الأربعاء، 27 يناير 2021

( معاناة ترامب .. من منظور الأساطير الإغريقية )


 حتى أبسط الاشياء قد لا يستطيع الملوك والرؤساء أدائها

د/ أحمد بن حامد الغامدي


يوجد لدى الإغريق القدامى ولع عجيب بسرد قصص وأحداث المعاناة والشقاء لدرجة أنه قادهم خيالهم لاختلاق آلهة خاصة للألم والمعاناة وربة للحزن والنحيب تسمى (الجوس Algos).  الدراسات الاستقرائية في مجال علم الأساطير تشير إلى أن العديد من الأساطير لدى مختلف الحضارات والشعوب هي عبارة عن رحلة أو مغامرة كثيرا ما تنتهي بمرحلة (الانحلال) ولهذا الضعف والسقوط والشقاء ركن أساسي في حياة البشر وعالم الأساطير على حداً سواء. الصعود للقمة والمجد ثم الانحدار لدرك الخزي والمعاناة هو مصير الرئيس الأمريكي دونالد ترامب كما هو مصير العديد من الشخصيات الأسطورية في دنيا الميثولوجيا الإغريقية.

صحيح أن رجل الأعمال ترامب تعرض في حياته لبعض الإخفاقات الاقتصادية لدرجة إعلان الإفلاس المالي وبالرغم من تكرار (دورة) الصعود والسقوط الاقتصادي في حياته إلا أن تشبيه مسيرة حياته بقصة حياة رمز العذاب الأبدي الملك سيزيف تشبيه مع الفارق كمال يقال. في الأساطير الإغريقية القديمة نجد أن سيزيف اشتغل بالتجارة والنقل البحري ولكنه كان مخادعا وجشعا ومثال للخبث والمكر ولهذا عاقبه كبير الآلهة زيوس بالعذاب السرمدي المتمثل في قيام سيزيف بدحرجة صخرة ضخمة على سفح جبل شاهق. وكلما بلغ سيزيف أعلى القمة تفلت الصخرة منه وهوت إلى أسفل المنحدر ويكون مصير سيزيف أن يدحرجها مرة ثانية إلى القمة وهكذا دواليك. كما ذكرت تشبيه عذاب ترامب بمعاناة وشقاء سيزيف هو تشبيه ناقص لأن ترامب في هذه اللحظة في قمة ثرائه المادي ولم تبدأ بعد دورته الجديدة في الإفلاس والانحدار الاقتصادي. ما ينطبق بالفعل على ترامب هذا الأسبوع هو تشبيه المعاناة والشقاء الذي هو فيه بما حصل مع أسطورة عذاب الملك الإغريقي تانتالوس. نوع العذاب الذي وقع على ذلك الملك البائس هو شقاء غريب حيث حكم عليه أن يقف في بركة ماء تقع فوقها شجرة فاكهة ذات أغصان منخفضة. وبالرغم من وجود الماء والطعام بالقرب من تانتالوس وفي متناول يده ومشهد نظره إلا أنه كلما حاول قطف الثمار المخفضة يرتفع الغصن بعيدا وكلما حاول ارتشاف الماء بيده ينحسر الماء عنه ولهذا يبقى في عذاب أبدي بالجوع والعطش. عذاب وشقاء الملك تانتالوس سببه أنه أزعج آلهة جبل الأولمب بزعمهم أنه سرق طعامهم وأفشى أسرارهم ولهذا شقائه تمثل في حرمانه حتى من الأشياء البسيطة في الحياة التي لا يستطيع تناولها بالرغم من قربها منه. وهذا إلى حدا ما الذي حصل مع الرئيس ترامب هذا الأسبوع فالجميع يستطيع فعل الأشياء اليومية الاعتيادية البسيطة مثل إرسال تغريدة تويتر أو نشر مقطع في السناب شات أو كتابة تعليق على موقع الفيسبوك بينما الرئيس الأكبر (مثل الملك تانتالوس) يتعذب قهرا ويهان جهرا بأنه محروم من فعل هذه الأشياء الشائعة والتي يقوم بها الجميع.

إن كل الثروة المالية الهائلة التي يملكها الرئيس ترامب (بلا جدال أغنى سياسي في التاريخ) في خاتمة المطاف لم تستطيع أن تجلب له السعادة وكانت بشكل ما هي مصدر تعاسته ومعاناته. لأنه بنقوده الذهبية ظن أنه يستطيع شراء كل شي في دنيا السياسة ثم سرعان ما تحول المال إلى طوق من ذهب يكبل حريته في التصرف. في دنيا التجارة والاستثمارات كان لرجل الأعمال ترامب (لمسة ذهبية) تحيل كل مشروع تجاري يدخل فيه إلى صفقة تجارية رابحة. وبهذا كان ترامب إلى حدا ما يشبه الملك الأسطوري ميداس في الحكايا الإغريقية القديمة والذي بحماقته طلب من الإله الإغريقي ديونيسوس أن يمنحه (لمسة ذهبية) تحيل كل شي يلمسه إلى ذهب خالص. وبعد تحقيق تلك الأمنية بدأ مشوار عذاب الملك ميداس كما حصل مع الملك تانتالوس حيث لم يستطع أداء أبسط الأشياء اليومية الاعتيادية مثل الأكل لأن الطعام الذي يلمسه يتحول إلى ذهب صلب وكذلك لم يستطع الاغتسال بالماء وعندما قام في لحظة إحباط من الحالة العجيبة التي تورط فيها بحضن ابنته الوحيدة تحولت لتمثال من الذهب.

 منذ اللحظات الأولى لمشواره السياسي (المفاجئ والسريع بشكل غريب) الجميع دون استثناء استشعر ضحالة القدرات السياسية لدى الرئيس ترامب وأنه لن يحلق بعيدا في سماء السياسة بل أنه سرعان ما سوف يقع على أم رأسه. السيد دونالد ترامب ماهر ومتمكن بامتياز في مجال الصفقات التجارية والمقاولات العقارية ولكنه ضحل في مجال السياسة وإدارة شؤون الدولة والحكم. وكمثل أي شاب طائش يعطي فجأة قيادة سيارة رياضية فاخرة وقوية سوف يتصرف بطيش ونزق في قيادتها وهذا بالضبط ما قام به ترامب في عالم السياسة الجديد كليا عليه. لم يقنع ترامب بالقيادة المتدرجة والمتأنية لعربة السياسة ولكنه اندفع بكل تهور وعنفوان للتحليق بعيدا بعيدا كما حصل مع الشاب الغر إيكاروس. في المثيولوجيا اليونانية نجد قصة الشاب إيكاروس الذي كان مسجونا هو ووالده دايدالوس في جزيرة كريت واستطاعا الفرار من سجنهما بعد أن استطاع والده العبقري في تأمين وسيلة هروبهما عن طريق تثبيت أجنحة لهما مصنوعة من الريش والصمغ. الشاب المتهور إيكاروس والمفتون بقدراته الجديدة على الطيران تجاهل تحذير والده من الطيران عاليا بالقرب من الشمس مما تسبب في إذابة الشمع وتفكك ريش أجنحته ومن ثم وقوع كارثة سقوطه المميت وغرقه في البحر. وهذا تقريبا ما حصل مع ترامب المتهور والذي حلق بعيدا في سماء السياسة وهو بعد حديث الخبرة بها وبهذا اقترب كثيرا من (أتون ونار) السياسة المحرقة والتي حرفيا (قصقصة) أجنحته ومن ثم أغرقته في أمواج المحيط السياسي الهادر.

تحليق ترامب المتهور والمندفع وغير المتدرج في سماء وأجواء السياسة ومن ثم سقوطه المحتوم يتشابه في جانب منه مع أسطورة إغريقية مشهورة أخرى هي تلك التي كان بطلها الأمير اليوناني بيليروفون. والذي يقال إنه أصابه الغرور عندما استطاع ترويض وامتطاء الحصان المجنح الأسطوري بيغاسوس وبدل أن يكتفي باستخدامه فقط لقتال أعدائه (مثل الوحش الكيميرا الرهيب) قاده اندفاعه وحماقته لاستخدام ذلك الحصان المجنح والتحليق عاليا وبعيدا في سماء المجد حتى يصل إلى جبل الأولمب لكي يقيم بين آلهة السماء. ووفق الأسطورة أغضبت هذه الرعونة والتحدي آلهة الأولمب وقام كبيرهم زيوس بإسقاط بيليروفون من فوق ظهر الحصان المجنح مما تسبب في وقوعه على الأرض وتعرضه للإصابة بالعمي والعرج وهكذا ظل منبوذا وذليلا لبقية حياته. وهذا تقريبا ما حصل مع الرئيس ترامب لقد امتطى حصان السياسة وحاول أن يحلق في سماء المجد وأن يحقق له مكانه مميزة في التاريخي السياسي الأمريكي بل وأن يحصل على تمثال أو لوحة فنية له تعلق داخل مبنى الكابتول (ربوة الأولمب الأمريكية) ولكن عندما أغضب دهاقنة وأرباب السياسة الأمريكية أسقطوه من عربته النارية المندفعة وأذاقوه الهوان والصغار.

الهوان والسخرية والاحتقار هو أصعب عذاب وأشنع عقاب لأي شخصية مغرورة وعاشقة لذاتها كشخصية الرئيس ترامب المغرق في النرجسية الذاتية. وهذا يقودنا إلى الشخصية الأسطورية في دنيا المثيولوجيا اليونانية التي تشابه تماما شخصية الرئيس ترامب ألا وهي الشاب ناركيسوس المغرور والفخور بنفسه وبجمال ملامحه. نجد في الأساطير الإغريقية أن ربة الجمال أفروديت عاقبت ناركيسوس على غروره بأن أشعلت في قلبه عشق صورته المنعكسة على صفح بركة ماء وبهذا ظل يحدق في صورته وعجز عن الإقلاع عن ذلك إلى أن مات وظهر مكان موته زهرة النرجس. ومن هنا تم تشخيص الظاهرة المشهورة في مجال علم النفس باسم (النرجسية narcissism) المشتقة من اسم ذلك المغرور والمتعالي ناركيسوس والذي ارتبط اسمه بزهرة النرجس. بكل سهولة يمكن لأي راصد أن يشخص الحالة النفسية للرئيس ترامب وأنه مصاب باضطراب الشخصية النرجسية من ملاحظة مشاكله في علاقته مع الآخرين ولغة الجسد المتعجرفة لديه والمفاخرة والمبالغة في مدح الذات وفرط الحساسية عنده لأي إهانات متخيلة (الغضب النرجسي).

حقا وصدقا الرئيس الأمريكي دونالد ترامب عجيب في صعوده للقمة وعجيب في طريقة وسرعة انحداره لدرك الخزي والعار.


( لعنة البرلمان !! )


 اقتحام أو الاعتداء على البرلمان بداية النهاية لكيانات سياسية كبرى

د. أحمد بن حامد الغامدي


تشتهر الولايات المتحدة الأمريكية بكونها تمتلك أكبر مبنى برلمان في العالم من حيث الحجم كما إنها تحتوي أكبر عدد من السجون والمساجين ولهذا كان يتم السخرية من الديمقراطية المنقوصة في بلاد العم سام بأنها ربما ينطبق عليها المقولة المشهورة (البلد الذي له برلمان ضخم لديه سجون ممتلئة). الديمقراطية الحقة ممارسة وليست مظاهر ومباني وبهرجة إعلامية وربما بسبب هشاشة المنظومة الديمقراطية في أمريكا حصلت فضيحة اجتياح مبنى الكونجرس يوم الأربعاء الماضي. في العديد من الدول والحضارات منظومة الحكم تكون راسخة وقائمة على عدد من الدعائم وفي حال خُلخلت إحدى هذه الدعائم تسقط منظومة الحكم تلك أو تضعف بشكل حاد. ومن أبرز هذه الدعائم المجالس التشريعية التي تعرف بالبرلمان أو مجلس النواب وعبر التاريخ حصلت العديد من الأحداث والشواهد التي تدل على أن من يحاول الاعتداء أو الاستنقاص أو التعطيل لهذه المجالس التشريعية والرقابية يتعرض لنكبة و (لعنة) خسارته لمقاليد الحكم والسلطة.

ولنبدأ بالقصة العجيبة للإمبراطور الروماني غريب الأطوار كاليجولا والذي حكم الإمبراطورية الرومانية لمدة أربعة سنوات بطريقة مجنونة وبديكتاتورية وطغيان شنيع. وعندما لم يكتفي باغتصاب زوجات كبار رجالات الدولة قام بتعمد ازدراء أعضاء مجلس الشيوخ الروماني عندما أصدر أوامره بجعل حصانه المفضل إينسيتاتوس عضوا في البرلمان وأقام حفلة عشاء كبرى بمناسبة تعيين حصانه في البرلمان وقدم للضيوف فيها وجبة مكونة فقط من الشعير والتبن. وبعد هذه الإهانة الشنيعة حصلت عدد من محاولات الاغتيال لذلك الإمبراطور المجنون التي دبرها بعض أعضاء مجلس الشيوخ وأخيرا حلت عليه لعنة البرلمان وتم قتله في الرابع والعشرين من يناير لعام 41 ميلادي.

 حاكم وسلطان آخر فقد حياته ومملكته من جراء (لعنة البرلمان) الذي تعمد إهانة أعضائه والاستبداد بهم وكان ذلكم الملك الإنجليزي تشارلز الأول الذي تهور باقتحام البرلمان البريطاني عام 1629م بهدف اعتقال خمسة من أعضاء البرلمان المعارضين له. كان هذا الفعل المتعجرف من الإمبراطور الإنجليزي سبباً في إحداث قلاقل سياسية في مملكته تدرجت من حل البرلمان إلى اندلاع حرب أهلية تم في نهايته خلع الملك والحكم عليه بالإعدام مما أضعف مكانة الحكم التاج لملكي البريطاني وتحويله لاحقا لمجرد ملكية دستورية تملك ولا تحكم.

زلازل سياسي هائل ثالث نتج من العلاقة المضطربة مع البرلمان والمجلس التشريعي هو ما حصل في نهاية الخلافة العثمانية مع السلطان عبد الحميد الثاني وقضيته مع البرلمان التركي المسمى مجلس المبعوثان. كحال أسلافه من قبله كان السلطان عبد الحميد يحكم بشكل شبه مطلق وبالرغم من أنه استطاع تعطيل البرلمان لمدة ثلاثين سنة إلا إنه بمجرد إن أعاد النشاط النيابي وفتح مجلس المبعوثان عام 1908م بدأت المشاكل مع أعضاء البرلمان الذين استطاعوا ليس فقط خلعه من الحكم ولكن التآمر لاحقا للقضاء النهائي على الخلافة الإسلامية.

سقوط آخر لإمبراطورية دولية عظمى تزامن مع الصراع مع البرلمان والاعتداء عليه وهذا ما حصل في ختام الاتحاد السوفيتي والذي سقط بشكل شبه فعلي من لحظة حصار الدبابات العسكرية لمبنى البرلمان الروسي (مجلس الدوما) أثناء المحاولة الانقلابية عام 1991م ضد الرئيس ميخائيل غورباتشوف. وفي الواقع كانت اللحظة الكاشفة للانقسام الحاد في المجتمع الروسي حصلت بعد ذلك بسنتين فقط عندما لم يتردد المستبد الرئيس الروسي بوريس يلتسين في إصدار الأوامر بالاعتداء على مجلس البرلمان بالقوة المسلحة بقذائف الدبابات مما تسبب في احتراق الأدوار العليا من مجلس الدوما. وكما حصل مع الروماني كاليجولا والإنجليزي تشارلز حدث في عصر حكم يلتسين أن أصابت لعنة البرلمان الأمة الروسية وانهارت من إمبراطورية عظمى إلى مجرد دولة ممزقة سياسيا ومفلسة اقتصادياً.

 

وبالعودة بعد هذه الجولة التاريخية والسياسية إلى الصراع السياسي والانقسام المجتمعي المعاصر في الأمة الأمريكية يصعب أن نقول إن (لعنة البرلمان) سوف تصيب الإمبراطورية الأمريكية الحالية بالانحدار السريع والتمزيق الأكيد. فمن الواضح أنه بالرغم من الخلل السياسي الكبير في النظام الأمريكي إلا أن آليات وأدوات (التصحيح الذاتي) في الديمقراطية الغربية ما زالت تستطيع كبح ظهور نظام ديكتاتوري منفلت. بسبب التخبط السياسي المشاهد الآن في أمريكا نستطيع أن نقول إن أمريكا (أمه في ضرر) ولكن ليست (أمة في خطر). ومع ذلك أعتقد أن (لعنة البرلمان) سوف تصيب في أدنى مستوياتها الطموح السياسي المستقبلي للرئيس الأمريكي غريب الأطوار دونالد ترامب وأبنائه وصهره. تهور ترامب الأهوج في دفع الجموع الحاشدة من مناصريه لاقتحام مبنى الكونجرس سوف يضعف بشكل مؤكد فرصته للترشح مرة إضافية للانتخابات الرئاسية إن لم يتسبب في المحاسبة القانونية له.

إلا على طاري المحاسبة القانونية لأفعال الرئيس نجد في المقابلة الشهيرة بين الرئيس الأمريكي المتعجرف ريتشارد نيكسون والمذيع التلفزيوني البريطاني المعروف السير ديفيد فروست عندما سأله عن جريمة تجسسه على خصومه السياسيين (فضيحة ووترغيت) فكان رد نيكسون الغريب (عندما يفعلها الرئيس فهذا يعني أن هذا الفعل قانوني). توقع الرئيس نيكسون أنه بإمكانه أن يفعل أي شي بحكم أن السلطة في يده هو بالضبط عين ما قصده المؤرخ الأمريكي هنري آدمز (من عائلة آدمز التي حكم منها اثنين من رؤساء أمريكا) عندما قال: السلطة سم وتأثيرها على الرؤساء دائما مأساوي. بالفعل فقد تسمم الرئيس دونالد ترامب حتى الثمالة بسموم ونشوة السلطة ولذا نحن ننتظر النهاية المأساوية والمفجعة له.


( دور الأطفال في تاريخ الطب )


 كيف تحول إهتمام الطب من تطعيم الأطفال إلى تطعيم العجائز

د/ أحمد بن حامد الغامدي

 في تاريخ العلوم يعتبر القرن التاسع عشر هو الفترة الحاسمة في مرحلة ظهور العلوم الحديثة وهذا يشمل بشكل أوضح انبثاق (عصر الطب الحديث). أبرز ما تطور في مجال الطب الحديث هو ظهور لقاحات وتطعيمات الأمراض وكذلك أدوية الأمراض المعدية ولاحقا المضادات الحيوية. في مرحلة بدايات و (طفولة) عصر الطب الحديث حصل توافق فريد بين نمو وتطور العلم الطبي الجديد والوليد وبين ظهور الأطفال في العديد من القصص والأحداث واللوحات الفنية والصور الفوتوغرافية التي توثق لتلك المرحلة من تاريخ الطب. طبعا دور الأطفال في تقدم الطب نتج من خلال تأديتهم لدور المريض الذي يتلقى العلاج ولهذا يستحقون تسليط الأضواء الكاشفة على ما قاموا به في هذا المجال أسوة بما قمنا به قبل عدة أشهر من نشر مقال (دور المريض العربي في علاج البشرية) والذي ربطنا فيه بين واقعنا المريض وبين اكتشاف مسببات أمراض خطيرة مثل الكوليرا والملاريا والتيفوئيد والتي حصل مكتشفوها من العلماء على جائزة نوبل في الطب.

المفارقة تكمن أنه في الأسابيع الماضي وفي أغلب بقاع العالم وبينما كانت كاميرات البث وفلاشات التصوير توثق الحدث التاريخي المميز بلحظة إعطاء التطعيم الجديد لوباء الكورونا كانت الأنظار مركزة على العجائز وكبار السن الذين حقنوا باللقاح. بينما سابقاً نجد في أغلب اللحظات التاريخية المفصلية لتطور علم الطب كان (الأطفال) هم من أسند لهم دور البطولة وحصلوا على الشهرة وفلاشات التصوير ولوحات التوثيق. في حين تابع مئات الملايين من البشر بترقب وحماس (اللقطة التلفزيونية) لتطيعم الجدة البريطانية مارغريت كينان بلقاح شركة فايزر المضاد لفيروس كورونا، نجد أن أول عملية تطعيم في التاريخ تمت ربما بدون أي جمهور أو شهود على الإطلاق. ومن المفارقات إن أول تطعيم لفيروس الكورونا كان للعجوز مارغريت البالغة من العمر 90 عاما نجد أنه قبل ذلك بحوالي قرنين من الزمن كان التطعيم الأول في التاريخ والذي قام به الطبيب الإنجليزي المشهور إدوارد جينر كان لطفل صغير يبلغ من العمر ثماني سنوات فقط. ذلك الطفل الذي يحمل اسم جيمس فيبس كان ولد البستاني الذي عمل في حديقة الدكتور جينر ونظرا لشهرة هذه الحادثة الطبية المفصلية في تاريخ العلم تم تخليدها بعدة لوحات فنية رسمت في أزمان مختلفة أشهرها تلك التي نفذها الرسام الإنجليزي إرنست بورد في مطلع القرن العشرين. هذا الطفل الذي ساهم في القضاء على مرض الجدري المخيف عاش لفترة طويلة في كنف الطبيب إدورد جينر لدرجة أنه عندما توفي الطبيب أوصى لذلك الولد (الشاب في حينها) أن يرث كوخ وبيت صغير كان له والجدير بالذكر إن كلا من الطبيب إدورد جينر وجيمس فيبس دفنا في نفس المقبرة في مدينة بيركلي البريطانية.

طفل آخر أرتبط لفترة طويلة من عمره مع أحد عمالقة الطب والعلوم وهذا ما نجده في قصة العالم الفرنسي الشهير لويس باستور والطفل المريض جوزيف مايستر. كما هو معلوم كان لويس باستور أول شخص يستطيع إنتاج اللقاحات الطبية والتطعيمات المناعية في المختبر لأمراض شنيعة مثل الكوليرا والجمرة الخبيثة. المهم في سردنا التاريخي هو ما توصل له باستور في عام 1886م من اكتشاف تطعيم مناعي فعال ضد مرض السعار (سعار الكلب rabies). في هذه الأثناء تعرض الطفل جوزيف البالغ من العمر تسع سنوات للعض من قبل كلب مسعور ولقد كان الموت محققا لهذا الطفل لولا رعاية الله الذي سخر له وجود باستور ليحقنه باللقاح في الوقت المناسب. وكما حصل مع الطفل جيمس فيبس الذي ارتبطت حياته مع الطبيب جينر نجد كذلك فإن الطفل جوزيف استمرت علاقته مع باستور وبعد أن بلغ وأصبح رجلا كان يعمل حارساً في بوابة معهد باستور الطبي بمدينة باريس. وكما تم تخليد قصة الطفل جيمس ببعض اللوحات الفنية التخيلية حصل نفس الأمر مع الطفل جوزيف والذي ظهر في عدد كبير من الرسومات والأعمال الفنية التي توثق لحظة حقن الطفل جوزيف كأول شخص يعالج بالتطعيمات المناعية المحضرة في المختبر.

كل الأحداث السابقة المتعلقة بقصص التطعيم (والقصص التالية المرتبطة باستخدام الأدوية والمضادات الحيوية) لم يتم توثيقها في نفس لحظة وقوعها حيث لم يكن قد شاع بعد استخدام الصور الفوتوغرافية في ذلك الوقت. بينما الحدث الإعلامي والطبي المشترك والبالغ الأهمية الذي حصل في شهر مارس من عام 1953م عندما تم لأول مرة تجربة اللقاح الجديد ضد مرض شلل الأطفال وذلك عندما تم تطعيم الطفل ذي التسع سنوات بيتر سولك واثنين من إخوته الصغار أمام كاميرات الصحافة ووسائل الإعلام التلفزيونية. بقي أن نقول إن من قام بعملية التطعيم هو والد أولئك الأطفال الثالثة وهو الطبيب الأمريكي جوناس سولك الذي طور لقاح شلل الأطفال وبحكم أن التجارب الأولية لهذا اللقاح لم تكن ناجحة تماما لهذا حاول سولك بث روح الطمأنينة لدى الآباء والأمهات بتجريب الأولي للتطعيم الجديد على أطفاله الثلاثة.

 طفولة طب .. من وخزة اللقاح إلى جرعة الدواء

كما كان للأطفال الدور الجوهري في أخذ أوائل اللقاحات الطبية المكتشفة حديثا كان لهم مشاركة تاريخية في تجربة الأدوية الجديدة قبل المرضى الكبار. ولنبدأ القصة بذكر الطبيب الألماني إميل بهرنج والذي يعتبر أول شخص في التاريخ يحصل على جائزة نوبل في الطب عام 1901م نظير اكتشافه لعلاج لمرض الدفتيريا المميت. الجدير بالذكر أن الدكتور بهرنج أشتهر بلقب (منقذ الأطفال) بسبب أن مرض الدفتيريا كان يحصد أرواح عشرات الآلاف من الأطفال سنويا. قبل فترة قصيرة من الآن عندما تلقت العجوز الإنجليزية مارغيرت كينان السابقة الذكر لقاح مرض فيروس الكورونا علقت لوسائل الإعلام بقولها (إنها أفضل هدية عيد ميلاد مبكرة يمكن أن أتمنى الحصول عليها) وفي الواقع حدث مشابه إلى حدا ما حصل قبل حوالي 130 سنة. تقول القصة إنه في ليلة عيد الميلاد Christmas Eve من عام 1891م كانت طفلة صغيرة تصارع مرض الدفتيريا القاتل في مستشفى مدينة ماربورغ الألمانية وهنا قام ولأول مرة في التاريخ الدكتور بهرنج باستخدام الطريقة الطبية الجديدة المتمثلة باستخدام المصل والعلاج المضاد antitoxin  لمثل هذا النوع من الأمراض المعدية. بلا شك لو صحت هذه القصة لتلك الفتاة فربما كانت تلك بالفعل أهم وأثمن هدية يمكن أن يحصل عليها أي مريض مسيحي في عيد الميلاد.

وعلى نفس النسق بين المزاوجة بين الماضي والحاضر والتنقل بينهما فكما نجد أن الطبيب الأمريكي جوناس سولك يستخدم لأول مرة في التاريخ لقاح شلل الأطفال في تطعيم أبنه البكر بيتر فكذلك نجد أن العالم والطبيب الألماني غرهارد دوماك الحاصل على جائزة نوبل لعام 1939م ومكتشف أدوية السالفا قام بتجربتها لأول مرة على طفلته هايدغارد المريضة بتسمم الدم. في عام 1932م تعرضت تلك الطفلة الصغيرة ذات الست سنوات لحادث بسيط ومع ذلك كاد أن يقضي على حياتها حيث تعرضت إحدى أصابعها لوخز إبرة ملوثة مما عرضها للتسمم البكتيري. وحيث أن دوماك كان قد أنهى اختباراته الأولية على حيوانات المعامل وثبت له فعالية عقار البرونتوزيل كأول أنواع المضادات الحيوية في تاريخ الطب ولهذا لم يتردد دوماك أن يجربه على ابنته المريضة كمحاولة لأنقاض حياتها من الموت المحتوم. وعلى ذكر (المضادات الحيوية) فلا شك أن أشهرها على الإطلاق هو دواء البنسلين وكذلك يذكر في كتب تاريخ العلم أن أول من تم علاجه البنسلين هو رجل شرطة بريطاني يدعى ألبرت الكسندر تتشابه قصته مع ابنة دوماك من أنه هو الآخر تعرض لتسمم بكتيري قاتل بسبب تعرض وجه لخدش بشوكة وردة !!. قصة هذا الشرطي المسكين حصلت في مستشفى مدينة أكسفورد وذلك في عام 1940م بينما الدراسات التاريخية الأكثر دقة تقول إن الاستخدام الأول لعقار البنسلين من المحتمل أنه تم قبل ذلك بعشر سنوات كاملة في مستشفى مدينة شيفيلد الإنجليزية عندما قام الطبيب سيسل بين (أحد تلاميذ أسطورة الطب ألكسندر فلمنج مكتشف البنسلين) بمعالجة ثلاثة من الأطفال الرضع بعقار البنسلين وذلك ضد مرض بكتيري خطير يصب أعين الأطفال حديثي الولادة.

 في الوقت الحالي الخطورة الصحية من الوباء الأخير للفيروس يتعرض لها أكثر كبار السن ولهذا كان الاهتمام بهم أوضح والأولوية لهم في العلاج والتطعيم مبرره ومقدرة. ومع ذلك علاج ورعاية الأطباء للأطفال والصغار لها رمزيتها في الوعي الجمعي للبشرية لأنها عناية وحماية لرصيد المستقبل الإنساني. ولهذا لا غرابة أن نجدد العديد من القصص والأخبار لمشاهير الأطباء في كل العصور وارتباطهم من الأطفال وعلاجهم وتشخيص لأمراضهم. ومن ذلك أيضا تخليد وتوثيق علاقة الأطباء بالأطفال في العديد من اللوحات الفنية فبالإضافة لما سبق ذكره عن لويس باستور وإدوارد جينر نجد كذلك لوحات ورسومات فنية مشهورة لأبي الطب أبقراط وهو يشخص ويفحص كبد طفل عاري الصدر. بينما في تاريخنا العربي والإسلامي انتشرت رسمه فنية نشاهد فيها ما يزعم أنه الطبيب العربي الكبير ابن سينا وهو يشخص مرض طفل ثري من خلال تفحص إحدى عينية في حين لوحة فنية أخرى تنسب للطبيب الكبير الرازي وهو ينظر في حلق طفل جالس أمامه في غرفة مليئة بالأدوات الكيميائية والتجهيزات الصيدلانية.


( المربعانية بين العرب والإنجليز !! )


 المربعانية هل هي فقط فلكلور شعبي

د/ أحمد بن حامد الغامدي

  يوماً ما قال الأديب الإيرلندي المشاكس أوسكار وايد (الحديث عن الطقس هو الملاذ الأخير للخيال) والغريب في الأمر أن أوسكار وايد وهو يحاول التقليل والتحقير من أهمية (سواليف الجو) فاته أنه قبل ولادته هو شخصيا بحوالي عشر سنوات تم نشر إحدى أهم وأشهر الروايات في الأدب الإنجليزي (مرتفعات وذرينغ). تلك الرواية التي كانت العمل الأدبي الوحيد الذي انتجته الكاتبة إيميلي برونتي وبالقطع هي رواية لا ينقصها الخيال كما إنها متخمة بسواليف وأحاديث الجو. أولاً كلمة (وذرينغ) في عنوان الرواية هي من كلمة wuthering والتي هي مأخوذة من كلمة الطقس weather ولكن بلهجة مقاطعة يوركشاير في شمال شرق إنجلترا. ثانيا أحاديث وأخبار الطقس متكررة بشكل ملحوظ في هذه الرواية فمثلا ترد كلمة الربيع 25 مرة والشتاء 23 مرة والصيف 22 مرة.

الطقس المتقلب يصعب التنبؤ بحالته المستقبلية ولهذا هو مغري للحديث والدردشة حوله كما إن السؤال أو التعليق عن حالة الطقس (يذيب حاجز الجليد) بين الأشخاص المصابين بالبرود الاجتماعي وبالتالي ينفع هذا التكتيك في كسر حاجز الصمت بين الغرباء. ما سبق ذكره موجود في طبيعة أفراد المجتمع الإنجليزي ولهذا أصبح الجنتلمان الإنجليزي هو أكثر شخص بين الأجناس البشرية حديثا عن أحوال الطقس. في البلاد العربية الطقس دافئ أو حار في أغلب أشهر السنة والشذوذ البارز هو ما يحصل في أشهر الشتاء حيث يتغير المناخ بشكل جذري وندخل في دائرة (الطقس المتقلب). وبسبب تشابه تذبذب أجواء الشتاء سواء في بلاد العرب أو أرض الإنجليز نجد أن تلك (البيئة) خصبة ليس فقط للدردشة والحديث ولكن (على عكس مما استبعده أوسكار وايد) هي بيئة وأجواء تحفيز الخيال لاختلاق واختراع العديد من الأساطير والأمثال الشعبية التي لا تجد لها مقابل في أجواء الصيف الاعتيادية.

بعد غد (أي يوم الإثنين القادم) سوف يكون مبتدأ فصل الشتاء بشكل فعلي حسب علم الفلك والذي يضبط بدقة زمن الشتاء ما بين ظاهرتي الانقلاب الشتوي (21 ديسمبر) والاعتدال الربيعي (20 مارس). في مقابل هذه الفصول الفلكية المنضبطة نجد العديد من الشعوب لها موروث شعبي أشبه بالفلكلور في تحديد مواعيد (الفصول النجمية) والتي ليس لها في الغالب أسباب علمية منضبطة. في مورثنا الشعبي الدارج يوجد زعم شائع أن (شدة البرد) تقع خلال موسم المربعانية الذي يمتد لمدة أربعين يوما والمثير للشك أن بداية مربعانية الشتاء على خلاف الظواهر الفلكية المنضبطة يوجد فيها اختلاف كبير وجدل متكرر فهل هي تبدأ في الأول من شهر ديسمبر أو السابع من ذلك الشهر. الإشكال الآخر يكمن أنه وفق إحصائيات علم الأرصاد الجوية فإن أغلب أيام الشتاء الأشد برودة تقع في شهر يناير وشهر فبراير. وربما كمخرج من التناقض بين الزعم أن المربعانية هي أشد البرد وأن أيام فبراير (شباط) هي الأبرد فعلياً وحسياً ما دفع البعض لنسج القصة المعروفة في الموروث الشعبي عن المربعانية وهي توصى ولدها شباط بقولها (يا وليدي ترى أنا مريت ولا ضريت) بمعنى أن بردها كان خفيفا وليس ضارا كما هو برد شهر شباط/فبراير. وفي تكملة المثل الشعبي أن برد المربعانية لم يؤثر إلا في الأشخاص ضعاف الأحوال المادية الذين لا يستطيعون شراء حطب السمر وأكل التمر (ما قويت إلا اللي شبوبه ليف وأكله دويف) وهذا تأكيد إضافي أن برد المربعانية في الغالب ليس قارصاً. ويضاف لذلك أن عند الشعوب الأخرى أمثال شعبية تعزز ملاحظة أن أشد أيام الشتاء بردا هي في آخر الشتاء وليس في أوله ولهذا يقال في بلاد الشام (خبي فحماتك الكبار لجدك آذار) بمعنى وفر وقود حطبك الكبير لشدة برد شهر مارس. وعلى ذكر بلاد الشام وما جاورها من أرض فلسطين المباركة تجدر الإشارة إلا أن المربعانية عندهم ليس فقط تختلف عن مربعانيتنا في التسمية (تدعى بالأربعينية) ولكن هي كذلك تتوافق بشكل سليم مع بداية فصل الشتاء الفلكي من 22 ديسمبر وحتى 31 يناير مما يعزز فرصة أن تكون المربعانية عندهم متوافقة أكثر مع الأيام الأشد برودة.

وهذا التوافق الصحيح بين شدة البرد التي تبدأ من 22 ديسمبر والرقم (أربعون) موجود في العديد من الحضارات الآسيوية كما هو الحال مع مربعانية جبال الهملايا الهندية المسماة تشيلي كلان (chillai kalan) أو مربعانية الشعب الفارسي في إيران المسماة شب تشيله (shabe chellh). وفي حين أننا بعيدين من ناحية التوقيت الصحيح لبداية المربعانية عن الأشقاء من عرب الشمال والجيران من الشعوب الأخرى إلا إننا نتوافق بشكل غريب مع (مربعانية روسية) غير متوقعة. من المعروف أنه في فصل الشتاء في مناطق الدائرة القطبية الشمالية تختفي الشمس لفترة طويلة ويستمر الظلام المتواصل لعدة أسابيع. وما يهمنا هنا هو ذكر مدينة مورمانسك الروسية التي تدخل كل سنة في فصل الشتاء بما يسمى ظاهرة (الليل القطبي) المتواصل والذي يستمر لمدة أربعين يوما هي تلك الممتدة من يوم الثاني من ديسمبر وحتى يوم الحادي عشر من شهر يناير وهي تقريبا نفس توقيت موسم المربعانية في بلادنا. ومع ذلك الأغرب من قصص وأخبار الطقس ليس المربعانية الروسية المظلمة ولكن المربعانية الإنجليزية الممطرة. منذ أكثر من ألف عام وحتى يوم الناس هذا تنتشر في البلاد الإنجليزية أسطورة مناخية طريفة تقول إنه إذا حصل وهطل المطر في يوم عيد القديس سويثن فهذا يعني أن السماء سوف تستمر تهطل بالمطر لمدة أربعين يوما متواصلة. لمن يعرف (أو عانى من تجربة كائبة) الجو البريطاني في فصل الشتاء لن يستغرب كثيرا من هذه الأسطورة الفلكلورية الإنجليزية لأن الجو الماطر هنالك كثير ما يستمر لعدة أسابيع. المفارقة ووجه التعجب في هذه الأسطورة أن يوم عيد القديس سويثن ليس في الشتاء ولكن في عز الصيف حيث يقع في يوم 15 يوليو ومن هنا نادر جدا أن يستمر المطر لكل تلك الفترة المربعانية المتواصلة. في وسط القارة الأوروبية نجد (مربعانية ماطرة) أخرى مشابهة بدرجة كبيرة للمربعانية الإنجليزية مع بعض الاختلافات الطفيفة فهي تتعلق بعيد القديس ميدارد والذي يقع في يوم الثامن من شهر يوليو ولكن مع بقاء جوهر الأسطورة الأصلي: إذا هطل المطر في ذلك الصيف في يوم عيد القديس فيتوجب على يمن صدق بهذه الخرافة أن يحمل مظلته معه لمدة أربعين يوما.

بقي أن نقول قبل أن نغادر عالم الأساطير والطقس أن الرقم (40) يقصد به في الغالب الكثرة وطول المدة ولا يقصد به المعنى الحرفي لذلك الرقم الحسابي. وكما نقول في اللغة الدارجة (عشرون مرة قلت لك ألا تفعل ذلك الأمر) فبالطبع نحن نقصد أننا كثيرا ما كررنا عليك التنبيه. وعلى نفس النسق عندما نسمع عن الظاهرة المناخية المسماة (رياح الخماسين) وهي الرياح الرملية العاتية التي تهب من الصحراء الكبرى وتستمر (لفترة طويلة) من الزمن ومن هنا نفهم أن الرقم (خمسون) في تسمية تلك الظاهرة المناخية ليس المقصود منه أن تلك الرياح تستمر لمدة 50 يوما بالفعل. وأعتقد أن هذا هو المقصود في موروثنا الشعبي بموسم (المربعانية) وأنها دلالة على فترة زمنية طويلة من الأجواء الباردة.

 الطقس وأيام العرب

الجدير بالذكر أن الحديث والمسامرة بذكر أخبار وقصص (موسم المربعانية) ليس قديما في الثقافة العربية والموروث الشعبي. فالمتصفح لكتب الأنواء والمواسم المناخية لدى العرب لا يجد ذكر لمصطلح (المربعانية). فهذا مثلا كتاب الأزمنة والأنواء لعالم الفلك ابن الأجدبي والمتوفى في منتصف القرن السابع الهجري وبالرغم من أنه يذكر أوقات دخول الفصول المناخية كما نعرفها اليوم وارتباطها بالأبراج السماوية مثل بداية الشتاء مع دخول برج الجدي. وكذلك يذكر الكتاب المطالع النجمية المشهورة لدينا مثل سعد الذابح وسعد بلع وسعد السعود وسعد الأخبية كما يذكر المؤلف كل الأمثلة الشعبية المتداولة لدينا حتى الآن عن هذه المطالع النجمية ومع ذلك لا توجد أي إشارة لكلمة (المربعانية). بل إن الموروث الشعري العربي القديم يركز في رصد ظاهرة الفصول المناخية وتغير الأجواء والطقس ليس على دخول البروج السماوية ولكن على ظهور النجوم. فكما هو معلوم ظهور نجم (الثريا) يرتبط بدخول فصل الشتاء وهطول الأمطار وهذا ما نجده في مطلع القصيد فائقة الرونق للشاعر الأموي ذو الرمة والتي استهل قصيدته بالدعاء بهطول المطر على دار محبوبته وقت حلول نوء نجم الثريا:

يا دار ميّة بالخلصاء فالجردِ               سُقيا وإن هِجتِ لأدنى الشوق للكمدِ

مُجلجل الرعد عرّاصا إذا إرتجست     نوءُ الثريا أو جبهة الأسدِ

وقوله في موقع آخر:

أمنزِلَتَي مَيَّ سلامٌ عليكما              على النأي والنائي يودّ وينصحُ

ولا زال من نوء السِماك عليكما      ونوء الثريا وابلٌ متبطحُ

 وأما فصل الصيف اللّهاب فيتوافق معه ظهور نجم (الشعرى اليمانية) ويكفي للاستشهاد بالعلاقة بينهما ذكر بيت الشعر الساخن الذي وصف فيه الشاعر الجاهلي الشنفرى كيف أنه في أحد أيام الحر الشديد وقت ظهور نجم الشعرى تتقلب الأفاعي على الرمضاء وتتململ:

ويومٍ من الشّعرى يذوب لُوابُهُ        أفاعية في رمضائه تتململُ

 وفي المقابل فإن ضهور نجم (سهيل) يكون متوافق مع نهاية فصل الصيف وبداية انكسار حدة الحر والقيظ ومن هنا وظّف أحد الشعراء خيبة الأمل وحظه العاثر حتى مع الطقس:

جاء سهيلٌ بالحرور والفزع        قد كنت أرجو نفعه فما نفع

 وبمناسبة ذكر أشعار العرب الأثرية الغابرة والمرتبطة بالطقس والفلك أليس من الغريب أن موروثنا الأدبي والحضاري العتيق نعلم عنه أدق تفاصيله بينما موروثنا الشعبي القريب أشبه بالأساطير التي لا نعرف كيف ظهرت. وبالرغم من مئات الدواوين الشعرية المخطوطة وآلاف الكتب الأدبية التراثية المطبوعة إلا أنه في القرون الزمنية الأخيرة (عصور الانحطاط) دار الزمان دورته ورجعت أشعار العرب وأخبارهم تتداول بالمشافهة وليس بالتدوين والكتابة. قد لا نعلم كيف وأين ومتى ظهر مصطلح (المربعانية) لأن الأجيال التي سبقتنا انتشر فيها الجهل والأمية ولهذا لم يوثقوا لنا ما الأبعاد الحقيقة لحكايا الشتاء المبهمة مثل برد العجوز وبياع الخبل عباته أو كيف أن للعقارب سم ودم ودسم. المخجل حقا أنه بعد أن كان يجمع أشعار العرب كبار أهل اللغة من أهلها من مثل المفضل الضبي والأصمعي وأبي زيد القرشي وصل بنا الحال أنه قبل قرنين من الزمن لم يحفظ الشعر النبطي القديم من الضياع إلا بعض المستشرقين. لفهم ودراسة كيف ظهر فلكلور الشعر النبطي يمكن أن نستفيد من جهود المستشرق الألماني ألبريت سوسين الذي كان أول من جمع ديوان الشعر النبطي وكذلك الرحالة والمستشرق الفرنسي شارل هوبر الذي أكمل مسيرة سوسين وجمع في منتصف القرن التاسع عشر ثلاث دواوين للشعر النبطي. بينما بسبب انعدام التوثيق للموروث الشعبي المتعلق بالظواهر المناخية ليس لنا إلا الخيال لمحاولة تفسير فلكلور موسم المربعانية.


السبت، 19 ديسمبر 2020

( علماء على قوائم الاغتيال )


العلماء والمخترعين هم من أوائل ضحايا السياسة

د/ أحمد بن حامد الغامدي

 الروائي الأمريكي المعاصر تيم اوبراين اشترك في حرب فيتنام ولاحقا كتب رواية أدبية عنها وذاعت شهرته أكثر عندما قال (القصة الحقيقة للحرب لا تكون أخلاقية). وفي الواقع تجريم جميع الحروب هو تيار قديم في الحضارة الغربية والذي يسخر وينتقد فكرة احتمالية وجود أي حرب عادلة مثل تلك التي تزعمها تعاليم الكنيسة على لسان أشهر منظريها مثل القديس أوغسطين أو القديس توماس الاكويني. ولهذا نجد الدول الغربية لا تتورع كثيرا في ارتكاب المجازر وجرائم الحرب حتى خارج زمن القتال الفعلي. ومن نتائج فلسفة (الحرب الاستباقية) التي تتبعها الدول العظمى خارج القانون الدولي لا يستغرب كثيرا قيام بعض تلك الدول الغربية بتعمد اغتيال العلماء والباحثين المدنيين من رعايا الدول المعادية. حصل هذا الأسبوع قيام الكيان الصهيوني باغتيال العالم النووي محسن فخري زاده أستاذ الفيزياء بجامعة الإمام الحسين بمدينة طهران ورئيس البرنامج النووي الإيراني. لقد نجحت الاستخبارات الإسرائيلية في تصفية (أبو القنبلة الإيرانية) وهي في ذلك تسير على خطى ومسار الاستخبارات الأمريكية عندما حاولت تصفية واغتيال (أبو القنبلة النازية). كان ذلكم العالم الألماني الشهير فيرنر هايزنبرغ أحد رواد علم ميكانيكا الكم والحاصل على جائزة نوبل في الفيزياء لعام 1932م ونتيجة لارتباطه بعلوم الذرات اختاره هتلر لتولي مهام رئاسة مشروع إنتاج القنبلة الذرية للنظام النازي. وبحكم أن دول الحلفاء وعلى رأسهم الولايات المتحدة الأمريكية كانت على سباق للتسلح مع ألمانيا النازية أيهم ينجح في تصنيع القنبلة الذرية أولا ولهذا كان هايزنبرغ هدف مشروع التخلص منه وفق مبادئ الحرب الاستباقية.

ففي عام 1944م قامت وكالة الخدمات الاستراتيجية OSS agency (المنظمة السابقة لجهاز الاستخبارات الأمريكية CIA) بإرسال عميل سري ليحضر محاضرة علمية يلقيها هايزنبرغ في مدينة زيورخ السويسرية. وطلب من ذلك الجاسوس أنه إذا استنتج من المعلومات التي يطرحها هايزنبرغ في تلك المحاضرة بأن المشروع الألماني لتصنيع القنبلة الذرية يحقق تقدماً فعليه حين ذاك أن يقوم بإطلاق النار مباشرة على المحاضر. ولقد ظل هذا العميل طوال المحاضرة وهو يضع يده على مسدسه المخفي وكما هو متوقع فإن هايزنبرغ لم يكن على درجة من الحماقة أن يفشي أسرار علمية خطيرة على الملأ ولهذا نجى من الاغتيال وإن كان لن ينجو في نهاية الحرب من الاعتقال والسجن.

الحرب سجال كما يقال ولهذا لا غرابة أن نجد ألمانيا النازية تقوم بحرب استباقية مضادة ضد دول الحلفاء وتستهدف هي بدورها أبرز علماء الفيزياء المساهمين في تصنيع القنبلة الذرية الأمريكية. جميع طلاب العلوم في المرحلة الثانوية يعرفون اسم عالم الفيزياء الدنماركي نيلز بور صاحب نموذج تركيب الذرة وكذلك أحد أبرز علماء الكم والحاصل على جائزة نوبل في الفيزياء لعام 1922م أي بعد سنة واحدة مباشرة بعد حصول أينشتاين عليها. ما يهم هنا أن نيلز بور كان له دور كبير في تهريب العديد من أبرز علماء الفيزياء المناهضين للنازية من ألمانيا وتسهيل وصولهم لبريطانيا أو أمريكا أو كندا ومن ثم حشدهم في مشروع مانهاتن لتصنيع القنبلة الذرية. ولهذا عندما غزت القوات النازية مدينة كوبنهاجن عاصمة الدنمارك أصدر هتلر شخصيا أوامره باعتقال نيلز بور أو القضاء عليه إن تعذر ذلك. وبعد بحث مكثف عن نيلز بور فشل جنود الجيش النازي في القبض عليه حيث استطاع التخفي لفترة من الزمن داخل منازل كوبنهاجن قبل أن يتم تهريبه بواسطة قارب لصيد الأسماك إلى السويد. وبالرغم من دولة السويد أنها كانت بشكل رسمي في حالة حياد في الحرب بين دول الحلفاء ودول المحور إلا إن إقامة نيلز بور في ستوكهولم كانت غير آمنه فربما يسهل عملية اغتياله ولهذا سارع البريطانيين لترحيله من السويد باستخدام طائرة حربية. قديما الطائرات الحربية لم يكن يوجد بها إلا مقعد واحد مخصص للطيار ولهذا تم وضع نيلز بور في المكان المخصص لتخزين القنابل كما تم إصدار التعليمات المشددة على قائد تلك الطائرة المقاتلة أنه في حال حصل اعتراض للطائرة في الجو من قبل الطائرات الحربية الألمانية فيجب اسقاط نيلز بور بواسطة مضلة البراشوت !!.

لقد بذل الحلفاء كل الجهد الممكن للمحافظة على سلامة ذلك العالم الدنماركي البالغ الأهمية (للمجهود الحربي) وهو أمر سوف يتكرر بعد ذلك بسنوات عندما بذلت السلطات السوفيتية كل ما في وسعها للمحافظة على سلامة وحياة مهندس الصواريخ الروسي سيرجي كوروليوف الملقب بأبو برنامج الفضاء الروسي. في حين أن الجميع يعرف من هم العلماء والمهندسين المشرفين على برنامج تطوير الصواريخ الفضائية والحربية الأمريكية من مثل المهندس فيرنر فون براون وعالم الفضاء روبرت جودارد والذين أصبحوا من نجوم المجتمع الأمريكي. إلا أنه في المقابل وحتى انهيار الاتحاد السوفيتي لم يكشف بشكل جلي عن قادة برنامج تطوير الصواريخ الروسية وظلت شخصيتهم سرية بشكل تام وذلك حماية لهم من أن يتم ارسال جواسيس من الغرب لاغتيالهم كما حصل مع هايزنبرغ السالف الذكر.

عند زيارتنا لساحة متحف غزو الفضاء في قلب العاصمة الروسية موسكو كان من السهل جدا لي التعرف على تمثال يوري غاغارين أول رائد فضاء في التاريخ وكذلك تمثال السيدة فالنتينا تريشكوفا أول رائدة فضاء روسية. ولكن ما لفت انتباهي أن أكبر تمثال في تلك الساحة والمقام في موضع مميز جدا كان لشخص مجهول تماما لي ولقد وقفت حائر أمام هذا التمثال الضخم والذي كنت أتمنى أن أعرف لمن هو لأن الاسم المسجل على التمثال كان مكتوب بالأحرف الروسية المختلفة عن الاحرف الإنجليزية المعتادة. ولاحقا بعد قراءتي لكتاب (سباق الفضاء Space Race) بين الأمريكان والروس تبين لي أن ذلك التمثال المميز كان لتلك الشخصية العلمية الهامة والمجهولة والتي أخفها الاتحاد السوفيتي عن العالم أجمع حفاظا على حياته وقد كان لكوروليوف حظوة ومكانه عند الرئيس الروسي خرتشوف حيث كان يدعم مشاريعه الكبرى في إنتاج الصواريخ لأسباب عسكرية أكثر منها أسباب علمية لاكتشاف الفضاء.

نزيف العقول بين الحقيقة والمجاز

عندما أرسلت الولايات المتحدة عميلها السري لاغتيال عالم الفيزياء هايزنبرغ السالف الذكر يقال إن الجنرال الأمريكي نيد بوكستون مدير وكالة الاستخبارات OSS برر ذلك الفعل بقوله (أنت تحرم عدوك من عقله). ففي الحروب والصراعات الكبرى لا تتردد الدول من القضاء على القوى الناعمة ومصادر التفوق لدى الخصم من مثل العلماء والمخترعين وعباقرة الاقتصاد والإدارة. في السابق كانت ظاهرة العقول المهاجرة توصف أحيانا (بنزيف العقول) وفي بعض الحالات عندما يتم تصفية وقتل تلك العقول النابغة وسفك دمائها يصبح ذلك الوصف حقيقة لا مجاز. والجدير بالذكر أن حرص الحكام والقادة على حرمان أعدائهم من ذخيرتهم من العقول العبقرية لا يقف فقط عند قتل البشر بل وحتى هدم الحجر ممثلا في تدمير المختبرات العلمية والمراكز البحثية ذات الطبيعة المدينة البحتة. في نفس الفترة التي كان الأمريكان يخططون فيها لاغتيال هايزنبرغ على رؤوس الأشهاد في قاعة المحاضرات كانت الطائرات الحربية الأمريكية والبريطانية تقصف وتدمر بشكل متعمد المختبرات العلمية في جمعية القيصر فيلهام لتقدم العلوم في برلين حيث كان هايزنبرغ يدير معهد الفيزياء بها.

وبالقرب من مختبرات هايزنبرغ المدمرة حصل تناقض سياسي وعلمي غريب حيث يقع هنالك معهد القيصر فيلهام للكيمياء وهو المكان الذي اكتشف فيه الكيميائي الألماني أوتو هان ظاهرة الانشطار النووي. كما هو معلوم ظاهرة الانشطار النووي هي التي مكنت العلماء الأمريكان من تصنيع القنبلة الذرية عام 1944م وفي نفس ذلك العام حصل أوتو هان على جائزة نوبل في الكيمياء (تقديرا) لإنجازه العلمي التاريخي ذاك. وفي نفس ذلك التوقيت يأمر الجنرال الأمريكي ليزلي غروفز مدير مشروع مانهاتن لتصنيع القنبلة الذرية، يأمر الجيش الأمريكي بقصف مختبر ومكتب أوتو هان في معهد الكيمياء في بارلين. وذلك كخطوة (استباقية واحترازية) تهدف لحرمان الألمان من عقل أوتو هان المتمثل في الوثائق العلمية التي كانت موجودة في مختبرة وتتعلق بالتفاعلات المتسلسلة الذرية. ومع تكرر الغارات الجوية الأمريكية وقصفها لمعهد الكيمياء بمدينة برلين تم كذلك تدمير مختبر عالم الكيمياء الألماني المعروف لجميع طلاب الجامعة في مجال الكيمياء والصيدلة أوتو ديلز (صاحب تفاعل ديلز – ألدر في الكيمياء العضوية) والحاصل على جائزة نوبل في الكيمياء لعام مع 1950م مع تلميذه كورت ألدر. ونظرا لأن أتو ديلز كان متقدما في السن فقد أثر تدمير مختبره على مستقبله العلمي وجعله يستقيل بشكل نهائي وبالفعل حرم الأمريكان المجتمع العلمي الألماني من هذا العقل العبقري.

تشير المراجع التاريخية إلى أن الطائرات الحربية الأمريكية والبريطانية قصفت وبشكل متعمد حوالي عشرين جامعة ألمانية وفي مختلف المدن وما يهمنا هنا هو الإشارة إلى قصف جامعة ميونخ الألمانية. والذي تسبب في نسف مختبر عالم الكيمياء العضوية الألماني البارز هانس فيشر والحاصل على جائزة نوبل في الكيمياء لعام 1930 ميلادي. من الأمور المحزنة ذكرها هنا عن نتائج القصف الأمريكي لجامعة ميونخ أنه أتلف بشكل شبه كامل المتحف والمعهد الخاص بالمخطوطات الإسلامية النادرة جدا والتي كان من ضمنها عدد كبير من أقدم نسخ القرآن الكريم.

 في سياق ما تم ذكره نستوعب الآن أكثر ما يحصل في واقعنا القريب من عدم تورع بعض الدول من خرق القانون الدولي وبحجة حفظ مصالح أمنها الوطني قد تتعدى على سيادة ومواطني الدول الأخرى. وهذا ما تكرر بشكل فج وإجرامي من العدو الإسرائيلي عندما تعدى على الحجر والبشر في العراق حيث لم يكتف عام 1981م بتدمير مشروع المفاعل النووي العراقي ولكن استهدف البشر كذلك وفق السياسة المذكورة سابقا حيال نزيف العقول (أنت تحرم عدوك من عقله). توجد شكوك قوية بأن استخبارات الموساد للعدو الإسرائيلي تسببت في تصفية بعض علماء الذرة العرب الذين كانوا يعملون في مفاعل تموز العراقي مثل عالم الذرة العراقي رشيد اللامي الذي توفي في ظروف غامضة في مدينة جنيف وكذلك تم قتل عالم الذرة المصري المعروف يحي المشد في مدينة باريس. نزيف دماء وتجريف عقول العلماء العراقيين وصل لمرحلة المجازر الجماعية بعد غزو القوات الأمريكية للعراق عام 2003م حيث تنافس عملاء المخابرات الإيرانية والإسرائيلية كلا على حدة في تصفية واغتيال العشرات من أبرز وأهم علماء العراق. وكلمحة خاطفة لهذه الكارثة العلمية والحضارية العربية نشير فقط لأسماء العلماء في التخصصات العلمية في جامعة بغداد الذي تم قتلهم بعد سقوط بغداد مثل عالم الذرة مجيد حسين علي والفيزيائي علي حسين كامل والفيزيائية هيفاء الحلي والكيميائي محمد الأزميرلي والكيميائي باسل الكرخي وعالم الأحياء رعد شلاش.

كلمة أخيرة قد يكون عدونا وأحد وأزلي فينبغي أن نتحد جميعا لمواجهته فها هو ذا العدو نفسه لا يفرق بيننا حال الحرب والقتال وكما قاتل العدو الصهيوني أغلب الجيوش العربية فهو كذلك قتل واغتال جميع جنسيات العلماء العرب مثل رشيد اللامي العراقي ويحي المشد المصري والمهندس الكهربائي الفلسطيني يحي عياش ومهندس الطيران التونسي محمد الزواري وغيرهم كثير.

 


 

( الكفاح لاكتشاف اللقاح )


 كم من المجهود والمال يصرف حتى نصل لهذه اللحظة

د/ أحمد بن حامد الغامدي

 

 في الطب أول العلاج تعزيز المناعة ومع ذلك كان اكتشاف التطعيمات الطبية واللقاحات المناعية هي آخر الأسلحة من الناحية التسلسل التاريخي التي تم ضمها لترسانة أسلحة (الحرب على الأمراض). منذ فجر التاريخ وحتى الآن تعرف الأطباء على آلاف الأمراض ومثل ذلك العدد من الأدوية والعقاقير ولكن حتى الآن عدد اللقاحات والتطعيمات الطبية قليل جدا بشكل غريب. من طبيعة الأشياء أن الأمور الصعبة والمكلفة تحتاج إلى محفزات ومغريات جمة لحث البشر على أدائها وبحكم أن اكتشاف وتطوير التطعيمات الطبية عملية صعبة وعدد قليل من الأمراض يمكن إنتاج تطعيم لها فلهذا لابد من (الكفاح لاكتشاف اللقاح). والدوافع لتحقيق إنجازات طبية كبرى متنوعة ويمكن اختزالها بأنها دوافع إنسانية أو مالية أو سياسية وهو ما سوف نحاول استعراضه بشكل مختزل في هذا المقال.

الإمام الكبير الحافظ ابن حجر العسقلاني له كتاب فريد حمل اسم (بذل الماعون في فضل الطاعون) والدافع والمحرك لاهتمام ابن حجر بتأليف هذا الكتاب أنه فجع في عام 883هـ بتسبب الطاعون الكبير الذي أصاب مصر والعالم أجمع (الطاعون الأسود) في مقتل ثلاث من بناته. الفجيعة الإنسانية بفقد الأبناء والبنات من جراء الأوبئة والأمراض كانت هي الدافع والحافز لظهور أهم وأعظم شخصية علمية على الإطلاق في مجال علم اللقاحات الطبية. وذلك هو العالم الفرنسي الشهير لويس باستور وهو وإن كان في الأصل عالم كيميائي إلا أن من الدوافع الحاسمة في اتجاهه لمجال الدراسات والأبحاث الطبية لاكتشاف أسباب بعض الأمراض وطرق الوقاية منها بإنتاج التطعيمات المناعية أنه عانى هو الآخر من وفاة ثلاثة من بناته بوباء التيفوئيد القاتل. لقد دخل باستور التاريخ من أوسع وأزهى أبوابه بكونه أول من اكتشف وطور لقاح طبي في المختبرات العلمية وهو لقاح مرض الكوليرا بالإضافة لاكتشافه للقاح وتطعيم مرض الجمرة الخبيثة ومرض داء الكلب. بالمناسبة من المشهور إن الطبيب الإنجليزي المعروف إدوارد جينر هو أول من اكتشف مفهوم اللقاحات المناعية وهذا وإن كان خطأ تاريخي شائع إلا أنه يقصد به اللقاحات التي تنتج طبيعيا من خلال الحيوانات (مثل الأبقار المصابة بمرض الجدري) بينما كان إسهام لويس باستور أنه أول من أنتج لقاح طبي مصنع في المختبر (بدون أبقار ولكن باستخدام بيض الدجاج !!). من غرائب الصدف في (الارتباط التاريخي) بين لويس باستور وإدوارد جينر أن ولادة أحدهما كانت متزامنة تقريبا بوفاة الآخر فعندما ولد باستور في نهاية شهر ديسمبر من عام 1822م حصلت وفاة جينر بعد ذلك التاريخ بشهر واحد فقط أي في نهاية شهر يناير. حادثة مشابهة إلى حدا ما حصلت قبل ذلك بحوالي مائتين سنة عندما تزامن ولادة ووفاة عملاقي العلم إسحاق نيوتن وغاليليو غاليلي في نفس تلك الشهور من عام 1642 ميلادي.

وبالعودة إلى موضوع إن المشاعر الإنسانية والوشائج الأسرية قد تكون هي الدافع الأكبر في مسيرة كبار العلماء لتحقيق كبرى الاكتشافات الطبية كما حصل مع باستور من جراء وفاة بناته الثلاث نجد هذه الظاهرة شائعة في كتب تاريخ العلوم. فهذا الطبيب الألماني جيرهارد دوماك الذي اكتشف أدوية السلفا وحصل نظير ذلك على جائزة نوبل في الطب لعام 1932م كان من دوافعه لإنتاج أول أدوية مضادات البكتيريا في التاريخ حتى يستطيع إنقاذ حياة طفلته الصغيرة التي كانت تصارع الموت بسبب تعرضها لالتهاب وتسمم بكتيري. بينما يقال إن الطبيب الكندي فريدريك بانتنغ بعد معاناته في مرحلة الشباب من جراء وفاة والدته بسبب مضاعفات مرض السكر لهذا حرص بانتنغ على دراسة الطب ومحاولة إيجاد علاج لمرض السكر ولاحقا اكتشف هرمون الأنسولين وحصل على جائزة نوبل في الطب لعام 1923 ميلادي. وعالمة الكيمياء والصيدلانية الأمريكية جيرترود إليون عندما كانت في سن المراهقة وبعد مشاهدتها لوفاة جدها بسرطان المعدة صممت على دراسة الكيمياء لتتمكن من إنتاج الأدوية لعلاج السرطان وهذا من حصل لاحقا وخصوصا مع مرض سرطان الدم مما حقق لها الحصول على جائزة نوبل في الطب عام 1988 ميلادي.

كما لاحظنا بعض العلماء والأطباء قادتهم وشائجهم الأسرية للتعمق في العلم وعلى العكس من ذلك البعض من العلماء والباحثين قادهم التعمق في العلم للتأثير على علاقاتهم الأسرية ليس فقط في ضعف ترابطهم الأسري ولكن لتوظيف أفراد أسرهم كفئران تجارب أن صح التوصيف. وبالعودة إلى إدوارد جينر فمن الأخطاء التاريخية الشائعة مقولة أنه أول من اكتشف ظاهرة المناعة ضد الأمراض من خلال التطعيم ومن الأخطاء التاريخية الشائعة أيضا الزعم أنه أجرى أول عملية تطعيم بلقاح مرض الجدري على طفله الصغير. وإذا كان جينر هو أول عالم تطعيمات مشهور فإن آخر عالم مشهور في دنيا اكتشاف اللقاحات المناعية هو ولا شك الطبيب الأمريكي جوناس سولك والذي استطاع عام 1955م تطوير لقاح طبي لمرض شلل الأطفال. حتى منتصف القرن العشرين كان ذلك المرض الشنيع يسبب الكثير من المآسي للمصابين به من الأطفال ولأسرهم كذلك ونظرا لفشل المحاولات الأولى من لقاح شلل الأطفال تردد غالبية الأهلي من إعطاء هذا اللقاح لأطفالهم خشية أن يصابوا بهذا المرض المرعب. وهنا حاول سولك أن يكسب ثقة الآباء والأمهات فنشر في وسائل الإعلام صورة وهو يقوم بتطعيم أطفاله الثلاث الصغار بهذا اللقاح الجديد ليثبت لهم فعالية وسلامة التطعيم الجديد.

 الناس على دين ملوكهم .. حتى في الطب

يقولون الغريق يتعلق بقشة والمريض قد يتعالج بالوهم ولذا في الغالب يسهل إقناع المريض بأي علاج مهما كان لأنه في حاله ألم وقلق ولذا يقبل بأي حل متوفر. الحال يختلف تماما مع إقناع الأشخاص الأصحاء بتناول لقاح أو تطعيم يمنع عنهم مرض (محتمل) ولهذا لنجاح حملات التطعيم ضد أي مرض أو وباء لا يكفي توفر المال والخبرة الطبية بل يجب كذلك توفر الدعم السياسي والتشريعات النظامية الملزمة بأخذ اللقاحات المناعية لضمان سلامة صحة المجتمع. في الوقت الحالي وبدرجة واضحة جدا تعتبر الولايات المتحدة من أكثر دول العالم المتقدم التي فشلت بشكل مريع ومخزي في التصدي لجائعة وباء الكورونا. وقد يكون من أسباب ذلك أن هرم السلطة في تلك الديار تولاه شخص غير عقلاني مثل الرئيس دونالد ترامب والذي كان يناصر الحركة المناهضة للقاح خصوصا تطعيم لأطفال. أحد أبرز الأسماء السياسية المعارضة للتطعيم في أمريكا هو روبرت كينيدي الابن والذي في نفس الوقت يعتبر من رموز (نظرية المؤامرة) المتعلقة بالتطعيمات والذي كان يشكك في جدية اكتشاف أي لقاح مفيد ضد وباء الكورونا. الجدير بالذكر والتنويه هنا أنه بمجرد الإعلان عن فوز ترامب بالرئاسة قبل أربع سنوات وقبل دخوله للبيت الأبيض أعلن عن تشكيل لجنة خاصة برئاسة روبرت كينيدي الابن مهمتها التأكد من سلامة التطعيمات وفحص ارتباطها بمرض التوحد وتأثيراتها الطبية الجانبية على الأطفال وهذا كان قرار خاطئ جدا لأن روبرت كينيدي شخص متحيز جدا ضد التطعيمات وليس شخص محايد. وفي مقابل وضع ترامب ثقته في مثل هؤلاء الشاطحين فكريا نجده في المقابل يسخر من الخبير العالمي أنتوني فاوتشي كبير مستشاري الحكومة الأمريكية حيال الأوبئة ويصف ذلك العالم بأنه كارثة وكان يرغب في إقالته من منصبه. وفي مثل هذه الأجواء المتشككة في جدوى القواعد الطبية المتبعة لا غرابة أن نجد شرائح عريضة من الشعب الأمريكي تتقبل مثل هذه الأفكار المغلوطة والمتشنجة الرافضة لنتائج الدراسات الطبية مثل اللقاحات والتطعيمات الجديدة الخاصة بالكورونا أو طريقة التعامل الصحيح مع هذا الوباء وتخفيف أضراره على المجتمع.

ولنجري الآن مقارنة تاريخية عن موقف وتعامل حكام ورؤساء الدول الأوروبية قديما عند ظهور مفهوم التطعيم لأول مرة وكيف ساهموا في الدفاع عن هذا الإنجاز الطبي الهام. عندما حاول الطبيب الإنجليزي إدوارد جينر عام 1797م نشر فكرته الطبية حول أهمية ودور التطعيم في إنقاذ حياة البشر من مرض الجدري رفضت الجمعية الملكية البريطانية نشر البحث الطبي الذي أرسله لهم. ولكن مع الوقت بدأ خبر هذا الاكتشاف في الانتشار حتى وصل أخيرا إلى فرنسا وهنا وجد مساندة كبيرة من قبل الحاكم والجنرال المتفتح ذهنيا نابليون بونبارت. وبالإضافة لإصدار نابليون أوامره بأن يتم تطعيم أفراد الجيش الفرنسي بطريقة جينر الجديدة نجده كذلك وبالرغم من أن فرنسا كانت في حالة حرب مع بريطانيا يقوم بمنح الطبيب جينر ميدالية تكريمية (في نفس الفترة تقريبا منح نابليون عالم الكيمياء البريطاني همفري ديفي ميدالية ذهبية لاكتشافه عنصري الصوديوم والبوتاسيوم ودعاه للحضور لمدينة باريس وفي الواقع الجوانب العلمية في شخصية نابليون تحتاج مقال مستقل). وعندما قام جينر بالشفاعة لدى نابليون بطلب إطلاق بعض الأسرى من الجنود الإنجليزي استجاب نابليون في الحال وذكر أنه لا يمكن أن يرفض له أي طلب.

(الناس على دين ملوكهم) عبارة واستقراء حكيم يصح في الدين والسياسة بل وحتى في الطب فعندما تشكك ترامب من صحة الطب الوقائي وطب الأوبئة وقعت أكبر كارثة طبية في تاريخ أمريكا وفي المقابل حسمت الإمبراطورة البريطانية فكتوريا الجدل المثار في المجتمع عن أهمية وسلامة استخدام غاز التخدير أثناء العمليات الجراحية. في عام 1847م توصل الطبيب الأسكتلندي جيمس سمبسون لاكتشاف أن مخدر الكلوروفورم يمكن استخدامه في تخفيف آلام الوضع والولادة للنساء. ولعدة سنوات استمر الجدل في المجتمع البريطاني حول هذا الأمر ولم يحسم بشكل نهائي إلا بعد ذلك بحوالي ست سنوات عندما وافقت الملكة فيكتوريا على استخدام مخدر الكلوروفورم أثناء عملية ولادتها لطفلها السابع الأمير ليوبولد وليس هذا وحسب بل إنها لاحقا كرمت الطبيب سمبسون بمنح رتبة سير تقديرا لإنجازه الطبي التاريخي.

عندما يكون الحاكم أو الملك أو الرئيس متفهم ومتقبل للأفكار الطبية الجديدة هذا يساعد كثيرا في توفير الدعم المادي لها بالإضافة لتسخير جميع الإمكانات الحكومية والتشريعية لتذليل جميع الصعوبات التي تواجهها. ومن أسباب (تفهم وتقبل) الحاكم للاكتشافات والأفكار الطبية الجديدة أن يكون هو نفسه قد أصيب بمرض عضال في مرحلة ما من حياته وبهذا يستوعب المعاناة التي يحتاج المرضى لمن يخففها عنهم. وبحكم الحديث عن الأمراض والتطعيمات واللقاحات ربما بشكل أو آخر ساعد بعض رؤساء أمريكا في تسهيل تقدم الطب إذا علمنا أن الرئيس الأمريكي فرانكلين روزفلت أصيب بمرض شلل الأطفال بينما الرئيس إبرهام لينكولين تعرض في آخر عمره لمرحلة صحية حرجة بعد إصابته بمرض الحصبة في حين أن الرئيس الأمريكي القديم أندرو جاكسون أصيب في أوائل شباب بمرض الجدري. القائد أو الحاكم عندما يتعرض بشكل شخصي للمآسي والمصائب الناتجة من الأمراض يكون أحرص من غيره على بذل أقصى جهد لمنعها بالكلية أو التقليل من أخطارها. صحيح أن نابليون بونبارت شخصية منفتحة الذهن ومتقبله للعلم ولكن يجب ألا نغفل أنه قبل أن يكرم إدوارد جينر على اكتشافه للقاح ضد مرض الجدري ذاق قبل ذلك بخمس سنوات مرارة الهزيمة والفشل عندما تسبب وباء الطاعون في إنهاء حملته العسكرية على بلاد الشام. وعندما تسبب ذلك الطاعون في مقتل حوالي عشرين ألف جندي من الجيش الفرنسي نفهم الآن لماذا أمر نابليون لاحقا بتطعيم جنود جيشه بلقاح مرض الجدري بل أنه لم يتردد حتى في استخدام هذا اللقاح مع طفله الصغير وهو أمر مستحيل تصوره أن يقوم الرئيس الأمريكي ترامب بتعريض أطفاله أو أحفاده للقاح طبي جديد لا يعرف تماما فعاليته المناعية وسلامته الصحية.


الجمعة، 18 ديسمبر 2020

( إلا محمد ) بن إسماعيل البخاري


 قبر الإمام البخاري بالقرب من سمرقند

د/ أحمد بن حامد الغامدي

من الأسلحة القانونية بالغة الأهمية في الحملة المباركة ( إلا محمد ) للدفاع عن نبي الإنسانية الحكم الذي قضت به المحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان بأن الإساءة إلى الرسول الكريم لا تندرج ضمن حرية التعبير عن الرأي. ومن المرتكزات التي بنت عليها تلك المحكمة حكمها التاريخي ذلك أنه من حق الأخرين حماية معتقداتهم ورموزهم الدينية. من بديهيات الحياة وطبائع الأشياء أن جميع المجتمعات لا تقبل المساس برموزها الدينية ولا بشخصياتها القومية ولا بأعلامها السياسية وأن أي مساس بهذه الرموز يسبب احتقان للسلم المجتمعي. من هذا المنطلق نفهم لماذا تزامنت وتداخلت الانتفاضة الشعبية محليا وإقليميا في الدفاع عن محمد بن عبد الله الرسول الكريم وعن محمد بن إسماعيل البخاري الخادم الأمين للسنة النبوية. في الحديث النبوي عن الرسول الكريم أنه قال (ألا إنني أوتيت القرآن ومثله معه) والسنة هي الحكمة التي وردت في غير موضع من القرآن الكريم مقترنه مع الكتاب (وأنزل الله عليك الكتاب والحكمة). فالسنة النبوي المطهرة على صاحبها أفضل الصلاة والسلام هي من الوحي الرباني وهذه السنة محفوظة ومنقولة من خلال كتب ومرويات الحديث الشريف. وإمام أهل الحديث بلا منازع في جميع العصر هو الإمام البخاري الملقب بأمير المؤمنين في الحديث وكتابه (الجامع الصحيح) هو أهم وأبرز وأصح كتب التراث الإسلامي من مبتداه إلى منتاه.

من هذا وذاك نعلم الارتباط الوثيق في الدفاع والذب عن محمد صلى الله عليه وسلم نبي الإسلام وسيد ولد آدم والدفاع والذب عن محمد البخاري طبيب الحديث وسيد المحدثين كما وصفه الإمام مسلم. يقال إن الإمام البخاري رحمة الله شاهد في المنام رؤيا وكأنه واقف أمام النبي عليه الصلاة والسلام وبيده مروحه يذب بها الذباب وعندما سأل عن تفسيرها تم تعبير هذه الرؤيا بأنه يذب ويطرد الكذب عن الرسول عليه السلام. والجزاء من جنس العمل كما يقال ولذا من حق الإمام البخاري علينا أن نذب ونبعد عنه كل كذب وافتراء وتشويه واستنقاص. من البديهيات والأمور المسلمات أن الامام البخاري من أشهر وأهم الرموز والأعلام في تاريخ الإسلام بعد الصحابة الكرام وهو في مجال الشهرة في طبقة أصحاب المذاهب الفقهية الكبرى إن لم يكن قد يفوقهم في الشهرة والقدر والتعظيم.

وحتى اليوم نجد في الديار المصرية عندما يتكلم رجل بالطعن في شخص آخر ويرفض المستمعون هذا التنقص ويردون عليه نجد أن الشخص الأول وكنوع من الدفاع عن نفسه يطالب بأن يخففوا عنه الملامة فهو لم يخطئ في حق شخص عظيم الشأن ولذا يقول (أيه يا عم هو أحنا غلطنا في البخاري ؟!!). والمقصود أن للإمام البخاري ولكتابه الجامع الصحيح مكانة وقدر وتعظيم واحترام عميق جدا في الأمة الإسلامية منذ قرون طويلة وهو بهذا ارتفع مكانه ليصبح رمز ديني لا يقبل على الاطلاق الاستنقاص منه أو الطعن فيه. وفي هذا المساق نفهم (وإن كنا لا نوافق) الاخبار المنتشرة في التاريخ الإسلامي سواءً في تعظيم الإمام البخاري كشخص أو تقديس كتابه الجليل كرمز للدين الحنيف. في بعض الدول الإسلامية قد تجد من يحلف بالبخاري فالعوام في مصر مثلا قد يقول أحدهم (والبخاري ما فعلت كذا) بينما في المغرب العربي إذا أراد أحدهم أن يؤكد قسمه وحلفانه على شيء يقول (والجاه والبخاري). والغالب أن العوام أو الشخص الذي يحلف (بالبخاري) يقصد الحلف بالأحاديث الشريفة التي في كتاب البخاري ولا يقصد الحلف بشخص الإمام البخاري نفسه. وهذا يفسر لنا ارتباط كتاب البخاري (الجامع الصحيح) بالتقديس والبركة والاستغاثة لدرجة أن الحافظ ابن حجر ذكر في مقدمة كتابه فتح الباري في شرح صحيح البخاري ما ورد عن بعض السلف أن (صحيح البخاري ما ُقرئ في شدة إلا فرجت). عندما غزا نابليون بونبارت مصر واحتل مدينة الإسكندرية ثم بدأ جيشه يتجه نحو القاهرة وهنا يذكر لنا المؤرخ الجبرتي موقف أهل القاهرة لمواجهة زحف الجيش الفرنسي بالاستعدادات الدفاعية العسكرية والدينية والتي كان منها (.. واجتماع علماء الأزهر لقراءة صحيح البخاري). ويبدو أن هذا تقليد قديم في بعض الحروب الإسلامية للتترس ببركة كتاب صحيح البخاري لدرجة أنه يقال إن الجيوش العثمانية كان يوجد فيها وحدات خاصة لقراءة صحيح البخاري عند مواجهة العدو في ساحات القتال.

ليس هذا وحسب فيما يخص شدة تعلق الناس بكتاب البخاري وتعظيمهم له وبحكم إننا ما زلنا في أجواء وباء الكورونا والشيء بالشيء يذكر فهذا الجبرتي مرة أخرى عندما ذكر وباء الطاعون الذي اجتاح الديار المصرية عام 1813م والاستعدادات التي أمر بها محمد علي باشا والتي كان منها (وأمر أيضا بقراءة صحيح البخاري بالأزهر) وذلك بنية رفع الوباء. وفي تاريخ ابن كثير رحمه الله شيء مشابه وذلك عند حديثه عن الوباء الذي أصاب فلسطين عام 749 هـ وتسبب في وفاة عدد هائل من البشر وكان من وسيلة الناس للتقرب لله بالدعاء برفع البلاء أن تم قراءة كتاب صحيح البخاري بعد صلاة الجمعة. بل إن المؤرخ المقريزي ذكر توظيف فريد لقراءة كتاب صحيح البخاري من قبل سلطان مصر المملوكي الملك الأشرف أبو المعالي الذي أمر بقراءة صحيح البخاري في كل يوم من أيام رمضان تبركا بقراءته لما نزل بالناس من غلاء الأسعار. وفي موضع آخر وفي سنة أخرى وفي بلد مغاير نقل المقريزي أنه حصل جفاف في بلاد الشام وقحط شديد ولهذا قام أحد المشايخ بقراءة كتاب صحيح البخاري في الجامع الأموي بدمشق في يوم الأحد التاسع من شهر صفر 695 هـ فسقط المطر من تلك الليلة واستمر عدة أيام. وحتى في أيام الرخاء والاستقرار فما زال الجميع يلتمس البركة من وراء قراءة صحيح البخاري فهذا السلطان المغربي الحسن الأول عندما بنى في نهاية القرن التاسع عشر قصره بمدينة الرباط افتتح ذلك المسكن الفخم بحفلة خاصة تم فيها قراءة صحيح البخاري بمحضر العلماء والوزراء.

وهذا ما كان من التعظيم والإجلال لكتاب الجامع الصحيح عبر العصور وفي مختلف المجتمعات الإسلامية أما التبرك بنفس شخص الإمام البخاري فهو أيضا موروث قديم فالمحدث الحافظ تقي الدين السبكي ذكر أن الناس كانوا يتبركون بتراب قبر البخاري. وفي بعض المرويات التاريخية أنه عندما دفن رحمه الله فاح الطيب من قبره ولهذا أخذ الناس ومن باب البركة يغرفون من التراب فوق قبره حتى أنكشف القبر ثم بعد ذلك بني الضريح على قبره. وبمناسبة ذكر ضريح البخاري فهو موجود في طرف قرية صغيرة في ضواحي مدينة سمرقند بدولة أوزبكستان حاليا وقد سبق لي أن زرت المكان مع بعض الزملاء الأفاضل ومظاهر الغلو عنده غير ظاهرة بشكل واضح. لكن في المقابل ذلك الضريح هو أكثر مكان ذي خلفية دينية إسلامية أو مسيحية أو بوذية وجدت عنده عدد كبير وجمع غفير من الفقراء الذين يسألون المساعدة والعون وكأن عاطفة الزوار والسياح تجود بالمال فوق العادة في ذلك الموضع. وكما ذكر المقريزي حادثة الاستسقاء في مدينة دمشق بقراءة كتاب صحيح البخاري ذكر الإمام الذهبي في كتاب سير أعلام النبلاء القصة الشهيرة عندما أصاب مدينة سمرقند قحط شديد وذلك عام 464 هـ وكيف أن الناس استسقوا مرارا فلم يسقوا حتى أشار عليهم رجل معروف بالصلاح أن يخرج الناس مع قاضي سمرقند إلى قبر الإمام البخاري ويستسقون عنده. وهنا تذكر كتب التاريخ أنه تكرر ما حصل بمدينة دمشق من المطر الغزير لدرجة أن الناس أقاموا لمدة أسبوع في قرية خرتنك التي فيها قبر البخاري ولم يستطيعوا العودة لمدينة سمرقند من شدة غزارة هطول الأمطار والسيول.

التوظيف السياسي لمكانة الإمام البخاري

الأمثلة والأخبار التي تم سردها بالأعلى عن المكانة العالية والتقدير والتعظيم لكتاب صحيح البخاري ولشخص الإمام البخاري بغض النظر عن صحتها أو توافقها مع المذهب الشرعي (لدرجة أنه يوجد من يطالب بموقف الاقتصاد في الاعتقاد حيال الإمام البخاري) إلا أن المقصود من حشدها تأكيد حقيقة إن الإمام البخاري وبكل استحقاق هو من أهم الرموز الدينية في التاريخ الإسلامي قديما وحديثا. ولا يصح على الإطلاق من أبناء الإسلام قبول الطعن في الإمام البخاري في حين أن أشداء الأعداء خصومه للدين الإسلامي عرفوا له قدره ومكانته وتقربوا للعالم والأمة الإسلامية من خلاله. بعد الاحتلال السوفيتي للجمهوريات الإسلامية في وسط آسيا تعرض المسلمون لاضطهاد ديني أثيم نتج عنه إغلاق آلاف المدارس الدينية والمساجد ولم يبقى متاحا في جميع المناطق الإسلامية إلا مدرسة مير عرب في بخارى ومدرسة مبارك خان في طشقند. السياسة القمعية السوفيتية تغيرت بشكل ملموس في عهد الرئيس الروسي بريجنيف والذي كمحاولة منه للتقرب للجالية المسلمة في الإمبراطورية الروسية والتقرب من حكومات وشعوب العالم الإسلامي استخدم المكانة المميزة للإمام البخاري. في البداية تم تغيير مسمى مدرسة مبارك خان في طشقند إلى اسم الإمام البخاري وتم تحويل تلك المدرسة وتطويرها إلى معهد الإمام البخاري للدراسات الإسلامية. وحتى يقنع الاتحاد السوفيتي شعوب وحكومات العالم الإسلامي أنه لا يضطهد الجالية المسلمة استغل مناسبة مرور 1100 سنة على وفاة الإمام البخاري وقام في عام 1970م بإقامة مؤتمر ديني عالمي كبير في مدينة سمرقند خصص عن الإمام البخاري وتم دعوة عدد كبير من الجهات الدينية الرسمية في معظم البلاد الإسلامية وكان على رأسها رابطة العالم الإسلامي.

من غرائب الموافقات في التوظيف السياسي للتقدير البالغ للإمام البخاري في العالم العربي والإسلامي أنه قبل المؤتمر الدولي الضخم الذي سمح به الشيوعيون في سمرقند عام 1970م نجد قبل ذلك بسنه واحدة أي في عام 1969 نجد أن جمال عبد الناصر والحكومة المصرية الاشتراكية وبعد الهزيمة الشنيعة في حرب 67 تحاول التزلف للشعوب العربية من بوابة إصدار طابع بريدي خاص عليه صورة متخيلة للإمام البخاري وكذلك التجهيز لطباعة 30 ألف نسخة من كتاب صحيح البخاري.

الجدير بالذكر أن العديد من السلاطين والحكام في التاريخ الإسلامي القديم اكتسبوا مكانة مرموقة لدى العلماء والرعية عندما تعمقوا في دراسة صحيح البخاري لدرجة أن يصبح لهم القدرة على شرح وتدريس صحيح البخاري. فهذا السلطان المملوكي المؤيد شيخ المحمودي درس كتاب صحيح البخاري على يد سراج الدين البلقيني وأخذ منه إجازة بروايته وشرحه ولاحقا كما يذكر المقريزي كان السلطان المؤيد هو من ابتدع (ميعاد البخاري) وهي حلقة علمية ُيقرأ فيها صحيح البخاري في كل يوم من رمضان. أما السلطان المغربي محمد الثالث بن عبد الله الملقب بسلطان العلماء وعالم السلاطين فقد ألف كتاب خاص لتخريج أحاديث صحيح البخاري سماه (فتح الباري في تخريج أحاديث البخاري). وما دمنا في بلاد المغرب فلعل المجال ملائم لذكر أكثر حاكم أو سياسي استفاد واستطاع (توظيف) التعظيم الديني للإمام البخاري. وكان ذلك السلطان المغربي إسماعيل بن الشريف والذي نجده في بداية القرن الثامن عشر يكون له جيش خاص مؤلف من الرقيق سماه (جيش عبيد البخاري) لأنه كان مكون من العبيد الذين أقسموا للسلطان على كتاب صحيح البخاري بأن يكون ولائهم فقط له.

بقي أن نقول في الختام قبل أن نغادر أن المقصود من هذا المقال ليس تعزيز الصورة المغالية في تقديس الإمام البخاري وكتابه (الجامع الصحيح) ولكن الهدف كان إعادة تأكيد المكانة العالية والرفيعة بل والفريدة لكلا من الإمام البخاري وكتابه الصحيح فهما بحق وصدق من رموز الإسلام. وهذا لا يعني بحال من الأحوال أن الإمام البخاري وكتابه الجامع الصحيح أنهما لا يجوز نقدهما وإخضاعهما للدراسة التاريخية والحديثية والشرعية فأما البخاري نفسه فهو بشر وهذا يكفي للدلالة أن غير معصوم من الخطأ والنقص. وأما كتاب (الجامع الصحيح) فهو أيضا جهد بشري ولهذا لا مندوحة من أن يندرج تحت قوله تعالى (ولو كان من عند غير الله لوجدوا فيه اختلافا كثيرا) ومن هنا نفهم ولا نتحرج من نقد كبار العلماء ((لبعض)) أحاديث البخاري كما فعل الحافظ الدارقطني وأبو حاتم الرازي بل وحتى محدث العصر الشيخ ناصر الدين الألباني. يقال (إن الحديث الذي لا يعرفه ابن تيمية فليس بحديث) وهذا يأتي في سياق بيان عظم علو كعب شيخ الإسلام ابن تيمية في الصنعة الحديثية ولهذا أنصف ابن تيمية الإمام البخاري عندما قرر أن غالب ما أُنكر على البخاري مما صححه يكون قوله فيه راجحا على قول من نازعة. ولهذا لا يصح عقلا ولا شرعا الاستناد على هذا (النقد العلمي) على بعض أحاديث صحيح البخاري لمحاولة طمسه بالكامل والزعم الفج أن ما فيه يخالف القرآن ويشوه دين وسيرة الرسول الكريم.

كما هو معلوم أهم كتب الإسلام هي صحيح البخاري وصحيح مسلم وأهم الشروح الحديثية والفقهية لها هي كتاب فتح الباري شرح صحيح البخاري للحافظ ابن حجر العسقلاني وكتاب المنهاج شرح صحيح مسلم بن الحجاج للحافظ الإمام النووي. وكلا من كتاب فتح الباري وكتاب شرح صحيح مسلم من الكتب الضخمة المؤلفة في عشرات المجلدات وآلاف الصفحات والورقات واحتمالية وجود بعض الأخطاء فيها أمر وارد ولا شك. قبل فترة من الزمن قام بعض غلاة السلفية بحماقة تعمد إحراق كتاب فتح الباري وكتاب شرح صحيح مسلم بحجة أن كلا من ابن حجر العسقلاني والإمام النووي هم من الأشاعرة وأن لديهما أخطاء في عقيدة الأسماء والصفات. وهذا الغلو والتطرف السلفي الأهوج سرعان ما تلاشى وبقيت المكانة العالية للأهمية الدينية لهذين الكتابين وأنهما من أهم وأفضل كتب التراث الإسلامي. وعلى نفس النسق وحذو القذه بالقذة نجد اليوم دهاقنة الغلو العلماني والتطرف العقلاني يبثون سموهم في المجتمع بأن صحيح البخاري وصحيح مسلم ينبغي إحراقها معنويا وطمسها واقعيا. ولأن الله قد تكفل بحفظ دينه ووحيه القرآني وسنة رسوله فمصير هذا التطرف والتشكيك والكيد إلى زوال وسوف تبقى كتب ودواوين السنة النبوية الشريفة هي المنهاج والطريق القويم في الماضي والحاضر والمستقبل.