السبت، 29 يونيو 2024

( مع الأدباء في السفر صيفا )

 د/ أحمد بن حامد الغامدي

من عادة بلدياتي الشاعر القدير عبدالرحمن العشماوي أن يقضي جزء من الإجازة الصيفية في ربوع منطقة الباحة وبالتحديد في القرية التي ولد فيها قرية عراء القريبة من ديرتي: قرية الغمدة ومن المصادفات أنه عندما انتقلت أسرته الكريمة للإقامة في مدينة الطائف سكنوا في موقع من حي الشهداء الشمالية قريبا جدا من منزل عائلتي. على كل حال قبل حوالي أسبوع شاهدت للدكتور العشماوي مقطعا قصيرا وهو يبتهج بنزول المطر في منتجع منطقة الشفا بمدينة الطائف وفي ثنايا ذلك المقطع أسترجع أبا أسامة جزء من مقطع من قصيدته البديعة (أيها الطائف) التي جال فيها بين معالم الطائف السياحية مثل الهدا والشفا والرُدّف والدينية مثل مسجد ابن عباس.

من لطائف المصادفات مرة أخرى أن زيارة الشاعر العشماوي (السياحية) لمدينة الطائف في هذه الصيفية تتوافق مع حدث هام وهو الإعلان قبل عدة أشهر عن اختيار منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة لمدينة الطائف ضمن (شبكة اليونسكو للمدن المبدعة) وبهذا تكون مدينة الطائف هي أول مدينة سعودية تحظى بهذا التكريم في مجال الأدب. ونظرا لما لهذا التصنيف من قبل اليونيسكو من بريق، أصبحت بعض المدن العالمية تفتخر برفع شعار أنها (مدينة الأدب Literature City) ولهذا أقترح على أهل القرار في محافظة الطائف التوسع في استخدام الشعار الأنيق (الطائف مدينة الأدب) مع الشعار الرقيق (الطائف مدينة الورود). وبعد استعراضي للموقع الإلكتروني الخاص لشبكة اليونيسكو للمدن المبدعة وجدت أن المدن التي تشترك مع مدينة الطائف في خانة (الإبداع الأدبي) هي مدن عريقة لها علاقة بالكتاب بالذات مثل بيروت التي تطبع وبغداد التي تقرأ وجوتنبرج الألمانية مهد المطبعة الحديثة بالإضافة لمدن أخرى لها ارتباط بالأدب من حيث احتضانها لأشهر وأجمل المكتبات مثل براغ ودبلن وسياتل ومانشيستر وميلبورن. وفيما يخص مدينة الطائف صحيح أن اليونيسكو بررت اختيارها لمدينتي الحبيبة التي ولدت فيها وأزورها حاليا، بأن الطائف تحوي مكتبة مسجد ابن عباس والتي هي أقدم مكتبة في المملكة ومع ذلك ركزت اليونيسكو كثيرا على ارتباط الطائف بالشعر والأدب من خلال (سوق عكاظ).

في صيف عام 1396 هجري وأنا طفل صغير في الخامسة من عمري لم أكن أعلم أنني وأنا في حي الشهداء الشمالية كان المشهد الأدبي لمدينة الطائف يشهد حدثا شعريا بارزا في حي قروى وبالتحديد في نادي الطائف الأدبي الذي أُنشئ قبل ذلك بعام واحد فقط. في تلك الأمسية الأدبية استضاف نادي الطائف الأدبي الشاعر الكبير غازي القصيبي لكي يلقي محاضرته الأدبية (هل للشعر مكان في القرن العشرين) وربما تأخر الجواب الحاسم على هذا التساؤل منذ عام 1976م زمن المحاضرة وحتى عام 2023م زمن الإعلان عن اختيار الطائف المأنوس من قبل اليونيسكو كمدينة مبدعة للأدب. نعم للشعر مكان في القرن العشرين بدلالة إعادة أحياء سوق عكاظ في عام 1428 هـ ومساهمة هذا الحدث الأدبي البارز في وضع مدينة الطائف حرفيا على الخريطة العالمية للأدب.

ما أريد الوصول له أنه في القديم كما في الحديث كان للشعر والشعراء دور أساسي وحاسم في المكانة الأدبية لمدينة الطائف وبالذات لارتباطها بسوق عكاظ الذي كان يستقطب فحول الشعراء مثل النابغة الذبياني والأعشى وعمرو بن كلثوم ولبيد بن ربيعة والخنساء للسفر والتجمع في مدينة الأدب. وإن كان من عادة الشعراء في الجاهلية السفر والترحال لسوق عكاظ قبل بداية موسم الحج ففي السنوات الأخيرة أصبح من عادة (الشعراء الجدد) السفر والترحال إلى سوق عكاظ بعد موسم الحج. لعدة سنوات أقيمت فعاليات (ملتقى سوق عكاظ) غالبا في فصل الصيف حيث يفد إلى مدينة الطائف عدد من الشعراء من مختلف الدول العربية للتنافس على جائزة عكاظ الدولية للشعر العربي ومن ثم استحقاق الحصول على لقب (شاعر عكاظ).

وبمناسبة الحديث عن المثلث الذهبي (الأدب والطائف والصيف) ربما من الملائم الإشارة إلى ظاهرة صيفية اختصت بها الطائف قديما عززت بصورة ما (الحراك الأدبي) لمدينة الطائف أثناء الصيف. قبل قرن من الزمان وبالتحديد في صيف عام 1343 هـ بدأ الملك عبدالعزيز عادة اتخاذ عروس المصائف مدينة الطائف كمصيف له وللملوك من بعده ولاحقا كانت الوزارات والإدارات الحكومية تنتدب موظفيها للعمل في فترة الصيف في مدينة الطائف. وكان على هامش هذا الحراك والترحال الإداري ينتقل عدد لا بأس به من الأدباء والشعراء لمدينة الطائف أثناء موسم الصيف ويصحبهم عدد كبير من القضاة والمشائخ والعلماء وحتى الآن ما زالت الطائف هي مصيف هيئة كبار العلماء. ونظرا للعدد الضخم من الأشخاص الذين يفدون لمدينة الطائف من جهة الشرق ما زالت ذاكرة الطفولة لدي تتذكر تهامسنا مع أولاد الحارة بأن (الشروق) وصلوا وكذلك ذاكرة أن عددا كبيرا من المنازل ومنها منزل الوالد حفظه الله كانت تأجر الشقق على فترة لأشخاص مختلفين: تأجير لسنة دراسية وتأجير للإجازة صيفية.

على كل حال ما يهمنا هنا فيما يتعلق بـ (مع الأدباء في الصيف والسفر) هو محاولة سرد بعض الأمثلة لدور الصيف في استقطاب بعض مشاهير الأدباء للسفر لمدينة الطائف ولعل من أبرزهم الشاعر الموسوعي عبدالله بن خميس والذي كان يتردد على الطائف أثناء انتقال الحكومة للمقر الصيفي حيث كان رحمة الله لفترة من الزمن يشغل منصب وكيل وزارة المواصلات هذا وقد تحدثت الروائية أميمة الخميس عن ذكرياتها مع والدها وأسرتها في مصيفهم بالطائف. وقبل أن نغادر مدينة الطائف لغيرها من مدن المصايف نود أن نذكر أنه منذ زمن الجاهلية وصدر الإسلام كان من عادة أعيان مكة أن يقضوا شهور الصيف في الطائف وقد ورد في كتاب أخبار مكة للأزرقي (أن الطائف مصيف أهل مكة) كما جاء في كتاب معجم البلدان للحموي أن معاوية بن أبي سفيان كان يقول (أغبط الناس عيشا عبدي سعد: يتربع جده ويتقيظ الطائف ويشتو بمكة). وما دام أننا في وارد قصص الشعراء مع الصيف وزهرة المصائف الطائف فيمكن أن نشير للقصة التي حدثت للشاعر القرشي عمر بن أبي ربيعة عندما وقع في غرام فتاة تدعى الثريا فعندما كانت تصيف بالطائف أرادت أن تعبث به فأرسلت له رسالة إلى مكة تزعم فيها أنها عليلة ومريضه لتعلم مدى محبته لها وهنا سارع وأمتطى شاعرنا جواده وشرع في سفر شاق يتسلق فيها جبال الطائف.

ونختم الحديث في هذه النقطة بأنه في العصر الحديث ما زال أهل مكة وجدة يترددون خلال الصيف على الطائف وما يهمنا هنا هو ذكر خبر الأدباء والشعراء من أهل الحجاز مع ظاهرة الاصطياف بالطائف فبعضهم أصلا كان يملك منزل ومقر صيفي له بالطائف مثل الشاعر أحمد الغزاوي (منحه الملك عبدالعزيز لقب: شاعر جلالة الملك) والشاعر حسين عرب أول وزير للحج والأديب الكبير أحمد السباعي. ويضاف إلى ذلك أن بقية كبار أدباء الحجاز كانوا كثيرا ما يترددون على مدينة الطائف سواء للاستمتاع بأجوائها العليلة أو زيارة مكتبة وجيه الطائف الأديب محمد سعيد كمال ونذكر من أولئك القمم أحمد قنديل وحمزة شحاته وطاهر زمخشري ومحمد حسن عواد وغيرهم كثير.

السياحة الخارجية للأدباء العرب

في عام 1927م انعقد محفل أدبي ضخم لتكريم شاعر النيل أحمد شوقي وفي ذلك الجمع تقدم حافظ إبراهيم جموع الشعراء لمبايعة شوقي ومنحه لقب أمير الشعراء وعندما قال حافظ إبراهيم في مطلع قصيدته المشهورة (وهذه وفود الشرق قد بايعت معي) كان يقصد حرفيا مشاركة كبار الشعراء وأقطاب البيان من مصر وسوريا ولبنان والعراق والمغرب واليمن وحتى البحرين. وفي نهاية الحفل الذي استمر لعدة أيام ألقى أحمد شوقي قصيدة يشكر فيها الشعراء الذين اجتمعوا في ذلك المحفل (عكاظ القاهرة) لتكريمه فقال:

يا عكاظاً تألف الشرق فيه    من فلسطينه إلى بغدانه

افتقدنا الحجاز فيه فلم         نعثر على قسه ولا سحبانه

للأسف حتى منتصف القرن العشرين لم يكن هنالك أي تواجد ملموس لأدباء الحجاز أو نجد على ساحة الأدب العربي ولهذا لم يشارك أحد من شعراء الحجاز في تكريم شوقي الذي أشار لخلو ساحة الأدب الجديد من قس بن ساعدة أو سحبان وائل. ولكن الأمر تغير بعد ذلك وأصبح العديد من أدباء الحجاز يتوافدون بشكل مكثف ومتواصل على مدينة القاهرة لدرجة أن شاعر الحجاز حمزة شحاته أقام فيها العقود الأخيرة من حياته وتوفي بها وكذلك ابن مكة ورائد النقد الأدبي عبدالله عبدالجبار كان له في فترة الخمسينيات صالون أدبي في القاهرة. ودون الدخول في التفاصيل نجد أن الغالبية العظمى من أدباء وشعراء الحجاز سافروا إلى مدينة القاهرة خصوصا خلال إجازة الصيف لدرجة أنه كانت تعقد بينهم منتديات أدبية واجتماعات فكرية في منازل بعضهم في القاهرة ومن هؤلاء أحمد قنديل وعزيز ضياء وأحمد عبدالغفور عطار وطاهر زمخشري ومحمد سرور الصبان ومحمد حسن فقي وعبدالقدوس الأنصاري ومحمد حسن عواد وحسن عبدالله القرشي ومحمد سعيد العامودي.

اللطيف في الأمر أن (التوقيت الصيفي) لسفر هؤلاء الكوكبة من الأدباء إلى القاهرة قد يضعف من كفاءة التلاقح الأدبي وتعزيز وشائج التعارف الاجتماعي بين أدباء الحجاز وأدباء القاهرة لسبب بسيط هو أن أغلب رجال الفكر والأدب من رموز القاهرة المحروسة لديهم هم كذلك عادة قضاء الصيف في خارج مدينتهم الأصلية. ونحن نتحدث هنا عن عادة أعيان القاهرة والأقاليم الأخرى في الانتقال إلى مدينة الإسكندرية بالذات للاستجمام خلال الإجازة الصيفية. والأدباء في ذلك على دين ملوكهم ومنقادين لسلوم وأعراف مجتمعهم فهذا مثلا الروائي النوبلي نجيب محفوظ يتعجب من أن هناك أحدا لا يذهب إلى الإسكندرية ولهذا كان كثيرا ما يتردد عليها في شبابه ولاحقا بعد أن تزوج من سيدة (إسكندرانية) أصبح طوال عمره يتردد في كل صيف على شقته في حي سان ستيفانو الراقي في شرق الإسكندرية. وكعادة نجيب محفوظ على التردد على المقاهي وتحويلها إلى منتديات وبؤر فكرية ولهذا تحول مقهى كازينو سان ستيفانو القريب من شقته إلى مركز تجمع أدباء الإسكندرية. ولاحقا عندما توثقت العلاقة بين نجيب محفوظ وبين توفيق الحكيم تم نقل موقع المنتدى الأدبي إلى (ركن الحكيم) وهو مقهى كازينو (بيترو) في منطقة سيدي بشر الشعبية والتي تقع بها شقة توفيق الحكيم الأقل فخامة لتقشف الحكيم المشهور. والمهم هنا أنه ولسنوات طويلة وفي فصل الصيف كان يجتمع أشهر وأبرز أدباء القاهرة في مقهى بيترو السكندري الذي كانت تدور فيه لمساجلات الأدبية والنقاشات الفكرية بين رموز الثقافة المصرية مثل نجيب محفوظ وتوفيق الحكيم وثروت أباظة وإحسان عبدالقدوس ويوسف إدريس وعبدالرحمن الشرقاوي وعبدالحميد جودة السحار ومحمد تيمور.

ولعل القارئ الكريم ربما انتبه إلى أن كل هذه الأسماء من أدباء مصر هم من أصحاب حرفة كتابة الرواية والقصة القصيرة أما أبرز مثال لسفر الشعراء إلى الإسكندرية لقضاء الإجازة الصيفية فيمكن أن نستشهد عليه بأن أمير الشعراء أحمد شوقي كان من عادته السنوية الانتقال أثناء أشهر الصيف من قصره العامر على ضفاف النيل في القاهرة الذي أطلق عليها (كرمة ابن هانئ) إلى بيته الصغير في الإسكندرية في منطقة الإبراهيمية الذي سماه (درة الغواص). وبمناسبة مرور خبر وعلاقة أحمد شوقي بالسفر خلال الصيف لعل من الملائم الإشارة إلى ما ذكره ابنه حسين في كتابه الماتع (أبي شوقي) عن ذكرياته مع والده الشاعر الكبير ومن ذلك قوله عن والده (أنه رغب عن المصيف في أوروبا وصار يتردد على لبنان) وكذلك في ذلك الكتاب يذكر حسين أحمد شوقي صورا من محبة اللبنانيين لأمير الشعراء وكيف أنهم أطلقوا اسمه على أحد الشوارع الكبيرة في بيروت. لقد أطلق شوقي على بيروت لقب (جارة الوادي) وأطلق عليها نزار قباني لقب (ست الدنيا) ولعله تستحق كذلك لقب (حاضنة الشعراء) ففي الواقع لا توجد مدينة عربية مثل بيروت ارتبط اسمها بالشعراء من كل البلدان ولهذا هي بحق (مدينة الأدب) حيث إنها مثل الطائف ضمن قائمة (شبكة اليونيسكو للمدن المبدعة). فبالإضافة للشاعر المصري أحمد شوقي والشاعر السوري نزار قباني تردد علي بيروت أبرز الشعراء العرب المعاصرين فمن العراق بدر شاكر السياب ونازك الملائكة والجواهري ومن فلسطين محمود درويش ومن السعودية عبدالله بن إدريس وحمد الحجي وعبدالعزيز خوجة ومن اليمن عبدالعزيز المقالح ومن السودان محمد الفيتوري.

وبالمعذرة من القارئ الكريم لو عدت لمقولة حسين أحمد شوقي عن والده أنه (رغب عن المصيف في أوروبا) ولهذا أود أن أختم هذا الترحال والتجوال مع الأدباء في الصيف أن القلة منهم كانت تفضل قضاء الإجازة الصيفية فقط في أوروبا. وطبعا ليس من المستغرب أن نجد أن من درس في الغرب أصيب بهذه العادة فهذا طه حسين مثلا من كثرة تردده السنوي على فرنسا في موسم الصيف يؤلف عدة كتب عن خواطره وذكرياته في باريس من مثل كتاب (رحلة الربيع والصيف) وكتاب (في الصيف). وعلى نفس النسق نجد الدكاترة زكي مبارك بعد تخرجه من جامعة السربون كثيرا ما يكرر السفر في الصيف إلى الديار الفرنسية ثم لاحقا يوثق مشاهداته في كتاب (ذكريات باريس).

وفي الختام وبعد أن استعرضنا أمثلة متعددة لمشاهير ورواد الأدب العربي وارتباطهم برحلة السفر أثناء الصيف، لا بد في نهاية هذا المشوار أن نشير بصورة خاطفة لبعض الأدباء الذين فضلوا (رحلة الفكر) على رحلة السفر واكتفوا بمطالعة الكتب على الارتحال واختراق الآفاق. ومن ذلك ولا شك العملاق عباس محمود العقاد والذي أشتهر بزهده عن السفر وبمقولته المشهورة عن مكتبته (لقد طفت العالم من مكاني) وكذلك بقوله (إنني لو لا رياضة المشي التي تعودتها لما خطر لي أن أبرح المنزل أياما بل أسابيع). ومع ذلك كان العقاد وإلى حد ما نجيب محفوظ الكاره للسفر في أواخر حياته، كانوا هم الشواذ في قاعدة علاقة الأديب مع السياحة والسفر والتي لخصها الكاتب المصري الفريد أنور الجندي عندما سطر ملاحظته الحكيمة (أدوات الكاتب الحقيقة هي مصادرة ومراجعة .. وأبرز أدوات الكاتب المعنوية ثلاث: القراءة والتجربة والرحلة).

 

( أَحَرُّ يوم طلعت عليه الشمس )

 د/ أحمد بن حامد الغامدي

  قبل أيام مرت علينا الأجواء الإيمانية ممثلة بيوم عرفة (خير يوم طلعت عليه الشمس) وكذلك يوم النحر ويوم القر (أفضل الأيام عند الله) كما ورد في الأثر الشريف. ولكن مع هذه الأجواء الإيمانية وصيغ أفعل التفضيل (أخير وأفضل) مرت علينا كذلك أجواء مناخية ساخنة كانت من (أشدّ وأحرّ) الأيام في درجة الحرارة. فوفق الأخبار الواردة عن المركز الوطني للأرصاد أنه أعلن في يوم الإثنين الماضي (أول أيام التشريق لحج هذا العام) بأن درجة الحرارة القصوى في المنطقة المركزية بالمسجد الحرام بلغت حوالي 52 درجة مئوية. وربما تكون هذه هي أعلى درجة حرارة سجلت في مكة المكرمة في العصور الحديثة حيث كانت أعلى درجة حرارة رصدت في مكة المكرمة قبل ذلك هي 50 درجة مئوية وذلك في شهر يوليو من عام 1983م، بينما أعلى درجة حرارة سجلت في المملكة على الإطلاق هي 53 درجة مئوية وهي التي سجلت في منطقة الأحساء خلال صيف عام 2017 ميلادي.

بصورة ما كانت تنبؤات الطقس المحلية الصادرة عن المركز الوطني للأرصاد تشير إلى أن الأجواء المناخية خلال موسم الحج سوف تكون ساخنة ومرتفعة عن المتوسط بعدة درجات ويضاف لذلك تصريحات الأمين العالم لأمم المتحدة يوم الخامس من يونيو بمناسبة يوم البيئة العالمي بأن البشرية متجه نحو (جحيم مناخي) وأن كل الأشهر 12 الماضية كانت الأكثر دفئا على الإطلاق منذ بداية الرصد العلمي للطقس. ومن هذا وذاك كتبت بعد ذلك بأيام مقالا حمل عنوان (الحج زمن الحر والقيظ) أشرت فيه لاحتمالية أننا على وشك معايشة أكثر موسم حج سخونة منذ عقود وربما منذ قرون، وربطت ذلك بحشد عدد كبير من شواهد الرحالة العرب والأجانب عن مشاهداتهم عن موسم الحج في زمن الصيف وحمارة القيظ.

وإذا كنا تقريبا هذا الأسبوع عاصرنا وسمعنا عن (أحرّ يوم طلعت عليه الشمس) في مكة المكرمة وأنه ربما تم تسجيل الرقم القياسي لأعلى درجة حرارة وهي (52 درجة مئوية) سجلت في الظل بينما درجة الحرارة الملموسة أو الفعلية تتخطى الستون درجة مئوية. لذا تجدر الإشارة إلى أن أحر يوم طلعت عليه الشمس وتم توثيقه ورصده بالأجهزة العلمية كان العاشر من شهر يوليو من عام 1913م في صحراء وادي الموت بشرق ولاية كاليفورنيا حيث بلغت درجة الحرارة 56.7 درجة مئوية، علما بأنه يوجد شك في دقة الطريقة العلمية لرصد الرقم القياسي الذي زُعم تسجيله في نهاية صيف عام 1922م في ليبيا حيث أعلن أنه حرارة الجو بلغت (57.8 درجة مئوية). على كل حال درجات الحرارة القصوى تلك التي سجلت في وادي الموت في أمريكا أو في منطقة العزيزية في ليبيا كلها قديمة جدا قبل أكثر من قرن من الزمان وتمت رصدها باستخدام أجهزة علمية عتيقة وغير دقيقة، ولهذا علماء الأرصاد الجوية والمناخ في العصر الحديث يفضلون أن يجعلوا (الرقم القياسي لأعلى درجة حرارة) هي تلك المسجلة في عام 2013م في وادي الموت بكاليفورنيا وفي عام 2016م في مرصد مطربة بشمال الكويت. وفي منظور هذا التعديل والتدقيق العلمي يكون (أحرّ يوم طلعت عليه الشمس) في العصور الحديثة حيث بلغت درجة الحرارة القصوى (54 درجة مئوية) وذلك في يوم 20 من شهر يونيو لعالم 2013م في غرب أمريكا ويوم 21 يوليو لعام 2016م في شمال الكويت. وفي ضوء ما سبق ذكره من أن أعلى درجة حرارة موثوقة للطقس هي 54 درجة مئوية وأن منطقة الأحساء سجلت يوما ما درجة حرارة لاهبة هي 53 درجة مئوية وأن مكة المكرمة هذه الأيام لامست درجة حرارة 52 درجة مئوية، فلذا نحن بالفعل نحس ونلمس ونشعر بحقيقة ظاهرة (الاحتباس الحراري والتغير المناخي).

وبما إن سيرة الاحتباس الحراري انفتحت ووردت في السياق فمن الثابت علميا أنه يوجد ترابط وثيق بين ظاهرة التغير المناخي وتلوث الغلاف الجوي بالغازات الكيميائية المعروفة بالغازات الدفيئة (أو غازات البيت الزجاجي) التي لها القدرة على امتصاص الأشعة تحت الحمراء مثل غاز ثاني أكسيد الكربون وأكاسيد النيتروجين وغاز الميثان بل وحتى بخار الماء. من الناحية التاريخية تزايدت ظاهرة الاحتباس الحراري منذ بداية عصر الثورة الصناعية عندما كان تركيز غاز ثاني أكسيد الكربون يبلغ في الجو حوالي 180 جزء من المليون (180 ppm) بينما في الوقت الحالي وصل تركيز ذلك الغاز السيئ الذكر إلى مستوى (425 ppm). وبحكم أن تلوث الهواء مرتبط بتزايد النشاطات البشرية في الصناعة ووسائل النقل ومحطات توليد الطاقة، لذا تشير الإحصاءات والقياسات العلمية أن تركيز غاز ثاني أكسيد الكربون يزداد سنويا بمقدار يلامس 5 ppm وعليه تشير التوقعات أنه بحدود عام 2100م يمكن أن يصل تركيز غاز ثاني أكسيد الكربون لمستويات خانقة (1000 ppm).

 تأرجح العصور الجيولوجية بين الجليد والنار

بالاعتماد على العلاقة العلمية الطردية بين زيادة تركيز غاز الكربون وبين ارتفاع درجة الحرارة يمكن أن نخمن بأن (أحر يوم طلعت عليه الشمس) سوف يكون في المستقبل عندما يزداد التلوث غاز ثاني أكسيد الكربون بأكثر من الضعف. ومع ذلك تشير القياسات الجيولوجية والدراسات المناخية المتعلقة بزيادة حرارة سطح الأرض مع ارتفاع تركيز غاز ثاني أكسيد الكربون أن أحر يوم طلعت عليه الشمس حصل في الماضي السحيق وليس في المستقبل المنظور. صحيح أن تركيز غاز ثاني أكسيد الكربون الحالي 425 ppm هو الأعلى تقريبا خلال 14 مليون سنة الماضية، ولكن كما توجد (دورة الكربون) المشهورة لكل طلاب المدارس توجد كذلك ما تسمى (دورات تغير تركيز غاز ثاني أوكسيد الكربون). وما أريد الوصول إليه أن الدراسات العلمية تشير لتذبذب وتأرجح تركيز هذا الغاز الدافئ عبر العصور الجيولوجية السحيقة ففي أثناء فترة العصور الجليدية منذ 20 ألف سنة كان ينخفض لمستوى 180 ppm بينما خلال العصر الكامبري قبل 500 مليون سنة يعتقد العلماء بأن تركيز غاز ثاني أكسيد الكربون في الغلاف الجوي ربما بلغ مقدار هائل جدا في حدود (4000 ppm) نتجت في الغالب من تدفق حمم بركانية غطت مساحات شاسعة من وسط قارة آسيا.

وبالعودة للعلاقة الرياضية الخطية بين زيادة تركيز الغازات الدفيئة وارتفاع درجة الحرارة، فإذا كانت درجة الحرارة زاد معدلها حوالي 1.5 درجة مئوية فقط بارتفاع تركيز غاز الكربون إلى مستوى 400 ppm فإن عشرة أضعاف هذا الرقم أي 4000 ppm خلال العصر الكامبري جعل علماء الجيولوجيا يتوقعون بأن درجة الحرارة زادت في تلك الفترة بمقدار يزيد عن 14 درجة مئوية وهذا بكل بساطة يعني بأن (أحر يوم طلعت عليه الشمس) بالفعل كان في زمن الأحقاب الجيولوجية السحيقة. وفي مثل هذه الأجواء الخانقة والبالغة السخونة أعتقد أننا لن نستغرب عندما نعلم أن بعض الأبحاث العلمية المعتمدة على دراسات نسبة نظائر عنصر الأكسجين وعنصر السيلكون في عينات الصخور من قاع المحيطات، تشير تلك الدارسات إلى احتمالية أن تلك الصخور تكونت عندما كانت درجة حرارة المحيطات القديمة ساخنة تتخطى حرارتها 55 درجة مئوية بل ربما تصل حتى 80 درجة مئوية !!.

وبالدمج بين عجائب علم الجيولوجيا وغرائب علم المناخ القديم نفتح نافذة على معلومات علمية مذهلة تتعلق بمناخ كوكب الأرض في العصور الجيولوجية السحيقة. فمثلا في الوقت الحالي إحدى أبرز قضايا الاحتباس الحراري تتجسد في صيحات التحذير من ذوبان كميات مهولة من الجليد بالذات في القطب المتجمد الشمالي، ومع ذلك تشير الدراسات الجيولوجية أنه بسبب درجات الحرارة العالية جدا التي كانت سائدة قديما قبل حوالي 252 مليون سنة، نجد أن كلا من القطب المتجمد الشمالي والجنوبي حصل لهما ذوبانا كاملا. الأمر الصادم ليس فقط أن كوكب الأرض من المحتمل أنه في فترة من الزمن لم يكن يحتوي على الأقطاب المتجمدة بل يتوقع علماء الجيولوجيا أن هذا الأمر استمر عبر الفترة الزمنية من 252 وحتى 34 مليون سنة، بمعنى آخر أن الأرض ظلت لمدة 218 مليون سنة وهي خالية من وجود القطب المتجمد الشمالي والجنوبي.

وأختم بالقول أن القارئ الكريم إذا بلغت ثقته في دقة العلوم الحديثة أن يقبل فرضية أنه قد مر زمان على كوكب الأرض ومياه المحيطات على درجة عالية من السخونة والأقطاب الجليدية في الشمال والجنوب ذائبة تماما، فلعل القارئ قد يثق مرة أخرى في علم الجيولوجيا (كما أفعل أنا) ويقبل نظرية (كرة الأرض الثلجية  Snowball Earth) والتي تقول بأن كل المحيطات والبحار قد تجمدت قبل حوالي 635  مليون سنة خلال حقبة العصر الكريوجيني (العصر البارد). وكما أن التحليل الكيميائي لنسبة نظائر عناصر الأوكسيجين والسيلكون في أحجار المحيطات أعطت نافذة على التاريخ القديم للمحيطات وأن مياهها كانت ساخنة، نجد أن علماء الجيولوجيا حاول تفسير وجود صخور ضخمة مبعثرة في مناطق متعددة بالقرب من خط الاستواء وأنها وصلت إلى هناك محمولة بواسطة الأنهار الجليدية وهي فكرة علمية جريئة فكيف تصل الأنهار الجليدية إلى منطقة خط الاستواء وهي شديدة الحرارة. وبالاستعانة بعدد إضافي من الأدلة العلمية استنتج العلماء بأن الكرة الأرضية بأكملها تقريبا كانت مخطاه بالجليد والثلج في الحقبة الجيولوجية المعروفة بالعصر ما قبل الكامبري.

ربما انجرفنا كثيرا في نهاية المقال عما ابتدأنا به وهو رصد (أحرّ يوم طلعت عليه الشمس) ومع ذلك نود أن نشير إلى عجائب خلق الله سبحانه وتعالى وأن الكون والأرض التي نعيش عليها لم تكن دائما في حالة ثابت وسرمدية من ناحية المناخ أو معالم التضاريس الجيولوجية. وبدون الدخول في مزيد من التفاصيل العلمية وفيما يخص حرارة نجم الشمس تشير دراسات علم الكونيات والفيزياء الفلكية أن الشمس قبل أربعة بلايين سنة (أي عندما كان عمر الأرض 500 مليون سنة فقط) كانت شدة أشعتها أقل بحوالي 30% من شدتها الحالية. ولهذا تلك الشمس الخافتة حديثة التكوين faint young sun لا يمكن أن تكون حرارته كافيه لإحداث أسخن يوم في التاريخ بينما لشمس أخرى مشابهه لشمسنا ولو كتب الله سبحانه وتعالى عمر مديد للكون يصل إلى خمسة بلايين سنة قادمة، عندها تصبح تلك الشمس العجوز على مشارف مرحلة النهاية لوجودها وتتحول لنجم (العملاق الأحمر). لو حصل هذا الأمر لشمسنا وتمددت كما يتوقع علماء الفيزياء الفلكية لتصل إلى موقع قريب من مدار القمر وعليه سوف تكون حرارة سطح الأرض أشبه بالجحيم وعندها بالقطع سوف تقع لحظة (أحرّ يوم طلعت عليه الشمس).

 

( غموض الجريمة السياسية .. إسقاط طائرة الرئيس أنموذجا )


د/ أحمد بن حامد الغامدي

  بعد مرور أسبوعين على حادثة سقوط الطائرة المروحية للرئيس الإيراني إبراهيم رئيسي، وبعد مرور حوالي عشرة أشهر على إسقاط الطائرة المروحية للزعيم الروسي المنشق بريغوجين قائد قوات مرتزقة فاغنر الروسية، وبعد مرور كل هذا الزمن لم تتبين أي معلومة مؤكدة عن أسباب سقوط هذه الطائرات، بل حتى الآن لم يذكر هل تم انتشال (الصندوق الأسود) لهذه الطائرات المحطمة وما هي المعلومات التي استخرجوها منها. وهذا في جانب منه يوضح لماذا في العادة من أفضل وسائل الاغتيال السياسي لقادة الدول استخدام عمليات التفجير في الجو، لما في ذلك من ضمان تصفية الهدف المطلوب وكذلك لمحو أغلب وأهم الأدلة من مسرح الجريمة والمتمثلة في آلاف القطع المبعثرة على مساحة شاسعة من الأرض.

في الواقع في العديد من حالات إسقاط (الطائرة الرئاسية) ومع ارتطامها بسطح الأرض يثار غبار كثيف من الشك والغموض حول طبيعة تلك الحوادث الجوية هل هي مفتعلة أو طبيعية. فمثلا حادثة سقوط طائرة الرئيس الباكستاني ضياء الحق في عام 1988م قد تكون بالفعل ناتجة بسبب خلل فني وليست من جراء تخريب متعمد للطائرة وربما ما يؤكد ذلك أنه نتج عن تلك الحادثة ليس فقط مصرع الرئيس الباكستاني، ولكن أيضا من كان بصحبته في تلك الطائرة وهم السفير الأمريكي وكذلك رئيس البعثة العسكرية الأمريكية في باكستان ويصعب الاقتناع بأن بعض قادة الجيش الباكستاني أو المخابرات الأمريكية هم من قام بتلك المؤامرة. وفي المقابل نجاة الرئيس الفلسطيني ياسر عرفات من حادث سقوط طائرته في الصحراء الليبية في عام 1992م قد تكون بالفعل محاولة لتصفيته واغتياله بدليل مقتل ثلاثة من مرافقي أبي عمار وإن كانت تلك الحادثة أعلن في ذلك الحين أنها كانت مجرد محاولة للهبوط الاضطراري للطائرة المصابة بخلل فني. ونتيجة للحالة الضبابية هذه المصاحبة لإسقاط أو سقوط الطائرة الرئاسية للحكام وقادة الدول يتكرر أحيانا أن تكون مؤامرات ومخططات الاغتيال لرؤساء الدول تنفذ في هيئة سقوط طائرة الرئيس وذلك كمحاولة لتغطية تلك الجريمة السياسية. وللدلالة على ذلك تشير الإحصائيات أنه منذ بداية استخدام الطائرات في ثلاثينيات القرن العشرين كوسيلة للتنقل لقادة وحكام الدول حصلت حوالي 24 حادثة سقوط طائرة رئاسية. وفي المقابل وفي نفس تلك الفترة إي منذ ثلاثينيات القرن العشرين وحتى الآن بلغت حوادث اغتيال رؤساء وقادة الدول باستخدام السلاح الناري تقريبا أربعين حالة وكما هو معلوم تسلل شخص انتحاري لقتل رئيس دولة بمسدس أسهل بكثير من مؤامرة تخريب الطائرة الرئاسية أو إسقاطها بصاروخ.

خذ على ذلك مثلا أيه القارئ العزيز واقعة اغتيال الملك الأردني عبد الله بن الحسين عام 1951م وهو ذاهب لصلاة الجمعة في المسجد الأقصى، فتلك الحادثة ربما تمت دون تخطيط مسبق لأن القاتل الذي أطلق النار على الملك الهاشمي كان شابا مقدسيا صغير السن ويعمل خياطا تسلل حتى أقترب من هدفه بكل يسر لأنه لم تكن توجد حماية كافية حول الملك لأنه لم يتوقع أحد أن تقع جريمة في ساحات المسجد الشريف. بينما في المقابل وبالاتجاه شمال فلسطين للوصول إلى لبنان نجد أن عملية اغتيال رئيس الوزراء اللبناني رشيد كرامي عام 1987م عن طريق تهريب قنبلة إلى داخل طائرته المروحية وتثبيتها خلف كرسيه وتفجيرها بجهاز التحكم عن بعد، هذه المؤامرة المعقدة تحتاج لخيانة كبرى أو تعاون جهاز مخابرات دولي. خصوصا أن دولة الرئيس رشيد كرامي له ثقل سياسي كبير في لبنان لأنه تولى منصب رئاسة الوزراء لثماني مرات كما أنه من أسرة سياسية ذات وزن ثقيل فأبوه عبد الحميد كرامي وأخوه عمر كرامي شغلا كذلك منصب رئيس الوزراء ومن هذا وذاك نعلم أن عملية اغتيال شخصية ذات نفوذ سياسي راسخ عن طريق طائرة مفخخة عملية صعبة جدا.

وعلى كل حال وإن كانت الجريمة السياسية من خلال إسقاط طائرة الرئيس غالبا عملية شائكة إلا أنها أحيانا قد تكون مغرية لأن الفاعل ومرتكب تلك الجريمة قد يفلت من الاتهام ومن ثم العقوبة لأن (أجواء) العملية قد تكون مغيمة أو معكرة. والمقصود أن تصفية قادة الدول بعملية اغتيال بالسلاح أو تفجير سيارة مفخخة أو حتى بفرقة إعدام بعد انقلاب عسكري، كل هذه العمليات واضح أنها جريمة سياسية مكشوفة، ولكن التخلص من رئيس الدولة عن طريق إسقاط طائرته في أحوال جوية عاصفة قد يكون ذلك غطاء مناسبا لجريمة سياسية محبوكة. وكثيرا ما تمر علينا عبارة أن (الطائرة الرئاسية سقطت في ظروف غامضة) لأن الحدث حصل أثناء أحوال جوية عاصفة كما حصل قبل أسبوعين عند سقوط طائرة الرئيس الإيراني. ومن العاصفة الرعدية الماطرة في ليل إيران إلى العاصفة الرملية السافية في العراق حيث نشهد هذه المرة مصرع الرئيس العراقي عبد السلام عارف في مساء يوم 13 أبريل من عام 1966م والجدير بالذكر أن الطائرتين المرافقتين للطائرة المروحية الرئاسية العراقية وصلتا إلى مدينة البصرة بسلام بينما سقطت طائرة الرئيس ولهذا أثيرت الشكوك في العراق قديما كما حصل في إيران هذه الأيام بأن الحادث قد يكون مدبرا وليس بسبب سوء الأحوال الجوية جراء العاصفة الرملية.

والسبب في تكرار ظهور (نظرية المؤامرة) في تفسير سبب سقوط الطائرات الرئاسية راجع لحالة الاحتقان الداخلي في تلك الدول او نتيجة للصراع الدولي والخصام السياسي مع دول الجوار فهذا عبد السلام عارف كان في داخل العراق في حالة تنافس مع الشيوعيين والبعثيين وبينما في الخارج كان في حالة عداء مع إيران البهلوية في زمن الشاه. وهذه الأيام الجميع يعلم أن الرئيس الإيراني إبراهيم رئيسي في حالة تنافس داخلي مع ابن المرشد الأعلى مجتبى خامنئي، بينما في السياسية الخارجية دولته في حالة صدام مع الكيان الصهيوني. ومع ذلك ينبغي الإشارة إلى أن حالة التنافس والصراع الداخلي كثيرا ما تظهر كخلفية لنظرية المؤامرة عند تفسير حوادث سقوط الطائرات التي تحمل شخصيات سياسية ذات نفوذ عال هي على خصام مع حاكم الدولة. وخير شاهد على ذلك تلك الحادثة الغامضة لسقوط طائرة وزير الدفاع العراقي عدنان خير الله طلفاح بعدما ساءت العلاقة بينه وبين صدام حسين عام 1989م وكذلك حادثة سقوط طائرة وزير الدفاع المصري أحمد بدوي عام 1981م والتي يزعم البعض أنها كانت بموافقة وتدبير من قبل الرئيس أنور السادات!!.

 الطائرات المخففة وإعادة كتابة التاريخ

في كثير من الحالات تكون لحظة سقوط الطائرة الرئاسة هي نقطة فاصلة في تاريخ بعض الدول والشعوب كما حصل في عام 1994م عندما تسبب صاروخ في إسقاط طائرة تقل كلا من رئيس دولة راوندا والرئيس السابق لدولة بورندي وكان من تداعيات ذلك اندلاع الحرب الأهلية والمجازر المهولة والبشعة التي شهدتها رواندا وقضت على حوالي 800 ألف ضحية. ولهذا لا غرابة أن حوادث سقوط الطائرات التي ينتج عنها مصرع قادة الدول تحظى باهتمام واسع من وسائل الإعلام ومن الأشخاص العاديين كما تابعنا ذلك كلنا الأيام الماضية مع خبر سقوط الطائرة الرئاسية الإيرانية. ولكن في المقابل الحالات الفاشلة لمحاولة اغتيال رؤوسا الدول من خلال تفجير طائراتهم أو نجاة قادة الدول من الموت بعد سقوط طائراتهم أمر يكون مصيره أحيانا النسيان في غياهب الزمان وبطون كتب التاريخ.

في الواقع أدق التفاصيل التاريخية معلومة عن الرئيس النازي هتلر وأحداث الحرب العالمية الثانية لكن القليل منا مر عليه خبر محاولة اغتيال هتلر من خلال تفجير طائرته الرئاسية. في الواقع تعرض الرئيس النازي الأثيم هتلر لعدد من مؤامرات الاغتيال إحداها تلك التي كان من المفترض أن تتم في كبد السماء في أحد أيام شهر فبراير من عام 1943م عندما استطاع بعض قواد الجيش الألماني المعارضين لمغامرات هتلر الحربية من تهريب قنبلة إلى داخل طائرته الخاصة. تلك القنبلة تم تمويهها واخفائها داخل زجاجتي خمر فرنسي، ولكن للأسف لم يشتعل صاعق الشرارة الكهربائية spark بعد إقلاع الطائرة لتفجير القنبلة ولهذا لاحقا عرفت هذا المحاولة لاغتيال هتلر (بعملية الصاعق الكهربائي operation spark).

كم كان سوف يتغير تاريخ البشرية لو نجحت محاولة اغتيال الغازي النازي هتلر بإسقاط طائرته أو لاحقا تفجير مقر قيادته العسكرية في (وكر الذئب) تلك المحاولة الفاشلة (عملية فالكيري) التي تحتفل بها ألمانيا حتى الآن. وعلى نفس النسق ربما اختلف التاريخ المعاصر في كثير أو قليل لو نجحت عدة محاولات أخرى لاستخدام الطائرات الساقطة أو المفخخة لاغتيال قادة بعض الدول. وكما نجى رئيس ألمانيا النازية من محاولة اغتياله بالطائرة المتفجرة نجى كذلك الرئيس الأمريكي ريتشارد نيكسون من محاولة اغتيال نفذها متمرد أمريكي يدعى صموئيل بيك. ففي صباح يوم الجمعة 22 فبراير حاول ذلك الرجل اختطاف طائرة من مطار بالتيمور الذي يبعد حوالي 50 كيلومترا من مدينة واشنطن وكان الهدف الأساسي بعد اختطاف الطائرة أن يرتطم بها على مبنى البيت الأبيض وبهذا تتم تصفية الرئيس الأمريكي نيكسون وهو في عقر داره. ولكن ما حصل أن هذا المختطف بعد أن قتل أحد الحراس تم إطلاق النار عليه أثناء محاولة اختطاف الطائرة ثم انتحر لاحقا قبل القبض عليه. 

حادثة أخرى لسقوط طائرة كان من الممكن أن تغير التاريخ قليلا لكن ذلك لم يحصل وذلك عندما قام الملك البريطاني الحالي تشارلز الثالث في عام 1994م عندما كان وقتها يعرف بأمير ويلز بالسفر بالطائرة الملكية من لندن إلى إسكتلندا وقبل هبوط الطائرة أصر أن يقوم هو بإنزال طائرة والدته الملكة على مدرج المطار. صحيح أن الملك تشارلز وأخاه الأصغر أندرو كان كلا منهما طيارا يستطيع قيادة طائرة نفاثة حربية في حين أن ابنه الأمير هاري عمل كطيار لطائرة هليكوبتر عسكرية، ولكن هذا لا يعني أن الأمير تشارلز وهو يقترب من سن الخمسين عندما حصلت الحادثة كان في وضع بدني ملائم لقيادة طائرة مدنية ضخمة في أجواء عاصفة. طبعا التاريخ توقف هنا من غير مبالغات لأن أمير ويلز نجا من الموت في حين أنه لو لقي مصرعه في حاثة ارتطام طائرته الملكية لوقع إثارة الشائعات أن الحادث مدبر كما سوف تثار الإشاعات بعد ذلك بسنوات قليلة عندما تلقى زوجته السابقة الأميرة ديانا مصرعها نتيجة حادث سير شبه عادي. 

 

( روايات الخيال والفانتازيا وطيش الشباب )

 د/ أحمد بن حامد الغامدي

في الزمن الاستهلاكي المعاصر ويوما بعد آخر نجد أشكالا متجددة من الظاهرة السلوكية السيئة في دنيا التجارة المسماة (الشراء الاندفاعي impulse purchase). هذه الظاهرة السلوكية حيرت علماء النفس قبل علماء الاقتصاد فلماذا نجد بعض الأشخاص (العاقلين) فجأة يندفعون بتهور وبدون تفكير في شراء سلعة تجارية لا يحتاجونها بمجرد مشاهدة إعلان عنها أو بمجرد مشاهدة صف طويل من الناس يقفون في طابور لكي يحصل الواحد منهم على تلك السعلة (الكمالية غير المهمة).

البعض يفسر ظاهرة الشراء الاندفاعي بأنها نتيجة للحظة خلل في السلوك العاطفي وتعثر في عملية التفكير واتخاذ القرارات العقلانية أو بكل بساطة وبمختصر العبارة أنها لحظة غير رشيدة لإشباع حاجة النفس وإرضائها والهروب من الواقع الصارم. وبشيء من التشبيه والتبسيط خطر في بالي أن ظاهرة الشراء الاندفاعي في عالم المال والأعمال يمكن أن تساهم في تفسير الحادثة الغريبة والنادرة في واقعنا العربي والتي حصلت هذا الأسبوع في معرض الكتاب بمدينة الرباط المغربية عندما حصل ازدحام شديد وتدافع وإغماءات في حشود الشباب والمراهقين الراغبين في مقابلة الكاتب السعودي أسامة المسلم والحصول على إحدى رواياته الممهورة بتوقيعه والمسطرة بعبارات (أوتوقرافه).

التدافع والتزاحم والصراع لمحاولة شراء سلعة استهلاكية أو الحصول على توقيع مؤلف مشهور على كتاب أو رواية أمر مشهور ومتكرر في الدول الغربية ذات النزعة المادية فمن الظاهرة الاقتصادية (الشراء الاندفاعي) إلى الظاهرة النفسية والأدبية (الهوس الهاري بوتري Harry-mania) والمقصود بها حالة الهوس الجنوني برواية (هاري بوتر). وإذا كان رجال الأمن والسلامة في معرض الرباط للكتاب تدخلوا لإلغاء حفلة توقيع روايات أسامة المسلم بسبب التزاحم الشديد وحالات الإغماء، تجدر الإشارة أنه ربما كانت أكثر سلعة تم بيع أكبر عدد منها في يوم واحد هي الجزء السابع والأخير من سلسلة روايات هاري بوتر للكاتبة البريطانية واسعة الشهرة والثراء جي كي رولنغ. في يوم 21 من شهر يوليو من عام 2007م تم طرح الجزء الأخير من رواية هاري بوتير في منافذ البيع في أمريكا وبريطانيا وفي ذاك اليوم فقط تم بيع أكثر من 11 مليون نسخة. ولهذا بدلا من تنظيم حفلة توقيع للرواية الجديدة مفتوحة للجميع بالقطع كانت سوف تحصل بها مدعكة ومهلكة للشباب والأطفال الصغار المتدافعين لحضور حفل التوقيع. ولهذا حصل وبشكل مسبق طلب التسجيل لم يرغب في حضور الحفل الخاص بتدشين الرواية الأخيرة ولاحقا تم عن طريق القرعة اختيار 1700 شخص فقط تمت دعوتهم إلى متحف العلوم في وسط لندن لكي تقوم المؤلفة جي كي رولنغ بالتوقيع على النسخة الشخصية لكل واحد منهم.

ولاستيعاب الشعبية منقطعة النظير لروايات هاري بوتر تشير التقديرات إلى أنه تم بيع أكثر من 500 مليون نسخة من تلك الروايات خلال عشر سنوات من ظهور تلك السلسلة من الروايات الخيالية. بينما في المقابل أهم وأروع قصة مكتوبة باللغة الإنجليزية لأهم روائي عالمي وهي رواية (قصة مدينتين) لتشارلز ديكنز لم يتم خلال أكثر من قرن ونصف من زمن نشرها بيع أكثر من 200 مليون نسخة. بل إن الرواية الأكثر تشويقا والمناسبة لفئة الشباب اليافع وهي رواية (أوليفر تويست) لتشارلز ديكنز والتي تدور عن معاناة الطفل أوليفر داخل ملجأ الأيتام أو حياة الشوارع وعصابات الأطفال، لم يباع منها إلا 50 مليون نسخة فقط.

والمقصود أن كتب الروايات الأدبية التي تستهدف الشباب والمراهقين (تعرف هذه الفئة في لغة أهل المكتبات: بالشباب البالغين young adults) لها شعبية كبيرة ونسبة كبيرة في عملية مبيعات الكتب تصل لأكثر من 35 مليون كتاب سنويا في أمريكا وحدها وبقيمة مبيعات تقارب مبلغ 600 مليون دولار سنويا. بل إن الروايات المتخصصة في مجال الخيال والفنتازيا تشهد في السنوات الأخير إقبال منقطع النظير من قبل فئة الشباب لدرجة أن نسبة الزيادة السنوية في مبيعات تلك الروايات تزداد سنويا بحوالي 35% وهي زيادة هائلة مقارنة بأقرب فئة كتب واسعة الانتشار وهي الروايات الرومانسية التي تشهد زيادة سنوية بمقدر 25% فقط.

من هذا وذاك لا عجب أن نجد حالة من الطيش والنزق في تصرف وسلوك المراهقين في حفلات توقيع الروايات الجديدة مثل حالة السفه في استقبال كاتب روائي والتدافع لمشاهدته وكأنه نجم غنائي يخطف قلوب المراهقين كما يحصل في الحفلات الغنائية الصاخبة للفرق الموسيقية الشبابية الكورية.

قراءة المراهقين لروايات الخيال .. محاولة للفهم

على خلاف الشائع والذائع من تراجع السلوك الحضاري باقتناء وقراءة الكتب تشير الأرقام الإحصائية المنشورة من المواقع المتخصصة (مثل موقع statista) أنه عدد الكتب المباعة سنويا على مستوى العالم والدخل المالي من تجارة الكتب تتزايد بشكل سنوي ولا تنقص، بل إن نسبة الكتاب الورقي لم تتراجع كثيرا وأنها ما زالت في حدود السبعين في المئة. على كل حال نحن الآن في محاولة تفسير لماذا شباب الجيل الجديد (شباب الألفية) المتعود من نعومة أظافره على استخدام التقنية الإلكترونية ما زال يقبل بشغف على شراء الكتب في هيئة روايات الخيال العجائبي  والفانتازيا (ٍfantasy novels). لا نكشف سراً عندما نقول إن أهم ما يميز مرحلة المراهقة هي عقدة (إثبات الذات) ولهذا يميل الشباب الناشئ للإعجاب بالأبطال الصغار الذين يخوضون المغامرات ويحاول حل المشاكل والفوز بإعجاب الآخرين من خلال الصراع مع التنانين والجن والسحرة ومصاصي الدماء. الشاب الصغير أو المراهق بدلا من يتم إظهاره في صورة الطائش أو الكسول أو الساذج في الروايات الدرامية الجادة نجده في روايات الخيال والفانتازيا هو مخلص العالم في شخصية الطفل الساحر هاري بوتر أو شخصية الشاب فرودو في رواية سيد الخواتم أو الأطفال والأشقاء الأربعة الذين يساعدون الأسد الناطق أصلان في رواية مملكة نارنيا.

ومن القضايا النفسية للشباب المراهق ظاهرة أحلام اليقظة وهي قد تكون وسيلة لتحقيق الرغبات وإشباع الخيال وقد تكون سبيلا للهروب من الواقع خصوصا إذا كان مؤذيا ومزعجا. يعتقد أن الشباب صغير السن إذا كان في حالة قلق نفسي فقد يجد في قراءة رواية الخيال والفانتازيا نوع من التخفيف والهروب من ضغوط حياة المراهقة ولهذا ما أسهل أن ينجذب ذلك المراهق لرواية أدبية شيقة يستطيع بطلها الشاب مقاومة الصعاب والتغلب على الأعداء بسبب امتلاكه لقوى سحرية غرائبية. والجدير بالذكر أن أشهر وأهم الروايات الأدبية في مجال الخيال والفنتازيا تمت كتابتها زمن الأوقات العصيبة فمثلا رواية الكاتب البريطاني جي آر توكلين (ثلاثية سيد الخواتم) ذائعة الصيت والانتشار بعد أن بيع منها حوالي 150 مليون نسخة، نجد أنه كتبت أجزاء كبيرة منها أثناء سنوات الحرب العالمية الثانية وهي في أصلها انعكاس رمزي لتلك الحرب. أما ثاني أهم روايات الفانتازيا التي طبع منها حوالي 100 مليون نسخة وهي رواية (سجلات مملكة نارنيا) للمفكر والكاتب الإيرلندي سي لويس (بالمناسبة هو صديق مقرب من الروائي توكلين السالف الذكر كما أنه زميل له بجامعة أكسفورد) فتلك القصة أصلا تبدأ بإخلاء عشرات الأطفال من مدينة لندن عندما كانت تقصف من قبل النازيين في الحرب العالمية الثانية، وقد كان من ضمن أولئك الأطفال المهجرين الأشقاء الأربعة أبطال الرواية. بقي أن نقول إن (الأوقات العصيبة) التي تزامنت مع مخاض ولادة روايات هاري بوتر المدججة بالخيال كانت في نهاية القرن العشرين مع تزاد حالة الهلع من تعطل أجهزة الكمبيوتر في العالم كله بسبب مشكلة عام 2000 (Y2K bug). وفي واقعنا المحلي لن نستغرب كثيرا عندما نعلم كيف ساهمت حالة القلق والعزلة التي صاحبت جائحة كورونا في تحقيق جزء من نجاح الكاتب السعودي أسامة المسلم حيث إن أشهر رواياته مثل (الساحرة الهجينة) و (أجيج) و (أرض القرابين) ظهرت مباشرة بعد سنوات كورونا البائسة.

وفي الختام وبمختصر العبارة لكسب شريحة القراء الصغار من المراهقين والشباب يحتاج المؤلف الذكي وصائد الفرص أن يكتب عمل أدبي يخلط فيه بين الإثارة والغموض والمغامرة والرعب والخيال والرومانسية. مع مراعاة أن تكون الرواية طويلة ومن أجزاء متعددة ومكتوبة بأسلوب لغوي وفني ملائم لمدارك فئة الشباب وهنا في الغالب سوف يحصل ذلك (المنتج) الروائي على انتشار مقبول ومبيعات تجارية مربحة وهذا سر نجاح أي مؤلف المتخصص في روايات الخيال والرعب مثل أسامة المسلم السعودي وجوان كي رولنغ البريطانية وأحمد خالد توفيق المصري وستيفين كينج الأمريكي.

وقبل أن أغادر لا بد من أن أعترف بأنني في حيرة من أمري. فهل نفرح باندفاع المراهقين والشباب للقراءة حتى وإن كانت قراءة الروايات ضعيفة الجودة الأدبية وأن هذا قد يعودهم مع مرور الأيام للبدء في القراءة الجادة والهادفة. أم في المقابل هل ننظر للموضوع من زاوية أن قيام شاب مراهق بقراءة سلسلة ضخمة من الروايات المتصلة (عدد صفحات الأجزاء الثلاثة لرواية صخب الخسيف لأسامة المسلم 1405 صفحة، في حين مجموع صفحات الأجزاء السبعة لرواية هاري بوتر هو 3407 ورقه) هو في حقيقة الأمر فعل طائش، يحتاج الشاب الصغير من يوجه لصرف شغفه المبكر بالقراءة لأمر أكثر توازنا وفائدة و(رشدا).

 

( عضوية إسرائيل للأمم المتحدة .. المهزلة والتصحيح )

د/ أحمد بن حامد الغامدي

 في مثل هذا اليوم الحادي عشر من شهر مايو لعام 1949م حصلت الخطيئة الكبرى للجمعية العمومية للأمم المتحدة وذلك عندما صدر القرار برقم 273 المتعلق بقبول طلب الكيان الصهيوني المحتل للحصول على عضوية الأمم المتحدة. والمهزلة تتمثل وتكمن في عدة فضائح متعلقة بمسوغات هذا القرار فحسب نص القرار تستند الجمعية العمومية في موافقتها على تقدير أن ما يسمى مجلس الأمن يرى أن دولة إسرائيل محبة للسلام وتلك فرية واضح كذبها لأن جيش العدو الإسرائيلي وخصوصا مليشيا الهاجاناة والإرجون نفذت قبل ذلك بسنة واحدة فقط أي في عام 1948م نفذت ما لا يقل عن عشرين مجزرة ومذبحة ضد المدنيين العزل من أهل فلسطين أشهرها مذبحة دير ياسين ومجزرة الطنطورة.

المهزلة الثانية التي رافقت قرار الجمعية العمومية للأمم المتحدة عند إقرار قبول عضوية إسرائيل أنه ورد في نص القرار وصف الكيان الغاصب بأنه (قادر على تحمل الالتزامات الواردة في الميثاق وراغبة في ذلك) بمعنى أن على إسرائيل (احترام) ميثاق الأمم المتحدة. والمهزلة التي شاهدها العالم كله مساء أمس أن مندوب إسرائيل في الأمم المتحدة جلعاد إردان قام بالتعبير عن احترام بلادة لميثاق الأمم المتحدة وذلك من خلال تمزيق أوراق الميثاق الأممي أمام جميع وفود دول العالم في تصرف وقح وسافل سوف يخلده التاريخ كما خلد حماقة وسفالة الرئيس السوفيتي خورتشوف عندما ضرب بحذائه الطاولة في إحدى اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة.

المهزلة الثالثة التي حدثت أثناء مسرحية قبول عضوية إسرائيل لأمم المتحدة أنه أثناء النقاش والحوار حول طلب العضوية كان المطلوب من الكيان الغاصب ليس فقط أن يحترم ميثاق الأمم المتحدة، ولكن أيضا أن يظهر قبوله بالالتزامات الواردة في ميثاق الأمم المتحدة ومن ذلك قطعا القبول والإذعان للقرارات الصادرة من الأمم المتحدة. وفي جلسة المناقشة تلك سأل مندوب السلفادور في الأمم المتحدة مندوب إسرائيل أبا إيبان هل سوف تقوم إسرائيل بالتعاون مع الأمم المتحدة من أجل تفعيل قرار الجمعية العمومية رقم 181 (تدويل مدينة القدس) والقرار رقم 194 (إعادة اللاجئين الفلسطينيين). وقد كان رد المندوب الإسرائيلي في تلك الجلسة أبا إيبان (المشهور بعبارته الوقحة: العرب لا يفوتون فرصة في تفويت أي فرصة) فيما يتعلق بواجب إسرائيل عن تنفيذ قرارات الأمم المتحدة أنه تجاهل تماما الرد على السؤال الأول (الموافقة على تدويل القدس) في حين أنه في رده على السؤال الثاني عن حق عودة اللاجئين أعطى إجابة ضبابية غير ملزمة. وهذا يعني أنه من وقاحة الكيان الإسرائيلي أنه لم يجامل ولم يراوغ في إخفاء تصميمه منذ البداية على عدم احترام الميثاق وعدم الالتزام بتنفيذ قرارات الأمم المتحدة.

أما المهزلة الرابعة التي صاحبت القبول لطلب عضوية إسرائيل في الأمم المتحدة أنه كان من المفترض حسب قرار الأمم المتحدة المشؤوم الصادر عام 1947م والذي سأل عنه مندوب دولة السلفادور (قرار رقم 181) المشهور باسم (قرار تقسيم فلسطين) إلى دولتين دولة عربية ودولة عبرية يهودية لذا كان من المفروض عند النظر في طلب إسرائيل للحصول على العضوية أن يكون ذلك مرتبطا بالحتمية المنطقية أن تطرح كذلك مسألة قبول عضوية الدولة الفلسطينية في الأمم المتحدة.

على كل حال كل هذه المهازل والفضائح التي صاحبت الموافقة على طلب عضوية إسرائيل للأمم المتحدة قبل 75 سنة تم (تصحيحها) جزئيا من خلال التعكير والتنكيد على الاحتفالات اليوم السبت 11 مايو في إسرائيل بمناسبة مرور (اليوبيل الماسي) بمرور 75 سنة على انضمام إسرائيل للأمم المتحدة والاعتراف بشرعيتها في الوجود من قبل المجتمع الدولي. فكما هو معلوم حصل مساء أمس الجمعة 10 مايو صدور قرار من الجمعية العمومية للأمم المتحدة يدعم طلب عضوية فلسطين في الأمم المتحدة. ربما لأن يوم السبت هو إجازة رسمية في الأمم المتحدة ولهذا كان من الأفضل مناقشة هذا الطلب اليوم الحادي عشر من مايو بدلا من يوم الجمعة العاشر من مايو ولو حصل ذلك لكانت تلك رسالة بالغة الأهمية والوضوح من قبل المجتمع الدولي لقادة الكيان الغاصب وهم يحتفلون باليوبيل الماسي للمهزلة التي حصلت في قاعة الجمعية العمومية في عام 1949 ميلادي.