الأحد، 10 ديسمبر 2023

( غزة أولاً )

د/ أحمد بن حامد الغامدي

 يقال إن الجنرال الفرنسي الشاب نابليون بونابرت عندما غزا مصر في نهاية القرن الثامن عشر وتوجه لاحقا لاحتلال الشام والقدس مر في طريقه على مدينة غزة كما فعل ذلك عبر التاريخ عدد لا يحصى من الأباطرة والملوك وجنرالات الحروب، وهنا وصف نابليون الأهمية الاستراتيجية لمدينة غزة ملتقى القارات بأنها (مخفر أمامي لإفريقيا وباب آسيا). ولهذا المستعرض لتاريخ مدينة غزة يجد أن اسمها أرتبط بشخصيات مهمة في التاريخ كلهم مر وأقام في مدينة غزة ولو لعدة أيام فمنهم الفرعون المصري رمسيس الثاني (فرعون موسى) وهو في طريقة إلى معركة قادش لمحاربة الحيثيين في سوريا. وفي الواقع بعد وصول رمسيس الثاني لمدينة غزة وذلك في حدود 1274 قبل الميلاد أرسل منها وحدة عسكرية من جنود النخبة اتجهت شمالا عبر الساحل وحاولت التواصل مع قادة الشعوب الكنعانية في أرض فلسطين لكي تكسب ولائهم في معركة قادش والتي لو انتصر فيها ضمن أن يوسع نفوذ مملكته من الجنوب (أفريقيا) إلى الشمال (آسيا).

وبعد مرور رمسيس الثاني بمدينة غزة وبعد حوالي ألف سنة من تلك اللحظة نجد أن الإسكندر المقدوني يحاول هو الآخر توسيع دائرة نفوذه وحدود إمبراطوريته، ولكن هذه المرة بالاتجاه من الشمال إلى الجنوب مرورا بـ (غزة أولا). بعد أن سيطر الإسكندر الأكبر على سوريا ولبنان رغب في احتلال أرض الفراعنة في مصر ولهذا قام في عام 332 ق.م بحصار مدينة غزة لأنها كما وصف نابليون هي نقطة الحماية (المخفر) للقارة الإفريقية. في تلك الفترة كانت مدينة غزة تقع تحت حكم الإمبراطورية الفارسية ويعيش بها طائفة واسعة من العرب وبعد ثلاث محاولات فاشلة وحصار لمدة شهرين تمكن أخيرا جيش المقدونيين من اقتحام أسوار غزة وذلك وفق ما ذكره المؤرخ الروماني القديم آريانوس في كتابه (تاريخ حروب وفتوحات الإسكندر الأكبر). ولكن تجدر الإشارة إلى أن المراجع التاريخية الرومانية القديمة توثّق لبعض الصعوبات التي واجهها الإسكندر المقدوني عند محاولة اقتحام أسوار غزة فمثلا المؤرخ آريانوس سالف الذكر يسجل في كتابه أن الإسكندر حصلت له حادثة مزعجة أثناء أداءه لطقوس التقرب للإلهة قبل المعركة وعندما سأل العرّاف عن معنى ذلك قال له: أيها الملك إنك سوف تستولي على المدينة ولكن عليك أن تعتني بنفسك في هذا اليوم.

وهذا ما حصل فبالفعل أثناء محاولة الإسكندر اقتحام المدينة أصيب بجرح خطير وغائر في كتفه من جراء شظية من حديد قذيفة المنجنيق. وكذلك حصل للإسكندر حادثة أخرى هامة ومميزة بعد اجتياح مدينة عزة وقد ذكرها المؤرخ الروماني كورتيوس في كتابه (تاريخ الإسكندر الأكبر) عندما ذكر أن العرب قاتلوا بشراسة اثناء معركة حصار غزة وأضاف بقوله إن أحد المقاتلين العرب تظاهر بالاستسلام وبعد نقله إلى المعسكر المقدوني حاول اغتيال الإسكندر ولكنه فقط أصيب بجروح طفيفة من ذلك الهجوم. ومن هذا وذاك وبسبب بسالة المدافعين عن غزة نعلم لماذا بالغ الإسكندر المقدوني بعد احتلال غزة في إعدام الآلاف من الجنود المدافعين عنها وبيع النساء والأطفال كعبيد. ونتيجة للحنق الطاغي الذي أصاب الإسكندر من مقاومة أهل غزة قام بربط رجل قائد الحامية المدافعة عن غزة (الجنرال الفارسي باتيس) بعربة الإسكندر الحربية وسحله وهو ما زال حيا تحت أسوار غزة وكأن الإسكندر يتأسى ويقلد أخيل البطل الإغريقي عندما سحل خصمه فيكتور تحت أسوار طروادة حسب ما ورد في الإلياذة.

أما كيف اصبحت مدينة عزة تحت حماية الكتيبة العسكرية الفارسية فهذا يعود لأن الملك قمبيز الثاني ابن قورش وهو أشهر ملوك الفرس الذين أسسوا الإمبراطورية الفارسية في القرن السادس قبل الميلاد أراد أن يوسع ملكه هو الآخر بالاتجاه من الشمل إلى الجنوب ومن غرب آسيا إلى شمال أفريقيا وهكذا كالعادة كان يجب أن يمر بـ (غزة أولاً). ولكن كما واجه الإسكندر مقاومة شرسة من أهل غزة، تشير بعض المصادر التاريخية أن المدينة الوحيدة التي قاومت الإمبراطور الفارسي قمبيز وهو في طريقة لتحقيق لقب ملك الشمال والجنوب وموحد الأرضين كانت مدينة غزة التي أضطر هو الآخر كما فعل الإسكندر لأن يحاصرها لفترة من الزمن. وهذا نص شهادة المؤرخ اليوناني القديم بوليبيوس عن بسالة الغزاوية القدماء (إن شعب غزة هو الشعب الوحيد في سوريا الذي قاوم وواجه هذا الغزو كرجل واحد وخضع للحصار، بينما تملك الرعب سكان المدن الأخرى نتيجة القوة الضخمة للمعتدين وقاموا بتسليم أنفسهم وبلادهم للفرس).

 الطريق من حطين إلى عين جالوت يمر بـ غزة أولاً

المؤرخ اليوناني هيرودوت يستحق لقبه المشهور (أبو التاريخ) لأنه بدأ في تأليف كتابه تاريخ هيرودوتس (Historiai) في زمن متقدم جدا أي في حدود العام 450 قبل الميلاد وما يهمنا هنا الإشارة له أن هيرودوت ذكر في كتابه عند الحديث عن تاريخ مدينة غزة أن سكانها كانوا من العرب وأن حاكمها زعيم عربي. وفي هذا السياق المرتبط بعراقة الوجود العربي بمدينة غزة ومنذ العصور القديمة نعلم لماذا كانت (غزة أولاً) في قصة العلاقة بين العرب وأرض فلسطين. منذ عصور الجاهلية الأولى كانت قوافل التجارة بين مكة وأرض الشام دائما ما تمر بـ (غزة أولا) وبهذه المعلومة يمكن أن نستوعب الآن لماذا مدينة غزة تعرف قديما باسم (غزة هاشم) وذلك لأن جد الرسول صلى الله عليه وسلم هاشم بن عبد مناف في إحدى رحلاته التجارية الصيفية مر على مدينة غزة وتوفي ودفن بها. وعلى نفس نسق تعزيز سردية (غزة أولاً) تجدر الإشارة إن أن بعض المؤرخين يقررون بأن مدينة غزة كانت أول مدينة يفتتحها المسلمون من المدن الفلسطينية وذلك في العام 13 هجري بينما لن يدخل المسلمون القدس إلا بعد ذلك بسنتين.

ومن غرائب الموافقات التاريخية أن القائد المسلم الكبير صلاح الدين الأيوبي عندما انتصر في معركة حطين في يوم 25 ربيع الثاني من عام 583 هـ كانت هذه المعركة الحاسمة هي مفتاح الطريق إلى بوابات مدينة القدس. في الحقيقة موقع معركة حطين في أقصى شمال فلسطين بالقرب من بحيرة طبريا ومع ذلك فإن صلاح الدين لم يتوجه مباشرة لبيت المقدس وإنما فضل أن يتجه نحو الجنوب على الساحل الفلسطيني للاستيلاء على مدن الساحل أولا ولهذا بعد أشهر من معركة وعندما توجهه صلاح الدين أخيرا لفتح بيت المقدس لم يفعل ذلك إلا بعد أن استرجع (غزة أولاً).

ومن معركة حطين وما تلاها من إعادة فتح بيت المقدس على يد صلاح الدين وأن ذلك النصر المبين سبقه المرور على غزة أولا ننتقل الآن إلى المعركة الفاصلة ضد جحافل المغول معركة عين جالوت وأعتقد أن القارئ العزيز سوف لا يتفاجأ كثير بعد أن بدأ يستوعب سردية (غزة أولا) أنه بالفعل قبل معركة عين جالوت مرت الجيوش الإسلامية المظفرة على غزة أولاً. وهذا بالفعل ما حصل في نهاية شهر شعبان من عام 658 هـ عندما تحركت الجيوش الإسلامية من مصر بقيادة قاهر التتار السلطان المملوكي سيف الدين قطز ومرت في طريقها على مدينة غزة العزة وانتصرت في معركة صغيرة على الحامية المغولية التي تتحصن بمدينة غزة. وبعد ذلك بحوالي شهر تقريبا وبعد المرور على (غزة أولاً) وصلت الجيوش الإسلامية في يوم 24 رمضان من عام 658 هـ إلى موقع معركة عين جالوت لكي تسجيل التاريخ الخالد لملحمة الجهاد العربي.

وقبل أن نغادر مشهد الحروب الصليبية ومجازر الهمجية المغولية أود أن أنبه إلى أن مدينة غزة وكما كانت ممرا لمشاهير الغزاة في التاريخ القديم مثل رمسيس الثاني وقمبيز الثاني والإسكندر ابن فيليب الثاني فقد ارتبط تاريخ غزة كذلك بأهم وأشهر الشخصيات التاريخية المرتبطة بالحروب الصليبية والاجتياح المغولي. فمثلا من الأساطير التاريخية المتداولة تلك التي تقول بأن صلاح الدين تقابل مع الملك الإنجليزي ريتشارد قلب الأسد في مدينة غزة وذلك للتعارف الشخصي وليس للقتال وهذه محض خرافة ومع ذلك بالفعل المراسلات بين صلاح الدين وبين قلب الأسد لعقد معاهدة الرملة حصلت أثناء ما كان ريتشارد قلب الأسد يقيم في الغالب في مدينة غزة.

مراسلات أخرى مهم بين اثنين من أقطاب التاريخ والمعارك كان لمدينة غزة ارتباط بها وهي تلك التي حصلت بين القائد المغولي الرهيب هولاكو وبين قادة المجاهدين من المماليك سيف الدين قطز والظاهر بيبرس. تذكر كتب التاريخ أن هولاكو بعد أن قام بتدمير بغداد واحتلال دمشق رغب في السيطرة على مصر ولهذا سار على خطى الغزاة من قبله فوصل إلى مدينة غزة ومنها أرسل رسالته المشهورة التي أوردها المقريزي بنصها المشحون بالوعيد والإرجاف لأهل مصر إذا لم يستسلموا. وكان رد سيف الدين قطز أن قتل رسل المغول الأربعة الذين حملوا الرسالة وعلق رؤوسهم على باب زويلة ثم اتجه بجيشه لمعركة عين جالوت والباقي معروف للجميع.

 الانطلاقة الفتحاوية والانتفاضة الحمساوية من غزة أولاً

ذكرنا في أول المقال الوصف الدقيق لنابليون بونابرت لمدينة غزة بأنها (مخفر أمامي لإفريقيا وباب آسيا) وفي المواقع من المحتمل أن نابليون قال هذه العبارة أثناء إقامته في مدينة غزة في نهاية شهر فبراير من عام 1799 ميلادي. كحال الغزاة العتاة من قبله حاول نابليون أن يحمل لقب الملك الفارسي قمبير (ملك الشمال والجنوب وموحد الأرضين) فبعد أن سيطر نابليون على الديار المصرية في صيف عام 1798م خطط بعد سنة من احتلاله الغاشم أن يسيطر كذلك على أرض فلسطين وبلاد الشام وكالعادة كان يجب أن يعبر من ممر الحضارات وبوابة آسيا وذلك بأن يحتل (غزة أولاً). صحيح أن نابليون لم يجد صعوبة كبيرة في اجتياح مدينة غزة الضعيفة جدا في ذلك العصر لكن بمجرد أن تخطاها وبدأ في حصار مدينة يافا حتى حصل الفرج الإلهي والذي تمثل في ظهور وباء الطاعون بين جنوده مما تسبب في هزيمته المذلة تحت أسوار عكا ومن ثم انسحابه التام والسريع ليس فقط من أرض فلسطين الأبية ولكن حتى من ديار مصر المحروسة.

في الواقع كان الهدف النهائي لنابليون من احتلاله لأرض فلسطين أن يدخل دخول الفاتحين لمدينة القدس انطلاقا من أرض مصر وبالرغم من فشل خطة الجنرال الفرنسي نابليون إلا أن هذا ما حصل بالضبط مع الجنرال الإنجليزي إدموند ألنبي. في نهاية الحرب العالمية الثانية وبعد حالة الضعف الهائلة التي أصابت الجيوش العثمانية قرر قادة الحرب في بريطانيا أنه قد حان الوقت لاحتلال سوريا وفلسطين ومرة أخرى الطريق للقدس يمر عبر مدينة (غزة أولاً). لقد خاض الجيش البريطاني ثلاث معارك شرسة (كما خاض الإسكندر ثلاث معارك شرسة) حتى استطاع أخيرا اقتحام مدينة غزة وذلك في مطلع شهر نوفمبر من عام 1917م وذلك بعد أن تم قصف مدينة غزة لأول مرة في التاريخ بالطائرات وإسقاط القنابل الضخمة عليها بالإضافة للقصف المدفعي العنيف من البارجات البحرية. وبعد شهر واحد من سقوط مدينة غزة استطاع أخير الجنرال الإنجليزي إدموند ألنبي من دخول مدينة القدس معيدا بذلك مأساة الحروب الصليبية ولهذا لا غرابة أن ذلك الجنرال استبشر باستيلاء على غزة ولذا قال (كانت غزة منذ فجر التاريخ حتى يومنا هذا بوابة الفاتحين).

صحيح أن سقوط مدينة غزة في يد الاحتلال الإنجليزي في يوم الثاني من شهر نوفمبر من عام 1917م يتوفق تماما مع نفس تاريخ اليوم الذي صدر فيه ذلك الوعد المشؤم (وعد بلفور) والذي دعم تأسيس وطن قومي للشعب اليهودي في فلسطين، ولكن هذا لا يعني أن غزة كانت أول مدينة يهودية بل على العكس من ذلك تماما. فيما يتعلق بالاحتلال الأثيم للأراضي الفلسطينية من قبل العصابات الصهيونية الغاشمة لم تكن (غزة أولاً) ولكن كانت في الواقع (غزة آخرا). فكما هو معلوم الكياني الصهيوني ظهر للوجود في عام 1948م بينما تسارع تساقط المدن الفلسطينية تحت الاحتلال الصهيوني خلال ذلك العام إلا أن مدينة غزة كانت آخر مدينة تقع تحت الاحتلال الإسرائيلي وذلك بعد حوالي عشرين سنة أي بعد نكسة عام 1967 ميلادي.

في قصيدته الخالدة (ألا في سبيل المجد ما أنا فاعلُ) يورد شاعرنا الكبير أبو العلاء المعري بيتي الشعر التالين:

 وإني وإن كنتُ الأخيرَ زمانُهُ         لآتٍ بما لم تستطعه الأوائلُ

لدى موطنٍ يشتاقهُ كلُّ سيدٍ            ويقصُرُ عن إدراكهِ المُتناولُ

 وما نريد أن نصل إليه أنه كما كانت قصيدة المعري رمزا للإباء والعزة فكذلك كانت غزة العزة هي رمز الإباء والصمود وهي وإن كانت (الأخير زمانهُ) من حيث زمن وقوعها في الاحتلال الصهيوني إلا أنها سوف تأتي (بما لم تستطعه الأوائل) من المدن الفلسطينية التي وقعت في الأسر اليهودي. وفي استمرار مسيرة (غزة أولاً) ولكن هذه المرة في مساق النضال والجهاد ضد اليهود كانت غزة أول مدينة فلسطينية كبرى تخلصت من اليهود فهي منذ أكثر من قرن من الزمن لا تقيم داخلها أي عوائل يهودية. وبعد الهزيمة المذلة للعرب في نكسة 67 كانت أرض مدينة غزة موقع إحدى أوائل معارك النضال العربي التي قامت بها حركة فتح وذلك في العملية التي حملت اسم (الانطلاقة) والتي نفذ فيها أكثر من 128 عملية فدائية في غزة استمرت لمدة ثلاثة أسابيع وتسببت في مقتل العشرات من جنود العدو وتدمير آلياته العسكرية.

ومن (الانطلاقة) إلى (الانتفاضة) حيث كانت (غزة أولا) هي الموقع الملائم لاندلاع الانتفاضة الفلسطينية لأول مرة وذلك في يوم 8 ديسمبر من عام 1987 وبعد ذلك بأيام وبالتحديد في يوم 11 ديسمبر 1987 ومن غزة العزة تم الإعلان عن إنشاء حركة المقاومة الإسلامية (حماس). ومن هذا التاريخ الطويل والمتواصل في النضال والصمود لم يكن من المستغرب أن تكون مدينة غزة مرة ثانية هي أول مدينة يتخلى عنها الكيان الصهيوني ويسلمها للسلطة الفلسطينية وذلك في عام 1994م وذلك في الاتفاقية المشهورة التي حملت عنوان (غزة – أريحا أولاً). عندما اندلعت الانتفاضة الفلسطينية بسواعد أطفال الحجارة سببت كارثة كبيرة للمحتل الصهيوني لدرجة أن رئيس الوزراء الإسرائيلي إسحاق رابين قال (أتمنى أن أستيقظ ذات صباح لأجد البحر وقد ابتلع غزة بالكامل). لقد ظن العدو أنه سوف يتخلص من ذلك الإزعاج بمنح الفلسطيني شيئا من الحكم الذاتي في منطقة (غزة أولاً) ولم يعلم بأن الكابوس الحقيقي قد بدأ من تلك اللحظة وأنه لم ولن ينعم بالطمأنينة أبدا أبدا لأنه كما ورد في التوراة في سفر القضاة بأن الفلسطينيين سوف يكونون دوما شوكة في خاصرة اليهود.

 

 

( 7 دروس من تاريخ المقاومة )

د/ أحمد بن حامد الغامدي

 منذ فجر الزمن كانت الحرب أحد أقدم الأنشطة البشرية وكأن التاريخ الإنساني عبارة عن سلسلة من الحروب المتواصلة وأحد جوانب الصراع هو رد العدوان ومقاومة الاحتلال. وعلى النقيض من استبشاع الحرب والعدوان قيل الكثير عن مديح المقاومة والنضال في سبيل الحرية لأن الطغيان والاستبداد ينتشر ويستفحل إذا لم يقاوم ولهذا قال المفكر الإنجليزي توماس باين منظر وعرّاب الثورة الأمريكية (إن قوة وقوام الاستبداد تكمن بالكامل في الخوف من المقاومة).

ومع ذلك يحصل أحيانا مع الكلفة العالية التي يجب ان تدفعها الشعوب لتسديد فاتورة المقاومة أن يظهر الخلاف حول الموقف من المقامة من ناحية نقدها أو إنقاذها ودعمها أو الصد عنها. ولهذا كالعادة ربما يحسن العودة إلى التاريخ واستقراء حال ومئال المقاومة في تاريخ الشعوب الإنسانية واستخلاص الدروس والعبر.

 الدرس الأول: المقاومة إرث إنساني منذ فجر التاريخ

منذ تاريخ الإمبراطوريات القديمة زمن الفرس واليونان والرومان كانت الحرب والحرب المضادة (يعني المقاومة) هي مدار التاريخ المشرف لأي أمة أو حضارة إنسانية. وفي كتاب (التاريخ) للمؤرخ اليوناني القديم أبو التاريخ هيرودوت نجده يخصص الثلث الأخير من الكتاب لما يمكن تسميته بالحروب الفارسية وهي تلك السلسلة من المعارك التي وقعت في القرن الخامس قبل الميلاد بين الإمبراطورية الفارسية وبين دول المدن اليونانية. في ذلك العصر كانت الإمبراطورية الفارسية أقوى قوة عسكرية اكتسحت العالم فهذا الملك الفارسي قورش الثاني يهزم الإمبراطورية البابلية في العراق في حين تمكن الملك الفارسي قمبيز الثاني من إزالة حكم الفراعنة في وادي النيل بمصر.

وبالرغم من أن الشعب اليوناني في تلك الفترة الزمنية الصاخبة كان أمة مفتتة ومبعثرة إلا أنه عندما غزاهم الإمبراطور الفارسي داريوس الأول تجمعت الشعوب اليوناني تحت قيادة موحدة من قبل أبطال أثينا وإسبارطة الذين قرروا المقاومة. وكان اتخاذ قرار المقاومة هو الفعل الصائب الذي خلد ذكر اليونان من ذلك الزمان وحتى الآن وذلك بعد أن نالوا النصر تلو النصر في معركة مارثون وما تلها من المعارك الحربية الأشبه بالأساطير من مثل معارك: ثيرموبيلاي وسلاميس وبلاتيا. والدرس الأول من تاريخ المقاومة واضح ومباشر فٌالإمبراطوريات الكبرى مثل البابلية والفرعونية تلاشت تماما من التاريخ بعد الغزو الفارسي لأنها لم تقاوم بالدرجة الكافية في حين أن (شرف المقاومة) رفع قدر الشعوب اليونانية عندما تصدت بحزم وتضحية لجحافل المجوس.

ويمكن الإشارة إلى مثال آخر لتأثير المقاومة في تشكيل التاريخ وإن كان بدرجة أقل فهذه الإمبراطورية الرومانية تبلغ أقصى اتساعا لها في منتصف القرن الثاني الميلادي على يد الإمبراطور الروماني هادريان وسلفه الإمبراطور تراجان ومع ذلك عانت تلك الإمبراطورية العاتية ذات العافية من الإذلال المهين على يد البرابرة في شمال إسكتلندا. على خلاف الأقاليم الكبرى التي وقعت تحت الاحتلال الروماني مثل مصر وقرطاج وفرنسا وإسبانيا وبريطانيا وتركيا (آسيا الصغرى) وما بعدها رفض الشعب الإسكتلندي الأبيّ الاستسلام وصمم على المقاومة وهذا ما تسبب في الإبادة العجيبة للفيلق الروماني التاسع الذي زعموا أنه اختفى في الغابات الأسكتلندية. وهنا نجد أن الإمبراطور هارديان يأمر ببناء (جدار العزل العنصري) وهو ما يسمى سور هادريان الواقع في جنوب إسكتلندا وذلك بهدف صد هجمات القبائل الشمالية من مضايقة المدن الرومانية في شمال إنجلترا.

 الدرس الثاني: للأسف .. لا إجماع في المقاومة

من غرائب الأمور أن بعض المواقف البدهيّة مثل مقاومة المحتل وردّ عدوان المعتدي في بعض الحلات لا يحصل عليها إجماع كلي لأسباب متعددة. عندما غزا نابليون بونابرت الديار المصرية تصدى له أغلب الشعب المصري بالمقاومة الشريفة التي قادها الأزهر الشريف ومشايخ الدين بالرغم من أن المؤرخ المصري الجبرتي أسهب في الحديث عن (المعلم يعقوب) القبطي الخائن الذي تعاون مع الحملة الفرنسية. ونظرا للمقاومة الشعبية والدينية الصادقة لم يطل زمن الاحتلال الفرنسي للديار المصرية إلا حوالي ثلاث سنوات بينما اختلف الوضع كثيرا فيما يتعلق بالاحتلال الإنجليزي لأرض المحروسة. سبب استمرار الاحتلال الإنجليزي للديار المصرية لفترة طويلة بلغت حوالي السبعين سنة أن الحكومة المصرية نفسها انقسمت واختلفت منذ البداية في موقفها من (مقاومة)الاحتلال.

ففي حين حاول الزعيم المصري ووزير الدفاع أحمد عرابي ورئيس الوزراء الشاعر الكبير محمود سامي البارودي مناهضة التدخل الإنجليزي وناضلا على ذلك حتى حصلت الهزيمة الأليمة في معركة التل الكبير، لكن في المقابل نجد أن الخديوي توفيق ومعه بعض الأعيان والضباط يرحبون بدخول الجيوش الإنجليزية للديار المصرية ورضوا بحماية المحتل لهم ضد الثورة العرابية. وإذا كان وزير الدفاع في مصر يرغب في مقاومة الاحتلال الإنجليزي والحاكم العام يرفض نجد أنه في تاريخ الجزائر اختلفت الأدوار ففي أوائل عام 1831م وبعد أشهر من الاحتلال الأثيم الفرنسي لأرض الجزائر الحبيبة بدأ بعض الأعيان ورجال الدين في الحث على المقاومة والجهاد. وهنا نجد تكرار ظاهرة الانقسام الشنيعة فمثلا والي الغرب الجزائري محمد بن العامري يرغب في مقاومة المحتل بينما قائد العسكري في مدينة مستغانم إبراهيم بوشناق يعارض ذلك ويتواصل سرا مع قائدة الجيش الفرنسي الغازي. وبمثل هذه الانقسامات والحزازات وهي كثيرة في العديد من الأقاليم الجزائرية في ذلك العصر، لذا امتد الاحتلال الفرنسي للجزائر لمدة 130 سنة ولا حول ولا قوة إلا بالله.

 الدرس الثالث: قد تتعدد فصائل المقاومة بل قد تتناحر

من يستقرئ تاريخ الحروب وحركات المقاومة والنضال ضد الاحتلال الأجنبي يمكن أن يرصد بسهولة أنه بالإضافة للاختلاف حول جدوى المقاومة من عدمها يقع كذلك أن المقاومة نفسها قد تتشعب وتتشرذم إلى عدد كبير من الفصائل والأحزاب والتيارات. ومن ذلك مثلا أن المقاومة الفرنسية للاحتلال النازي لفرنسا أثناء الحرب العالمية الثانية قد انخرط فيها ما يقارب النصف مليون ثائر ولهذا كان من المتوقع بل والمحتم ألا تكون المقاومة الفرنسية على قلب رجل واحد. بل أن حركة المقاومة التي كان يقودها الزعيم الفرنسي البارز تشارلز ديغول كانت في الأصل منقسمة إلى ثلاث فصائل وهذا فضلا لوجود حركات مقاومة فرنسية أخرى ذات خلفية فكرية شيوعية أو اشتراكية. وكما هو متوقع فإن فصائل المقاومة الفرنسية المختلفة هذه كانت تعمل بشكل مستقل وبعضها قد ينشط في مناطق جغرافية منفصلة وأحيانا قد يحصل احتكاك وتصادم بينها في آلية المقاومة المناسبة والمقبولة. فجماعة ديغول المناضلة كانت تعترض بشدة على مقاومة الحزب الشيوعي بحجة أنها تبالغ في المقاومة عبر الأعمال التخريبية sabotage بينما الشيوعيين كانوا يلمزون المقاومة الديغولية بأنهم صبيان مترددون يفتقرون للشجاعة والإقدام.

 الدرس الرابع: المقاومة قد تطيش وترتكب الجرائم

بسبب الهمجية والعنف التي تسببت فيها القوات النازية أثناء الحرب العالمية الثانية خصوصا في الراضي الروسية حيث قتل أكثر من أربعة ملايين جندي سوفيتي وحوالي تسعة ملايين من المدنيين كما أجرم النازيون في اغتصاب مئات الآلاف من النساء والفتيات الروسيات. ولهذا لا عجب أنه بعد مقاومة الشعب الروسي للاحتلال النازي لبلادهم وتغير مسار معارك القتال في نهاية الحرب العالمية الثانية عندما وصلت قوات الجيش الأحمر الروسي إلى العاصمة الألمانية، لا عجب أن نجد بعض المراجع التاريخية تستبدل عبارة (احتلال برلين) من قبل الجنود الروس بعبارة (اغتصاب برلين). من المحتمل أنه بعد سقوط النظام النازي في ألمانيا فقد تلا ذلك قيام الجنود الروس باغتصاب حوالي 2 مليون امرأة ألمانية لدرجة أنه يقال لم تبق طفلة ألمانية أكبر من سن الثامنة أو عجوز أقل من سن الثمانين لم يتم اغتصابهن في برلين.

ومن هذه المأساة الكبرى لنساء الألمان نرحل عبر التاريخ ونقفز فوق الجغرافيا لنصل إلى القارة الهندية في منتصف القرن التاسع عشر لنرصد مشاهدة مقاومة الجالية المسلمة للاحتلال الإنجليزي لديارهم ومقدراتهم. والقصة تطول ولكن ما نود الإشارة له أنه في آخر شهر يونيو من عام 1857م وأثناء أحداث ما عرف في كتب التاريخ باسم (التمرد الهندي) وهي بواكير حرب الاستقلال الأولى، قام فوج من المتمردين الهنود المسلمين بحصار كتيبة عسكرية بريطانية. وفي ظروف معينة استطاع المقاومين الهنود من عزل عدد كبير من نساء وأطفال الإنجليز بلغ عددهم أكثر من 120 ولكن عندما حصلت محاصرة المتمردين قاموا للأسف بقتل جميع أولئك النسوة والأطفال ثم تخلصوا منهم برميهم في بئر في مدينة كانبور في شمال الهند.

 الدرس الخامس: أحيانا فاتورة المقاومة باهظة ومؤلمة

تذكر كتب التاريخ أن الإسكندر المقدوني الذي هزم الإمبراطورية الفارسية في العراق وأحتل عاصمتها مدينة بابل وسيطر بالكامل على أرض الفراعنة لدرجة أنه بنى له معبدا خاصا في قدس أقداس معبد الكرنك بالأقصر ووصل إلى تخوم بلاد الهند اشتط في فترة سابقة على جرأة مقاومته من قبل سكان مدينة ساحلية صغيرة في لبنان. في حدود عام 332 قبل الميلاد حاول سكان مدينة صور مناوشة ومقاومة الجيش الجرار من أهل اليونان ومقدونيا وهي مهمة انتحاريه ولكن يكفيهم منها شرف المحاولة والمقاومة. ولذا كانت فاتورة المقاومة كانت عالية التكاليف جدا فقد قتل الإسكندر وجنوده حوالي 6000 رجل داخل المدينة وصلبوا حوالي 2000 من أهل صور على الشاطئ في حين تم بيع حوالي 30 ألف شخص كعبيد.

وذاك ما كان في الزمن البعيد وأما في الزمن القريب فيكفي أن نشير أنه أثناء الحرب العالمية الثانية احتلت العديد من الدول وبالرغم من هامشية الجزر اليونانية في مسار أخبار تلك الحرب المهلكة. ولكن عندما حاول ثوار اليونان أن يقاوموا الاحتلال النازي الألماني الهتلري والفاشي الإيطالي الموسيليني تعرضت الأمة اليونانية لكارثة كبرى. تشير التقديرات إلى أن ثمن المقاولة اليونانية لاحتلال دول المحور كان فاجعة إعدام حوالي 70 ألف يوناني والتدمير التام لحوالي 879 بلدة مما تسبب في تشريد أكثر من مليون شخص بريء.

 الدرس السادس: فشل المقاومة قد يعني خلود ذكر البطولة

نظرا لشرف النضال والتضحية ليس من المستغرب أن نجد أن الهزيمة في المعركة والفشل في المقاومة غالبا ما يكون ذلك سببا للذكر الحسن والثناء الجميل والخلود في صفحات التاريخ. ربما لو انتصر المجاهد الليبي الكبير عمر المختار في نضاله ومقاومته للاحتلال الإيطالي لبلده، ربما لم يكن له نفس درجة الصيت والمجد المستمر حتى الآن. والمعنى أن الفشل مع بذل الأسباب ربما يكون هو سبيل دوام المجد والمديح كما حصل مع تخليد شاعر النيل أحمد شوقي لنضال وجهاد جيش المجاهدين الليبيين عمر المختار عندما رثاه ونعاه بتلك القصيدة الشعرية الخالدة.

ومن مقاومة أهل ليبيا للاحتلال الإيطالي إلى مقاومة أهل الشيشان للغزو الروسي الغاشم ومن تخليد قصيدة أحمد شوقي للمجاهد عمر المختار إلى تخليد الأديب الروسي تولستوي لنضال ومقاومة المجاهد الشيشاني الكبير الحاج مراد.

في زمن القيصر الروسي نيقولا الأول وذلك في منتصف القرن التاسع عشر شنت الإمبراطورية الروسية القيصرية حملة كاسحة لاحتلال أرض الإسلام في بلاد القوقاز وأقاليم آسيا الوسطى وهنا حاولت بعض الشعوب الإسلامية المقاومة كما هي الحال مع شعوب الشيشان وتركستان وداغستان. ولكن للأسف فشلت تلك المقاومة والجاهد ومع ذلك أعجب الأديب الروسي تولستوي بقصة نضال وبسالة المجاهدين المسلمون من مثل المجاهد الإمام شامل الداغستاني والحاج مراد الشيشاني وغيرهما وقد كانوا هم أبطال الرواية التاريخية الشيقة (الحاج مراد) التي كتبها تولستوي. وبالإضافة لتخليد تولستوي لنضال ومقاومة لمجاهد الحاج مراد نجد أن الأديب والشاعر الداغستاني الكبير رسول حمزتوف في روايته الخالدة (داغستان بلدي) قام كذلك بتخليد ذكرى كبار المجاهدين من أمثال الشيخ شامل والحاج مراد والشاعر أبا طالب الداغستاني.

 الدرس السابع: المقاومة الفلسطينية دروس لا تنتهي

نحن اليوم في يوم السبت وبعد مرور أسبوع بالتمام من لحظة انطلاق عملية (طوفان الأقصى) في ترقب عصيب لعواقب ومائلات الانتفاضة المتجددة للشعب الفلسطيني الأبي والمناضل. وإذا كانت الدروس المستخلصة من تاريخ مقاومة الشعوب والأمم متعددة وعرضنا منها حتى الآن ستة دروس فقط فلقد كان المقصود طرح الفكرة وليس الالتزام بالاستقصاء التام. ومع هذا نلخّص ما سبق أن ذكرناه بأن جهاد المقاومة في (أرض الرباط والنضال) في أكناف بيت المقدس يشمل على كل محطات العبور والعبر والدروس في تاريخ المقاومة. فقدر أهلنا في أرض فلسطين منذ فجر التاريخ الصراع والقتال مع الإسرائيليين والحرب دول بيننا بينهما وإن كان الحق والنصر لهم في القديم الغابر والحق والنصر لنا في المستقبل القادم. وللأسف كما ذكرنا لا يوجد إجماع دائم حول خيار المقاومة وهذا ما انعكس اليوم في أشنع صورة عندما بدأ البعض يرفع عقيرته بكل وقاحة (فلسطين ليست قضيتي). وأما وقد قررنا بعد استقراء بعض الأمثلة التاريخية أن حركات المقاومة كثيرا ما تتشظى وتتعدد بل وتتناحر ولذا ربما مصيرنا المرير أن نقبل المقاومة الفلسطينية على علاتها من تعدد الفصائل مع محاولة بذل الجهد لتقليل تلك الاختلافات.

قد نقبل على مضض تعدد فصائل المقاومة ولكن من غير المقبول على الإطلاق أن تطيش المقاومة وترتكب جرائم لا تقرها أخلاقيات الإسلام في زمن القتال أو ما توافق عليه العقلاء من البشر من قواعد الاشتباك أثناء الحروب ومع ذلك ولله الحمد المقاومة الفلسطينية نظيفة الثوب في هذا الشأن. وإذا كانت تلك هي الدروس الموجهة للمجاهدين والمقاتلين فإن الدرس الصعب لبقية الشعوب الواقعة تحت الاحتلال أن عليهم الصبر فكل الشعوب المقاومة عبر التاريخ دفعت فاتورة باهظة ونسأل الله العلي القدير أن كان الله في عون أهلنا في فلسطين. والدرس الأخير لإخوتنا المجاهدين في ساحات القتال هي البشارة بأن لهم إما النصر والعزة أو الشهادة والمجد وأنه حتى ولو فشلت مقاومتهم مؤقتا فلهم الذكر الحسن في سجل الخالدين من الأبطال.

كلمة أخيرة هي أنه منذ زمن الإمبراطورية الرومانية ورجال السياسة وأهل الفكر في العالم الغربي والشعوب الأوروبية يحفظون عن ظهر قلب المقولة التالية باللغة اللاتينية (si vis pacem, para bellum) والتي تعني بالعربي الفصيح (إذا أردت السلام، استعد للحرب) ويمكن تحويرها قليلا لخاطر أهلنا في فلسطين (إذا أردت السلام فكن مستعدا للمقاومة).

 

( جوائز نوبل .. ويستمر الجدل !! )

د/ أحمد بن حامد الغامدي

 لا زلت أستشعر حالة الإحباط والحنق عندما تم الإعلان في عام 2019م عن الفائزين بجائزة نوبل في الكيمياء والتي خصصت في ذاك العام لتكريم العلماء الذين ساهموا في تطوير بطاريات الليثيوم المستخدمة في أجهزة الجوالات. وبالرغم من أن للعالم الفرنسي الجنسية والمغربي الأصل رشيد اليزمي مكانة علمية وشهرة دولية كبيرة لدرجة أنه حصل في عام 2014م على جائزة علمية مشتركة بلغت قيمتها نصف مليون دولار تقاسمها مع العالم الأمريكي جون غوديناف والياباني أكيرا يوشينو إلا أنه عند الإعلان عن جائزة نوبل في عام 2019 تم منحها فقط للعالم الأمريكي وزميلة الياباني وتم حجبها عن رفيقهم الثالث الباحث المغربي رشيد اليزمي.

وفي مطلع هذا الأسبوع الحالي تكررت المهزلة مرة أخرى عند الإعلان عن أسماء الفائزين بجائزة نوبل في الطب لهذا العالم وبالرغم من أنها مخصصة بشكل حصري لتكريم الجهود الطبية المبذولة لتطوير لقاح وباء الكورونا إلا أن أسماء الفائزين خلت بشكل عجيب من اسم عالم المناعة الألماني الجنسية والتركي الأصل أوغور شاهين. بعد خيبة الأمل في تكريم العالم المغربي رشيد اليزمي في عام 2019م كان التعويض للأمة العربية والإسلامية في بزوغ لمعان نجم الطبيب التركي أوغور شاهين وزوجته الدكتورة أوزليم توريجي خصوصا وأنه قد شاعت وذاعت شهرتهما في العالم كله أنهما هما من طور لقاح شركة فايزر الأمريكية ضد فيروس كوفيد 19. ولهذا لا غرابة أنه في السنوات الماضية تردد كثيرا احتمالية حصولهما على جائزة نوبل في الطب وبالفعل حصل أوغور شاهين في العالم الماضي فقط على حوالي أربع جوائز علمية وطبية مرموقة. ما يهمنا من هذه الجوائز الطبية التي نالها الدكتور شاهين في عام 2022م، جائزة بول إرليش (على اسم الطبيب وعالم المناعة الألماني البارز) وهي أهم جائزة طبية دولية في مجال علم المناعة وقد فاز بها شاهين مع زوجته وكذلك مع طبيبة مجرية تدعى كاتلين كاريكو. ثم في نفس تلك السنة فاز شاهين وزوجته بجائزة طبية أخرى مرموقة مقدمة من كلية هارفرد للطب وهي أشهر وأهم هيئة طبية في العالم وجدير بالذكر أن تلك الجائزة التي تبلغ نصف مليون دولار نالها شاهين بالاشتراك مع كاتلين كاريكو سالفة الذكر ومع الطبيب الأمريكي درو وايزمان. بقي أن نقول إنه بالرغم من الارتباط الوثيق بين العالم التركي أوغور شاهين وبين الباحثة المجرية كاتلين كاريكو وكذلك مع العالم الأمريكي درو وايزمان بدلالة حصولهم على جوائز طبية مرموقة بشكل مشترك إلا أنه يوم الأحد الماضي عندما تم الإعلان عن أسماء الفائزين بجائزة نوبل في الطب لهذا العام 2023م تم منحها فقط للطبيبة المجرية كاريكو والطبيب الأمريكي وايزمان. وتم بشكل غريب وربما مريب حجب هذه الجائزة عن العالم التركي (الألماني الجنسية) أوغور شاهين بالرغم من شهرته في العالم كله أنه له إسهام مذكور ومشهور في تطوير تقنية (لقاحات mRNA) ولذا كان يستحق وبكل جدارة أن يكون الشخص الثالث الذي يحصل على جائزة نوبل في الطب لهذا العام.

 مشاهير ونجوم العلماء بلا جوائز

قبل حوالي سنة بالضبط أي في شهر أكتوبر من عام 2022م نشر عالم الفيزياء البريطاني مايكل رييس والرئيس السابق للجمعية الملكية البريطانية (أقدم وأعرق جمعية علمية في التاريخ) مقالا في مجلة التايمز الأمريكية حمل عنوان (المشكلة مع جوائز نوبل). وفكرة العالم البريطاني مايكل ريس وضاحة ومباشرة: جائزة نوبل لها سمعة وصدى كبير ولكنها كذلك لها نصيبها من الانتقادات والجدل والاستياء كما يحصل في العادة بعد حفل توزيع جوائز الأوسكار في السينما ولهذا وصف رييس جائزة نوبل بأنها جائزة (الأوسكار العلمية scientific Oscars) بكل بريقها الإعلام وكذلك فضائحها المثيرة للجدل.  

عبر السنوات قرأت العديد من الكتب الخاصة عن جائزة نوبل (بعضها تميل أكثر لنقد الجائزة) وكذلك مَرّ عليّ كم كبير من المقالات أو الكتاب العلمية عن حياة العلماء والتي جمعت من خلالها ملف خاص وضخم عن الانتقادات التي وجهت عبر السنوات لجائزة نوبل. الجميع يعلم الفضائح من العيار الثقيل التي لطخت سمعة جائزة نوبل في مجال السلام مثلا بعد منحها لمجرمي الصهاينة الإسرائيليين من مثل مناحيم بيغن وشمعون بيريز وإسحاق رابين. وقد يكون (الجدل) المصاحب لجائزة نوبل في السلام أقل وأخفت من مثل مدى جدارة أن يحصل ستة من رؤساء ورجال السياسة الأمريكان على جوائز نوبل للسلام بالرغم من طغيان حكومات العم سام غير المسالم. وقل مثل ذلك للانتقادات الحادة الموجهة لجائزة نوبل في الأدب عندما تمنح مثلا في عام 2016م جائزتها الأدبية للمغني الشعبي الأمريكي التافه بوب ديلان في حين أنها حجبت عن كبار الأدباء العالميين من مثل مارك توين وجيمس جويس وجورج أورويل وفرجينا وولف وأمبيرتو إيكو وباولو كويلو. في الواقع في دنيا الأدب توجد مكانة هائلة لعمالقة الأدب الروسي من مثل تولستوي ودوستويفسكي وتشيخوف ومكسيم غوركي والغريب أن لجان جائزة نوبل لم تقتنع بجدارة هؤلاء الأدباء الكبار بنيل الجائزة التي منحت لشخصيات أدبية هامشية يكاد لا يعرفها إلا القليل.

وكما كان من تناقضات القائمين على جائزة نوبل حجبها عن مشاهير الأدب الروسي نجد كذلك من الأمور المثيرة للجدل في تاريخ جائزة نوبل في المجالات العلمية أنه تم كذلك رفض منح الجائزة لعملاق علم الكيمياء الروسي المعروف للجميع: ديمتري مندلييف صاحب الجدول الدوري للعناصر الكيميائية. لقد تم ترشيح مندلييف لمرات عديدة للفوز بجائزة نوبل في الكيمياء وفي الواقع حصل عام 1906م نقاش حاد حول الأشخاص المرشحين للجائزة في مجال الكيمياء وبالرغم من حماس بعض العلماء في أكاديمية العلوم السويدية لمنح الجائزة لمندلييف إلا أنن أستقر رأي اللجنة لمنحها لكيميائي أقل بكثير من الأهمية من مندلييف وهو الفرنسي هنري مواسان مكتشف عنصر الفلور. الجدير بالذكر أن مندلييف توفي بعد عدة أشهر فقط من فرصته الأخيرة لنيل جائزة نوبل ولا يعلم أن كان لهذه الحادثة المؤسفة أي أثر في اضعاف روحه المعنوية ولا أعلم هل عندما توفي الأديب الروسي تولستوي عام 1910م كان حانقا هو الآخر أن جائزة نوبل في الأدب في تلك السنة منحت لسيدة سويدية شبة مجهولة في الأوساط الأدبية العالمية.

وبحكم أن المصائب لا تأتي فرادى كما يقال ففي نفس السنة التي توفي فيها مندلييف أي عام 1907م وهو أشهر علماء الكيمياء على الإطلاق ولم يمنح جائزة نوبل في الكيمياء نجد أن أشهر علماء الفيزياء على الإطلاق يتوفى في نفس تلك السنة ودون أن يحصل هو الآخر على جائزة نوبل في الفيزياء. وكان ذلك الفيزيائي الأسكتلندي الذائع الصيت اللورد كالفن ذو الاثر البالغ في علم الثيرموديناميك والذي أطلق أسمه على درجة الحرارة المطلقة. وعلى ذكر علم الثيرموديناميك لابد من أن نشير كذلك إلى أن عالم الفيزياء الامريكي جوزية جيبس المعروف لكل طلاب المدارس الثانوية من خلال مفهوم طاقة جيبس الحرة (وهي خاصية فيزيائية على درجة عالية الأهمية لأنها تجمع بين في مفهوم الأنتروبي أي مستوى العشوائية ومفهوم الإنثالبي أي المحتوى الحراري) وبالرغم من تلك المصطلحات العلمية الفخمة لم يحصل جوزية جيبس على جائزة نوبل. وكما يعرف طلاب المدارس الفيزيائي الأمريكي جيبس الذي لم يحصل على جائزة نوبل فهم كذلك يعرفون عالم الكيمياء الأمريكي جيلبرت لويس صاحب تعريف لويس للأحماض القواعد ومكتشف الروابط التساهمية ونظرية التكافؤ والمشهور بما يسمى تراكيب لويس للتعبير عن بنية المركبات الكيميائية. ومع هذه الإنجازات العلمية المميزة توفي جيلبرت لويس في عام 1947م أي بعد حوالي نصف قرن من ظهور جائزة نوبل وبالرغم من أنه تم خلال سنوات طويلة ترشيحه 41 مرة للفوز بالجائزة ومع ذلك لم يحظ بها في حين أنها منحت في عام 1945م لعالم فنلندي نظير أبحاثه في الكيمياء الزراعية الهادفة لتحسين أسلوب حفظ الأعلاف !!.

ونختم هذه الفقرة بأنه في العقود الأخيرة وكنوع من التقدير لبعض الشخصيات العلمية المؤثرة في تقدم مسيرة العلم أصبح بعض العلماء يعاملون أشبه بالنجوم أو المشاهير celebrities الذين يعرفهم الجميع من مثل عالم الفلك الأمريكي إديون هابل صاحب تلسكوب الفضاء وعالم الفيزياء الإنجليزي ستيف هوكينغ العبقري المشلول وكذلك سيدات العلوم المظلومات مثل عالمة الكيمياء الألمانية ليز مايتنر أم القنبلة الذرية وعالمة الكيمياء البريطانية روزاليند فرانكلين أم الحمض النووي DNA ومع إسهاماتهم التاريخية في تقدم العلوم إلا أنهم وغيرهم كثير من أبرز العلماء والباحثين ظلموا بعد منحهم جائزة نوبل المثيرة للجدل بحق.

 ربكة في منح الجائزة والإعلان عنها

بالإضافة للفضائح والانتقادات و(الجدل) حول جوائز نوبل خصوصا في حالة العلماء الذين لم يمنحوا الجائزة تجدر الإشارة إلى أنه في بعض الحالات حتى في الجوائز التي منحت بالفعل تقع بعض التناقضات الطريفة والغريبة. من ذلك مثلا أن عالم الكيمياء البريطاني وليم رامزي ورفيقة عالم الكيمياء البريطاني اللورد رايلي اشتركا في اكتشاف عنصر الأرجون في عام 1984م وهو اكتشاف علمي هام لأنه يتعلق باكتشاف الغازات الكيميائية الخاملة. ولكن هذا لا يبرر على الإطلاق منح جائزتي نوبل مختلفتين تماما على نفس الاكتشاف العلمي حيث مُنح وليم رامزي جائزة نوبل في الكيمياء لعام 1904 وفي نفس اللحظة مُنح اللورد رايلي جائزة نوبل في الفيزياء !!. وفي هذا النسق من العبثية في منح جوائز نوبل قد نفهم لماذا السيدة ماري كوري مُنحت جائزة نوبل في الفيزياء في عام 1903م لدراستها عن عنصر الراديوم المشع وبعد ذلك بسنوات مُنحت جائزة نوبل للكيمياء في عام 19011م تقريبا على نفس (الاكتشاف) العلمي الذي لا جديد فيه لأنها لن تستطيع دراسة الظاهرة الإشعاعية لعنصر الراديوم والبولونيوم إلا إذا كانت قد اكتشفتهما في الأصل. وعلى ذكر كيمياء المواد المشعة كان للفيزيائي البريطاني الشهير أرنست رذرفورد (صاحب تركيب الذرة) دورا مهما في دراسة النشاط الإشعاعي والكشف عن جسيمات ألفا وبيتا وأشعة جاما وبالرغم من إعجابه المفرط بعلم الفيزياء لدرجة أنه قال (العلم إما فيزياء وإما جمع طوابع) إلا أنه عندما منح جائزة نوبل حصل عليها في عام 1908م في مجال الكيمياء وليس الفيزياء !!.

وهذا أسطورة العلم الحديث عالم الفيزياء ألبيرت أينشتاين توصل لأحد أهم الاكتشافات العلمية على مدار التاريخ وهي النظرية النسبية الخاصة (توصل لها في عام 1905م) والنظرية النسبية العامة التي طورها في عام 1915م ومع ذلك عندما حصل أخيرا أينشتاين على جائزة نوبل في الفيزياء في عام 1921م نالها في موضوع علمي أقل أهمية بكثير وهو دراسته النظرية عن ظاهرة التأثير الكهروضوئي. لا شك في أن التخبط في منح جائزة نوبل أو عدم منحها راجع للتأثير البشري في القرار النهائي المتعلق بالجائزة فالكتب التاريخية التي خصصت عن جائزة نوبل تذكر تأثير رؤساء لجان جائزة نوبل في تحديد الجوائز فمثلا لو كان رئيس اللجنة على حالة عداء مع عالم محدد فسوف يحاول صرف الجائزة عنه أو العكس إذا كان في حالة تعاطف مع شخص معين فقد تمنح له الجائزة كنوع من المجاملة. فمثلا بالرغم من الشهرة الطاغية في بدايات القرن العشرين لكل من أينشتاين وعالم الفيزياء الدنماركي نيلز بور (عملاق نظرية الكم) إلا أنهما حصلا على جائزة نوبل في فترة متأخرة نسبيا. بينما أول شخص سويدي يحصل على جائزة نوبل في الفيزياء في عام 1912م كان شخصا مجهولا تماما في دنيا العلم (كما كانت أول امرأة تحصل على جائزة نوبل في الأدب هي سيدة كل مميزاتها أنها سويدية الجنسية) وسبب حصول المخترع السويدي جوستاف دالين على جائزة نوبل قبل أينشتاين ونيلز بور هو حالة التعاطف الإنساني معه. حصل في عام 1912م وأثناء قيام المهندس دالين بإجرائه تجارب لتصميم منظم وصمام خاص لتدفق غاز الأسيتيلين في شعلة المنارات البحرية أن حصل انفجار للغاز تسبب في فقدان المهندس ديلين لحاسة البصر. وهنا بعد هذه الحادثة بشهور فقط منحته أكاديمية العلوم السويدية جائزة نوبل في الفيزياء في تلك السنة كنوع من التعاطف والتضامن معه !!.

قبل أن نغادر وننهي هذا المقال أود أن أقول إن أحد أفضل الأمثلة للتدليل على دور العامل البشري والمزاج النفسي في التأثير على ملابسات الإعلان عن جوائز نوبل هو ما حصل في عام 1924م عندما حجبت جائزة نوبل في الكيمياء ولم تمنح لأي أحد. تقول المصادر التاريخية إنه قبل فترة قصيرة من الإعلان عن جائزة نوبل في الكيمياء لعام 1924م انتشرت شائعة قوية أن الجائزة قد منحت لعالم الكيمياء البولندي كازيميرز فاجانز مكتشف عنصر البروتكتينيوم (العنصر رقم 91 وآخر عنصر طبيعي قبل عنصر اليورانيوم). ولكن نظرا لتسرب خبر حصول فاجانز على الجائزة إلى إحدى المجلات السويدية وبسبب غطرسة وغرور فاجانز بعد هذا الخبر الصحفي، هذه الملابسات العرضية مكنت أحد الأعضاء المتنفذين في لجنة جائزة نوبل من حجب الجائزة في ذلك العام وحرمان فاجانز منها.

بقي أن نقول في الختام إنه ربما يعلم الجميع أنه في يوم الأربعاء الماضي وقبل ساعات من الإعلان الرسمي عن أسماء الفائزين بجائزة نوبل للكيمياء لعام 2023 تسربت بشكل غريب أسماء الفائزين وبدأت وكالا الأنباء والعديد من المواقع الإلكترونية للصحف الدولية الكبرى في تداول ذلك الخبر النادر والغريب لأنه تقريبا يتوافق مع مرور قرن بالتمام عن تلك الحادثة القديمة في عام 1924ميلادي. وعلى خلاف النهاية السوداوية لحجب الجائزة عن الكيميائي السويدي فاجانز عام 1924م جاءت الأخبار الطيبة أن أسماء الفائزين التي تم تسريبها لم تحجب عنهم الجائزة وإلا كنا سوف نسمع خبر شؤم ومحزن لأننا كنا سوف نندب حظنا البائس ليس فقط بحجب الجائزة عن الكيميائي المغربي رشيد اليزمي والطبيب التركي أوغور شاهين ولكن كذلك (وهنا الكارثة) حجب الجائزة عن الفائز بها بالفعل الكيميائي التونسي الأصل منجي الباوندي الذي نفخر كلنا بما حققه من إنجاز كيميائي في مجال بالغ الأهمية وهو علم تقنية النانو.

 

( الجامعة والكتاب .. مسيرة متقاطعة )


 د/ أحمد بن حامد الغامدي

 (Univeritas) هي كلمة لاتينية تعني الشيء العام أو الكل ومنها دخلت تلك اللفظة اللغوية إلى مفردات القانون الروماني القديم لتصبح دلالة عن المجتمع أو حتى الشركة ومع الزمن نجد أنه في القرن الثالث عشر الميلادي وكنوع من التميز عن مفهوم اتحاد التجار أو أصحاب المهن بدأ المجتمع في إيطاليا وفرنسا يصف (تجمع) الطلبة والمدرسين في مدينتي باريس وبولونيا بأنهم مشتركون في منظومة تسمى (الجامعة University). ومع الوقت بدا يتبلور مفهوم أن (الجامعة) هي مؤسسة جديدة للمعرفة وأحد أبرز ما يميزها عن الفلسفة القديمة أن المدرسة العتيقة التي أسسها أفلاطون تحت مسمى (الأكاديمية) لم يكن يمارس فيها (التدريس والتعليم) وإنما فقط تبادل الحجج والجدل dialectic والمحاورة، في حين أن الجامعات الجديدة تتميز بوجود (المنهج الدراسي) وفي القلب منه الكتاب.

والمقصود أنه في زمن الفلسفة الغابر كانت الأكاديميات تختص بوصفها تجمعا ومكانا للخطابة وجدل فقط ولهذا تلاشت مع الوقت في حين أن الجامعات ترسخت بوصفها كُتباً مدروسة وبذا تنامت مع الزمن. ولهذا أنا قلبا وقالبا أتفق مع المفكر الأسكتلندي توماس كارليل عندما ذكر في كتابه عن الأبطال والبطولة في التاريخ مقولة (أعظم جامعة على الإطلاق هي مجموعة من الكتب). ومصداق ذلك أنه بالفعل في الزمن الحالي أهم وأشهر جامعة في العالم وهي جامعة هارفرد الأمريكية هي في الواقع (مكتبة تحولت إلى جامعة) في حين أن إحدى أعرق الجامعات في التاريخ على الإطلاق وهي جامعة أكسفورد هي إلى حد ما (جامعة تحولت إلى مكتبة) أو دار نشر بشكل أدق.

صحيح إن جامعة هارفرد تنسب إلى عالم الدين البريطاني الأصل جون هارفرد ولكن في الواقع هو لم يؤسس تلك الجامعة العريقة وكل ما في الأمر أنه عندما توفي في عام 1638م كتب في وصيته أن يتم التبرع بمحتويات مكتبته البالغة 400 مجلد ومبلغ كبير من المال لكي يستفاد منها في تدريس طلاب العلم الجدد من رجال الدين المسيحي. ومن هذه المكتبة الضخمة بمقاييس ذلك الزمن بدأ تأسيس نواة جامعة هارفرد أغني جامعة في التاريخ البشري حتى الآن وبحكم أن جون هارفرد كان في الأصل متخرجا من جامعة كمبريدج البريطانية فتعتبر جامعة هارفرد امتدادا لها ولهذا هي في الأصل مقامه في مدينة (كمبريدج) في ولاية ماساتشوستس الأمريكية. ومن أقدم جامعة أمريكية (المكتبة التي تحولت إلى جامعة) ننتقل بالحديث إلى أقدم جامعة بريطانية ألا وهي جامعة أكسفورد التي تأسست في عام 1096م وربما يصح في وصفها بأنها (جامعة تحولت إلى مكتبة). وهنا مرة أخرى نجد أن رجل دين مسيحي وهو الأسقف توماس كوبهام عندما توفي في عام 1327م أوصى أن تمنح مكتبته الخاصة لجامعة أكسفورد وبهذا كانت صناديق الكتب التي نقلت للجامعة هي نواة مكتبة أكسفورد (المعروفة باسم مكتبة بودليان) والتي هي من أقدم المكتبات العامة في أوروبا وحاليا هي ثاني أكبر مكتبة في بريطانيا حيث تحوي أكثر من 13 مليون كتاب مطبوع. وبالرغم من أنني شاهدت مبنى تلك المكتبة من الخارج واستصغرت حجم المبنى الدائري لمكتبة جامعة أكسفورد بالمقارنة مع مبنى مكتبة جامعة الملك سعود لكن المظاهر قد تخدع كما يقال.

في الواقع عندما وصفنا جامعة أكسفورد بأنها (جامعة تحولت إلى مكتبة) فإن مسوغ ذلك ليس فقط لأنها تحتوي واحدة من أكبر المكتبات في العالم ولكن الأهم من ذلك أن تلك الجامعة أصبحت فيما يتعلق بالكتب هي (صانعة محتوى) بمعنى أنه ليس فقط دور جامعة أكسفورد أن تحفظ وتخزن الكتب ولكن أيضا لها اسهام غير مسبوق في إنتاج وتسويق الكتب لأنها (جامعة تحولت إلى دار نشر). في الوقت الحالي تعتبر دار نشر جامعة أكسفورد (Oxford University Press) هي أكبر دار نشر جامعية في العالم وتقريبا هي كذلك من أقدم دور نشر وطباعة الكتب في بريطانيا حيث أنشأت في عام 1478م أي بعد سنتين فقط من دخول المطبعة إلى الجزر البريطانية. وبحكم أن دار نشر جامعة أكسفورد تعتبر بشكل رسمي هي أحد أقسام departments الجامعة ونظرا لأنها تنتج في العام الوحد حوالي 6000 كتاب جديد وبحكم كذلك أنها تطبع كتبا بحوالي مئة لغة مختلفة وأيضا لكون الكتب التي تنشرها متنوعة المستويات لجميع شرائح المجتمع (بمعنى أنها ليست فقط متخصصة بنشر الكتب الأكاديمية) ومن هذا وذاك نستشعر إسهام جامعة أكسفورد في كونها وسيلة ووعاء لنقل المعرفة من خلال الكتب. بالمناسبة لذكر إسهام دور النشر الجامعية في الحراك المعرفي والمورث الثقافي الإنساني، تجدر الإشارة إلى أن دار نشر جامعة كمبريدج تفتخر بأن المؤلفين والكُتاب الذين نشروا من خلالها هم من أكثر من 100 جنسية من حول العالم كان منهم أكثر من 170 مؤلفا هم من حملة جوائز نوبل.

 الجامعة والمطبعة ترابط وثيق

من المعروف اختراع الطباعة ظهر على يد المخترع الألماني يوهان غوتنبرغ في حدود عام 1440م وخلال عقود قليلة من الزمن وصلت المطبعة لعدد هائل من المدن الأوروبية وما يهمنا هنا هو محاولة استقراء ارتباط الطباعة بالجامعات. سبق وأن ذكرنا بأن جامعة أكسفورد أقامت أول مطبعة لها بعد سنتين فقط من وصول المطبعة لبريطانيا في عام 1476م على يد التاجر الإنجليزي وليام كاكستون. في حين أن أول مطبعة دخلت إلى الأراضي الأمريكية وذلك في عام 1638م وهذا التاريخ إذا انتبه القارئ الكريم ليس فقط أهميته بأن هو نفس تاريخ التأسيس الفعلي لجامعة هارفرد الأمريكية بل يظهر كذلك حقيقة أن هذه المطبعة أقيمت أصلا في داخل جامعة هارفرد ومنذ اللحظات الأولى لولادة تلك الجامعة العريقة.  ولعل من الملائم الربط بين أعرق الجامعات الأمريكية والبريطانية وقصة ارتباطها بالمطبعة والكتاب ونسوق الحديث إلى معلومة ان أعرق الجامعات الفرنسية وأقدمها من ناحية التاريخ لها هي الأخرى قصة جديرة بالتوثيق مع المطبعة. في الواقع سبق الفرنسيون نظراؤهم الإنجليز في استقطاب تقنية الطباعة الحديثة للكتب بواسطة المطبعة ففي حين كان الدافع لدخول المطبعة إلى بريطانيا عام 1476م كان بسبب التجارة كما ذكرنا بينما نجد أن إحضار المطبعة إلى فرنسا والذي حصل في عام 1470م كان بسبب وعي أستاذة جامعة السوربون. في السباق كانت الكتب الدراسية الجامعية textbooks تكتب عن طريق النسخ اليدوي وهي عملية بطيئة ومكلفة جدا ولهذا قام أستاذان من جامعة السوربون باستدعاء ثلاثة رجال من الألمان العاملين في مجال الطباعة لكي يؤسسوا في جامعة السوربون أول مطبعة في فرنسا وبهذا في فترة زمنية قصيرة أصبحت مدينة باريس واحدة من أهم مراكز الطباعة ونشر المعرفة في القارة الأوروبية. وفي الزمن الحالي تستمر مسيرة ريادة الجامعات في نشر المعرفة وذلك عندما نراجع شهرة العشرات من الجامعات الأمريكية بالذات ودورها الرائد في طباعة وصناعة المحتوى العلمي والمعرفي العام كما نجده مع دور نشر ومطابع جامعات شيكاغو وكولومبيا وستانفورد وبرينستون وكورنيل وغيرها كثير.

 الجامعات السعودية والريادة في تنظيم معارض الكتب

في منتصف القرن التاسع عشر ظهرت في الولايات المتحدة حركة قوية لنشر ثقافة قراءة الكتب من خلال افتتاح المئات بل الآلاف من المكتبات العامة وسميت تكلك الموجه المجتمعية الراقية بـ (حركة المكتبات Library Movement). وقد كان لهذه الحركة صدى كبير في تغيير المجتمع الأمريكي لأنها ركزت على فتح هذه المكتبات في داخل مدارس الطلاب علما بأن الملياردير الأمريكي البارز أندرو كارنيجي تبرع لبناء أكثر من 1400 مكتبة في أمريكا في ذلك الزمن. ومن المشهد العالمي إلى المشهد المحلي ومن المكتبات العامة ننتقل الغربية إلى جامعاتنا الوطنية والتي منذ حوالي خمسين سنة ولها هي الأخرى إسهامها الراقي فيما يمكن تسميته على نسق ما سبق ذكره بـ (حركة الكتب Books Movement).

والذي نقصده بالضبط أن للجامعات السعودية وعبر عقود طويلة كان لها إسهام ملموس في نشر الثقافة والمعرفة من خلال تبنيها لمبادرة إقامة (معارض الكتاب) في عدد كبير من المدن المحلية. فمن يستعرض الأخبار المحلية في السنوات القريبة الماضية يلاحظ دور الجامعة الإسلامية في المدينة المنورة وجامعة الملك فيصل في الأحساء وجامعة الملك خالد في أبها وجامعة القصيم وجامعة الطائف وجامعة جازان وجامعة الجوف وجامعة حفر الباطن وغيرها من الجامعات السعودية، كل واحدة من تلك الجامعات بادرت بتنظيم سلسلة من معارض الكتاب في تلك المدن. وقبل ذلك بعقود زمنية طويلة وقبل أن تتولى وزارة الثقافة تنظيم معارض الكتاب الدولية الكبرى في مدينة الرياض ومدينة جدة كان لجامعة الملك سعود وجامعة الملك عبد العزيز الدور المحوري في تنظيم معرض الكتاب الدولية التي تقام في المملكة.

وتأتي هذه الإشادة بدور الجامعات في حركة الكتب وموجة تعزيز دور المكتبات في المجتمع وذلك لأننا نمر في الوقت الحالي بأجواء العرس الثقافي المتمثل بفعالية (معرض الرياض الدولي للكتاب).

الجدير بالذكر أن معرض الرياض للكتاب له ما يقارب النصف قرنا من الزمن حيث افتتح لأول مرة في عام 1398هـ (1978م) وذلك بتنظيم من قبل جامعة الملك سعود والتي استمرت لسنوات طويلة ومتتالية تحتضن وترعى (حركة الكتب وموجة المكتبات). واليوم وبعد عودة معرض الرياض الدولي للكتاب للافتتاح مرة أخرى من داخل أسوار جامعة الملك سعود وكأن المشهد هو عبارة عن عودة الابن التائه وليس الضال كما هو في المثل المذكور في الإنجيل. فعبر السنوات الأخيرة تنقلت إدارة معرض الرياض الدولي للكتاب من جامعة الملك سعود إلى وزارة التعليم العالي إلى وزارة الإعلام إلى وزارة الثقافة وأخيرا تمت إحالة الإشراف عليه إلى هيئة الأدب والنشر والترجمة. ورحلة التنقل لمعرض الكتاب استمرت كذلك فيما يتعلق بموقع إقامة معرض الكتاب الذي ارتحل عبر السنين المتتالية من الموقع القديم لجامعة الملك سعود بالملز إلى الخيمة الرياضية بموقع الجامعة الحالي إلى بهو الجامعة ثم إلى كارثة صغر موقع المركز الدولي للمعارض في حي المروج ثم إلى المبنى الأنيق والحضاري في مركز المعارض والمؤتمرات على طريق الملك عبد الله ثم لموقع واجهة الرياض بالقرب من مطار الملك خالد.

على كل حال شعار معرض الكتاب لهذه السنة يحمل عبارة (وجهة ملهمة) وفي ضوء ما سبق الحديث عنه عن العلاقة الوثيقة بين الجامعة والكتاب ودور الجامعات المحلية بالذات في تنظيم معارض الكتاب، أتفق تماما مع هذا الشعار وبالفعل اختيار أروقة جامعة الملك سعود لاحتضان هذه الفعالية الثقافية البارزة كان قرارا صائبا فبالفعل الجامعة هي (وجهة ملهمة) واختيار موفق ولله الحمد أصبح مصدر سعادة وفخر لنا جميعا من منسوبي وطلاب الجامعة.

 

( التعبير عن الانتماء والكتابة بالذرات )


 د/ أحمد بن حامد الغامدي

 الإحساس بالانتماء هو شعور عاطفي متأصل في السلوك البشري الاجتماعي ينعكس أحيانا في مظاهر متعددة من ضمنها المبالغة لدي بعض الأفراد (للتعبير عن الانتماء) وتأكيد الولاء لمجموعة أو قبيلة أو دولة أو دين. هذا الإبداء المبالغ فيه للتعبير عن الانتماء قد يتمثل في قيام شخص مثل الرئيس الأمريكي دونالد ترامب قبل سنوات عديدة من تولية منصب الرئاسة بنصب أكبر سارية للعلم الأمريكي الضخم في منتجعه الرياضي في جنوب مدينة لوس أنجلس. وفي عام 1914م قامت مجموعة من طلبة الهندسة بجامعة أريزونا بالاحتفال والاحتفاء بجامعتهم وكذلك بالتعبير عن فخرهم بولاية أريزونا Arizona بكتابة وتشكل أكبر حرف (A) في العالم وذلك على سفح جبل يطل على مدينة توسان الصحراوية. التعبير عن الانتماء لجامعة وولاية أريزونا أدى إلى انتشار ظاهرة كتابة حرف A في حوالي 60 جبلا وهضبة في تلك الولاية أشهرها على الإطلاق ذلك الجبل المسمى (A mountain) الذي يحتوي حرف (A) الأبيض الهائل الذي طوله 50 مترا.

 وبالانتقال من التعبير عن الانتماء بكتابة وتشكيل أكبر حرف هجائي على سطح الأرض من قبل منسوبي جامعة أريزونا في جنوب أمريكا إلى كتابة وتشكيل أصغر حرف هجائي في الوجود وهو من تحضير أحد منسوبي جامعة إلينوي في شمال أمريكا. وهذا يقودنا للحديث عن العالم العربي الكبير الذي نفتخر به وهو أستاذ علم الفيزياء بجامعة إلينوي وأحد رواد علم تقنية النانو الدكتور منير نايفة والذي استطاع قبل حوالي ثلاثين سنة من (تحريك الذرات) لكي يكتب بها الحرف الإنجليزي (P). لقد استطاع منير نايفة من توظيف التقنية العلمية المتقدمة المسماة المجهر المسحي النفقي (Scanning Tunneling Microscope) ليتمكن من تحريك الذرات المفردة ذرة ذرة لكي يرسم شكل قلب صغير جدا جدا في وسطه حرف (P). طبعا ذلك الشكل البالغ الصغر لا يمكن أن يرى إلا بالمجهر الإلكتروني ولهذا كان لذلك الحدث العلمي البارز صداه الذي وصل لجريدة الواشنطن بوست وللمجلة العلمية الثقافية والإخبارية (نيو ساينتست). بقي أن نقول إن سبب اختيار الدكتور منير نايفة لكتابة حرف (P) بواسطة الذرات هو كنوع من (التعبير عن الانتماء) لمجال علم الفيزياء Physics حيث إن أول حرف في لفظة الفيزياء باللغة الإنجليزية هو حرف (P). ومع ذلك ينبغي التنبيه أن الدكتور الفلسطيني منير نايف يحلو له أحيانا عندما يسأل عن ماذا قصد بتشكل ذلك القلب الذي في داخله حرف P فإنه يرد أنه يقصد أن بلده الأصلي فلسطيني ما زال يحتل الموقع الأهم في قلبه ولهذا حرف P هو الحرف الأول من لفظة فلسطين باللغة الإنجليزية (Palestine).

تلك القصة الطريفة للدكتور منير نايفة عن التعبير عن الانتماء للوطن والاحتمالية المزدوجة لوجود معاني أخرى بديلة تذكرنا بقصة عالم الكيمياء الفرنسي بول إميل ليكوك الذي اكتشف في عام 1875م عنصر الجاليوم Ga والذي زعم في البداية أنه أطلق عليه هذه التسمية Gallium كدلالة وتعبير عن الانتماء لبلده فرنسا. صحيح أن الاسم القديم لفرنسا هو أرض الغال Gaul ولهذا اللفظ اللاتيني لذلك الاسم هو جاليا gallia ومنه يشتق اسم العنصر الجاليوم ولكن البعض يقول إن ذلك العالم الكيميائي بول إميل (ليكوك) كان في الواقع يريد أن يعبر عن الانتماء والاحتفاء لاسم عائلته (ليكوك Le coq). وذلك لأن اسم عائلته باللغة الفرنسية يعني (الديك) وكلمة الديك باللغة اللاتينية هي gallus وبهذا اسم عنصر الجاليوم قد يكون تقديرا لبلد فرنسا (أرض الديكة) أو قد يكون تعبير للانتماء لأسرة العالم الكيمائي آل ليكوك !!.

 أحرف من ذرات تحت المجهر

العلم الحديث بإمكانه أن يعمل المعجزات ومن ذلك أنه بصورة ما يستطيع أن يحول (الجدل البيزنطي) غير المفيد إلى صورة أكثر جدية فمثلا نجد أن بعض العلماء حولوا مهزلة الجدل البيزنطي السخيف في العصور الوسطى عن سؤال (كم من الملائكة يمكن أن يقف على رأس دبوس) إلى سؤال (كم من الكتب يمكن أن نكتبها على رأس دبوس). في عام 1988م تمكن مجموعة من العلماء في جامعة ليفربول البريطانية من استخدام تقنية خاصة من المجهر الإلكتروني لتركيز حزمة من الإلكترونات عالية الطاقة لحفر وكتابة الكلمات على قطعة صغيرة جدا من أوكسيد الألومنيوم. ولهذا من الناحية النظرية يمكن كتابة كامل الأربعة والعشرين المجلد الضخم للموسوعة البريطانية على رأس دبوس. في الواقع العلماء الإنجليز اكتفوا بكتابة صفحة واحدة من الموسوعة البريطانية فقط لكي يثبتوا كفاءة تقنيتهم العلمية المتطورة وكذلك لكي يحاولوا تحقيق التحدي الذي أطلقه عالم الفيزياء الأمريكي ريتشارد فاينمان والذي أعلن في عام 1959م جائزة (رمزية) بمقدار ألف دولار لمن يستطيع أن: (يكتب الموسوعة البريطانية على رأس دبوس). ذلك التحدي ورد في نهاية المحاضرة العلمية الشهيرة التي ألقاها فاينمان والتي طرحت لأول مرة فكرة إمكانية ترتيب وتحريك الذرات واحدة واحدة لكي تشكل أجساما أو آلات نانوية أو حتى مجرد كتابة أحرف وكلمات ولهذا ظهر التصريح الشهير للدكتور فاينمان (هناك مساحة كبيرة في القاع .. دعوة لدخول مجال جديد للفيزياء).

في الحقيقة (المجال الجديد للفيزياء) الذي تنبأ به ريتشارد فاينمان هو ما نطلق عليه اليوم علم (تقنية النانو) ولتحقيق عملية التحريك والمناورة والتلاعب manipulation بالذرات حتى ترسم الأشكال أو الأجسام التي نرغب بها يتم ذلك بعدّة تقنيات عليمة على درجة عالية من التطور من أهمها جهاز المجهر المسحي النفقي STM الذي ذكرنا أن الدكتور منير نايفة استخدمه لكتابة ذلك الحرف الإنجليزي (P) حمال الأوجه والمعاني.

بالمناسبة تم لأول مرة تصنيع المجهر المسحي النفقي في مختبرات شركة IBM الأمريكية وذلك في معاملها البحثية في مدينة زيورخ السويسرية ومن قبل عالم الفيزياء الألماني جيرد بينيج وعالم الفيزياء السويسري هاينريخ روهرير والذين حصلا على جائزة نوبل في الفيزياء لعام 1986م لأنهما استطاعا من خلال هذا (المجهر) من مشاهدة وتصوير الذرات المفرد لأول مرة في التاريخ. كما هو معلوم فإن شركة IBM هي عملاق صناعة أجهزة وبرامج الكمبيوتر ولهذا تحقيق ذلك الإنجاز العلمي الهائل في مجال علم الفيزياء الذرية في المختبرات العلمية لشركة الحاسبات تلك يعتبر من الأحداث النادرة في تاريخ العلم ففي الغالب مثل هذه الاكتشافات البارزة تحصل في مختبرات الجامعات أو المراكز البحثية الدولية (مع استثناء اختراع الترانستور في مختبرات شركة بيل الأمريكية للاتصالات أو اختراع الليزر في مختبرات شركة هيوز للطيران).

على كل حال في عام 1989م تمكن عالم الفيزياء الأمريكي دون إيجلير من تحريك الذرات بواسطة مجهر STM السالف الذكر وبحكم أنه كان يعمل في مختبرات شركة IBM لهذا وربما كوسيلة للتعبير عن الانتماء قام بتحريك الذرات لكي تشكل الحروف الثلاثة لتلك الشركة. ولكي يحقق إيجلير هذا الإنجاز العلمي التاريخي قام بتحريك 35 ذرة من ذرات عنصر الزنون على قاعدة من عنصر النيكل وكان حجم تلك الكتابة النانوية المصغرة بارتفاع خمسة نانوميتر (5 nm) واستغرق من الزمن 22 ساعة لإتمام تحريك الذرات المفردة لكتابة تلك الحروف الثلاثة.

بعد هذا المدخل التاريخي لأعجوبة الكتابة بالذرات بواسطة أجهزة علمية متقدمة (مثل المجهر النفقي الماسح STM ومجهر القوة الذرية AFM) والتي تمت منذ حوالي ثلاثين سنة فليس من المستغرب أن نعلم أن العديد من المراكز البحثية في مختلف دول العالم حاولت خلال تلك العقود الزمنية تطوير هذه التقنية باهضه التكاليف لكي تعمل في ظروف مختبرية أسهل ولإعطاء نتائج أكثر دقة. وهذا المقال الثقافي العام ليس مجالا لذكر تلك التفاصيل العلمية الدقيقة لكن ما أود أن أسجله هنا هو أن أغلب العلماء في هذه المراكز البحثية المتقدمة عندما يقومون بتطوير تقنية جديدة (منقحة ومزيدة) في حرفة الكتابة بالذرات أول ما يحرصون عليها في أوراقهم البحثية التي يرسلونها للنشر في المجلات العلمية المرموقة مثل مجلة الطبيعة Nature أو مجلة العلوم Science أنهم يرفقون صورا تحتوي على الحروف المكتوبة بالذرات لأسماء تلك الجامعات أو المعاهد العلمية.

فمثلا في عام 2013م عندما طور العلماء في مختبرات كلية التثليث بجامعة دبلن تقنية علمية جديدة للكتابة بالذرات كان مما قاموا بتحريك الذرات لكتابة الحروف الثلاثة (TCD) للكلمات المكونة لاسم تلك الكلية (Trinity College Dublin). وعلى نفس النسق في التعبير عن الانتماء قام العلماء في المختبرات البحثية في ألمانيا وكذلك في أمريكا بنفس الأمر فالحروف الثلاثة (INT) تمت كتابتها بذرات النحاس تكريما لأسم معهد تقنية النانو Institute of Nanotechnology بجامعة كارلسروه الألمانية في حين إن الحروف الثلاثة (NRL) المكتوبة بذرات الجاليوم هي الحروف الأولى من اسم مركز الأبحاث الشهير الموجود في مدينة واشنطون: مختبر أبحاث البحرية الأمريكية (Naval Research Laboratory).

بقي أن نقول إن الكتابة بالذرات لم تتوقف عند تشكل الأحرف الهجائية فقط، ولكن أمكن كذلك كتابة كلمات كاملة مثل لفظة (النانو Nano) بينما استطاع علماء اليابان من كتابة كلمة (الذرة) باللغة اليابانية وذلك باستخدام ذرات مفردة من عنصر الحديد على قاعدة من ذرات عنصر النحاس. وبحكم أننا وصلنا في الحديث عن كوكب اليابان فتجدر الإشارة إلى أن أحد العلماء اليابانيين قام في عام 1991م بالاحتجاج على الهجوم الأمريكي على العراق أثناء حرب الخليج الثانية ولهذا استطاع كتابة عبارة: سلام 91 (Peace 91) باستخدام ذرات عنصر الكبريت.

 مشاركة الذرات في اليوم الوطني

في توافق عجيب وغير مقصود حصل عام 2017م قام وبشكل منفصل كل من علماء الفيزياء في كندا وفي المملكة العربية السعودية (بالتعاون مع زملائهم علماء الفيزياء الألمان) بالمساهمة في اليوم الوطني لكل من الدولتين من خلال توظيف الذرات لكي تشكل شعار الدولتين. فيما يخص العلماء الكنديين وبدافع من الشعور بالانتماء فقد قاموا بالمساهمة في الاحتفالات الوطنية بمناسبة مرور 150 سنة على تأسيس الدولة الكندية (150th anniversary of Canada) باستخدام تقنية مجهر STM لتحريك 34 ذرة هيدروجين لكي تشكل الرقم 150 وكذلك الرمز الوطني لكندا المشهور: شكل ورقة القيقب. بينما قام علماء الفيزياء في معهد الملك عبدالله بتقنية النانو بجامعة الملك سعود بالطلب من زملائهم العلماء في جامعة فورتسبوغ الألمانية مساعدتهم ليس فقط في رسم ورقة واحدة ولكن في تشكيل شجرة كاملة.

ففي عام 2017م وضمن الاحتفالات باليوم الوطني السعودي والذكرى 87 لتأسيس المملكة تواصل الزملاء في وقتها الدكتور هشام الهدلق المشرف السابق على معهد الملك عبدالله لتقنية النانو والدكتور حمد البريثن المشرف الحالي للمعهد مع نظرائهم في الفريق البحثي للدكتور ماتيوس بود أستاذ علم الفيزياء في معهد الفيزياء بجامعة فورتسبورغ الألمانية. ومن هنا أمكن تصنيع مجسم نانوي صغير جدا لشعار المملكة السيفين والنخلة والمشكل من ترتيب 54 ذرة فضة تم تحريكها بواسطة طرف إبرة مجهر STM وتثبيتها على قاعدة من 111 ذرة فضة. الجدير بالذكر أن طول ذلك الشعار النانوي يبلغ فقط 25 نانوميتر بمعنى أن ألف وحدة منه لو وضعت جنبا إلى جنب بالكاد يكون طولها قطر شعرة الإنسان (أو بحجم رأس الدبوس !!).

 وفي تجربة أخرى إضافية قام الزملاء الكرام في معهد الملك عبدالله لتقنية النانو بالتعبير عن الانتماء والولاء بعمل لوحة لشعار المملكة النانوي Nano Kingdom Logo لكن هذه المرة بحجم أعلى من حدود تقنية النانو حيث قاموا برص مكعبات من الكربون على شكل ثلاثي الأبعاد لشعار السيفين والنخلة. في هذه المرة تم تحريك 55 مكعب من ذرات الكربون طول كل مكعبا حوالي واحد مايكرومتر(1 µm) ثبتت على قاعدة من معدن الحديد. وبحكم أن هذا الشعار النانوي الكربوني أكبر بحوالي 1800 مرة من الشعار النانوي الفضي فربما يمكن مشاهدة الشعار الجديد والتأكد منه بالمجاهر الضوئية التقليدية بينما شعار المملكة النانوي لا يمكن مشاهدته إلى بنفس التقنية التي صنع بها أي جهاز مجهر المسحي النفقي.

وختاما يتم نشر هذا المقال في يوم السبت الثامن من شهر ربيع الأول لعام 1445هـ (الموافق 23 سبتمبر 2023م) وهو توقيت اليوم الوطني السعودي الثالث والتسعون وقد قمنا في قسم الكيمياء بجامعة الملك سعود بالتعاون مع الزملاء في معهد الملك عبدالله لتقنية النانو ونادي الكيمياء لتجهيز بوستر خاص يعرض ويشرح بعض المعلومات عن (شعار المملكة النانوي) المكتوب بذرات الفضة والمرسوم بحرف سن إبرة جهاز STM المتطور.

 

( اتصال من تحت الأنقاض )


 د/ أحمد بن حامد الغامدي

 قديما قبل عدة سنوات وأثناء الإعلان عن خدمة (الجزيرة موبايل) المتمثلة في استقبال رسائل جوال عن آخر الأخبار العاجلة، استخدمت قناة الجزيرة الفضائية الشعار الدعائي المشهور (الجزيرة موبايل .. لأن الوقت لا ينتظر). من وجهة نظري الشخصية فإن أن صيغة ذلك الإعلان كانت ركيكة وربما كان من الأفضل لو أنها أُذيعت بعبارة (الجزيرة موبايل .. لأن الخبر لا ينتظر). وهذا ما يحصل في الواقع أثناء حدوث الأخبار العاجلة أو الأحداث الهامة المستجدة أنك قد ترغب في أن تسمعها في أسرع وقت (لأن الخبر لا ينتظر).

الغريب في الأمر أن فكرة قناة الجزيرة (قلدتها بعد ذلك قناة العربية وكان شعارها الدعائي: جوال العربية .. معك في كل لحظة) المتمثلة في أن يرسل لك خبر مختصر عن الأحداث العاجلة عبر رسالة تستلمها عبر جوالك، سرعان ما تغيرت عندما أصبح جهاز الجوال (أي الموبايل في إعلان قناة الجزيرة) ينافس بقوة القنوات الفضائية كوسيلة ووسيط لنقل الأخبار العاجلة. وهذا ما نقلنا خلال السنوات القليلة الماضية من عصر (القنوات الفضائية) إلى زمن فضاء (الإعلام البديل) الذي يستخدم فيه جهاز الجوال كأهم وسيط و(قناة) يتم من خلالها تلقي وإرسال الأخبار والمقاطع والصور في لحظات خاطفة.

في زمنٍ ما كتب أمير الشعراء أحمد شوقي بيته الشهير في التعبير عن الإعجاب بأعجوبة الصحافة الورقية عندما قال:

لكُلّ زمانٍ مضى آيةٌ       وآية هذا الزمان الصُحُف

وقبل أحمد شوقي بقرن من الزمن يُذكر عن الإمبراطور/الجنرال نابليون بونابرت أنه قال (أنا أخشى ثلاث صحف أكثر مما أخشى مئة ألف حربة رمح). والمقصود أنه في غابر الزمان كان للصحافة (ولوسائل الإعلام القديمة إجمالا) حضور كثيف وتأثير طاغ في تشكيل الرأي العام والعالم من حولنا ولكن هذا الدور للصحافة والتلفزيون بل وحتى القنوات الفضائية انتقل في الزمن الحالي إلى الأجهزة التقنية صغيرة الحجم ولكن ضخمة الأثر والمسماة أجهزة (الهواتف الذكية). والسبب في ذلك راجع إلى التعديل الذي اقترحناه على شعار الحملة الإعلانية لخدمة الجزيرة (موبايل) وهو: أن الخبر لا ينتظر. قبل ظهور الراديو والتلفزيون عندما يحصل حدث ضخم (أي خبر صحفي بامتياز) فإن المتلقي كان ينتظر يوما كاملا حتى تصدر تفاصيل الخبر في الصحف وهذه فترة طويلة جدا وغير مقبولة بمقاييس اليوم في زمن السرعة. صحيح أن القنوات الفضائية يمكن أن تغطي الخبر بسرعة جيدة، ولكن في الغالب وسائل الإعلام المحترمة عندما يصلها خبر هام على سبيل المثال أن سيارة مفخخة انفجرت في مكان ما من العالم لا تبادر تلك القناة المهنية مباشرة بنقل الخبر قبل (التأكد) من صحته. وهذا كثير ما يفقدها (ميزة) السبق الصحفي و(الخبطة) الإعلامية والتي تذهب في الوقت الحالي لوسائل التواصل الاجتماعي عبر الهواتف الذكية وخصوصا تطبيق وبرنامج (تويتر) وأفلام قناة اليوتيوب.

ومن هنا أصبح الجوال الذكي في أيدينا (وليس موبايل قناة الجزيرة) هو أهم وأسرع وسيلة إعلامية واستحق ذاك الجهاز الصغير بجدارة أن يتربع على عرش منصة (الإعلام البديل). ومن ذلك ما حصل في الأيام الماضية مع الزلزال المحزن والكارثة المفجعة التي حصلت في جبال الأطلس بمملكة المغرب الشقيقية حيث إن أغلب (الجمهور) تلقى الخبر من خلال شاشات الجوالات وليس من شاشات الفضائيات. وعن طريق أجهزة الجولات شاهدنا اللقطات الأولى لكارثة الزلازل والجدير بالرصد أن هذه المشاهد ومقاطع الفيديو عن ذلك الحدث الجلل كانت مسجلة بكاميرات جولات الأشخاص الذين عاصروا الحدث وليس بكاميرات الأطقم الإعلامية الاحترافية.

 الجوال خير صديق في حال الضيق .. حرفياً !!

فيما يتعلق بكوارث الزلازل والمآسي المتعلقة بها يمكن ملاحظة أن أجهزة الجوال كانت (أقرب للحدث) من كاميرات التلفزة وميكرفونات معلقي نشرات الأخبار أو مراسلي الشبكات الفضائية. ودليل ذلك أنه في السنوات الأخيرة تكررت حالات وجود أجهزة الجوال السليمة التي لا تزال تعمل حتى والشخص المنكوب تحت أكوام هائلة من الركام وجبال من الأنقاض. في عام 2015م نشر المراسل الصحفي الأمريكي تيري كولينز كتابه المصور والذي بعنوان (مدفون تحت الأنقاض Buried in Rubble) والذي جمع فيه العديد من القصص الحقيقة عن أشخاص من دول مختلفة تعرضوا لكارثة الاحتجاز تحت أطنان من أنقاض المنازل المنهارة جراء حدوث زلازل مدمرة. لا شك أن قصص وأخبار الناجين من كوراث الزلازل دائما ما تكون مشحونة بالعواطف والأحزان بل وحتى التشويق وذلك بعد سماع تفاصيل المعاناة التي مروا بها ولكن في الغالب هذه المعايشة للأحداث الألمية التي مر بها الناجون تحدث بعد (انتهاء) الحدث والاستماع لقصصهم بعد إجراء مقابلة صحفية أو تلفزيونية معهم.

ومن هنا يمكن أن نستشعر دور جهاز الجوال الذي قد يكون موجودا في لحظة الحدث وفي متناول الشخص الذي دفن تحت الأنقاض ويمكن الاتصال به من تحت الركام والاستماع (المباشر) لأحاسيسه ومخاوفه ومأساته. في العالم الماضي وفي الأيام الأولى من حادثة الزلزال الهائل الذي وقع في الأراضي التركية والسورية، تناقلت وسائل الإعلام الدولية مقطع فيديو يوثق محادثة هاتفية بين سيدة في فريق الإنقاض التركي وبين امرأة تدعى عزيزة محتجزة مع زوجها وأطفالها تحت ركام منزلها المتهدم. ويبدو أن المرأة المطمورة تحت الأنقاض استطاعت الاتصال بهاتفها الجوال بهدف طلب المساعدة ولهذا أخذت المنقذة ترشد السيدة عزيزة كيف تتصرف في هذا الظرف العصيب بأن تحافظ على شحن بطارية الجوال وكذلك بأن تقدم الدعم المعنوي لأطفالها ولهذا طلبت منها (كل من يوجد معك من أطفالك تكلمي معهم بأسمائهم) وكان كذلك من الإرشادات لها (أخبري أبناءك بأن يتنفسوا ببطء من الحلق وليس من الأنف).

صحيح أن المرأة التركية السيدة عزيزة كانت في كرب عظيم وهي تحت الأنقاض ولكن حالها ربما كان أفضل من حالة الشاب السوري الذي تم هو الآخر توثيق اتصاله الهاتف من تحت الركام. الاتصال بهاتف الجوال حصل بين الشاب السوري وبين أخيه والذي طلب منه يدعو له وأن يسامحه وكذلك أخبر الشاب السوري أن ولده (ساري) تعرض لضربه قوية من جراء الزلزال وأنه ينزف من فمه وأنفه ثم قال بأنه لا يتكلم. وفي ختام تلك المكالمة الهاتفية من تحت الأنقاض ذكر الشاب السوري أن ابنه توفي ثم عقب بقوله وهو في حالة انهيار تام (آه قلبي .. الصبر يا ربي أنا موجوع كتير).

للأسف أغلب الحلات التي تم توثيق تسجيل مكالمات جهاز الجول من تحت الأنقاض تنتهي بالفشل في أنقاض الأشخاص المحتجزين ومن ذلك مثلا أنه في زلزال تركيا وسوريا المدمر والذي راح ضحيته حوالي 60 ألف شخص كان من ضمنهم ثلاثة أشقاء فلسطينيين من أهل مدينة أنطاكيا التركية. في بداية الأمر تمكن أحد الأشقاء الثلاثة من الاتصال بهاتفه من تحت الأنقاض ونبه من في الخارج على احتجازه هو وأخوية تحت الركام وبالرغم من الحملة الإعلامية التي أطلقها بعض النشطاء الفلسطينيين لإنقاذ هؤلاء الإخوة الثلاثة إلا أن موقعهم تحت الأنقاض كان غاية في الصعوبة لدرجة أن جثثهم رحمهم الله لم يتم انتشالها إلا بعد حولي أكثر من ثلاثة أسابيع من بداية الزلزال.

في الواقع ليس من المستغرب استيعاب أنه لا يكفي وجود اتصال من هاتف الجوال لتحديد الموقع الدقيق للشخص المحتجز تحت ركام هائل وهذا ما حصل في عام 2008م عندما حصل انهيار صخري لجبل المقطم في القاهرة نجم عنه طمر العشرات من المنازل والعمائر السكنية. وقد ذكر رجل مصري يدعى محمد صابر أنه تلقى اتصال امن رقم جوال هاتف أخيه من تحت الأنقاض وهو يستغيث ويطلب المعاونة لأن صخور الجبل سوف تقتله هو وأطفاله وللأسف لم يتم تحديد موقعه في وقت مبكر بشكل كاف ولهذا كان وأسرته من الضحايا الثلاثين الذي قضوا في تلك الكارثة. ومن القاهرة ننتقل إلى الإسكندرية ومن الكوارث الطبيعية نتحول إلى كوارث الغش وجرائم بناء العمائر المخالفة للمواصفات الفنية والهندسية. فقبل كارثة القاهرة بسنة واحدة أي في عام 2007م حصل انهيار لعمارة سكنية شاهقة في مدينة الإسكندرية مكونة من 12 طابقا والغريب في الأمر أن أحد سكان العمارة ممن كان يقيم في الطابق الأرضي نجا لفترة من الزمن من أن يسحق بأطنان الركام والأنقاض. لقد استطاع ذلك الرجل المحجوز من الاتصال بالخفير أو بواب العمارة الذي نجا هو الآخر من القتل بأعجوبة وذكر له أنه في ظلام دامس وأنه يسمع صراخ واستغاثات العديد من السكان الآخرين المنكوبين تحت الأنقاض.

وفي الختام نعرج على الحادثة الغريبة والمحزنة التي تربط بين الاتصال بالهاتف الجوال وبين كارثة زلزال المغرب الذي حصل هذا الأسبوع ففي مساء يوم الجمعة الماضي كان الشاب المغربي عمر آيت مبارك يتحدث عبر الجوال مع خطيبته الشابة مينا آيت بيهي. وفجأة عند حدوث الزلزال أثناء المحادثة الهاتفية بينهما سمع الشاب ضجيج تساقط الأواني المنزلية في منزل خطيبته ثم انقطع فجأة الاتصال الهاتفي بينهما وهنا شعر الشاب بالخوف والقلق أن يكون أصاب خطيبته مكروه. ولاحقا كان الشاب عمر موجودا في لحظة انتشال جثة خطيبته رحمها الله من تحت الأنقاض وهي ما زالت تمسك بجهاز الجوال الذي تم تسليمه لخطيبها فيما حُملت الشابة المغطاة ببطانية لكي تدفن في المقبرة المؤقتة مع 68 شخصا آخر من ضحايا الزلزال.