السبت، 17 أكتوبر 2020

( آباؤنا في الخارج )

مدينة أسمرا (روما الصغيرة) كيف شاهدها الأجداد

د/ أحمد بن حامد الغامدي

 

 الشاعر العباسي أشجع السلمي ولد في أرض الغربة بعيدا عن العراق ولهذا ربما رضع الحنين للأوطان مع حليب أمه ومن هنا قال لاحقا عندما شب وشاب:

لابد للمشتاق من ذكر الوطن       واليأس والسلوة من بعد الحزن

 وبحكم إن الشعر هو ومضات ودفقات فهو بذا يعطي فقط لمحات خافتة وإضاءات خاطفة لحال المهاجر في غربته ولهذا كان المجال أوسع للرواية الأدبية لوصف حال الدراما النفسية والخفايا البشرية لمن عاش تجربة الارتحال خارج الوطن. قديما حذر الإمام زين العابدين في قصيدته المشهورة من التعرض للغريب بالمضايقة فيكفيه ما هو فيه من أن الغريب (الدهر ينهره بالذل والمحن) فالمقيم خارج الوطن معرض للغصص والنكبات وهذه مادة الحبكة الدرامية لإنتاج أعمق الأعمال الأدبية. ليس من باب المصادفة أن الرواية الأدبية التي حققت الشهرة العالمية للأديب الإنجليزي روديارد كبلينغ ليحصل على جائزة نوبل في الأدب هي رواية (كيم) والتي تتعلق بطفل إيرلندي يتيم مغترب كان يعيش في مدينة لاهور. وبدرجة أقل الروائي الإنجليزي إدورد فورستر رشح 16 مرة في سنوات مختلفة للحصول على جائزة نوبل في الأدب بعد شهرته المدوية بسبب روايته (الطريق إلى الهند) والتي في جزء منها تناقش تعقيدات الجالية الإنجليزية الحاكمة المقيمة في الهند. وهذه رواية بول وفرجيني (التي عربها المنفلوطي تحت عنوان: الفضيلة) للأديب الفرنسي دي سان بيير لاقت إعجاب الجميع في فرنسا من الملك لويس السادس عشر وحتى نابليون لأنها لامست شغاف القلوب الحزينة لحال أبطال الرواية الفرنسيين المهاجرين إلى مستعمرة موريشيوس في المحيط الهندي.

وفي محيطنا العربي أجمل رواية عن (الجاليات المهاجرة) هي تلك التي أبدعها الروائي اللبناني ربيع جابر عن عذابات المهاجرين من لبنان والمقيمين في نيويورك في بدايات القرن العشرين وحملت تلك الرواية عنوان (أمريكا). بينما في نهاية القرن العشرين نتعرف على ألام وأحلام الجالية المصرية في نيويورك في الرواية الحابسة للأنفاس (عناق عند جسر بروكلين) للدبلوماسي والكاتب المصري عز الدين فشير وكذلك لا يصح أن ننسى ذكر الرواية (شيكاغو) للأديب المصري علاء الأسواني الذي تعمق في ذكر أغوار الجالية المصرية في تلك المدينة المتناقضة. المغترب العربي حائر ومقهور تحت سماء الغربة ونظرا لكثرة المهاجرين العرب نشير إلى أن رواية (تحت سماء كوبنهاغن) للروائية العراقية حوراء الندوي تتعلق بحال الجالية العراقية المهجرة إلى الدنمارك في حين نجد الرواية المقاربة في العنوان (السماء تحت أقدامنا) تتعلق بقضايا الجالية المغربية المقيمة في فرنسا وتلك الرواية من تأليف الكاتبة المغربية ليلى باحساين.

قبل حوالي أربعة قرون هاجرت بعض قبائل نجد إلى منطقة الزبير في جنوب العراق وبعد تجربة ثرية من تبادل الثقافات والخبرات عاد فئام من هؤلاء الكرام إلى أرض الوطن. وكان من ضمنهم الأستاذ عبد الرزاق المانع الذي كتب رواية أدبية حملت عنوان (صخب الحياة) تستعرض حياة الشتات للمغتربين من أهل نجد في تلك الديار مع التركيز على الجوانب الاجتماعية والاقتصادية التي شكلت معالم حياتهم. ومن العراق إلى الكويت والبحرين يمكن استعراض شخصيات نجدية مهاجرة عاشت في أقاليم متنوعة وكان لكل منها ثرائه الإنساني المختلف الذي أستحق أن يخلد في أعمال أدبية وكتابات وثائقية. فهذا السيد علي ناصر النجدي وهو شخصية حقيقة كانت تعمل في مجال الغوص بالكويت تصبح محور رواية (النجدي) للأديب الكويتي طالب الرفاعي بينما الروائي البحريني خالد البسام يقدم في عمله الأدبي (النجدي الطيب) سيرة سليمان الحمد البسام أحد أشهر تجار البحرين والقادم من مدينة عنيزة.

 صبيان غامد وراء الحدود

الانقطاع الطوعي أو القسري عن الأوطان له طعم مُر وغصة تنشب ولا تمر ولهذا مع تعليق السفر الخارجي بسبب تداعيات وباء الكورونا تتجدد الذكريات وتتصاعد الزفرات عمن سافر ولم يعد وغادر ولم يأب من الأجيال القديمة من الأجداد والأسلاف فبعضهم بهجرته الدائمة يكذب ويناقض مقولة الشاعر الجاهلي عبيد بن الأبرص (وكل ذي غَيبة يؤوبُ). من البرامج التلفزيونية المميزة التي قدمها المذيع المحبوب والموهوب ماجد الشبل رحمه الله برنامج (أبناؤنا في الخارج) والذي تدور فكرته عن إجراء لقاءات تلفزيونه مع الطلبة المبتعثين للدراسة في خارج المملكة. فكرة تلمس أحوال سفراء البلد و (أمل المستقبل) فكرة جميلة ومنطقية ولكن ماذا عن تلمس أحوال وتقصي أخبار أجراء المهجر (ذخيرة الماضي) من الأجداد الذين عاشوا تجربة الهجرة وكربة الشتات وراء طلب لقمة العيش.

لقرون طويلة ساد الشعر في عالم العرب أما الآن فكما يقول وزير الثقافة المصري جابر عصفور فهو (زمن الرواية) وهو في الأصل يردد المقالة التي تجرأ ونطق بها القصاص الشاب (في ذلك الحين) نجيب محفوظ أمام العملاق عباس العقاد. يقال إن القراءة تقود للغواية بارتكاب فعل الكتابة وبعد عقود طويلة من مطالعة مئات الروايات الأدبية لا عجب أن فتنة الإغراء بتأليف رواية أدبية قد خطرت ببالي ولو حصل وغامرت بكشف المستور عن الركاكة الأدبية التي أمتلكها فماذا سوف يكون محور ومدار تلك الرواية الموعودة. لشخص جرب الغربة لعدة سنوات وعرف عذوبة وعذاب السفر والارتحال أشعر أن تأليف رواية عن حياة وتجربة ومعاناة الأجداد في أرض الشتات وديار الاغتراب ربما توفر أحداث روائية واعدة لإنتاج عقدة فنية وحبكة أدبية جديرة بالتأليف والقراءة. من دون جهد كبير عشرات القصص يمكن تخيلها ونسجها عن يوميات رجال العقيلات وهم ينطلقون للتجارة من بريدة حتى يحطوا رحالهم للإقامة في بلاد الشام وأرض فلسطين أو مجريات أحداث حياة بعض رعاة الإبل من أفراد قبيلة الرشايدة الذين نزحوا من الحجاز واستوطنوا مدينة كسلا في غرب السودان.

قبل حوالي ثمانين سنه أصابت جنوب المملكة مجاعة مهلكة وقحط مجدب ولهذا هاجر في طلب الرزق الآلاف من شباب القرى من مختلف القبائل وكان من ضمنهم المئات من (صبيان غامد وزهران). من قريتي الصغيرة سافر إلى أرض الحبشة نفر يسير دون العشرة كان من ضمنهم جدي (صالح آل عبية) رحمه الله وجميع موتى المسلمين ارتحلوا عبر ميناء القحمة بساحل عسير. وبعد عبور البحر الأحمر وصلوا لميناء مدينة مصوع ثم كان مقر إقامتهم النهائية في مدينة أسمرة عاصمة أرتيريا حاليا والتي كانت في ذلك الوقت مستعمرة إيطالية على درجة عالية من التقدم والازدهار لدرجة أنها وقت وصول الأجداد لها في ثلاثينيات القرن العشرين كانت تلقب بمدينة (روما الصغيرة). ماذا كان شعور جدي و (رفاقته) من ركوب البحر وهل حصل لهم صدمة حضارية بمشاهدة أناقة العمران الإيطالي وهل أصابتهم الحيرة من سحر التقنية الحديثة كالهاتف والراديو والكهرباء والقطار فضلا عن الطائرة وما هي طبيعة الأعمال التجارية التي انخرطوا فيها وكيف كانت مجريات معيشتهم في أرض الغربة؟. لو كنت أمتلك المهارة الأدبية الكافية والجرأة الإعلامية الدافعة لربما حاولت أن أسطر ذكراهم في أقصوصة فنية خجولة.

بكل الصدق أقول إن حياة البعض من أبناء المنطقة الذين هاجروا للخارج قديما كانت ثرية وحاشدة بالأحداث الشيقة التي تستحق التسطير في أعمال فنية فمثلا يذكر أن العم عطية الخرش من قرى بلجرشي كان يلقب في الحبشة بأبو المساكين ولشهرته ومحبة الناس له عندما توفي في مدينة أسمره أعلن عن وفاته في التلفزيون. وهذا العم محمد بن علي حناس من قرية الدارين بمحافظة بني حسن عندما بدأ الأثيوبيون يضيقون على التجار العرب الموجودين في مدينة أديس بابا قام ذلك الفتى الزهراني بقيادة مظاهرة سلمية أمام قصر الإمبراطور هيلا سيلاسي ولاحقا سمح له بمقابلة الإمبراطور والتحدث معه باللغة الإثيوبية للالتماس لرفع الظلم والحيف الذي وقع بهم. بينما العم عبد الرحمن بن سفر الغامدي من قرية القريع ببلجرشي الذي هاجر هو وأخيه إبراهيم قديما إلى إندونيسيا أصبح من أهل البلد ومن الأثرياء منهم وحصل على عضوية البرلمان الإندونيسي بل يقال إنه يوجد شارع باسمه في مدينة جاكرتا. ومرة أخرى مع رجال قرى مدينة بلجرشي حيث نجد أن الشاعر أحمد بن عطية الغامدي من قرية الركبة كان يوصف بأنه شاعر البلاط الهاشمي. وكان مقرب من الشريف حسين بن علي لدرجة أنه عندما غادر الأشراف الحجاز إلى الأردن ارتحل معهم أحمد بن عطية وقد أمر الشريف بطباعة ديوان شعره وتوفي في مدينة عمان بعد أن شارك في حرب فلسطين عام 1948ميلادي. وبالمناسبة العديد من أبناء منطقة الباحة شارك في الأحداث الكبرى مثل حرب فلسطين بل وحتى في إنشاء قناة السويس في مصر قبل حوالي قرن ونصف من الزمن.

ونختم هذا التطواف والتجوال في ذكرى الأسلاف المرتحلين بأن نشير إلى أن هجرة البعض منهم تخطت حتى البلاد العربية والدول الإسلامية والغريب أن هذا قد حصل في وقت مبكر نسبياً. فمثلا نجد أن التاجر القصيمي و (الممثل) خليل الرواف ينتقل من مدينة بريدة قبل حوالي تسعين سنة ليصل إلى مدينة نيويورك ومنها يعبر عن طريق البر الولايات الأمريكية المتتالية حتى يصل إلى مدينة لوس أنجلس ليصبح بعدها أول شخص عربي يمثل في أفلام هوليوود. ولتصبح قصة حياته جديرة بأن ينتج منها فلم سينمائي شيّق خصوصا الجانب الدرامي في قصة انفصاله عن ابنه الأمريكي نواف وبحثه عنه في آواخر عمره. أما من أبناء منطقة الباحة الذين هاجروا قديما لديار الغرب فهذا العم محمد بن علي حناس السالف الذكر سافر في فترة الخمسينيات من القرن العشرين إلى إيطاليا وزار العديد من الدول الأوروبية. وذكر أنه التقى أثناء زيارته لمدينة مرسيليا بالعم غرم الله بن زنان الزهراني الذي كان يقيم في فرنسا لفترة طويلة فقد أستوطن بها من قبل الحرب العالمية الثانية وكان يمارس التجارة وتزوج من سيدة عربية ذات أصول سورية.

كلمة أخيرة هذا المقال لاستعادة الزمن المنسي واستكشاف المجهول ونبش المسكوت عنه من رحلات الرواد وهجرات الأجداد رحمهم الله جميعا وجعل قبورهم روضة من رياض الجنة.

 

( في الصراع الفلسطيني الإسرائيلي .. هل البقاء للأضعف ؟!! )


 القوة المادية والعسكرية ليست المقياس الوحيد للنصر

د/ أحمد بن حامد الغامدي

 

يُشتهر عن الأرض المباركة في أكناف بيت المقدس وأرض الشام أنها تسمى (أرض المحشر) والتسمية هي توصيف لدور هذه البقاع في آخر الزمان ولكن من جانب آخر نجد هذه الأماكن التاريخية هي المواقع ذاتها التي (تجمع وحشر فيها) في أول الزمان أكبر وأهم جيوش التاريخ البشري. مرة أخرى سوف نستعير وصف (أرض الملاحم والمعارك) في وصف أرض فلسطين وأرض الشام ليس لدورها المستقبلي ولكن لدورها في القديم عندما كانت ممر ومقبرة الغزاة من كل جنس ولون على اختلاف الدهور من الفراعنة إلى الفرس والمقدونيين والرومان والصليبيين والتتار والإنجليز والفرنسيين.

من كل أولئك الأعداء الألداء ما يهمنا الآن هو التركيز على الصراع الذي نشب قديما وسوف يحدث مستقبلا على هذه البقعة بين العرب واليهود وهو صراع يبدأ في الغالب بانتصار مفاجئ لليهود ثم ينتهي بهزيمة ماحقة تجتثهم. للأسف الحروب المحورية بين أولاد العم الكنعانيون والعرب واليهود غير موثقة بشكل تاريخي سليم لأنها إما وقعت منذ غابر الأزمان أو هي ستقع في مستقبل الأيام ولهذا سوف نعتمد على وصف التوراة لأول حرب وآخر قتال بين الفلسطينيين واليهود.

قبل حوالي 3500 سنة وبعد خروج اليهود من أرض مصر رفض الجيل الأول أن يدخلوا الأرض المقدسة التي كتب الله لهم ولهذا عاقبهم الله بالتيه في البرية لمدة أربعين سنة. ثم لما كتب الله لهم الخروج من التيه قاد نبي الله يوشع بن نون شعب بني إسرائيل عبر نهر الأردن وخاض بهم معارك دموية لاحتلال الأرض وطرد سكانها الأصليين من الكنعانيين والأموريين واليبوسيين. وبالرغم من أني بني إسرائيل أثناء زمن التيه تعرضوا لبعض الحروب والمناوشات الطفيفة إلا أن خبرتهم العسكرية كانت محدودة وأسلحتهم بدائية ولهذا يذكر في التوراة أن أول نصر لبني إسرائيل في قديم الزمن كان نصرا بلا قتال حقيقي. وذلك عندما سقطت جدران مدينة أريحا كمعجزة لنبي الله يوشع عندما تقوضت وتهاوت الحصون من صوت الأبواق ولهذا ورد في التوراة في سفر القضاة امتنان الله على شعب بني إسرائيل في تلك المعركة بالذات (فلم تكن سيوفكم ولا سهامكم هي التي نصرتكم).

تشير كتب التاريخ إلى أن أول معركة حربية كبرى حصلت بين بني إسرائيل وأهل فلسطين هي تلك التي وقعت في منتصف القرن الثالث عشر قبل الميلاد واشتهرت باسم (معركة جبل طابور) والتي وقعت بالقرب من مدينة الناصرة.  كانت المعركة بين مملكة الكنعانيين في شمال فلسطين وعاصمتها مدينة حاصور وبين قبائل بني إسرائيل بقيادة الحاكم والمقاتل بارك بن أبينوعام. منذ البداية كانت كفة الجاهزية الحربية تميل بشدة لصالح الكنعانيين ليس فقط لأن عددهم أضعاف عدد بني إسرائيل ولكن لحيازة الجيش الكنعاني سلاح فائق التطور في ذلك الزمن إلا وهو (عربة القتال). في العصور القديمة كان العربة الحديدية Chariot هي بمثابة دبابة الأبرامز الأمريكية المنيعة في وقتنا الحاضر وقد كان جيش الكنعانيين يمتلك حوالي 900 عربة قتالية تكفي لإبادة إي جيش تقليدي. وبمثل هذه الكفاءة القتالية الساحقة للعربة ذات العجلات المبطنة بالحديد لا غرابة أن نجد أن كبار قادة الجيوش في العالم القديم تفاخروا بالقتال على ظهرها. فهذه جدران معبد أبو سنبل الفرعوني في أسوان تؤرخ المنحوتات المنقوشة عليه الانتصارات العسكرية للفرعون رمسيس الثاني وهو يطارد بعربته الحربية الجنود الفارين من أعدائه الحيثيون بعد انتصاره (المزعوم) عليهم في معركة قادش على أرض سوريا. وفي المتحف البريطاني بلندن يتحلق الزوار بذهول حول المنحوتة الجدارية المسروقة من أطلال قصور مدينة نينوى بشمال العراق والتي تعرض الصورة الشهيرة لملك الآشوريين وهو يطلق السهام وجنوده الذين معه على العجلة يصيدون الأسود بالرماح. كما إن العربة اعتبرت أهم وسيلة دفاع أمام أخطار ما بعد الموت ولهذا نجد أن قدماء المصريين دفنوها في مقبرة الفرعون توت عنخ آمون وكذلك كانت العربة الحربية هي في قلب الجيش الطيني الشهير terracotta army المدفون للدفاع بعد الموت عن أول إمبراطور للصين.

والمقصود أن هزيمة بني إسرائيل بأسلحتهم البدائية أمام جيش العربات الحربية العرمرم كانت شبه مؤكدة لكن القوة العسكرية ليست كل شيء في دنيا القتال. بسبب الهزائم المتوالية للأمة العربية في العصور الحديثة أصبح يستهوين جمع الكتب التي تناقش أسباب الهزائم العسكرية في التاريخ البشري بدلا من الاستمتاع بتخدير النفس باجترار قراءة الانتصارات في معاركنا الخالدة في الوجدان والبائدة على أرض الواقع. في مقال سابق حمل عنوان (فن صناعة الهزيمة) نشر قبل عدة سنوات بمناسبة مرور ذكرى هزيمة حرب 67 المذلة أمام اليهود، ذكرت في ذلك المقال بعض أسباب وعوامل الهزيمة في المعارك الحربية. ومن ذلك مثلا ضعف كفاءة القائد العسكري أو سوء الأحوال الجوية أو خطأ اختيار موقع المعركة أو ضعف الخطة العسكرية أو عدم كفاءة الأسلحة أو تأخر الإمدادات أو ما شابه ذلك من تفاصيل فنون القتال. في واقعنا المعاصر تم تفسير هزيمة العرب الشنيعة في زمننا الحالي وفق المقولة القديمة للجنرال الأمريكي دوغلاس ماكارثر (أنه لأمر فادح أن تدخل الحرب وأنت لا تنوي النصر فيها). من المحزن أن أهل فلسطين والعرب يكررون نفس الأخطاء في القديم والحديث فبالعودة لمعركة جبل طابور نجد أن الخطأ العسكري الفادح الذي وقع فيه سيسرا قائد الجيش الكنعاني أنه تراخى كثيرا في أخذ زمام المبادرة. ونتيجة لغروره بقوته العسكرية وتقليله من شأن خطورة عدوه لم يكن الكنعاني سيسرا في عجلة من أمره لإنهاء المعركة. في بداية الأمر حاصر الكنعانيون لفترة طويلة من الزمن عدوهم الإسرائيلي المخيم في أعلى الجبل ولم يحاولوا حسم المعركة بسرعة على أمل أن تضعف الروح المعنوية لعدوهم وتنفذ ذخيرته ومؤونته. الكارثة حلت عندما بدأت المعركة الفعلية في التوقيت الخاطئ والقاتل للجيش الكنعاني وذلك بعدما هطل مطر شديد على أرض المعركة وبالتالي لم تعد تستطيع العربات الحربية الثقيلة الحركة بعد أن علقت في الطين. يقال إنه حتى في الحروب الحديثة قد يكون من أسباب الهزيمة الاعتماد الزائد على التقنية والقوة العسكرية البحتة.

وبهذا في تاريخ الصراع الفلسطيني الإسرائيلي انتصر الطرف الأضعف في (أول) معركة كبرى بينهما ويبدو أن الطرف الأضعف منهما هو من سوف ينتصر في (آخر) معركة كبرى بينهما وذلك وفق وصف التوراة نفسها. في مطلع التاريخ أعتمد الكنعانيون على القوة فقط فانتصر الطرف الأضعف (بني إسرائيل) لأنه كان لديهم سلاح الإيمان بعد تنقية الصف الداخلي لهم بغربال سنوات التيه. وفي مختتم التاريخ ستنعكس الأمور ويعتمد بني إسرائيل على قوتهم وسيطرتهم لفترة من الزمن حتى يصيبهم الغرور كما ورد في سفر عاموس من التوراة عما سيحدث لهم في آخر الزمان (أنتم الفرحون بالبطل، القائلون أليس بقوتنا اتخذنا لأنفسنا قرونا). ثم يحصل القضاء العدل ففي أول حرب كان بني إسرائيل هم أهل الحق ولهذا نصرهم الله كما سبق وأن ذكرنا القول الوارد في العهد القديم (فلم تكن سيوفكم ولا سهامكم هي التي نصرتكم) بينما في الحرب الأخيرة يقول الرب محذرا لهم (هأنذا أقيم عليكم يا بيت إسرائيل أمة يضايقونكم). وحتى وإن كان عدونا الصهيوني أقوى منا بالعتاد فإن سلاحنا الحقيقي في المعركة الأخيرة هو الإيمان ولهذا كثيرا ما تصف التوراة الاندفاع الحماسي والكثيف لأعداء أورشليم الآثمة وأنه إذا وقع يوم غضب الرب فإن الأبطال الذين يناكفونها ويضايقونها لا يملكون الأسلحة المتطورة والذكية. وإنما بقدراتهم البسيطة والمحدودة يحققون النصر فهم كما ينصح ويحمس بعضهم بعضا (اطرقوا محاريثكم سيوفا ومناجلكم رماحا) فلا سلاح لهم إلا حديد أدواتهم الزراعية واي سلاح هذا. حقا وصدقا محك الأمر في أسباب النصر على الأعداء كما قالها الفاروق عمر وهو المحدث الملهم (إنكم لا تُنصرون على عدوكم بقوة العدة والعتاد، إنما تنصرون عليه بطاعتكم لربكم ومعصيتهم له، فإن تساويتم في المعصية، كانت لهم الغلبة عليكم بقوة العدة والعتاد).


( الأندلس .. من الفردوس المفقود إلى أرض الأوهام )

العلوم العربية الأندلسية .. بين الحقيقة والخيال

د/ أحمد بن حامد الغامدي

 

أرض اليقين في الغالب مليئة بالعوائق والعلائق وللسير فيها يتكئ بعضنا على عصا الأوهام وهذه حيلة العاجز والكسيح ولذا نستحق استهزاء الكتاب الإيرلندي الساخر جورج برنارد شو عندما قال (نحن البشر كثيرا ما نحاول ابتلاع مرارة حياتنا بالأوهام). قبل أكثر من أسبوع استغربت انتشار كثيف في وسائل التواصل الاجتماعي لمقولة مفبركة عن العالم الفرنسي بيير كوري تنص كالتالي (تمكنا من تقسيم الذرة بالاستعانة ب 30 كتاب بقيت لنا من الحضارة الأندلسية ولو لم تحرق كتب المسلمين لكنا اليوم نتجول بين النجوم). هذه المقولة المزعومة مدغدغة للمشاعر بالرغم من ركاكتها العلمية وفجاجتها التاريخية وللأسف بسبب قيود الأوهام انقادت عقولنا المأسورة لتصديق هذه الخرافة والتزوير.

الحضارة العربية في الأندلس كانت إحدى أهم وأجمل ما قدمته الأمة الأسلامية للبشرية وقد قمت قبل حوالي سنة بكتابة مقال (ماذا خسر العرب من فتح الأندلس) لبيان أهميتها في نسيج حضارتنا ومسيرة تاريخنا. ومع ذلك لا ينبغي تحويل الأندلس من أرض اليقين إلى أرض الأوهام وخلق الأساطير والخرافات حولها وتصديق أنها كانت تحتوي اكتشافات علمية ساعدت الأوروبيين لاحقا على تقسيم الذرة وربما غزو الفضاء. الغريب في الأمر أن مضيق جبل طارق في الطرف الجنوبي للأندلس هو نفسه الموقع الخرافي المسمى (أعمدة هرقل) ومن هنالك يمكن العبور إلى المحيط الأطلسي للوصول إلى الفردوس المفقود (الأوروبي وليس العربي) أي جزيرة أو قارة أطلانطس الأسطورية. ومن غرائب الصدف أنه اشتهر قديما عن هذه (الأرض المفقودة) أنها كانت على درجة عالية من التقدم العلمي والتكنولوجي لدرجة أن البعض مقتنع أنها دمرت وغرقت في المحيط نتيجة حصول انفجار نووي بها وأن بعض سكانها قد هربوا بالسفر عبر الفضاء وبين النجوم.

لا أريد أن أحلق وأبتعد كثيرا عن الموضوع الأساسي للمقال وهو بيان عدم صحة تلك المقالة المزعومة للعالم الفرنسي بيير كوري وبيان ركاكتها العلمية والتاريخية في ثلاثة محاور أساسية (صاحب المقولة وفيمن قيلت وفحوى القول).

أما صاحب المقولة المزعومة فهو عالم الفيزيائي الفرنسي بيير كوري وهو من وجهة نظري اختيار فاشل لأنه صلته بمجال علم الانشطار الذري شبه معدومة. ينبغي التنبيه أنه حتى أواخر القرن التاسع عشر ما زال بعض العلماء غير مقتنعين تماما بوجود حقيقي للذرات وفيما يخص العالم الفيزيائي بيير كوري كانت خبرته العلمية في البداية ترتكز على مجال الدراسات المغناطيسية ولم يتجه إلى عالم الذرات إلا عندما أصبح (زوج الست) مدام ماري كوري فائقة الشهرة. في بحثها للدكتوراه تحت إشراف هنري بيكريل العالم الفرنسي الذي اكتشف ظاهرة النشاط الإشعاعي بدأت طالبة الدكتوراه ماري كوري تتعرف على مفهوم الذرات وهنا فقط غير بيير كوري مجال أبحاثه ليشترك مع زوجته ومشرفها الأكاديمي في الحصول على جائزة نوبل في الفيزياء لعام 1903م نظير لعزلهم واكتشافهم لبعض العناصر الذرية المشعة. المقولة المفبركة على لسان بيير كوري تزعم أن كتب الأندلس ساعدت علماء الغرب على تقسيم الذرة بينما ينبغي التنويه أن بيير كوري نفسه قد لاقى مصرعه تحت عجلات عربة أحصنة عام 1905م أي قبل حوالي ثلاثين سنة من توصل المجتمع العلمي لمفهم (انشطار الذرة). الغريب في الأمر أن عالم الفيزياء النيوزلندي الأصل أرنست رذرفورد صاحب نموذج تركيب الذرة الشهير والحاصل على جائزة نوبل في الكيمياء عام 1908م نجده في عام 1933م أي قبل وفاته بأربع سنوات ينفي في حزم إمكانية حصول تقسم الذرات وجعلها مصدر للطاقة وأن من يقول ذلك فهو يتحدث بالهراء.

ولعل المحور الأول من تفنيد صحة تلك المقولة تحقق من خلال بيان أن بيير كوري نفسه لم يكن يعلم عن (تقسيم الذرة) فضلا عن أن ينسبه لأمه وحضارة أخرى وننتقل الآن لبيان خطأ اختيار الأندلس وكأنها تمثل قمة التقدم العلمي في التاريخ الإسلامي. في تاريخ العلوم العربية اشتهرت الأندلس بتقدم وتطور الطب وخصوصا علم الجراحة على يد الطبيب الأندلسي الزهراوي أما في مجال علم الكيمياء (أقرب علم قديم لمجال الذرات) فلم تشهد الأندلس علماء بارزين لدرجة أن أشهر خيميائي أندلسي وهو مسلمة المجريطي (نسبة إلى مجريط/مدريد) هو أقرب لعلم الرياضيات من علم الكيمياء. من الناحية التاريخية أول من نشر إثبات علمي على مفهوم الذرات كان العالم البريطاني جون دالتون في مطلع القرن التاسع عشر والخطوة العلمية التالية المهمة كانت إثبات أن هذه الذرات تتحد بنسب ثابتة في أي مركب كيميائي وهو ما يعرف بقانون النسب الثابتة للعالم الفيزيائي جوزيف بروست. ما يهمنا هنا أن الكاتب الأمريكي بيرنارد جيف قد قرر في كتابه الشيق (البواتق: قصة الكيمياء) أن العالم المسلم عز الدين الجلدكي المقيم في القاهرة كان قد توصل لهذا الاكتشاف قبل الفرنسي بروست بأكثر من أربعة قرون من الزمن. وعليه كان من الحكمة أكثر لو أن تلك المقولة المزعومة نسبت فضل التقدم العلمي الأوروبي إلى حواضر إسلامية أخرى غير الأندلس مثل بغداد حاضنة بيت الحكمة العباسية أو القاهرة مقر دار الحكمة الفاطمية.

 

مصير الكتب العلمية في الأندلس .. الإحراق أم الإغراق أم الإشراق

ونصل الآن إلى المحور الثالث والأكثر إثارة للجدل والنقاش وهو هل فعلا تم فقدان وضياع جزء من الموروث العلمي والتقني والطبي العربي بعد سقوط الأندلس (بالإحراق) على يد مغول الغرب الفرنجة كما حصل بإتلاف الكتب (بالإغراق) على مغول الشرق عند حادثة سقوط بغداد الرهيبة. المشكلة إن علقنا الجمعي في العالم العربي كما قد يتأثر بسهولة بالأوهام هو كذلك يتأثر بظاهرة الاختزال والتبسيط. فمثلا الحدث الكبير الذي حدث لبلاد الأندلس مما يسمى حروب الاسترداد من قبل الجيوش المسيحية والذي استمر لعدة قرون نجد أننا نختزله في نقطة ومرحلة ما من الزمن نسميها (سقوط الأندلس) ونختزلها في حادثة سقوط مملكة غرناطة التي حدثت عام 1492 ميلادي. في الواقع بداية مشوار الانحدار والزوال العربي في الأندلس حصل قبل ذلك بحوالي أربعة قرون عندما كانت مدينة طليطلة هي أول دويلة من دويلات الطوائف تقع في عام 1085م تحت حكم النصارى ملوك قشتالة. وفي الواقع ما يهمنا هو مصير الكتب العلمية العربية بعد الاجتياح المسيحي وهل كان مصيرها الإحراق أو الإغراق كما حصل بعد سقوط بغداد. من الثوابت التاريخية المؤكدة الآن أن مدينة طليطلة بالذات بعد سقوطها في يد النصارى أصبحت أهم جسر ومعبر تم فيه نقل العلوم العربية إلى أوروبا (بالإضافة لجزيرة صقلية). وعندما أصبحت طليلطة هي العاصمة الجديدة لمملكة قشتالة وليون حرص حاكمها الجديد ألفونسو السادس إن يجعلها قبلة العلماء والرحالة من جميع أقطار أوروبا وكانت وسيلة جذبهم ليس بريق الذهب ولكن إشراق صفحات المخطوطات العربية. في نهاية القرن الحادي عشر عند سقوط طليلطة لم يكن مصير الكتب العلمية العربية الإحراق أو الإغراق بل مزيد من الإشراق عندما تم ترجمتها من اللغة العربية إلى اللغة اللاتينية وبهذا كانت تلك الكتب وتلك المدينة هي منارة النور التي أضاءت للأمم الأوروبية دروب الخروج من ظلام العصور الوسطى. كتب التاريخ الغربية تذكر أسماء عشرات العلماء والمترجمين الذين أقاموا في مدينة طليطلة وقاموا بحركة الترجمة ويكفي للإشارة لتفنيد زعم أن الكتب العلمية العربية قد ضاعت عند سقوط الأندلس أن نشير بأن المترجم الإيطالي جيرارد الكريموني الذي عاش في طليلطة قام لوحده بترجمة 87 كتاب من اللغة العربية إلى اللغة اللاتينية. أما الكتب العلمية التي ترجمها جيرارد فهي لأبرز علماء الإسلام من مثل الرازي وابن سينا والخوارزمي وابن الهيثم وجابر بن حيان والفارابي والكندي وثابت بن قره في حين أن ترجمته شملت أمهات الكتب العربية الكبرى حيث ترجم 24 كتاب في الطب و 17 كتاب في الهندسة والرياضيات والبصريات و12 كتاب في الفلك و 7 كتب في الكيمياء. الكتب المترجمة باللغة اللاتينية لهذه المراجع العلمية العربية ما زالت معروضة حتى اليوم في مكتبة طليطلة بينما المخطوطات العربية الأصلية يمكن العثور عليها في العديد من المكتبات الكبرى في إسبانيا. ونخص بالذكر مكتبة الإسكوريال الشهيرة والواقعة في ضواحي مدينة مدريد والتي تحتوي على عدة آلف من المخطوطات العربية لدرجة أنه صدر كتاب من ثلاثة أجزاء لإعطاء قائمة وفهرسة لهذه المخطوطات العربية الوفيرة.

أمر آخر بالغ الأهمية الإشارة إليه وهو أن قمة ما يسمى (العصر الذهبي للعلوم العربية) كان خلال القرن الثالث والرابع الهجري وفيه ظهر أغلب العلماء والأطباء الكبار في تاريخ الإسلام ومن حسن الحظ أن أغلب الكتب العلمية العربية معروفة ومخطوطاتها محفوظة ولم يضع منها شي مهم. قبل قرن من سقوط مدينة طليطلة وقبل حوالي ثلاثة قرون من سقوط بغداد ظهر كتاب الفهرست لابن النديم وذلك عام 377 هجري وفي هذا الكتاب أحصى ابن النديم أسماء أكثر من ثمانية آلاف كتاب لأكثر من ألفين مؤلف المئات منهم من مشاهير علماء الإسلام وباستعراض كتاب ابن النديم ربما لا نجد كتب عربية مهمة ومحورية ضاعت وتلاشت بسبب أعداء الإسلام.

 

وفي الختام لا بد من أن نعرج لحادثة اضطهاد المسلمين و (حرق الكتب) العربية بعد (السقوط النهائي) لآخر معقل عربي في الأندلس. في الواقع استمرت حروب الاسترداد المسيحية أكثر من أربعة قرون وبالرغم من سقوط الممالك والدويلات العربية المتوالية إلا أن العرب لم يتم اضطهادهم بشكل ممنهج لدرجة أن العديد منهم عاشوا كرعايا تحت حكم النصارى. وكان بعض الشعراء يمدح ملوك النصارى والبعض الآخر يعمل في خدمتهم وبالذات في بناء القصور لهم على الطراز الأندلسي لدرجة أن قصر المورق البالغ الجمال في إشبيلية هو في الواقع أعاد بنائه ملك قشتالة وليس هو القصر الأصلي للمعتمد بن عباد. على كل حال تغير الأمر بعد سقوط مملكة غرناطة سنة 1492م وبعد أن استمر العمل بشروط تسليم غرناطة (تأمين حياة المسلمين والسماح بفتح المساجد وإقامة الشريعة الإسلامية بينهم وألا يولى على المسلمين إلا منهم) لعدد من السنوات. ثم بدأ عصر الاضطهاد ونقض ميثاق التسليم عندما أصدر الملك فرديناند في عام 1499م قرارا بحظر الشرائع الإسلامية ويأمر بغلق المساجد ثم بعد ذلك بثلاثين سنة صدر قانون أثيم يحرم على المسلمين التحدث باللغة العربية وقراءة القرآن وكذلك صدر حظر ومنع ارتداء اللباس والزي العربي. ومع مطلع القرن السادس عشر تم إنشاء محاكم التفتيش الإسبانية الشنيعة السمعة والتي بدأت منذ عام 1502م تضطهد المسلمين واليهود في إسبانيا وتخيرهم بين اعتناق المسيحية أو مغادرة البلاد. ويبدو أنه في هذه الفترة ظهرت محاولة طمس الوجود العربي والإسلامي في الأندلس السليب وكان من صور ذلك حرق الكتب والمخطوطات العربية والتي هي في الغالب الكتب الدينية والشرعية وكتب الموروث الأدبي والفكري العربي. في حين أن الكتب العربية العلمية حتى وإن أحرق بعضها خلال هذه الفترة إلا أنه كما ذكرنا كان قد سبق ترجمتها إلى اللغة اللاتينية قبل أربعة قرون مما ضمن لها البقاء والخلود من خلال استخدامها كقاعدة بناء تم عليها تشييد العلوم الأوروبية خصوصا في مجال الطب والفلك والرياضيات.

 

الثلاثاء، 4 أغسطس 2020

( طواف التباعد الاجتماعي .. مشهد للتاريخ )

طواف الدوائر المتماثلة هل يمكن أن يتكرر في التاريخ

( طواف التباعد الاجتماعي .. مشهد للتاريخ )

 

د/ أحمد بن حامد الغامدي

 

شعائر الإسلام الكبرى من دلائل ومظاهر عناية هذا الدين الحنيف بالنظام والانضباط ولهذا كان شعار (البنيان المرصوص) هو حال توصيف المسلمين سواء في وقوفهم للصلاة أو لحظة مواجهتهم للعدو في ساحة القتال. لكن الغالب في شعيرة الحج أن يختلط الناس ويتزاحمون ولا يشملهم نظام واحد أو تشكيل جامع ولهذا ورد في صحيح الإمام مسلم عن عائشة رضي الله عنها أنها قالت (طاف النبي صلى الله عليه وسلم في حجة الوداع حول الكعبة على بعيره يستلم الركن كراهية أن يُضرب عنه الناس). والمعنى أنه لاشتداد تزاحم الناس حول الركن لم يرغب نبي المرحمة عليه الصلاة والسلام أن يدفع الناس بالقوة حتى يخلى له المجال لاستلام الركن ولهذا قام بالطواف حول البيت وهو مرتحل على بعيره ليسهل له استلام الركن اليماني بمحجنه وهي عصا معوجة الرأس. وعلى ذكر أم المؤمنين الصديقة عائشة نجد في موقفها رضي الله عنها بالحرص على ألا تطوف بالبيت إلا في أوقات آخر الليل إشارة لكراهتها لحالة الازدحام والاختلاط الذي قد يقع بين الرجال والنساء في صحن المطاف.

في الواقع منظر صفوف المصلين الدائرية المتحلقة حول البيت الحرام مشهد يأخذ بالقلوب والأفئدة والدائرة شكل هندسي متماثل وأعتبره الإغريق الشكل الأسمى ورمز الكمال ومع سهولة الالتزام بحرفية الدائرة في الصلاة في أرض الحرم إلا أن هذا الأمر يستحيل تحقيقه في حالة الطواف للعشوائية الشديدة في حركة الحجيج.

من الغريب أن حالة العشوائية في طواف الحاج قد تصل إلى التزاحم والتدافع الشنيع الذي قد يتسبب في مقتل العديد من الحجاج كما تذكر ذلك كتب التاريخ وبالذات الكتب المخصصة لأخبار البيت الحرام مثل كتاب أخبار مكة للأزرقي أو كتاب العقد الثمين في تاريخ البلد الأمين لتقي الدين الفاسي. من ذلك استقراء بعض الباحثين أن حوادث التدافع المميتة في ساحة الحرم تسببت في مقتل 34 حاج في عام 581 هجري هذا على قلة عدد الحجيج النسبية في ذلك الزمن وحصل أمر مشابه في حج عام 881 هجري حيث توفي 25 حاجا داخل صحن الطواف أما التدافع والتزاحم عند أبواب الحرم الشريف فقد تسببت في مقتل 80 حاجا بالمسجد الحرام عند باب العمرة.

 وصباح هذا اليوم يوم الثامن من ذي الحجة تناقل الجميع المناظر الفريدة والصور التاريخية لجمال ونظام طواف الحجيج في يوم التروية في مشهد فريد سوف يسجل في الذاكرة الجمعية للأمة الإسلامية لسنوات طويلة وعقود مديدة. بسبب الاحتياطات الصحية للوقاية من مرض وباء الكورونا تم تنظيم طواف الحجيج في دوائر متكاملة وحركة سير متزامنة أنتجت مشهدا يستحيل أن يتكرر في التاريخ والعلم عند الله.

وفي التاريخ الإسلامي القديم لحظات مميزة حدثت في ساحة المسجد الحرام يوم التروية بالذات وأثناء أداء طواف القدوم فقد ورد في كتاب أخبار مكة للأزرقي أنه وقع في فجر يوم التروية من عام 80 هجري أن دخل سيل جارف اجتاح طرقات مكة حتى دخل المسجد وأحاط بالكعبة بعد أن هدم الدور وقتل الكثير من الناس ولهذا سميت هذه الحادثة بسيل الجاحف. من المحتمل أنه لكثافة مياه السيل حول الكعبة في تلك السنة أن طواف القدوم تم لبعض الحجاج سباحة وليس على الأقدام.

وإذا كان بعض الحجاج طاف حول البيت يوم التروية وهو يخوض في الماء والطين فإن البعض الآخر فر في نفس ذلك اليوم من برك الدماء التي سفكت في الحادثة الشهيرة والشنيعة التي قام بها القرامطة. فكما يذكر ابن الأثير أن أبا طاهر القرمطي وعصابته الأثيمة وافت الحجيج يوم التروية من عام 317 هـ فقتلوا الحجاج في صحن الطواف وقلعوا الحجر الأسود وباب البيت الحرام وطرحوا القتلى في بئر زمزم ودفن الباقين في المسجد الحرام حيث قتلوا بغير كفن ولا غسل ولا صلاة.

 على كل حال نحن الآن في لحظة تاريخية مميزة وأحداث أهل الطواف حول البيت الحرام غريبة ومتعددة في التاريخ ابتداء من أول الزمان عندما كان بعض الرجال والنساء يطوفون بالبيت عراة وهم يثيرون الجلبة بتصفيقهم وصفيرهم ووصلا لآخر الزمان كما أخبر الصادق المصدوق عليه الصلاة والسلام بانقطاع الحج وأنه لا تقوم الساعة حتى لا يُحج البيت بعد أن يهدم الحبشي ذو السويقتين الكعبة حجرا حجرا.


الاثنين، 27 يوليو 2020

( دور العبادة .. غنيمة حرب )

الاحتواء وإعادة الاسترداد للمواقع الدينية حلقة في سلسلة صراع الحضارات

د/ أحمد بن حامد الغامدي

 

من أشد اللحظات التاريخية الكارثية في تاريخنا الإسلامي هي سنوات سقوط الأندلس ولكن في المقابل تلك الفترة التاريخية عينها هي ما تسمى في التاريخ الاسباني والأوروبي بفترة ( حروب الاسترداد ) Reconquista والتي لم تكتف باستعادة السيطرة على الأراضي الاسبانية وانتزاعها من الحكم الاسلامي ولكن ايضا إعادة فرض الطقوس الدينية على دور العبادة القديمة. في فترة ما من زمن حكم الرومان للأراضي الاسبانية يعتقد أنها في زمن الإمبراطور كلوديوس أقيم معبد روماني وثني في مدينة قرطبة الاسبانية ولاحقا بعد سقوط الإمبراطورية الرومانية وانتشار المسيحية زمن القوط الغربيين تم أنشاء كنيسة مسيحية كاثوليكية محله. وكما هو معلوم في زمن الخلافة الأموية في الأندلس أمر عبد الرحمن الداخل بتحويل تلك الكنيسة إلى جامع قرطبة الكبير. ولهذا لا غرابة أنه كان من آثار ونتائج ( الاسترداد ) أن يحرص حكام قرطبة الجدد ان يعيدوا تحويل الجامع السليب إلى كاتدرائية مسيحية. وقبل ذلك بعد عقود من الزمن وعندما سقطت أشبيلية تم تحويل مسجدها الضخم إلى كاتدرائية كاثوليكية كانت تعتبر في القرون الوسطى أكبر كنيسة مسيحية ومتفوقة بذلك حتى على كنيسة آيا صوفيا في القسطنطينية.

من مظاهر الصراع ( والسيطرة ) بين الحضارات والأمم والإمبراطوريات المتنازعة التعبير عن الهيمنة السياسية بأشكال متعددة قد تصل حتى الحرص على السيطرة على دور العبادة واعتبارها من غنائم الحرب. فمثلا عندما استطاع الإسكندر الأكبر المقدوني اجتياح مصر الفرعونية في وقت ضعفها لم يتردد أن يقيم معبد وثني مصغر في قلب قدس الاقداس للديانة الفرعونية في معبد الكرنك وهو ما يعرف باسم (مقصورة الإسكندر). وحذو القذة بالقذة عندما غزا مصر الشاه الفارسي الإمبراطور قمبيز الثاني واستولى عليها لمدة أربع سنوات أدعى (كما أدعى الإسكندر من قبل بأنه ابن رع إله الشمس لدى الفراعنة. كما أنه أرسل جيش مدجج إلى واحة سيوة في الصحراء الغربية للسيطرة على معبد آمون أحد أهم آلة الديانة الفرعونية.

وفي مثل هذه الأجواء ندرك أن ظاهرة تحوير وتحويل دور العبادة من ديانة إلى ديانة أخرى أمر متكرر جدا وشائع في جميع الحضارات فعدد كبير جدا من المعابد الوثنية الرومانية تم تحويلها إلى كنائس ومن ثم لاحقا حولت إلى مساجد وهذا ما حصل بالضبط مع الجامع الأموي في دمشق ومسجد آيا صوفيا في إسطنبول. 

كما هو متوقع عندما تختلط الحزازات الدينية بالصراع السياسي فغالبا ما تكون هذه الخلطة سبب لكثير من التوتر الحضاري. أحد أهم المعالم الأثرية للحضارة الإغريقية هو معبد البارثينون المشرف على مدينة أثينا. وأثناء فترة الحكم العثماني لبلاد اليونان تم ولمدة قاربت القرنين من الزمن بناء مسجد على الطراز العثماني داخل هذا المعبد الذي كان في فترة ما كنيسة. وبعد استقلال اليونان عن حكم بني عثمان تم مباشرة إزالة أي معلم يدل على وجود المسجد وهذا شيء متوقع بسبب الصراع السياسي والديني الحاد جدا. في المقابل وبسبب انعدام وجود مثل هذا النوع من الاحتقان الديني والسياسي توجد قصة مشابهة لا تثير أي ردة فعل أو اعتراض. في الحضارة الفرعونية القديمة يعتبر معبد الأقصر ثاني أهم معبد ديني فرعوني بعد معبد الكرنك ومنذ العصر الأيوبي تم إنشاء مسجد داخل هذا المعبد الفرعوني وحتى زمان الناس الحالي لم يعترض أحد وربما لم يعلم الكثير بوجود هذا المسجد. وكذلك يعتبر دير سانت كاترين بالقرب من جبل الطور في جنوب سيناء ربما أقدم دير كنسي في تاريخ المسيحية ومنذ حوالي ألف عام وحتى الآن يوجد مسجد فاطمي داخل الدير ومع ذلك يوجد حالة تعايش وتفاهم.

بلا شك سوف يبقى أمر (الاحتلال وإعادة الاسترداد) للمواقع الدينية بؤرة توتر وصراع مستمر (كما حصل مع المسجد بابري في الهند) ولكن ما حصل قد حصل وإن كان خلاف الأولى وأنه ربما كان من الأفضل اختيار بقعة العبادة في منطقة محايدة وطاهرة أصلا من أرجاس الوثنية والانحراف العقدي والديني.

والله أعلم بالصواب


( شعر الوقوف على الأطلال .. دليل سياحي لمنطقة الباحة )

التاريخ العريق لمنطقة الباحة يحتاج خارطة طريق لتعرف على معالمه الثقافية 

د/ أحمد بن حامد الغامدي

في الأمثال الشعبية الدراجة يقال (قديمك نديمك) وهذا عزاء البعض منا مع الجائحة الأخيرة وانقطاع السبل للسفر الخارجي فإعادة اكتشاف الداخل هي محطة الوصول المتاحة في جدول الرحلات. في مثل هذه الأوقات من العام الماضي كنت مع بعض الأحباب الأفاضل في زيارة للديار الروسية ولهذا كتبت مقال عن أدب الرحلات بعنوان (موسكو في الذاكرة العربية). صحيح أنه بعد ذلك مباشرة كتبت مقال عن واقعنا المحلي حمل عنوان (مدينة الطائف وكيمياء الورود) ولكن أنا الآن في حالة مراجعة ووقفة عتاب عن مدى انعكاس ديار الأهل ودوحة الأصل في بعض ما أكتب.

الساري في سراة بلاد غامد وزهران لا يحتاج لتنشيط سياحي لإرشاده لجمال الطبيعية ولكن ربما قد يحتج لدليل سياحي من نوع أدبي وخارطة طريق من فن شعري لإعطائه جرعة مكثفة عن العراقة الثقافية لمنطقة الباحة. وهنا يأتي دور الشعر والأدب عندما نستلهم قول عبد القاهر الجرجاني عنه أنه (يؤدي ودائع الشرف عن الغائب إلى الشاهد، حتى ترى به آثار الماضيين مخلدة في الباقين، وعقول الأولين مردودة في الآخرين). ومن آثار الماضيين المخلدة في الباقين نحاول من خلال قصائد الشعر وبدائع النظم أن نتعرف على الصلة بيننا وبين سلفنا الأول وجيلنا الأقدم ونستدعي أطياف أعلام الشعر والشعراء الذين درجوا على (باحة السراة) وخلدوا بعض ربوعها وبقاعها التي وردت في شعرهم وقصيدهم.
يقول الشاعر الفلسطيني المعاصر محمود درويش (بدون الذاكرة لا يوجد علاقة حقيقة مع المكان) ومن هنا نكتشف بعد إضافي للشعر فلا يكفي أن يكون تعبير عن العاطفة ومؤثر في الإحساس ولكن ينبغي أن يكون كذلك ترجمة لاستعادة الماضي واستحضار الذاكرة من خلال ربط المشهد المكاني مع التشكيل الوجداني. ومن هذا المدخل ربما نعلم لماذا كان من أبرز معالم الشعر الجاهلي ظاهرة الوقوف على الأطلال والمقصود بها في الغالب الوقوف على ما تبقى من ديار المحبوبة وكلنا يعرف من قصائد المعلقات اسماء بعض المواضع التي وقف عليها الشعراء مثل سقط اللوى/الدخول/ حومل/ المتلثم/ العلياء/ السند/ الرقمتين/ الجواء. وللمزج بين الأدب والتنشيط السياحي لصيف منطقة الباحة لهذا العام لعل الزائر فيما هو يتفيأ أجواء الطبيعة في أرض الجبال والكادي لعله كذلك يقف على إطلال الإرث الأدبي لفحول شعراء العرب الذين تردد صدى قصيدهم في باحة الأدب.

في شعر العرب كثير ما تبدأ (الوقفة الطللية) بالسؤال المتوجع والاستفسار المتفجع (لمن الديار) الذي ضج به عدد من شعراء المعلقات (كالحارث اليشكري وزهير وامرؤ القيس) ومنهم الشاعر الفحل عبيد بن الأبرص بمطلع قصيدته:
لمن الديار بصاحةٍ فحَروسِ      درست من الإقفار أي دُروسِ

وهذا المطلع المتكرر نسج على منواله الشاعر الجاهلي عبدالله بن سَلِمه الغامدي في قصيدته الرائقة التي مطلعها:
لمن الديارُ بتَوْلَع فيَبُوسِ           فبَيَاضُ رَيْطَة غير ذاتِ أنيسِ
أمست بمُستنِ الرياح مُفِلةٌ         كالوشم رُجِّع في اليد المنكوسِ
وكأنما جَرُّ الرَّوامسِ ذيلها في    صحنها المعفوُّ ذيل عروسِ
وما يهمنا هنا هو ذكر المواقع المكانية والطللية (تولع ويبوس وبياض ريطة) التي وردت في مطلع القصيدة فمن المرجح أن موقعها الفعلي في محافظة بلجرشي وبالتحديد في بادية بني كبير في نهاية وادي قرشا كما أن من المحتمل أن موقع (تولع) قد تحرف اسمه في الوقت الحاضر وأصبح (مولع).
أمر آخر تجدر الإشارة له أنه في تاريخ الأدب العربي إذا قيل إن هذه قصيدة (مفضلية) فهذا يشير أنها قصيدة من الطراز الأول لأنها قصيدة شعرية ورد ذكرها في كتاب (المفضليات) وهو كتاب الاختيارات الشعرية للمفضل الضبي. وهذا الكتاب الأدبي يعتبر أهم مؤلف جمع أمهات عيون الشعر العربي وبالرغم من أن عدد القصائد الواردة فيه قليلة (69 قصيدة فقط) نجد اثنتين منها كانت لشاعرنا الجرشي الكبير عبد الله بن سلمه الغامدي وفي ترتيب متقدم نسبيا وهي هذه القصيدة (رقم 19) والقصيدة التي قبلها.

ومن الوقوف بالأطلال من بلاد غامد إلى ديار زهران ووقفة طللية مع الشاعر الجاهلي الزهراني حاجز بن عوف الأزدي وشعره زاخر بذكر المواقع والأماكن التي ما زالت (رسومها) وآثارها موجودة حتى الآن ومن ذلك قوله:
سَأَلتُ فَلَم تكلِّمُنـي الرُسـومُ          فَظَلـتُ كَأَنَّنـي فيهـا سَقيـمُ
بقارعةِ الغَريفِ فَذاتِ مَشـيٍ        إِلى العَصداءِ لَيسَ بها مُقيـمُ
وقرية (العصداء) معروفة اليوم في محافظة بني حسن من بلاد زهران
أما (الغريف) فهي قرية قرب وادي تربة. ولهذا الشاعر الزهراني قصيدة أخرى لها مطلع طللي يسير فيه (وهو العدّاء المشّاء) على خطى عميد شعراء الجاهلية امرؤ القيس في مطلع قصيدة:
لمن طللُ أبصرته فشجاني      كخطب زبور في عسيب يمانِ
بينما كان مطلع قصيدة حاجز بن عوف:
لمن طللُ بعَتمَةَ أو حُفارِ         عفته الريح بعد والسواري
عفته الريح واعتلجت عليه      بأكدر من تراب القاع جارِ
بلا شك التحديد الدقيق لمواقع هذه الأماكن الجغرافية والتاريخية بالغ الصعوبة لكن يمكن الاسترشاد بوجود موقع معروف يشتهر باسم (عتمة زهران) وهي مكان قديم كان يحتوي على شجرة زيتون بري (العتم) ويقع في قرية سد الحوية بالقرب من وادي برحرح بمحافظة المندق. في حين توجد قرية من قرى زهران تحمل اسم (قرية حفار) وهي تقع في إقليم تهامة في محافظة قلوة.

تجدر الإشارة إلى أن مطالع القصيدة العربية القديمة لها أشكال وأنماط مختلفة تستخدم للتعبير عن استحضار الذكريات أو التعبير عن تعزيز الارتباط بالأهل والأرض. ولهذا بدل الاستهلال بالوقفة الطللية المعتادة يعمد بعض الشعراء بافتتاح مطلع القصيدة بوصف حالة القلق والأرق التي تصيبه من جراء استحضار أطياف وذكريات المحبوب. ومن أمثلة هذه القصائد الرنانة البديعة ذات مطلع السهاد والأرق قول الأعشى الرائق:
أَرِقتُ وَما هَذا السُهادُ المُؤَرِّقُ       وَما بِيَ مِن سُقمٍ وَما بِيَ مَعشَقُ
وما يهمنا في الواقع هو مطلع قصيدة امرؤ القيس المشهورة في رثاء أبية والتي مطلعها:
أرقتُ لبرقٍ بليل أهل         يُضيء سناه بأعلى الجبل

وهنا نجد شاعرنا يعلى الأحول الأزدي وهو شاعر أموي من قبيلة شُكر التي تقع ديارها بالقرب من مدينة بلجرشي يستلهم مطلع قصيدة الملك الضليل فكما أصاب الأرق امرؤ القيس ببرق يهل من الجبل كذلك أرِقَ شاعرنا لبرق يهل من دون جبل شدا وهو أحد أهم وأشهر المعالم الجغرافية والتضاريس الطبيعية في منطقة الباحة ويقع بين مدينتي قلوة والمخواة. ولهذا الجبل عدة قمم شاهقة بينها قمتين مزدوجتين وهذا ربما يفسر لماذا جاءت لفظة شدا (مثناه) والبعض يفضل أن يرجع التثنية إلى جبلي شدا الأعلى وشذا الأسفل وإن كان أحدهما لزهران والآخر لغامد:
أَرِقتُ لِبَرقٍ دونَهُ شَدَوانِ               يَمانٍ وَأَهوى البَرقَ كُلَّ يَمانِ
فَبِتُّ لَدى البَيتِ الحَرامِ أَشيمُهُ         وَمَطوايَ مِن شَوقٍ لَهُ أَرِقانِ
شاعرنا في الواقع كان من صعاليك العرب وكان يقطع الطريق وعندما تم القبض عليه سجن في مكة وهنا أخذ يحن لديار ومضارب قومه وبالرغم من أنه في البلد الحرام وقرب بئر زمزم إلى أنه يحن إلى ماء قومه ولهذا يقول:
وَلَيتَ لَنا بِالجَوزِ وَاللَوزِ غيلَة                جَناها لَنا مِن بَطنِ حَليَةَ جانِ
وَلَيتَ لَنا مِن ماءِ ( حزنة ) شَربَةً           مُبَرَّدَةً باتَت عَلى طَهَيانِ
والبعض يورد البيت كالتالي:
وَلَيتَ لَنا مِن ماءِ ( زمزم ) شَربَةً         مُبَرَّدَةً باتَت عَلى طَهَيانِ
يعنى أنه يتمنى بدل شرب ماء زمزم أن يحصل على شربة ماء من ديار قومة قد تمّ تبريدها على الصفا الشاهقة لصخرة طهيان على سفوح جبل حِزنة (أعلى جبل بمحافظة بلجرشي) وتشتهر هذه المنطقة اليوم باسم (شلالات طهيان) أو (صفا الطهيان).
الغريب في الأمر أنه إذا كان بعض الشعراء الفحول يتمنى شربة ماء من بلاد أهله نجد أن بعض الشعراء الآخرين عندما يهاجر من أرض قومه لا يرغب في العودة ولا يحن لها. وربما من صور ذلك قول الشاعر الجاهلي عامر بن ثعلبة من أزد عمان عندما هاجر ونزل في أرض عمان قال يخاطب وادي بيدة (أبيدة) ومن سكن فيها:
أبلغ أبيدة أنّي غير ساكنها           ولو تجمّع فيها الماء والشجرُ
منا بأرض عمانٍ سادةٌ رُجحٌ        عند اللقاء وحيّ دارهم هَجَرُ
و(بيدة) كما هو معلوم الوادي المشهور في محافظة القَرى من أرض زهران.

الشنفرى .. كل الصيد في جوف الفَرا
ونصل الآن إلى شاعر منطقتنا الأشهر بلا منازع وهو الشاعر الجاهلي الشنفرى (ثابت بن أواس) صاحب قصيدة لامية العرب الفائقة الشهرة والمصنف من الطبقة الثانية من طبقات فحول شعراء العرب. وبالرغم من وجود اختلاف في نسبه إلا أن العديد من الباحثين يرجح أنه من زهران (والبعض يقول إنه من رجال الحجر) ويقال إن قبره على الأغلب موجود الآن في قرية سلامان بمحافظة المندق وإن كانت حادثة مقتلة المشهورة تمت في وادي الناصف في بيدة بمحافظة القَرَى من بلاد زهران.
المثل السائر الذي يقول (كل الصيد في جوف الفَراَ) ينطبق بحق على الشنفرى فهذا المثل يطلق على الشخص الذي يبزّ ويفوق غيره وهذا ما نجده بصورة جليه مع شاعرنا الفحل الذي عدد أسماء المواقع الجغرافية من منطقة الباحة الواردة في أبياته الشعرية تفوق ربما جميع أسماء الأماكن التي وردت في قصيد بقية الرعيل الأول من شعراء غامد وزهران.

لسنوات طويلة نشأ وترعرع الشنفرى في بني سلامان من قبائل زهران ولهذا عندما درج ومرج في أنحائها انعكس ذلك في شعره (الجغرافي) ومن ذلك قوله:
فإن لا تَزُرني حَتفتي أو تُلاقني         أَمَشّي بدَهوٍ أو عِدافٍ بنوُّرا
أُمشّي بأطراف الحَماطِ وتارة           تُنفَّضُ رجلي بُسبُطاً فعَصَنصَرا
ويوماً بِذاتِ الرَسَّ أو بَطنِ مِنجَلٍ      هنالك نَبغي القاصِيَ المُتغَوَّرا
وفي هذه الأبيات نجد أن (سبط) و(عصنصر) هي أسماء جبال في منطقة بني بشير من زهران في حين أن (الرس) هي بئر ماء لقبيلة سلامان في نفس المنطقة بينما وادي (منجل) من الأودية المعروفة في المخواة. أما موقع (دَهو) المذكور في البيت الأول فربما حرف مع الزمن إلى (رَهو) وهو اللفظ الشائع الآن (بالرهوة). وإذا صح هذا الاحتمال بتحريف نطق بعض الكلمات مع الزمن فربما على نفس السياق نجد أن كلمة (عِداف) هي موقع قرية العدفة من قرى قبيلة دوس الزهرانية.

يقال إن الإنسان ابن بيئته والشنفرى بيئته أرض الجبال والمرتفعات ولهذا كثر ذكر أسماء الجبال وذرى القمم في شعره ومن ذلك قوله:
إذا أصبحتُ بين جبال قوٍّ        وبيضانِ القُرى لم تَحذريني
وجبل (قو) يوجد إشكال كبير في تحديد موقعه وربما حرف الاسم إلى (قوب) ولكن هذا وادي شهير في زهران وليس جبل. بينما جبل (بيضان) هو على اسم قبيلة بيضان الزهرانية العريقة وربما أنه في زمن الشنفرى في القدم كان يوجد جبل محدد له هذا الاسم لأنه تكرر في شعر الشنفرى حيث نجده في قصيدة أخرى يقول:
لو أن الذي لي من هوى أمِّ مسلم       بيضان زالت من ذراه القُدامسُ

فهو هنا يتحدث بأن حبه لأم مسلم يطيش بلبه وعقله كما تطيش الصخور الكبار والجلاميد من قمة ذرى جبل بيضان.
ومن المعالم الجغرافية الواردة في شعر الشنفرى ذكره لجبل (المرقبة) المطل على تهامة وهي قمة شاهقة الارتفاع والانعزال فناسب أن (يوظفها) الشنفرى في شعره لكي يصف سمو شخصيته وشجاعته:
ومَرقَبَةٍ عَنقاءَ يَقصُرُ دونها           أخو الضروَةِ الرجلُ الحَفِيٌّ المُخَفّفُ
نَعَبتُ إلى أدنى ذَراها وقد دَنا        من الليلِ مُلتَفُّ الحديقةِ أسدَفُ
(البيئة تشكل الشخصية) وهذا ينطبق في حال شاعرنا الكبير ولهذا نكرر التنويه لكثرة ذكر الجبال والقمم في شعره وبالخصوص جبل (السرد) من أرض زهران:
كأنْ قدْ فلا يَغرُركِ منّي تَمكَّثي            سلكتُ طريقا بين يَرْبَغَ فالسَّردِ
وإنّي زَعِيمُ أن ألُفَ عَجَاجَتِي              على ذِي كِسَاءٍ من سَلاَمَانَ أو بُردِ
وأمشي لدى العَصدَاءِ أبغي سَرَاتهُمْ      وأسلُكَ خَلاّ بين أرْفاغَ والسّردِ
و(العصداء) سبق الحديث عنها بأنها قرية في محافظة بني حسن من بلاد زهران وكذلك (أرفاغ) جبل في منطقة قومه قبيلة بني سلامان بن مفرج.

وفي الختام نعرج على التباين والتناقض في شخصية الشنفرى فهو في قصيدته التائية البديعة السبك (القصيدة رقم 20 من ديوان المفضليات) يذوب عاطفة ورقة في تعامله المرأة ممثلة في زوجته حتى وإن هجرته بينما مع الرجال نجده فاتك وقاتل لخصمه ولو كان بين الحجيج وفي الشهر الحرام. وكما فخر في قصيدته التائية بغارته وهجومه على خصومه ولو كانوا في أرض منى نجده في قصيدته الخالدة (لامية العرب) لا يتردد في المفاخرة بأنه أغار على أعدائه في الليل البهيم والماطر (ومساهم ولم يصبحهم) بالقتل والفتك العام فرمل النساء ويتم الأطفال:
فأيًّمتُ نِسواناً وأيْتَمْتُ إِلْدَةً      وعُدْتُ كما أبْدَأتُ والليلُ ألْيَلُ
وأعترف أن ما ساقني لذكر هذا الجانب الشنيع من قصة الشنفرى الفاتك المبير ورمز صعاليك العرب (تكفي شهرته المدوية لقتلة مائة رجل من قبيلته نفسها) إلا لكي أن أشق طريق لذكر موقع جغرافي ورد في شعر الشنفرى وجرت فيها جريمة قتل. تقول كتب الأدب أن رهطاً من أهل غامد من بني الرمداء (هل هم من قرية دار الرمادة .. لست أدري) تربصوا للقبض على الشنفرى فأعجزهم وفر منهم إلى أن وصل إلى موقع يسمى (دحيس) فوجد رجلين من بني سلامان فقتلهما ووثق موقع الجريمة بقولة:
قتيلَيْ فِجارٍ أنتما إن قُتِلتُما       بجوف دَحِيس أو تبالةَ يا اسمعا
ووادي (دحيس) يقع بالقرب من قرية القوارير وهي إحدى قرى بني بشير في محافظة القرى من زهران.

وبعد، فقد طوفنا كثيرا في ربوع منطقة الباحة وما زال في الجعبة العديد من المناطق التي ساقها الشنفرى وغير من فحول شعراء الباحة القدامى في قصائد (الشعر الجغرافي) لمناطق وديار أخرى مثل بيشة وأرض البقوم وخثعم وديار بني شهر وبللسمر وغيرها كثير ولكن تلك مسؤولية لجان التنشيط السياحي لتلك المناطق لنبش كتب الأدب والتاريخ وأخرجاها للجمهور والقراء.


( أينشتاين والعنصرية ضد السود )

أينشتاين يشرح درس للتاريخ

د/ أحمد بن حامد الغامدي

في أواخر عمر عالم الفيزياء الأسطورة ألبرت أينشتاين ونتيجة لتردي حالته الصحية وهو يدب نحو سن السبعين كان يرفض قبول الحصول على المزيد من التكريم المعنوي بمنحة الدكتوراه الفخرية. تغير هذا الموقف عام ١٩٤٦م عندما عرضت عليه جامعة أمريكية شبه مغمورة أن تمنحه الدكتوراه الفخرية وهنا تحمس أينشتاين لقبول هذا التكريم وإلقاء محاضرة علمية واللقاء بطلاب الجامعة. السبب الوحيد الذي غير رأي وموقف أينشتاين أن تلك الجامعة كانت توصف بأنها (جامعة السود) وهي جامعة لينكولن بولاية بنسلفانيا والتي سميت بهذا السم بالذات (على اسم الرئيس الأمريكي إبرهام لينكلون الملقب بمحرر العبيد) لأنها كانت أول جامعة تسمح المجال للسود بالدراسة بها. قبل زيارة أينشتاين بعام واحد فقط لتلك الجامعة تم تعيين أول مدير أسود لها والذي بمجرد تواصله مع أينشتاين ودعوته للحضور لتلك الجامعة وافق مباشرة وذلك نتيجة للاهتمامات الفكرية والسياسية له بمناصرة حركة الحقوق المدنية للسود والمناهضة للعنصرية والتمييز ضد السود.
أثناء لقاء أينشتاين مع الطلاب السود بجامعة لينكولن سأله أحدهم أن يشرح لهم وبشكل مبسط نظريته النسبية الشهيرة وهنا قام أينشتاين بشرح النظرية وكتابة معادلاتها على لوح السبورة الأسود وتم تخليد هذه اللحظة بالتقاط صورة فوتوغرافية مميزة. ولا أعلم هل حرصت جامعة لينكولن (التي تقع في مدينة أكسفورد الأمريكية) بنزع تلك السبورة وعدم مسحها كما فعلت قبل ذلك بحوالي عشرين سنة جامعة أكسفورد البريطانية والتي حتى الآن ما زالت تحتفظ في متحف الجامعة باللوح الخشبي الذي شرح عليه أينشتاين نظريته النسبية عندما زار تلك الجامعة العريقة عام 1931 ميلادي.
بدون خلاف كان لأينشتاين موقف نبيل في الاعتراف والمساندة لحقوق السود في عام 1946م ولكن هذه النزعة الإنسانية لأينشتاين لم تمتد للحقوق العربية التي اعتدى عليها اليهود والصهاينة بعد ذلك بسنتين عند الإعلان عن قيام الكيان الإسرائيلي الغاصب. وبالجملة لم يكن هذا الموقف مستغرب كثير من أينشتاين اليهودي الديانة والذي حرص سابقا على زيارة فلسطين بل تم في مرحلة ما أن عرض عليه الرئيس الإسرائيلي بن غوريون أن يخلفه في منصبه عام 1952 ميلادي. بدرجة ما قد يكون اجترار تاريخ الصراع العربي الإسرائيلي أمرا مقحم هنا وبعيد عن حقوق السود في الأراضي الأمريكية ولكن من غرائب الصدف لإثبات استحقاق السود للمساواة مع البيض أن الدبلوماسي الأمريكي وأستاذ علم السياسة بجامعة هارفرد رالف بنش كان هو من عمل كوسيط من قبل الأمم المتحدة في الصراع العربي الاسرائيل وهو بالمناسبة أول شخص أسود في التاريخ يحصل على جائزة نوبل (حصل عليها عام 1950م في مجال السلام). وعلى ذكر نضال حركة الحقوق المدنية للسود في أمريكا في سياق ذكر جوائز نوبل للسلام تجدر الإشارة إلى أن أهم شخصية في تاريخ السود في أمريكا هو الناشط السياسي ضد التميز العنصري مارتن لوثر كنغ الذي بتبنيه لحركة اللا عنف تم منحه جائزة نوبل للسلام عام 1964 كثاني رجل أسود أمريكي يحصل على هذا التكريم البارز.
الكثير من التغيرات السياسية والحقوقية والاقتصادية والاجتماعية حصلت عبر السنين للسود في أرض العم سام لدرجة أن منصب رئيس الولايات المتحدة شغله كما هو معلوم رجل أسود (وإن لم يكن من نسل العبيد) وكما أشرنا أن أشهر عالم في التاريخ المعاصر كان يقوم بنفسه بشرح إحدى أهم وأصعب النظريات العلمية لحشد من الطلاب السود. الجدير بالذكر إنه على أرض الأحلام الأمريكية قبل حوالي مئة عام من محاضرة أينشتاين للطلاب السود كان ما تزال بعض الولايات تصدر القوانين التي تمنع تعليم السود والعبيد القراءة والكتابة ومن ذلك مثلا إصدار ولاية ميسوري عام 1847م لقانون تجريم تعليم السود. وفق تلك القوانين الجائرة الصادرة على أرض الحرية المزعومة يمكن للرجل الأبيض الذي يخاطر بتعليم السود القراءة والكتابة أن يتعرض لغرامة مالية وربما يتعرض للسجن لمدة ستة أشهر في حين أن العبد الأسود نفسه سوف تكون عقوبته الجلد وتعذيب الذي قد يفضي إلى الموت. الرجل الأمريكي الأبيض المستبد لم يقتصر في محاولته للسيطرة على العبيد السود بربطهم بقيود السلاسل ولكن أيضا بتكبيلهم بأصفاد الجهل والأمية. ولهذا عندما سنت تلك القوانين الظالمة بتجريم تعليم العبيد القراءة والكتابة كانت يتم تبريرها بحجة أن بعض العبيد المتعلمين يمكنهم أن يقوموا بكتابة صكوك مزورة عتق من الرق. وكما إن العلم نور فإن الحرية هي المشعل الذي يضيء طريق الإنسانية وبهذا العلم والحرية قرينان لا ينفصلان ولهذا أدرك المناضل الأمريكي الأسود فريدريك دوغلاس في أوائل شبابه أن المبرد الذي يمكن أن يقطع أصفاد العبودية هو سن القلم وأن سر قوة الرجل الأبيض في السيطرة على العبيد أن يكبلهم بالجهل والأمية. صحيح أن فريدريك بدأ تعلم القراءة وهو طفل على يد زوجة سيده إلا أنه أكمل لاحقا تعليمه بشكل سري ومن مراقبة الأطفال البيض وهم يتعلمون تهجئة الكلمات وبشكل متدرج أصبح ذلك الشاب قارئا شغوف. ثم لاحقا تنامى فكر ذلك العبد المتحرر ليصبح كاتب ومفكر وناشط سياسي مشهور وأحد أبرز رواد الدفاع عن حقوق السود في أمريكا كما شارك هو وولده في الحرب الأهلية الأمريكية تحت قيادة الرئيس الأمريكي لينكولن بل إن استقلاليته الفكرية وصلت به أنه كان يحث أتباعه على عدم إعادة انتخاب الرئيس لينكولن والتصويت لخصمه لأن محرر العبيد لم يف تماما بجميع وعوده ولم يمنح السود حق التصويت.
عبر السنوات وبشكل متدرج أخذ السود في الولايات المتحدة في انتزاع حقوقهم المدنية وترسيخ تواجدهم السياسي والإعلامي وتفوقهم الفكري والأدبي (المرأة الأمريكية الوحيدة التي حصلت على جائزة نوبل في الأدب عن الأعمال الروائية التي تصف المجتمع الأمريكي هي الكاتبة السوداء توني موريسون). ومع ذلك ما زال أمام المجتمع العلمي للسود في أمريكا شوط بعيد من النضال والعرق والدموع ليصبح العلماء والباحثين السود في أمريكا في مصاف زملائهم من البيض والأعراق الجنسية الأخرى. في بداية المقال عرجنا على اللقطة الفوتوغرافية المميزة لأينشتاين في عام 1946م وهو يشرح النظرية النسبية لفصل من الطلاب السود ولكن هذا لا يعني أن السود ضعيفو التفكير ولا يستوعبون الأفكار العلمية المتقدمة فأول رجل أمريكي أسود (بوشية إدوارد) حصل على درجة الدكتوراه في علم الفيزياء في فترة مبكرة جدا وذلك عام 1876م ومن جامعة ييل العريقة. وعندما كان ألبرت أينشتاين يشارك مع المئات من العلماء في مشروع مانهاتن لتصنيع أول قنبلة ذرية كان من زملائه عالم الكيمياء الأسود كوارترمان ألبرت والذي ساهم في عزل وتخصيب عنصر اليورانيوم. ومع ذلك للأسف الشديد حتى الآن لا يوجد عالم أمريكي أسود حصل على جائز علمية مرموقة أو تولى منصب إدارة مركز أبحاث أو جمعية علمية كبرى (باستثناء هنري هيل الذي أصبح أول رئيس أسود للجمعية الكيميائية الأمريكية). الطريف في الأمر أن أحد أكثر العلماء شهرة في أمريكا هو عالم الفيزياء الفلكية الأسود نيل تايسون وبالرغم من شهرته المدوية كمقدم للبرامج العلمية الوثائقية في قناة ديسكفري إلا أن أهم إنجاز علمي له ليس اكتشاف ظاهرة فلكية جديدة أو تطوير نظرية علمية معقدة ولكن اشتهر بسبب حملته العلمية والإعلامية لتغيير عدد كواكب المجموعة الشمسية من تسعة إلى ثمانية كنتيجة لإسقاط مكانة كوكب بلوتو وجعله بمرتبة كوكب قزم.
إرهاصات الأحداث الحالية تشير إلى أن أوضاع السود في أمريكا سوف تتحسن نوعا ما في المستقبل ومن المحتمل إصدار وسن حزمة من التشريعات القانونية التي تصب في مصلحة المهمشين السود. ومع ذلك التهميش للباحثين والعلماء من أصحاب البشرة السوداء ما زال ضاربا بأطنابه في المجتمع العلمي الأمريكي ولهذا ربما تمر عقود طويلة قبل أن يحصل أي عالم أسود على جائزة نوبل في التخصصات العلمية والعلم عند الله.