وترعرعت في مدارج الطائف المأنوس فهي الحب الأول والأوحد ومع ذلك أود أن أفصح وأبين أن لجهاز الإمبيق دور محوري في ضمان وصف (مدينة الورد City of Roses) لمدينة الطائف. مدينتي رشيقة كنسمة هواء عاطر وأريج بخور فاخر ولهذا يستخدم فيها جهاز الإمبيق لاستخلاص العطور ورحيق الزهور. بينما في غيرها يستخدم ذاك الجهاز المُقطِّر في فعل مدمر مثل إنتاج الأحماض المتلفة أو الكحولات المفسدة أو الكيماويات المشتعلة أو السموم المهلكة. كما هو معلوم للقاصي والداني اشتهرت مدينة الطائف منذ القدم ببرودة ونقاء أجوائها وتنوع ولذة فواكهها. لكن الأمر المحير أن شهرة وتاريخ الطائف المأنوس كمدينة للعطور ليست قديمة ويبدو والعلم عند الله أن حرفة بعض ابناء منطقة الهدا والشفا في استخلاص زيت الورد الطائفي باستخدام أجهزة التقطير ليست غابرة في الزمن الماضي. العديد من الرحالة العرب زاروا مدينة الطائف وبالرغم من اسهابهم في وصف أشجار وفواكهه ومنتجات الطائف إلا انهم اغفلوا بشكل غريب الاشارة الواضحة لورد الجوري الطائفي. ولن نذهب بعيدا في التاريخ لذكر رواد الرحالة العرب الذين زاروا الطائف ولم يشيروا لانتشار شجر الورد بها بل يكفي الاحالة إلى الرحالة المعاصرين مثل شكيب ارسلان وخير الدين الزركلي. تقول الاسطورة الشائعة أن أحد سلاطين الدولة العثمانية قبل حوالي قرنين من الزمن أهدى شريف مكة عدة شتلات من شجر الورد المجلوبة من  الشام. وبحكم أن هذا النوع من الورد لا يعيش إلا في الاجواء الباردة فقد أمر شريف مكة بأن تغرس في قمة جبال الهدا والباقي تاريخ كما يقال.
بعيدا عن أجواء الاسطورة تشير المصادر التاريخية الثابتة أن صناعة تقطير الورد للحصول على زيت الورد rose oil وإن كان لها تاريخ قديم نسبيا في منطقة إيران وما حولها إلا أنها لم تنتشر وتعرف بشكل واسع  على المستوى العالمي إلا أثناء حكم الخلافة العثمانية للإقليم بلغاريا في شرق أوروبا. ولهذا عرف ذلك العطر باسم الورد العثماني rose otto وفي عام 1888م انتقلت زراعة الورد إلى تركيا نفسها ولهذا تعتبر مدينة إسبرطة التركية من أهم مدن العالم في انتاج زيت الورد حيث يقال أنها مصدر 65% من الانتاج العالمي لهذا الشذى العطري. ومن المحتمل أن زراعة شتلات ورد الجوري (أسمه العلمي Rosa damascena) معروفة من قديم في المنطقة العربية بدلالة أن الاسم العلمي يربطها بمدينة دمشق ولكن (انتشار) صناعة استخلاص وتقطير زيت الورد ربما تعززت اثناء الحكم العثماني.
على كل حال ما يهمنا الآن هو إعطاء فلاشات خاطفة عن دور الكيمياء وجهاز تقطير جابر بن حيان في المساهمة في إضفاء الرونق والبهاء لمدينة الطائف عروس المصائف. من الناحية العلمية رائحة الورد العطرية لا تأتي من مركب كيميائي واحد موجود في الزهور ولكن عبير الورود هو في الواقع ناتج من خليط لعدد كبير من المكونات الكيميائية والتي أثبتت الدراسات والابحاث العلمية انها في حالة شذى ورد الجوري قد تقارب الثلاثمائة مركب كيميائي مختلف. من عجائب الخلق أن عدد كبير من الزهور وبالرغم من أنها تحتوي (عند تقطيرها) على عدد هائل من المركبات العطرية إلا أن الزهرة نفسها لا رائحة لها. من هذا نعلم تعقيد صناعة العطور وأنها تعتمد على طريقة مزج المركبات الكيميائية وكمية ونوعية هذه الجزئيات العطرية. وبالعودة لعبير جوري الطائف نجد أن الورد يحتوى على مركبات كيميائية عديدة من أهمها بيتا داماسينون (الاسم نسبة إلى دمشق Damascus)  وبيتا أيونون وعدد من كحوليات الورد من أشهرها الفينيل إثانول   ونيرول وسيترونيول والتي وجد أنها تشكل نسبة كبيرة من تركيب زيت الورد. ومع ذلك وبدون منازع وجد أن أهم مادة كيميائية لها الفضل في اعطاء الاحساس بأريج الورد هو مركب عطري اسمه أكسيد الورد rose oxide والذي يتنمى لطائفة المركبات العضوية التي تعرف بالتربينات. على مر السنين حاول علماء الكيمياء تحليل وتحديد سبب رائحة عبير الورد وبحكم أن كيمياء رائحة الورد معقدة للغاية تم في عام 1968م تخصيص المؤتمر الدولي الرابع للزيوت العطرية الذي عقد في روسيا لدراسة كيمياء روائح الورد وارتباطها الكبير بمركب أكسيد الورد. وبسبب أهمية هذا الاكتشاف العلمي تم في تلك السنة انتاج طابع بريد روسي يوثق ذلك الحدث العلمي البارز وقد اشتمل هذا الطابع على صورة لزهرة الورد مع شكل التركيب الكيميائي لمركب أكسيد الورد  ولم يتم  اغفال وضع شكل مبسط لجهاز الإمبيق المستخدم في تقطير وفصل الاريج العطري.
وفي وقت لاحق وبعد التطور الكبير في أجهزة التحليل الكيميائي الكروماتوجرافية تبين أن قصة تعقيد كيمياء عبير الورد لم تكتمل فصولا بعد فقد اكتشف العلماء أن مركب أكسيد الورد الموجود بالزهور يحتوي على أربع مواد كيميائية متشابهه تدعى متماكبات isomers وهي جزيئات لها نفس الصيغة الكيميائية ولكن تختلف في ترتيب وموضع المجموعات الوظيفية الكيميائية. وهذا يعني أن لذلك المركب (الواحد) أربع أنواع مختلفة من الروائح يتم وصفها بأن لها رائحة حلوة ورائحة الفاكهة ورائحة النعناع ورائحة الليمون. الأمر لا يتوقف هنا فبعد وصول هذه المتماكبات الاربع المختلطة مع حوالي 300 مركب كيميائي آخر نجد أن هذه (الخلطة العطرية الفريدة) يتم التفاعل بينها وبين المستقبلات العصبية العديدة داخل أنوفنا بطرق مختلفة ومن مجمل هذه المتاهة نستشعر أخيرا أريج وعبير الزهور المختلفة.

الورد من الكيمياء إلى الأدب
هذا التعقيد المحير في كيمياء الورود ربما أكثر شخص كان سوف يصاب بالإحباط لو علمه به هو الاديب الانجليزي البارز وليم شكسبير لأنه ذكر في مسرحيته على لسان جولييت (ماذا في اسم الوردة.. الوردة بأي اسم كانت فهي حلوة الرائحة). هذا المقطع الاديب من مسرحية شكسبير ذائع الاستخدام في اللغة الانجليزية (a rose by any other name would smell as sweet). ويستخدم هذا الاستشهاد الادبي في سياق تقرير أن الاسماء تدل على مسمياتها فمهما كان اسم الوردة (أو اسم عائلة روميو) فهي بالقطع ذات عبير جميل ومتماثل. هذا من الناحية الأدبية الجمالية أما من الناحية العلمية البحتة فكل وردة أو زهره لها أريجها المختلف من حيث (بصمة الرائحة الكيميائية). الورود رمز للرقة والمحبة ولا أعلم لماذا يحشرها دائما  شكسبير في مسرحياته الدرامية بالذات فنجدها حاضره في الصراع بين العائلات الأرستوقراطية (مونتيجو عائلة روميو وكابوليت عائلة جولييت)  أو القتال بين العائلات الملكية كما في حرب الوردتين بين عائلة لانكستر وعائلة يورك. تدور أحداث مسرحية شكسبير الشهيرة (هنري السادس) عن الحرب الاهلية الانجليزية التي دامت ثلاثة عقود والصراع الدامي على العرش بين أسرة لانكستر (شعارها الوردة الحمراء) وأسرة يورك (شعارها الوردة البيضاء) ولهذا يقال ان أول من اطلق اسم (حرب الوردتين Wars of the Roses ) على هذه الحرب الطاحنة كان شكسبير في مسرحيته هذه. وفي ذات السياق نجد أن أشهر رواية على الاطلاق في الأدب الايطالي المعاصر هي رواية (اسم الوردة) للكاتب  أومبيرتو إكو وبالرغم أنها رواية بوليسية غامضة تدور عن أحداث قتل ورعب تقع في دير كنسي في العصور الوسطى إلا إن الأديب إكو Eco برر اختيار هذا الاسم الغريب للرواية لأن (الورد له دلالة رمزية ثرية جدا بالمعاني ومع ذلك يصعب أن يبقى له أي معنى الان). ومن هنا قد نفهم لماذا كان آخر سطر في تلك الرواية: ورود الأمس لها الاسم فقط بينما نحتفظ فقط بالأسماء الفارغة.
في المقابل وفي رياض الأدب العربي نجد الاحتفاء والانتشاء بالورد والجوري أكثر بهجة مما سبق الاشارة إلية لدى أدباء القارة الاوروبية فنجد مثلا أن ابن دمشق نزار قباني يفتخر بالورد الجوري (ذي المسمى العلمي: الورد الدمشقي) حيث يقول:
جئتكم .. من تاريخ الوردة الدمشقية التي تختصر تاريخ العطر
ومن ذاكرة المتنبي التي تختصر تاريخ الشعر
أنا وردتكم الدمشقية .. يا أهل الشام
فمن وجدني فليضعني في أول مزهرية

وهذا ابن الطائف الشاعر الرقيق محمد الثبيتي يتغزل بجمال النزهة في أكناف المصيف:
طف بالشفا راكبا صمت الجمال       مَر النسيم على الازهار كالخجلِ
وداعب الروض واستسق الغمام له      ذرات ماءٍ كدمع الأعين النجلِ
طف بالطبيعة وأحضن طلعها جذلا      ودغدع الورد والأزهار بالقبلِ

وفي الختام بقي ان أقول أنه في المهرجان السياحي الصيفي لمدينة الطائف لهذه السنة (موسم الطائف) وفي مهرجان سوق عكاظ (ملتقى العرب) يلتقي الزائر شخصية عربية غريبة لا تنتمي لسوق عكاظ الذي هو عبارة عن نادي مغلق العضوية على شعراء الجاهلية. ومع ذلك في سوق عكاظ لهذا العام نجد فعالية (معرض الجاحظ) ربما لا لشيء إلا لأنه ذكر الخيل والابل في مؤلفه الموسوعي: كتاب الحيوان. من وجهة نظري الشخصية (والتي تفتقر للحياد بسبب ارتباطي المهني بالكيمياء) أن الشخصية العربية الأكثر والأحق جدارة بالتكريم من أهل الطائف هي شخصية الخيميائي النجم جابر ابن حيان والذي من خلال جهاز الإمبيق عطّر سمعة مدينة الطائف في الآفاق بأنها مدينة الورد والعطور. ولهذا اقترح أن يتم في موسم الطائف في الصيف القادم إقامة (معرض ابن حيّان) للتعريف بدور جهاز الإمبيق وتقنية التقطير البخاري في صناعة العطور ولعل هذا المعرض العلمي الثقافي يشارك في تنفيذه الزملاء الافاضل من منسوبي قسم الكيمياء بجامعة الطائف. من جانب آخر يعجب المرء عندما يعلم أنه تقريبا لا يوجد لمدينة الطائف العريقة إلا طابع بريدي واحد (عن قصر شبرا التاريخي) تم إصداره منذ زمن غابر (عام 1984م) ولهذا اعتقد أن عروس المصائف الطائف المأنوس جديرة بتصميم طابع بريدي جديد أقترح (بكل تعصب كيميائي) أن يحمل شكل ورد جوري الطائف ورسم جهاز التقطير الإمبيقي. لعلها فكرة تشهد التنفيذ قريبا لتصبح لائقة نسبيا بالاحتفاء بمرور نصف قرن على ظهور طابع البريد الروسي السالف الذكر والذي خلد ذكرى البحث العلمي.