الجمعة، 7 يناير 2022

( المدارس في زمن الغابرين )


 طلاب المدارس منذ فجر التاريخ وهم ينفرون من التعليم

د/ أحمد بن حامد الغامدي

 

الأديب والمفكر الإيرلندي الساخر برنارد شو كتب يوما ما بخبث قائلا (لا يوجد شيء بشع على وجه الأرض مخصص للأشخاص الأبرياء مثل المدرسة). وبحكم أن الأطفال هم أكثر البشر براءة فنصيبهم وافر من هذه الملاحظة الساخرة لبرنارد شو. منذ عدة سنوات كتبت مقالة ربما كانت صادمة للبعض حملت عنوان (العودة للمدارس .. لحظة كئيبة في طفولة عباقرة العلماء) ومع ذلك يبدو أن توسيع نطاق تلك المقالة يحتاج ألا يقف عند توصيف كآبة الدراسة للعباقرة فقط، ولكن لغالبية الطلاب وكذلك أن هذه الكآبة والانقباض من الدراسة أمر ضارب بجذوره في عمق التاريخ. يقال إن أولئك الذين لا يعرفون التاريخ محكوم عليه بتكراره ولهذا لو عرفنا تاريخ التعليم القديم لوجدنا أننا ما زلنا نكرر الأخطاء المدرسية ذاتها. فيما يتعلق بتعليم الأطفال فمنذ الأزل ما ينغص عليهم (بالإضافة لكارثة الاستيقاظ المبكر) هو الحد من حركتهم في الفصل وكثرة الضوابط والتحكم المفرط بهم. وموقف الطلاب من هذا الأمر متكرر عبر التاريخ وهذا ما يتضح مثلا من الاطلاع على مذكرات طالب سومري نقشها على لوح الطين المحروق قبل أكثر من أربعة آلاف سنة.

في مطلع القرن العشرين وجد علماء آثار الحضارة السومرية بأرض العراق حوالي 21 قطعة من الفخار المكتوب عليها باللغة المسمارية وهي تحكي يوميات طالب مدرسة قديم يذكر فيها الأشياء التي مرت عليه أثناء اليوم الدراسي والتي كان منها تعرضه للضرب بالعصا من قبل معلمه ليس فقط لأنه لم يحفظ دروسه ولم يتعلم أن يكتب بخط سليم، ولكن أيضا بسبب سلوكه غير المنضبط.

يقول ذلك الطالب في مذكراته عن مدرسته السومرية في زمن الغابرين:

بعد أن ضربني المعلم بالعصا لأنه وجد نقص في كتابتي على اللوح الطيني جاء عريف الفصل وقال لي: لماذا فتحت فمك دون إذني .. ثم ضربني بالعصا. 

ثم قال لي: عندما لم أكن هنا لماذا نهضت دون إذني .. ثم ضربني بالعصا.

وقال لي حارس المدرسة: لماذا تغادر دون إذني .. ثم ضربني بالعصا.

مدرس اللغة السومرية قال لي: لماذا تتحدث باللغة الأكادية .. ثم ضربني بالعصا.

 من هذا النص الأثري المنقوش باللغة المسمارية على ألواح الطين الفخارية نعلم كآبة وسوء اليوم الدراسي في زمن الحضارة السومرية القديمة والأمر لم يكن يختلف كثيرا زمن الحضارة الفرعونية. فعلى نفس النسق وجد علماء الآثار بعض أوراق مخطوطات البردي القديمة التي تكشف حال الطلاب في زمن الغابرين الفرعوني. في إحدى مخطوطات البردي الفرعونية المحفوظة الآن في المتحف البريطاني نجد أن أحد المعلمين كتب العبارة التحذيرية التالية (أحذر أحذر من الكسل أيها الطالب لئلا تضرب بالعصا ضرباً أليماً). وفي مخطوط آخر من ورق البردي مكتوب فيه ما هو اشبه بنصيحة من معلم لمعلم آخر (أذن الصغير على ظهره، إنه يستمع فقط للرجل الذي يضربه). ودونت إحدى البرديات نصيحة أخرى من معلم إلى تلميذه هذه المرة حيث يقول له (لقد بلغني أتك أهملت وأنك تتسكع في الطريق، إنك مثل المجداف المحطم انظر إلي عندما كنت صبياً مثلك مكثت في المعبد ثلاثة أشهر لا أخرج منه).

من الناحية التاريخية يستمر مسلسل الهلع من المدرسة والنفور من المعلم مع الحضارة الرومانية هذه المرة ففي مطلع القرن الثاني الميلادي بعث أحد الطلاب رسالة إلى والده يتشكى فيها من معلميه وحياته الدراسية. في مكتبة جامعة أكسفورد يتم حاليا حفظ تلك الرسالة الشخصية المكتوبة باللغة الإغريقية والمرسلة من طالب مجهول الاسم إلى والده المدعو ثيون. ويسرد الطالب في تلك الرسالة لوالده خيبة أمله من جودة المعلمين الذين يقومون بتدريسه وأنهم سيئين وغير ملهمين، بل وصفهم بالهمل وسقط المتاع الذين يقودون إلى طريق الخراب. وبالرغم من كثرة الرسوم والأموال التي يدفعها الطالب للمعلمين إلا أنه يخبر والده أنه لسوء التعليم يضطر لأن يعتمد على نفسه والتعليم الذاتي. والغريب في الأمر أن الطالب يعرب لوالده أنه بسبب هذا الإحباط في حياته الدراسية بدأ يهمل مظهره العام وهندام ملابسه بالرغم من أنه من أسره ثرية.

وفي ضوء ما سبق وعندما نصل إلى الحضارة الإسلامية وبأخذ الاعتبار الصورة النمطية السلبية عن حياة الطلاب في (الكتاتيب) لا غرابة أن نجد بعض الأخبار المحرجة عن نفور بعض الطلاب قديما (كما في الحديث) من المنظومة التعليمة. هذا النفور قد يتسبب كما هو معلوم في الهروب المؤقت من المدرس أو حصول ظاهرة (التسرب المدرسي) الدائم. في كتاب ضحى الإسلام للمفكر والمؤرخ الكبير أحمد أمين ورد ذكر قصة المغني العباسي إبراهيم الموصلي التي يرويها عنه ابنه إسحاق وكيف أنه عندما كان طفلاً أدخل الكُتّاب (فكان لا يتعلم شيئاً، ولا يزال يُضرب ويُحبس ولا ينجح ذلك فيه فهرب إلى الموصل وهناك تعلم الغناء). ونظرا لشيوع سوء معاملة المدرس للطلاب في الكُتّاب انتقل مشهد الإجحاف في (التأديب) إلى قصائد (الأدب). فهذا الشاعر الحسن بن هانئ (أبو نواس) يتحدث عن معلم صبيان يدعى حفص عنيف في تعمله مع طلاب الكتاتيب وكيف أنه أمر بضرب أحد الطلاب بسوط من جلد وذلك بعد أن تم خلع ملابسه عنه حتى يعاني أشد العقاب والهوان:

قال حفصٌ اجلدوه                إنه عندي بليدُ

لم يزل مُذ كان في الدرس     عن الدرس يحيدُ

كُشفت عنه خزوزٌ               وعن الخزّ بُرودُ

ثم هالوه بسيرٍ                    ليّنٍ ما فيه عودُ

عندها صاح حبيبي             يا مُعلم لا أعودُ

 وأي تأديب وتهذيب هذا الذي يتم فيه ضرب وجلد الأطفال الصغار بشدة مهلكة ولهذا أعترض الفقيه المغربي ابن الحاج العبدري عن استخدام أدوات للضرب تفوق ما يستخدم في الشرع الحنيف في تنفيذ الحدود. ولهذا استنكر ابن الحاج على (المؤدبين) ومعلمي الكتاتيب في عصره استخدام عصا اللوز اليابس والجريد المشرّح والأسواط النوبية والفلقة وما أشبه ذلك مما أحدثوه وهو كثير حسب وصفه.

 وفي الختام أعلم (وأعتذر في نفس الوقت) بأنك تلك الإضاءات والفلاشات الكاشفة لتاريخ المدارس في العصور الغابرة هي الاستثناء وليس الأصل في مسيرة التعليم الخالدة ولهذا لا مساس على الإطلاق بدور المعلم ورسالة المدرسة في القديم والحديث. ومع ذلك ومع بداية الدوام الدراسي لهذه السنة في يوم غد الأحد وبعد انقطاع عن الحضور المباشر للمدارس لفترة قاربت السنتين ينبغي على أهل التعليم الرفق بالتلاميذ وتفهم ما قد يظهر منهم من الضيق بالدراسة أو عدم التركيز والميل للممل. فكما حصل في زمن الغابرين القديم وزمن الطيبين القريب وزمن المرفهين المعاصر تتشابه طبيعة النفس البشرية في نظرتها للمدرس. ولو راجعنا ما سبق الإشارة إليه لتعجبنا أنه ومنذ أكثر من أربعة آلاف سنة وطلاب المدارس يتأففون من الدراسة وبعضهم يشتكي إلى أسرته سوء مستوى وعنف معلميه بينما الأدباء والشعراء يتخذون (المشهد المدرسي) مادة دسمة لإنتاج أدبي فريد.

( الصراع الدولي ومحاولة صيد التيس الجبلي الأفغاني )

أفغانستان هي مقبرة الغزاة وشعب يصعب اصطياده 

د/ أحمد بن حامد الغامدي

يوم أمس وفي خطاب موجه للأمة الأمريكية لتبرير الهزيمة المخزية للجيش الأمريكي في أفغانستان ذكّر الرئيس الأمريكي شعبة (بزلة لسان غربية) أن أرض الأفغان لطالما كانت (مقبرة الغزاة) وكأنه يعترف أن وجود الجيش الأميركي كان جيش غازيا وليس حاميا. وبعد ذلك بساعات علق الرئيس الأمريكي السابق ترامب بأسلوب ساخر على سوء إدارة بايدن للأزمة في أفغانستان، ولكنه أيضا في ثنايا الحديث بين خطورة الدخول في أرض الأفغان وأنهم هم السبب في تحويل الإمبراطورية السوفيتية العظمى إلى مجرد دولة روسيا الاتحادية قليلة التأثير مقارنة بما كانت عليه الأمة الروسية القديمة.
يتكرر هذه الأيام كثيرا أن أرض أفغانستان هي مقبرة الغزاة، ولكن هي كذلك الصخرة التي تحطمت عليها الإمبراطوريات الكبرى وبدئت بالتلاشي والضعف مع الزمن. في النصف الثاني من القرن التاسع عشر حصل تنافس محموم بين الإمبراطورية الروسية وبين الإمبراطورية البريطانية لمن يستطيع منهما أن يصيد (التيس الجبلي الأفغاني). هذه الفترة من الصراع الدولي في وسط أسيا تعرف أحينا باسم (حملة الصيد الكبرى) great game والبعض يترجمها باللعبة الكبرى، ولكن الأصح أن كلا من هاتين الإمبراطوريتين شرعت في جهود حثيثة للاحتلال وصيد دول وسط أسيا الواحدة تلو الأخرى. السبب في ذلك أن بريطانيا العظمى وفي محاولتها للحفاظ على درة التاج البريطاني أي الهند أرادت أت تقيم أرض فاصلة تحول دون وصول الإمبراطورية الروسية إلى الهند. وفي المقابل أرادت الإمبراطورية الروسية القيصرية أن تمنع تغلغل الجيوش البريطانية في دول وسط أسيا (الحديقة الخلفية لروسيا) ولهذا أرادت احتلال أفغانستان حتى تقطع الطريق على الانجليز.

ما حصل بعد ذلك أن كلا من الهجوم الروسي أو الهجوم البريطاني لغزو أفغانستان فشل فشلا ذريعا وتعذر عليهما صيد التيس الجبلي الأفغاني. وما تلى ذلك أن السمعة المرموقة جدا للجيوش البريطاني العظمى أخذت تضعف وتتهاوى لدرجة أنها خسرت حرب عجيبة أمام مليشيات غير مدربة كما حصل لها في حرب البوير في جنوب أفريقيا أو حرب السودان. أما الإمبراطورية الروسية القيصرية فبعد خسارتها في غزو أفغانستان تراجعت مكانتها الدولية إلى أن انهزمت في الحرب العالمية الأولى ثم حصلت الثورة الشيوعية التي أطاحت بشكل نهائي بحكم القيصر الروسي.

هذا ما كان في نهاية القرن التاسع عشر، أما ما كان في نهاية القرن العشرين هو أن (حملة صيد) جديدة وتنافس بين الإمبراطورية السوفيتية والإمبراطورية الأمريكية حول السيطرة على أرض الأفغان. وكما حصل مع الإمبراطوريات السابقة التي غزت أرض الأفغان وبدأ يتلاشى حكمها مع الزمن حصل مع الإمبراطورية الشيوعية التي انهزمت وهربت من أرض أفغانستان عام 1989م ثم بعد ذلك بسنة وحدة فقط تفكك الاتحاد السوفيتي. وفيما يخص الإمبراطورية الأمريكية فالعلم عند الله أنها كما حصل مع الإنجليز بعد أن هزت هزيمتهم في أفغانستان بسمعتهم الدولية لدرجة أنهم بعد ذلك بعقود تلاشت تماما إمبراطوريتهم التي لا تغيب عنها الشمس وعادوا إلى جزيرتهم الإنجليزية الصغيرة، يتوقع أن تبدأ الولايات المتحدة في السير على نفس المسار من تلاشي هيبتهم الدولية.

في تراثنا العربي القديم يقال إن عنترة بن شداد سأله أحدهم يوما فقال له: كيف وصلت لما وصلت له من القوة والهيبة فكان رد عنترة أن قال: سر شجاعتي أنني أضرب الضعيف ضربة ينخلع لها قلب الشجاع. وهذا بالضبط ما كانت الولايات المتحدة الأمريكية تريد أن تفعله في العقود الماضية عندما غزت الدول الضعيفة مثل الصومال وأفغانستان والعراق بعد سنوات الحصار. أرادت أمريكا أن تضرب هذه الدول الضعيفة ضربة قوية ينخلع لها قلب الدول القوية وتخاف من هيبة وقوة الكاوبوي الأمريكي. وما سوف يحصل الآن هو العكس تماما مثل ما كان سوف يحصل لو أن رجل ضعيف ومريض قام فلطم عنترة بن شداد لطمة قوية فلابد أن هيبته ومكانته بين صعاليك العرب سوف تتحطم وتتلاشي فهل يكون هذا مصير العم سام الأمريكي.
العلم عند الله.

الخميس، 6 يناير 2022

( الهجرة النبوية بعيون غربية )

كيف وظف الأدباء في الغرب (حادثة الهجرة)

د/ أحمد بن حامد الغامدي

 

نبي الله إبراهيم هو أبو الأنبياء وهو قدوتهم عليه وعليهم السلام فهو من سبقهم بالهجرة فقال (إنى مهاجرٌ إلى ربي) فهجر دار قومه بالعراق إلى أرض الشام ثم هاجر لاحقا بزوجته سارة إلى أرض مصر. وهذا نبي الله موسى عليه السلام يهاجر ويخرج بقومه من مصر إلى سيناء في خروج مهيب exodus ذكرت تفاصيله في جزء مهم من التوراة فيما يسمى سفر الخروج بالعهد القديم. وأما نبي الله عيسى عليه السلام فبعد مرحلة الدعوة العلنية في مدينة الجليل من أرض فلسطين كانت المرحلة الأهم في دعوته وحياته عندما هاجر في رحلته الأخيرة من الناصرة إلى القدس. وعلية فإن حدث الهجرة أو الخروج من أرض الكفر والتكذيب والعداء إلى ديار الإيمان والنصرة كانت محطة مشتركة في مسيرة أولي العزم من الرسل عليهم السلام.

ومن هذا الإرث المشترك مع أهل الديانات السماوية اليهودية والمسيحية لا غرابة أن نجد العديد من المفكرين والمؤرخين والأدباء الغربيين يتفهمون ويدركون الأهمية المحورية والرمزية لحدث الهجرة في التاريخ الإسلامي. فهذا المؤرخ والسياسي الإنجليزي السير أنتوني نوتنج في كتابه (العرب) وبعد أن ذكر خبر الهجرة وصف رحلة هجرة الرسول الكريم بأنها كانت نقطة التحول المميزة في ولادة الإسلام وبداية عصر الإسلامي الرسمي. في حين أن المستشرق البريطاني مونتجمري وات يعتبر الهجرة أحد أهم الأحداث في التاريخ الإسلامي كله بينما المستشرق الفرنسي لوي ماسينيون يستحضر حدث الهجرة ويربطها ببعض الأحداث الشخصية التي حدثت له في العراق أو الشام.

أما أهم وأبرز شخصية فكرية وأدبية غربية تأثرت بهجرة المصطفى عليها الصلاة والسلام وحاولت محاكاة الهجرة في حياتها بصورة رمزية فكانت الأديب الألماني الأشهر يوهان جوته. كحال الأديب الفرنسي فيكتور هوغو (سيأتي ذكر ارتباطه بالهجرة بعد قليل) يوجد جدال كبير هل أسلم كلا منهما في أواخر حياته وبغض النظر عن صحة إسلام غوته فإنه شديد الإعجاب بالدين الإسلامي وكتابة المقدس ونبيه المرسل. منذ مراحل شباب غويته وهو يعترف صراحة بأنه مدين لشاعريته للشرق الذي منحه الثراء الروحي لذا كان كثير ما يستشهد و (يقتبس) في كتاباته بالآيات القرآنية. كما هو معلوم واجهت يوهان غوته بعض المصاعب الروحية في بداية شبابه وهو ما انعكس في أول رواية له ذات العنوان المعبر (ألآم الشاب فرتر) والتي هي في الواقع أشبه بسيرة ذاتية. مرحلة (الاغتراب) الروحي للشاب غوته كما عبر عنها المفكر عبد الرحمن بدوي احتاجت لشيء من (الهجرة) الداخلية ليصل لحالة الاستقرار النفسي. ولاحقا عندما كتب غوته مؤلفه الهام (الديوان الغربي الشرقي) لا غرابة أن أول قصيدة شعرية في هذا الديوان حملت عنوان (الهجرة) وقد كتب غوته عنوان هذه القصيدة بلفظها ومنطوقها العربي HEJIRA وليس بالترجمة الألمانية لكلمة هجرة (Einwanderung). ولعل المقصود بذلك أن الأديب الألماني الكبير وهو حائر في مرحلة الشباب وبعد قراءته المبكرة للقرآن الكريم ومعرفته لسيرة الرسول الكريم أراد أن يعبر بعنوان هذه القصيدة عن رغبته في أن (يهاجر) من حال الاغتراب الروحي إلى حالة الاستقرار النفسي. وهو بهذا في رحلته المجازية والرمزية على خطى الرسول العربي عندما هاجر وارتحل من أرض كفار مكة إلى أرض الأيمان في المدينة. لقد كانت خارطة الطريق واضحة للشاب غوته: الهجرة إلى الشرق لكي يستروح عبق الأنبياء:

 الشمال والغرب والجنوب تتحطم وتتناثر

والعروش تُثل، والممالك تتزعزع وتضرب
فلتهاجر إذاً إلى الشرق في طهره وصفائه
كي تستروح عبق الهُداة والمرسلين
هنالك، حيث الحب والغناء
سيعيدك ينبوع الخِضر فتى من جديد
إلى هنالك، حيث الطهر والحق والصفاء

لا خلاف على صحة هذه القصيدة ونسبتها لأديب الألماني غوته وإن كان الجدال ما زال صاخبا حول صحة خبر اعتناقه للإسلام. في المقابل يوجد لغط حول صحة نسبة قصيدة أخرى لها ارتباط بالسيرة النبوية والتي يقال إنها من تأليف الأديب الفرنسي الأشهر فيكتور هوغو الذي من المحتمل أنه أعتنق الإسلام في أواخر عمره وغير اسمه إلى أبو بكر هوغو. كحال العديد من مشاهير الأدب الفكر العالمي الذين صرحوا بإعجابهم بالرسول الكريم (الروائي الروسي تولستوي قام بتأليف كتاب الأقوال الحكيمة للنبي محمد) نجد أن إعجاب فيكتور هوغو بالرسول الكريم واطلاعه الوثيق للسيرة النبوية قاده لتأليف قصيدة خاصة عن نبي الإسلام. أجواء الشرق حاضرة بقوة في شعر وأدب فيكتور هوغو فكما ليوهان غوته ديوانه الشرقي نجد أن لفيكتور هوغو ديوان شعر يحمل عنوان (مشرقيات) وكما استخدم غوته اللفظة العربية (الهجرة) ولم يترجمها للغة الألمانية نجد أن هوغو يجاريه في ذلك ويستخدم كلمة الهجرة في عنوان قصيدتها وهي في لفظها العربي ولم يترجمها للفرنسية. في عام 1858م قام فيكتور هوغو بنشر قصيدة حملت عنوان (السنة التاسعة من الهجرة) L’an Neue De L’Hegire استعرض في ثناياها خصال الرسول الكريمة ومواقفه النبيلة. وبالرغم من الإلمام الدقيق لفيكتور هوغو لأخبار السيرة النبوية كما يتضح من خلال الأحداث التي سردها هوغو في تلك القصيدة إلا أنه وقع في خطأ غريب يصعب فهمه. قصيدة (السنة التاسعة من الهجرة) محورها الرئيس هو وفاة الرسول صلى الله عليه وسلم والتي وقعت كما هو معلوم في السنة الحادية عشر للهجرة وليست في السنة التاسعة للهجرة كما توهم الأديب الفرنسي.

قبل أن نغادر ربما من الملائم الوقوف مرة أخرى عند استخدام كلا من يوهان غوته وفيكتور هوغو لكلمة ومفردة (الهجرة) في لفظها العربي Hejira/Hegire وعدم ترجمتها حتى وإن كانت استخدمت في عنوان القصيدة الذي من المفترض أن يكون واضح في العادة. وهذا يشير إلى أن المتلقي والقارئ الأوروبي في القرن التاسع عشر في الغالب كان يدرك معنى كلمة Hejira لآنها واسعة الاستخدام في ثقافتهم كما أصبحت كلمة جهاد  Jihadفي الزمن المعاصر منتشرة في وسائل الإعلام الغربية. لا بد للكاتب والأديب أن يؤلف ويعبر بطريقة يفهمها القارئ فمثلا لو أراد شاعر عربي أن يكتب عن الرحلة الأخيرة لنبي الله عيسى عليه السلام وكان عنوان قصيدته المحتملة (تأملات على الفيا دولوروسا). في الغالب القارئ العادي لن يفهم ماذا يقصد الشاعر بعنوانه الغريب ذاك، ولكن إذا كان القارئ مطلع على معلومة أنه يوجد في مدينة القدس طريق يحمل اسم (طريق الأحزان Via Dolorosa) وهو الممر الذي يُزعم أن نبي الله عيسى سار عليه وهو يحمل الصليب الضخم الذي سوف يصلب عليه، وبتوفر هذه المعلومة عند القارئ سوف يفهم فحوى وموضوع القصيدة المتخيلة عن نبي الله عيسى عليه السلام. غالباً للقارئ والمثقف العربي العادي كلمات مثل (فيا دولوروسا) لا تعني شيء له بينما من المحتمل أنه بعيون المثقف الأوروبي في القرن التاسع عشر كلمة هجرة Hejira/Hegire قد تعني له شيئا لأنه قرأها في كتاب أو شاهدها في ديون شعر.

بحق لقد كان للهجرة النبوية على صاحبها أشرف الصلاة والسلام، كان لها إعجاب لدى بعض المؤرخين والمستشرقين كما كانت مصدر إلهام لبعض كبار الأدباء والشعراء العالميين.

 

( الألعاب الأولمبية وحواجز الوهم )


 هل يساهم العداؤون العرب في تخطى حواجز التخلف

د/ أحمد بن حامد الغامدي

 

ربما يعتبر سباق 110 متر حواجز في الألعاب الأولمبية واحداً من أصعب المسابقات الرياضية لأنه يتطلب التفوق التام في سرعة الجري مع الموائمة والمرونة في القفز ضمن التوقيت السليم وتكرار هذا التوافق لعدة مراحل متتالية. ولعل هذا من الناحية الفلسفية ما يلخص حالة من يرغب التفوق في الحياة: اندفع بقوة وسرعة وكن في نفس الوقت على استعداد لتخطي الحواجز والمعوقات في مسيرة النجاح. أحد أسوأ وأصعب الحواجز التي يمكن أن تعترض حياتك هي تلك (الحواجز النفسية) التي وبالرغم من أنها مبنية على قواعد من الخيال والوهم إلا أنها راسخة ومتجذرة في اللاشعور لدرجة أنها تصبح من المسلمات التي لا تناقش.

في عام 1972م حصل السباح الأمريكي مارك سبيتز على سبع ميداليات ذهبية دفعة واحدة في دورة الألعاب الأولمبية المقامة في مدينة ميونخ الألمانية وكان هذا أعلى رقم لعدد الميداليات الذهبية يحققه لاعب واحد في نفس الدورة الأولمبية. ولسنوات تتلوها سنوات اتفق الجميع أن (الرقم سبعة) هو أعلى سقف من عدد الميداليات الذهبية التي يمكن أن ينجزه أي رياضي محترف. ثم حدثت المفاجأة في عام 2008م في أولمبياد بكين عندما استطاع السباح الأمريكي مايكل فليبس تحطيم هذا (الحاجز الوهمي) والفوز بثماني ميداليات ذهبية في نفس البطولة ومن ثم دخل التاريخ ليس فقط بتجميعه 23 ميدالية ذهبية عبر السنوات، ولكن بقوله عندما حقق تلك الميدالية الذهبية الثامنة: (لا شي مستحيل، مع وجود الكثير من الناس يقولون إنه لا يمكن القيام به، كل ما يتطلبه الأمر هو الخيال).

وهم رياضي آخر كان (حاجز نفسي) حقيقي استمر لفترة طويلة من الزمن وانتشر في المجتمع الرياضي في العالم كله لدرجة أنه عرف باسم (حاجز الأربع دقائق 4 minutes barrier) وأحيانا يعرف باسم: ميل الأربع دقائق. والمقصود به أنه في رياضية الجري لمسافة ميل واحد يستحيل على أي رياضي أن يقطع هذه المسافة (1609 متر) في زمن أقل من أربع دقائق. منذ عام 1886م وأفضل وأسرع العدائين والرياضيين في العالم يحاولون كسر هذا العائق والعقبة الرياضية التي ترسخت في العقل الجمعي لأهل الرياضة بأنه (يستحيل) ركض مسافة الميل في أقل من أربع دقاق. طبيب الأعصاب والسير الإنجليزي روجر بانيستر استطاع أن يحطم هذه الأسطورة في عام 1954م وهو في بواكير الشباب بعمر 25 عندما كان ما زال يدرس الطب في جامعة أكسفورد ويمارس كهاوي رياضة الجري. في الغالب لم يكن لدراسة الطب أثر هام على الأداء الرياضي المميز لهذا الشاب لكن نقطة الضعف الأساسية له ربما كانت هي العامل الحاسم في تفوقه. بحكم أنه لاعب رياضي هواي فلم لم يكن له مدرب خاص يرشده ويؤثر عليه ولهذا لم يتسمم بأجواء التسليم النفسي لتلك الأسطورة الراسخة. في يوم السادس من شهر مايو لعام 1954م استطاع الشاب روجر بانيستر قطع مسافة الميل في 3 دقائق و59.4 ثانية وبمجرد سقوط ذلك الحاجز الرياضي والعائق النفسي الوهمي سرعان ما تمكن الآخرين تكرار نفس النجاح. بعد شهر ونصف فقط من تلك الحادثة الرياضية التاريخية استطاع العداء الأسترالي جون لاندي من تكرارها في حين تشير التوقعات أنه عبر السنوات استطاع حوالي 1500 رياضي من تحطيم (حاجز الأربع دقائق) بل بعضهم كان في سن الكهولة الرياضية (40 سنة) أو الطفولة الرياضية (16 سنة). والجدير بالذكر أن سباق الميل Mile Run ليس من المسابقات الرسمية في ألعاب القوى (يقام بدلا عنه سباق 1500 متر) ولهذا لم يحاول جميع الرياضيين الاشتراك بمسابقاته وإلا كان عدد من حطم تلك الأسطورة والحاجز الوهمي بعشرات الآلاف.

من الفوائد الرمزية للمسابقات الرياضية على الإنسانية تعدد وتنوع الأمثلة المشابهة لما سبق في القدرة البشرية على تخطى العقبات والقفز في الحواجز الحقيقة والخيالية على حدا سواء. قام النظام النازي في ألمانيا على خرافة تفوق العنصر الجرماني (تفوق الجنس الآري) وأن ألمانيا فوق الجميع في شتى المجالات حتى في المسابقات الرياضية. ولهذا عندما أقيمت مسابقة الألعاب الأولمبية في مدينة برلين عام 1936م حاول هتلر استغلالها كدعاية للفكر النازي وأن الرياضيين البيض الألمان سوف يكتسحون جميع الألعاب. وكانت الصفعة الكبرى لهتلر عندما استطاع الرياضي الأمريكي الأسود جيسي أوينز في أولمبياد برلين من كسر هذا الوهم النازي وتحقيق أربع ميداليات ذهبية في ألعاب القوى مما رسخ حقيقة أن الرياضيين ذوي الأصول الأفريقية أكثر كفاءة بكثير في مجال ألعاب القوى. وبمناسبة الحديث عن ألعاب القوى ومسابقات الجري لعله من الملائم التذكير (بحاجز وهمي) تم تخطيه وتحطيمه ألا وهو (حاجز العشر ثواني 10 seconds barrier). حيث كان من السائد في الأوساط الرياضية أن كفاءة اللاعب الرياضي من المستحيل أن تمكنه من الجري في سباق 100 متر في زمن أقل من عشر ثواني. بسبب صعوبة القفز فوق حاجز العشر ثواني تأخر قليلا تحقيق هذا الإنجاز والذي نال شرف أول من حققه هو العداء الأمريكي جيم هاينز وذلك في أولمبياد المكسيك عام 1962 ميلادي. الرقم القياسي العالمي لسباق 100 متر يحتفظ به الآن العداء الجامايكي يوسين بولت والذي يستحق بجدارة لقب أسرع إنسان في التاريخ حيث اجتاز مسافة 100 متر في زمن صعب جدا تحطيمه وهو 9.58 ثانية. وحتى الآن استطاع 155 عداء رياضي من مختلف أنحاء العالم تخطي حاجز العشر ثواني الوهمي في سباق 100 متر ويهمنا هنا الإشارة إلى أن منهم العداء العماني بركات الحارثي الذي حقق في عام 2018م وهو في سن متقدما نسبيا (بعمر 30 سنه) إنجاز تخطي حاجز العشر ثواني حيث اجتاز تلك المسافة في زمن 9.97 ثانية.

هذا الإنجاز العربي الرياضي المميز يعود بنا مره أخرى لفكرة الحاجز الوهمي المتعلق بسباق الميل حيث تجدر الإشارة إلى أن صاحب الرقم القياسي الحالي في هذا السباق هو العداء المغربي هشام الكروج الذي حققه في زمن يبلغ ثلاث دقائق و 43 ثانية. وكما ذكرنا أن السباق الأولمبي القريب من سباق الميل هو سباق 1500 متر ومن مصادر الفخر لنا كعرب أن من يحتكر هذا السباق منذ زمن طويل هم العداؤون العرب فصاحب الرقم القياسي الحالي له هو العداء المغربي هشام الكروج ومن قبله كان العداء الجزائري نور الدين مرسلي وقبلهما الأسطورة المغربي سعيد عويطة. وما أريد أن أقوله إننا كعرب ومسلمين شعوباً وأفراد لدينا طاقات كامنة هائلة وأن ما يقيدنا ويكبلنا هي قيود الوهم وحواجز الوهن. وإننا مؤهلين كما كسرنا تلك الحواجز الرياضية أن نكسر حواجز وأغلال التخلف والتشتت السياسي والاقتصادي والحضاري لنصبح مرة أخرى أصحاب الميداليات الذهبية والمراكز الأولى في سباق الشعوب والحضارات البشرية.

صحيح أن الحال العربي عصي عن النهوض وبعيد عن التوحد ولكن بما إننا ما زلنا في مجال الرياضة فلعلنا نختم بمقولة لاعب السلة الأمريكي الأسطورة مايكل جوردن (لقد فشلت مراراً وتكراراً في حياتي .. وهذا هو سبب نجاحي).

 

( المتاجرة بالعلم )

سباق غزو الفضاء هل هو بين الدول أم بين الشركات 

د/ أحمد بن حامد الغامدي

 

العلم كمنتج بشري ليس منزه بالمطلق عن الخلل وربما يقع التناقض في العلم فيما يخص الأفكار والاستنتاجات العلمية وكذلك قد يقع التناقض في مسيرة العلم وتطوره عبر الزمن. من صور التناقض في التسلسل التاريخي للعلم أنه قبل عقود قليلة مضت كان العلماء والراصدين لتاريخ العلم يجزمون أن مستقبل العلم سوف يرتبط بما يسمى (العلوم الكبيرة Big Sciences). والمقصود أن ما تبقى من المجالات العلمية الكبرى قيد الدراسة وخصوصا في مجال علوم الفضاء والعلوم الذرية ومشروع الجينوم (الخريطة الوراثية البشرية) تحتاج لمجهود علمي فائق يستلزم صرف ميزانيات ضخمة جدا وتعاون عدد غفير من العلماء المتخصصين من جنسيات متعددة. ولذا المصاريف المالية والجهود العلمية لتنفيذ هذه الأبحاث المتقدمة في (العلوم الكبرى) هي خارج نطاق قدرات دولة بحد ذاتها ولا بد من تجمع الدول والمؤسسات البحثية الكبرى. خذ على سبيل المثال الأبحاث العلمية في مجال فيزياء الجسيمات الأولية والتي تقوم بها CERN المنظمة الأوروبية للأبحاث النووية. إن أهم وأغلى تجربة في التاريخ هي تلك التي ينفذها مركز سيرن في مجال الفيزياء النووية وهو مشروع مصادم الهادرونات الكبير LCH الذي كلف حوالي 10 مليار دولار واشترك فيه عدة آلاف من العلماء من حوالي 100 دولة. وقل مثل ذلك عن الأبحاث المتطورة التي تقوم بها وكالة الفضاء الأوروبية التي تشترك بها وتمول أبحاثها 22 دولة أو وكالة الفضاء الأمريكية ناسا التي تبلغ ميزانيتها السنوية أكثر من 22 بليون دولار.

من منظور ما سبق كان يفترض أن أبرز الاكتشافات العلمية الحديثة وأهم الاختراعات التقنية المتطورة تكون من نتاج ومخرجات هذه المشاريع العلمية (الكبرى) متعددة الجنسيات والعابرة للقارات. وبما أن سيرة اكتشاف الفضاء انفتحت فمن الغريب أن أكبر صاروخ تم تصنيعه في تاريخ البشرية ليس صاروخ وكالة ناسا (ساتورن 5) الذي أوصل الأمريكان للقمر ولا (بروتون M) عملاق صواريخ الفضاء السوفيتية ولا صاروخ وكالة الفضاء الأوروبية (آريان 6) ولكن هو الصاروخ (فالكون 9) من إنتاج (شركة تجارية) حديثة نسبيا تحمل اسم Space X والتي أنشأها رجل الأعمال الكندي المشهورة إيلون ماسك. في مطلع عام 2020م أعلنت إحدى شركات إيلون ماسك الفضائية عن تخطيطها لإطلاق مركبة فضاء تحمل رجال عاديين (وليس رواد فضاء) وذلك في أواخر هذه السنة. ويبدو أن (سباق غزو الفضاء) تحول من الدول الكبرى إلى التنافس بين رجال الأعمال وأصحاب المليارات لكسب سوق رحلات الفضاء السياحية. ولهذا لا غرابة أن تم بالفعل تم في الأيام القليلة الماضية تنفيذ رحلات فضاء كان رواد الفضاء فيها هم أكبر وأشهر رجال الأعمال الدوليين من مثل الأمريكي جيف بيزوس صاحب شركة أمازون وأغنى رجل في العالم وكذلك الملياردير البريطاني المعروف ريتشارد برانسون صاحب شركة فيرجن. ليس من المعلوم حتى الآن هل سوف يقتدى إيلون ماسك ثاني أغني رجل في العالم بمن سبقه من رجال الأعمال ويشارك بنفسه في أول رحلة فضاء لشركته التقنية الخاصة (عبر مركبتها الفضائية: سفينة النجم) بعد أن قام عام 2018م بإرسال واحدة من سياراته الكهربائية (تيسلا رودستر) إلى الفضاء في منظر مهيب سوف تخلده الذاكرة البشرية لفترة طويلة. لكن من شبه المؤكد أن إيلون ماسك سوف يستمر في منافسة ومزاحمة وكالات الفضاء الأمريكية والأوروبية في تحقيق الحلم الكبير بإرسال أول إنسان إلى كوكب المريخ. ولو تحقق هذا الأمر وبالفعل استطاعت الشركات التجارية الخاصة التغلب على المؤسسات والمراكز البحثية (الكبرى) الدولية فإن مسيرة العلم تحولت من ظاهرة (العلوم الكبرى Big Sciences) إلى ظاهرة (خصخصة العلوم Science Privatization).

من الأبحاث العلمية المحورية التي تحولت من مجال العلوم الكبرى إلى مجال خصخصة العلوم نجد أنه في مطلع التسعينيات من القرن الماضي تم الإعلان عن المشروع العلمي البالغ الأهمية والمتعلق بتحديد الخريطة الجينية البشرية. في بداية الأمر استلزم (مشروع الجينوم البشري) تضافر جهود العلماء من جميع أنحاء العالم وخصص له عبر السنين ميزانية مالية زادت عن ثلاثة بلايين دولار. ثم بعد ذلك حدثت المفاجأة الكبرى عندما نجحت (شركة تجارية) واحدة هي Celera Genomics بميزانية محدودة لا تزيد عن 300 مليون دولار، نجحت في أن تسبق جهود المؤسسات والمراكز البحثية الدولية الضخمة في تحقيق نشر مسودة الخريطة الجينية البشرية وذلك في صيف عام 2000 ميلادي. وفي موضوع ذي صلة ومع مشروع آخر هائل من (العلوم الكبرى) والمتعلق بالجهود العلمية الحائرة منذ عقود طويلة في إنجاز حلم علماء الفيزياء وأهل الاقتصاد بإنتاج الطاقة الكهربائية من خلال ما يسمى مفاعلات الاندماج النووي الهيدروجيني.  منذ عام 2007م يقام في جنوب فرنسا بناء مشروع (المفاعل النووي الحراري الدولي) ITER والذي يهدف لبناء أكبر مفاعل اندماج في العالم ويشترك في هذا المشروع الضخم حوالي 35 دولة وبميزانية خرافية تبلغ حوالي 16 مليار دولار. شركة Celera Genomics التجارية الأمريكية السابقة الذكر عندما فكرت بطريقة علمية غير تقليدية استطاعت اختصار الزمن بشكل هائل فيما يتعلق بمشروع الجينوم البشري. وعلى نفس النسق يتوقع بعض الخبراء أن تنجح الشركة التجارية الكندية General Fusion التي يدعمها الملياردير الأمريكي سابق الذكر جيف بيزوس في تحقيق إنجاز إنتاج الطاقة الكهربائية من مفاعلات الاندماج النووي الهيدروجيني في وقت أسرع من مشروع ITER بالرغم من أن رأسمال تلك الشركة التجارية التقنية لا يزيد عن 300 مليون دولار، ولكنها تمتك أفكار علمية إبداعية وفعالة.

من هذا وذاك تتشكل مسيرة العلم والتقنية في المستقبل وأن الرواد في مجال تطوير العلوم وحتى الأبحاث الطبية هي في الغالب الشركات التجارية والهيئات التقنية الربحية في حين من المحتمل أن يتراجع بشكل تدريجي دور وإسهام مراكز الأبحاث في الجامعات والمؤسسات العلمية الدولية. من جانب قد يكون هذا الأمر مفيد من منظور أن حيوية القطاع الخاص وكفاءته العالية واستقلاليته سوف يساعد كما شاهدنا في تقدم هائل ومذهل في مسيرة العلم والتقنية. ولكن في المقابل يوجد قلق مشروع وتحفظ مبرر من أن استفراد رجال الأعمال والتجار بالاكتشافات العلمية والاختراعات التقنية سوف يتسبب بشكل أو آخر في استغلال البشرية لمصالح مادية رأسمالية متوحشة مشهورة ومتكررة في سلوك أصحاب الأموال. من صور الرأسمالية البغيضة و(المتاجرة) ليس فقط بالعلم وإنما بالبشر نجد أن شركة سيليرا Celera التي ساهمت في تسريع مشروع الجينوم البشري كما أشرنا له سابقا طالبت أن تحصل على براءة اختراع على بعض الجينات البشرية ذات الأهمية الطبية. كما أنها حاولت في البداية الاحتفاظ بجزء من المعلومات البيانات الوراثية التي توصلت لها لاستغلالها بشكل تجاري. ومن هنا ظهر جدال عنيف حول من له الأحقية في الادعاء بأنه يملك حق احتكار معلومات الجين البشري أو هل يقبل أن تصبح الشفرة الوراثية DNA كأي سلعة تجارية يصدر لها براءة اختراع. وهذا يقود للمخاوف من خطورة (المتاجرة بالعلم) بأن ألا تتورع بعض الشركات التجارية البحتة التي تهدف للربح وعوائد الاستثمار أن تكسر القواعد الأخلاقية في الأبحاث الطبية وكذلك الأبحاث المثيرة للجدل مثل استنساخ البشر والأغذية المعدلة وراثيا.

وبالرغم من كل هذا القلق حول دور الشركات التجارية في مسيرة العلوم إلا أنه يجب ألا نغفل أن لعدد كبير منها دور حاسم جدا في إحداث ثورات عديدة ومتواصلة في تاريخ العلم. الأهم من ذلك أن العديد من جوائز نوبل تم منحها للاكتشافات علمية حصلت في مختبرات الشركات التجارية المهتمة بالعلوم ومن ذلك مثلا أن شركة دو بونت الأمريكية وعملاق صناعة الكيماويات نال اثنين من العاملين في مختبراتها على جوائز نوبل في الكيمياء وهم بول فلوري عام 1974م وتشارلز بيدرسن عام 1987م هذا بالإضافة أنه في مختبرات هذه الشركة تم اختراع مادة التفلون عديمة الالتصاق وألياف النايلون الحريرية أو ألياف الكيفلار المضادة لطلقات الرصاص. وفي مجال علم الفيزياء تمكن ثلاثة من علماء شركة مختبرات بيل Bell Labs المرموقة ليس فقط من اختراع الترانزستور، ولكن أيضا استحقاق الحصول على جائزة نوبل في الفيزياء لعام 1956 ميلادي.


العلم من رعاية الملوك إلى رعاية التجار

من توابع ونتائج الظاهرة الحديثة في تاريخ مسيرة العلم والمتعلقة (بخصخصة العلوم) حصول نقطة التغير التاريخية من خلال تحول دور الداعم والراعي patron والممول للعلم والعلماء من الملوك والأباطرة إلى التجار ورجال الأعمال. المستعرض لكتب تاريخ العلم وأخبار العلماء تتردد عليه العديد من الأسماء السياسية البارزة التي احتضنت العلماء ورعتهم من مثل الخليفة العباسي المأمون والخليفة الأندلسي عبد الرحمن الثالث والسلطان التركي محمود الغزنوي والسلطان السلجوقي جلال الدين ملك شاه والسلطان المغولي المسلم أولغ بيك. كما هو معلوم تأثر ملك صقلية روجر الثاني كثيرا بالحضارة العربية وقد كان هو راعي العالم العربي الكبير الإدريسي وكذلك كان على نفس النسق الإمبراطور الألماني فردريك الثاني الذي كان هو الآخر عاشقاً للحضارة العربية وراعي للعلوم. ومن أشهر ملوك وأباطرة أوروبا الذين سلكوا هذا المسلك في كفالة وتمويل العلوم الملك الأسباني ألفونسو العاشر والإمبراطور النمساوي رودولف الثاني والإمبراطور الروسي بطرس الكبير والإمبراطور الفرنسي لويس الرابع عشر والملك الإنجليزي تشارلز الثاني بينما يقف الإمبراطور والقائد الفرنسي نابليون بونابارت في مكانه خاصية وفريدة في هذا الشأن فعدد ملحوظ من وزرائه هم في الأصل من كبار علماء فرنسا.

في العصر الحديث أصبح الدور الريادي في رعاية العلم والعلماء منوط بشكل متزايد للدعم المالي السخي من رجال الأعمال والأثرياء، بل إن بعض أهم الاكتشافات العلمية ساهم فيها رجال الأعمال وبدوافع إنسانية وذلك من خلال مؤسساتهم الخير وغير الربحية. فمثلا إمبراطور صناعة الحديد والصلب رجل الأعمال الأمريكي البارز أندرو كارنجي كان هو من مول من خلال مؤسسته الخيرية أبحاث اكتشاف هرمون الأنسولين لعلاج مرض السكر وتحقيق جائزة نوبل في الطب لعام 1923 ميلادي. في حين أن الثري الأمريكي المشهور جون روكفلر ساهم من خلال مؤسسته الخيرية في تمويل الأبحاث المتعلقة باكتشاف تركيب جزئي DNA والأحماض النووية وتحقيق جائزة نوبل في الطب لعام 1962 ميلادي. عبر القرن الماضي وحتى الآن ساهم المئات من كبار رجال الأعمال وفي جميع الدول بدعم الأبحاث العلمية وخصوصا في المجال الطبي مما ساهم في إنجاز العديد من الاكتشافات العلمية الكبرى وتحقيق جوائز نوبل. يكفي أن نشير إلى أنه قبل عدة سنوات أتفق ثلاثة من أباطرة رجال الأعمال في أمريكا (وهم بيل غيتس ووارن بافيت وجورج سورس) على أن يتبرع كلا منهم بمبلغ يزيد عن ثلاثين بليون دولار لصالح الأعمال الخيرة وبالذات في مجال دعم الأبحاث الطبية. وبالرغم من كل ما يثار من لغط حول الملياردير الأمريكي بيل غيتس فالحق بقال إن مؤسسة بيل غيتس الخيرية بلغ مجموع تبرعاتها المخصصة لمكافحة وباء كورونا حوالي 1750 مليون دولار وفي نفس المسار تبرع رجل الأعمال وعملاق صناعة السفن الأمريكي دانيال لودفيغ بمبلغ 2500 مليون دولار لأبحاث السرطان. الغريب في الأمر أن التبرع بمثل هذه المبالغ المالية الضخمة ليس مقصوراً على الأبحاث الطبية التي تجد تعاطف متوقع، ولكن نجد أن بعض رجال الأعمال لديهم هوس بالعلوم البحتة كما هو حال رجال الأعمال الأمريكي جورج ميتشل الذي تبرع بمبلغ 360 مليون دولار لبناء مرصد فلكي متطور جدا مخصص لأبحاث الفضاء بينما مجال أعمال جورج ميتشل تحت الأرض في التنقيب عن الغاز والبترول.

الملياردير جورج ميتشل نموذج ومثال للمئات من رجال الأعمال عبر التاريخ ومن كل الشعوب الذين أنفقوا مئات، بل وحتى آلاف الملايين من الدولارات في مشاريع بحثية ليس لها أي صلة بمجال تجارتهم ولا ينتظرون من ذلك أي فائدة استثمارية مباشرة. ولهذا تتغير التسمية لمثل هؤلاء التجار عبر الزمن فهم في بداية شبابهم يعرفون بلقب (رواد الأعمال entrepreneur) وفي منتصف حياتهم المهنية هم (رجال الأعمال businessmen) بينما في أواخر حياتهم أحيانا يطلق عليهم لقب (السخي المحسن philanthropist). بكل الصدق والمصارحة الصورة النمطية عن التجار ورجال الأعمال سيئة، ولكن من يبدأ منهم حياته بالتحايل والشجع ثم يختمها بالبر والإحسان يصدق عليه الوصف الشعبي بأنه (النّهاب الوهّاب !!).

 

 


( سحابة صيف ثم تنقشع )


 هل دائما مطر القيظ يكون سريع الانقشاع

د/ أحمد بن حامد الغامدي

 

الإنسان ابن بيئته ولذا يقال إن شعب الإسكيمو يتداولون أكثر من خمسين كلمة تطلق على الثلج والجليد وهو رقم كبير لشعب ذو ثقافة محدودة ولغة غير متطورة. ومن وفرة الجليد إلى شح المياه نجد نفس الظاهرة تكرر، ولكن بسياق مختلف فحسب مبدأ باريتو (رجل الإقتصاد الايطالي) كثيرا ما نجد أن (القلة تعني الكثرة) less is more وخير ما يثبت صحة هذا الأمر أن عدد أسماء المطر في اللغة العربية تقارب حوالي 200 اسم ولفظ ووصف.

بحكم أن البيئة العربية هي صحراء قاحلة وأرض جدباء ولذا أصبح للماء والمطر وصف الغيث والرحمة والخير وبذا تعددت الأسماء للمطر والغريب أنه حتى مع ندرة الأمطار في الصيف إلا أن لهذا النوع من الأمطار أسماء خاصة بها. من هذه الأسماء التي حصرها ورصدها علماء اللغة تسمية مطر الصيف بأسماء من مثل: الحَميم والبِسار والصَّيّف والخريف وهي ألفاظ ذات ظلال كئيبة مقارنة بأسماء المطر متدفقة المعاني مثل الوابل والسكب والصيب والعباب.

 مطر الشتاء فيه الخير والنماء ولهذا من أسماء المطر في موسمه أنه (الحياء) ومع ذلك ففي البيئة الصحراوية القارسة ذلك النماء هو فقط (إزهار مؤقت في الصحراء) ولذا مطر الصيف وهجير القيظ هو مطر عقيم لا ينبت أصلاً. يقول أهلنا بالشام عن شدة حر شهر يوليو (بتموز تغلي المي بالكوز) ولذا قبل عدة أيام وفي منتصف شهر يوليو عندما هبت عاصفة ممطرة على منتصف جزيرة الصحراء لم يكن المرتجى والمؤمل إلا أن تكسر قليلا حدة الحر لبعض الوقت. تلك الأمطار في الغالب بركتها محدودة ليس فقط لسرعة تبخرها في أجواء القيظ (مطر الحميم)، ولكن أيضا لقصر زمن موجة الأمطار تلك. وبسبب قلة بركة وسرعة انقضاء أمطار الصيف منذ القدم نجد العرب يتداولون بينهم مقولة (سَحابةُ صَيفٍ عن قليل تقشَّعُ). في كتاب مجمع الأمثال لأبي الفضل الميداني علّق على هذه العبارة وأن العرب تستخدمها كمثل يضرب في انقضاء الشيء بسرعة. وهذا المثل يستخدم أيضا للتسرية والتخفيف عن النفس في وقت المصائب وأنها يرجى سرعة زوالها وقد ورد في كتاب عدة الصابرين وذخيرة الشاكرين لأبن قيم الجوزية أن المحدّث محمد بن شبرمة كان إذا نزل به بلاء قال: سحابة صيف ثم تنقشع. وهذا المعنى الذي استعاره لاحقا الشيخ عائض القرني عندما أورد في كتابه (لا تحزن) عبارة: إذا زارتك شدةٌ فاعلم أنها سحابة صيف عن قليل تقشع، ولا يُجفلك رعدها ولا يرهبك برقها. وفي كتاب الزهد لابن أبي الدنيا ذكر أن الإمام سفيان الثوري كان كثيرا ما يتمثل بأبيات الشاعر الفارس عِمران بن حِطّان في ذم الدنيا والاغترار بها:

أرى أشقياء الناس لا يسأمونها         على أنهم فيها عُراة وجُوّعُ

أراها وإن كانت تُحبُّ فإنها             سحابة صيف عن قليلٍ تقشعُ

 وتلك الأبيات تستخدم بكثرة في التراث الإسلامي في ذم الدنيا والزهد فيها ولهذا وظفها العالم الرباني ابن قيم الجوزية في كتابه مفتاح دار السعادة بعد أن وصف الدنيا بأنها خيال طيف أو سحابة صيف ثم علّق بمقولة الحسن البصري في وصف الدنيا:

أحلامُ نومٍ أو كظلِّ زائلٍ            إن اللبيبَ بمثلها لا يُخدعُ

ثم ذكر ابن قسم الجوزية بعدها مباشرة أبيات عمران بن حطان المناسبة في المعنى والقافية:

أراها وإن كانت تُحبُّ فإنها         سحابة صيف عن قليلٍ تقشعُ

 الأرصاد الجوية للأمطار الصيفية ليست بذات فائدة كبيرة في علم المناخ وتنبؤات الطقس لكن كما لاحظنا لها توظيف في دنيا الرقائق والزهد والوعظ. ولهذا يكثر ذكر سرعة انقشاع سحابة الصيف ويستخدم هذا المشهد في وعظ الحكام وأهل النفوذ والسلطان فتذكر مثلا كتب الأخبار أنه في زمن والي العراق خالد بن عبد الله القسري حصل أن مر طارق صاحب شرطته في موكبه المهيب. فما كان من قاضي الكوفة عبد الله بن شبرمه إلا أن تمثّل ببيت الشعر السابق الذكر والذي في آخره (سحابة صيف عن قليل تقشعُ) وكأنه يعظ صاحب الشرطة وينبهه لسرعة زوال الدنيا الفانية فلا يغتر بما هو فيه من الجاه ونفوذ. وفي حادثة مشابهة بحذافيرها يقال إن والي البصرة بلال بن أبي بُردة مرّ يوما بموكب عظيم فما كان من خالد بن صفوان إلا أن علق بالقول (سحابة صيف عن قليل تقشعُ) فسمعه بلال فقال: والله لا تقشع أو يصيبك منها شؤبوب بَرد ثم أمر بضربه وحبسه. وسبحان الله وقع الأمر كما توقع خالد بن صفوان فإن ذلك الوالي أي بلال بن أبي بُردة عزل بعد ذلك وسجن ولهذا قال له خالد بن صفوان عندما شاهده وهو ذليل في قيوده: الحمد لله الذي أزال سلطانك وهد أركانك وغير حالك.

 وفي الختام عودٌ على بدء بذكر حقيقة أن الإنسان ابن بيئته ولهذا تتشكل حياته بها فشعب الإسكيمو (الأصح تسميتهم شعب الإنويت) لو حصل واستوطنوا أراضي القطب المتجمد الشمالي فسوف يكون لسحابة الصيف وأمطارها لها معنى مختلف عنا. في عرفنا أن مطر القيظ وسحابة الصيف سريعة الزوال بينما هي في القطب الشمالي خلاف ذلك فموسم الأمطار في تلك البقعة من الأرض هي في الصيف وتستمر لعدة أسابيع أكثرها يتوافق مع شهر يوليو. بينما في فصل الشتاء يقل بشكل حاد هطول الأمطار ولهذا ربما لو حصل وشاهد رجل من شعب الإنويت (سحابة شتاء) لما اهتم بها لعلمه أنها عن قريب ستنقشع !!.

بقي أن نشير إلى أن أهل الدول الأوروبية قد اعتادوا على استمرار هطول الأمطار إلب الأوقات وبحكم أنهم (أبناء بيئتهم) فالواحد منهم لن يستغرب هطول المطر في فصل الصيف (بل وحتى نزول الثلج في شهر مايو) وإنه إن هطل فلن ينقشع سريعا. تنتشر في البلاد الإنجليزية أسطورة مناخية طريفة تقول إنه إذا حصل وهطل المطر في يوم عيد القديس سويثن فهذا يعني أن السماء سوف تستمر تهطل لمدة أربعين يوما متواصلة. المفارقة ووجه التعجب في هذه الأسطورة أن يوم عيد القديس سويثن ليس في الشتاء، ولكن في عز الصيف حيث يقع في يوم 15 يوليو. قبل أيام قليلة حصلت فيضانات مدمرة في بعض الدول الأوروبية مثل ألمانيا وبلجيكا وهولندا وذلك بعد موجة عاتية من الأمطار المتواصلة والي لم تنقشع مع أنها في عز فصل الصيف. تزعم السلطات في تلك البلاد أنها تفاجأت بهذه الأجواء الماطرة ولا أعلم هل يقبل عذرهم أم لا وهم في موروثهم الشعبي قد تعودوا على احتماليه تواصل المطر في الصيف حيث ينتشر بين شعوب أوروبا (أسطورة عيد القديس ميدارد) والتي تقول بأنه إذا هطل المطر في يوم عيد ذلك القديس (أي الثامن من يوليو) فسوف يستمر المطر بالهطول المتواصل لمدة أربعين يوما.

منذ سنوات وبعض علماء الطقس يحذرون أنه من نواتج ظاهرة الاحتباس الحراري سوف تحصل تغيرات حادة في المناخ لدرجة أن تزداد الأمطار الصيفية ويتكرر حصول الفيضانات. هذه الأيام وفي عزّ فصل الصيف حصلت أمطار كثيفة وسيول مدمرة تسببت في مقتل حوالي 200 شخص في ألمانيا ولذا عُدّت تلك الحادثة الماطرة أسوأ كارثة تقع على الألمان بعد الحرب العلمية الثانية. وكذلك حصلت هذه الأيام فيضانات غير مسبوقة في الصين يقال إنها لم يحصل مثلها منذ ألف عام ومع السيول التي حصلت لدينا كذلك هذا الأسبوع بمحافظة الأفلاج فهل فعلا سحاب الصيف لا يمطر ويمر ولا يضر ؟!!.

 

( مأساة في الحج )


 حجاج الصحراء أقل تعرضا للأوبئة من حجاج الأنهار

د/ أحمد بن حامد الغامدي

 

يبدو أن العرب قديما كانوا على موعد متجدد وضنك متكرر من الأوبئة وجائحة الأمراض المهلكة ومن هنا كانت المسبة الكبرى في حق الحجاج بن يوسف الثقفي والي الخليفة عبد الملك بن مروان على العراق عندما أراد أن يفتخر فأنقلب الأمر سُبه وسخرية عليه. يقال إن الحجاج خاطب قومه مفتخراً فقال: لم يصبكم الطاعون منذ أو وُلّيت عليكم، فقال إعرابي إن الله أرحم بنا من أن يجمع علينا مصيبتين: أنت والطاعون. من الناحية التاريخية يوجد ترابط وثيق بين وباء الطاعون وزمن الخلافة الأموية لدرجة أن المؤرخ المصري المعاصر الدكتور أحمد العدوى حصر في كتابه (الطاعون في العصر الأموي) تفشي حوالي 20 جائحة كبرى للطاعون في زمن الخلافة الأموية أغلبها في العراق وبعضها في الشام ومصر وهو الأمر الذي ساهم بصورة ما مع عوامل أخرى في سقوط الخلافة الأموية التي لم تعمر طويلاً.

ومن فضل الله ورحمته لم يشهد تاريخ الحرمين الشريفين في القديم وقوع حالات خطيرة من تفشي وباء الطاعون في أرض الحجاز بالرغم من كثرة الحجاج من جميع فجاج الأرض القادمين إلى البلد الحرام. وبالإضافة إلى ما ورد في الحديث الشريف الصحيح من أن المدينة المنورة (وفي بعض الروايات مكة المكرمة كذلك) لا يدخلها الطاعون نجد أيضا أن بعض العلماء مثل الإمام النووي الذين استقرأوا التاريخ ذكروا أن مكة والمدينة لم يقع بها طاعون قط. وهذا في جانب منه رحمة ومكرمة للحرمين الشريفين وأهلهما وفي جانب آخر حقيقة أن من أسباب انتقال وانتشار الطاعون هو الدور الوسيط للبراغيث التي تعيش على الجرذان وهذا النوع من القوارض لا ينتشر بكثرة في المناطق الحارة والجافة كما هو حال أغلب أرض الجزيرة العربية.

ربما ساهمت تلك المساحات الشاسعة من القفار التي يجب على الحاج أن يقطعها قبل الوصول إلى الأراضي المقدسة، ربما ساهمت في (تصفية) قوافل الحجيج من الأشخاص المصابين بالأمراض المعدية والقاتلة. وبحكم أن زمن السفر في تلك العصور يمتد لشهور طويلة وبهذا كان من يصاب بأي وباء قاتل ربما يتوفى أو يتم هجرة والتخلي عنه قبل الوصول إلى مكة المكرمة مما قلل بشكل ملموس وصول وانتشار الأوبئة في أرض الحرم. هذا الأمر تغير بشكل حاد ومفجع خلال القرن التاسع عشر (أتفق مع نظرة الأديب الإيرلندي أوسكار وايد عندما أشار إلى أن القرن التاسع عشر نقطة تحول محورية في التاريخ البشري) وذلك فيما يخص سرعة انتشار الأمراض المعدية والأوبئة كنتيجة حتمية لسرعة انتقال البشر عبر وسائل التواصل والنقل الحديثة. مع ظهور شبكة القطارات وأساطيل القوارب والسفن البخارية في منتصف ذلك القرن وظهور بواكير مركبات السيارات في نهايته حصل قفزة هائلة في تواصل الشعوب البشرية وسهل ذلك انتشار الأوبئة الفتاكة وخصوصا مرض الكوليرا. من الناحية الطبية تذكر المراجع العلمية أن ميكروب مرض الكوليرا لا يصمد في أمعاء الشخص المصاب أكثر من خمسة أيام فإما أن يهلك المرض أو يزول الميكروب. والمعنى أن فرصة انتقال المرض وانتشاره محدود نسبيا ولهذا طوال التاريخ الإنساني كله لم يعرف وجود هذا المرض الفتاك خارج أراضي القارة الهندية ولذا يعرف هذا المرض أحينا باسم (الكوليرا الآسيوية). وكما قال أوسكار وايد فإن القرن التاسع عشر كان نقطة تحول وهذا بالفعل ما حصل مع قصة هذا الوباء فبعد احتلال الهند من قبل الإمبراطورية البريطانية سرعان ما ساهمت القوارب البخارية في نقل هذا الوباء لجميع أنحاء العالم في غفلة من الأطباء وأهل السياسية والجنود. وفي القرن التاسع عشر حصلت العديد من موجات الوباء الحادة للكوليرا بلغت ست موجات كبرى ما يهمنا منها هو (وباء الكوليرا الرابع) وهذه الجائحة المريعة التي حصلت عام 1863م كان مبدئها من ضفاف نهر الغانج من إقليم البنغال بالهند ووصلت مع الحجاج المسلمين الهنود إلى مكة المكرمة وتشير المراجع التاريخية أنه في ذلك العام حصد الوباء 30 ألف حاج من أصل 90 ألف. وتكرر الأمر في حج عام 1883م حيث يذكر أن جائحة الكوليرا قضت مرة أخرى على ثلث أعداد الحجاج بينما حج عام 1893م سمي (حج الرعب) بعد أن تسبب ذلك الوباء في وفاة 40% من الحجيج. وبالجملة تم تسجيل 27 جائحة وباء الكوليرا أثناء مواسم الحج في الفترة من مطلع القرن التاسع عشر وحتى عام 1930 ميلادي.

وبحكم أن الحجاج ساهموا في انتشار (وباء الكوليرا الرابع) في عدد كبير من بلدان العام بعد رجوع المصابين بالكوليرا إلى ديارهم لذا نجد منذ منتصف القرن التاسع عشر تغير كبير في مسيرة الحج (ألم نقل إن القرن 19 فترة محورية في التاريخ). لأول مرة في التاريخ الإسلامي ظهرت الحاجة إلى تفعيل دور الوقاية الطبية فيما يسمى (بالحجر الصحي َQuarantine) وذلك بعد عقد مؤتمرات دولية سياسية وطبية كبرى وبعد ضغط متزايدة من قبل الدول الاستعمارية الكبرى. ولذا استجابت الدولة العثمانية بإقامة محاجر صحية في مكة والمدينة، بل وعلى طريق الحجاج القادمين من مصر (محجر طور سيناء) وأقيم في مصر ما يسمى مجلس الكورنتينة الدولي، بل وصل الأمر حتى إلى إقامة محجر صحي بحري كبير في جزيرة بريم بمدخل البحر الأحمر عند باب المندب ومحجر صحي آخر عند مخرج السفن عند قناة السويس.

بمثل هذه الإجراءات الصحية الصارمة أمكن بدرجة كبير عبر السنين تأمين الحجاج وشعيرة الحج من تلك المآسي الفجيعة المتمثلة في فقد الأرواح الطاهرة ومعاناة المرضى الأليمة. وللتدليل على خطورة التساهل في أخذا الاحترازات الطبية الملائمة في زمن الأوبئة في التجمعات الدينية الكبرى يكفي أن نشير لما حدث قبل عدة أشهر في القارة الهندية (المصدر الأصلي لوباء الكوليرا كما ذكرنا) إذا نجد مرة أخرى وعلى ضفاف نهر الغانج يتفشى وباء آخر أثناء موسم حج الكومبه ميلا الهندوسي والذي يعتبر أكبر تجمع بشري على الإطلاق. وبسبب ضعف الاحتياطات الصحية التي اتخذتها الحكومة الهندية تفشى مباشرة بعد ذلك الحج وباء الكورونا في الهند وبالإضافة لإنتاج النوع المتحور الجديد من فيروس كوفيد 19 حصلت الكارثة الكبرى في تاريخ الأمراض المعدية عندما أصبح يصاب يومياً نصف مليون مريض ووصلت عدد حالات الوفيات يوميا لأكثر من أربعة آلاف شخص.

في المقابل ولله الحمد نجحت جهود وزارة الصحة لدينا في المحافظة ولسنوات طويلة على سلامة موسم الحج من الأوبئة المعدية والجوائح الصحية المهلكة بالرغم من القلق من انتشار بعض الأمراض في بعض السنوات كما حصل مع مرض التهاب السحايا في موسم حج 1408هـ أو القلق من انتقال وباء الكوليرا من خلال الحجاج اليمنيين في عام 1438هجري. بل وصل الأمر قبل عدة سنوات عندما انتشر مرض كورونا الإبل (فيروس ميرس) في المملكة أن طلبت منظمة الصحة العالمية بإلغاء موسم الحج وهذا الطلب ربما تكرر مرة ثانية عندما انتشر وباء فيروس زيكا في بعض البلدان وخشي أن يساهم تجمع الحجيج في انتشار عالمي له.

لذا في أي مرة قادمة عندما تسمع أيه القارئ الكريم تصريح لوزارة الصحة في نهاية موسم الحج بأنه كان ناجحاً (وخالياً من الأوبئة) فثق تماما أن هذه ليست مجرد جملة عابرة تقال، ولكن ورائها جهود مشكورة وأموال مبذولة.