السبت، 13 ديسمبر 2025

( غزوة الصناديق من عمدة لندن إلى عمدة نيويورك )

د/ أحمد بن حامد الغامدي

السبت 1447/5/24

 في بداية دراستي لدرجة الدكتوراة في بريطانيا في عام 1997م عاصرت الحدث السياسي المميز والبهيج للجالية الإسلامية وذلك عندما نجح في ذلك العام السيد محمد سروار الباكستاني الأصل لكي يصبح أول سياسي مسلم ينتخب لدخول البرلمان البريطاني وبالتالي كان أول عضو برلمان يسمح له بأن يقسم يمين الولاء على القرآن الكريم بدلا من الكتاب المقدس. ومن عام 1997م وحتى يوم 4 من نوفمبر لعام 2025م عندما أنتخب السيد زهران ممداني لمنصب عمدة مدينة نيويورك جرت تحت الجسر مياه غزيرة ومتدفقة فيا يخص التمثيل السياسي للعرب والمسلمين في الحياة السياسية في الدول الغربية. فخلال هذه الفترة الزمنية القصيرة نسبيا في العمر السياسي للأحزاب والحكومات نجد أنه حصل على عضوية البرلمان البريطاني 37 شخصية سياسية مسلمة وعربية كان من أخرهم العام الماضي النائبة اليمنية الأصل ابتسام محمد. بل وصل الأمر إلى أن أصبح السيد أنس سروار (وهو ابن النائب محمد سروار سالف الذكر) هو أول مسلم يتولى زعامة حزب سياسي بريطاني كبير وعريق هو حزب العمال الإسكتلندي وليس هذه وحسب بل إننا نجد أن السياسي المحنك حمزة يوسف الباكستاني الأصل ليس فقط يتولى زعامة الحزب القومي الإسكتلندي بل أصبح في عام 2024 رئيس وزراء إسكتلندا وهذه أول مرة في التاريخ الأوروبي كله يصل شخص مسلم لمثل هذا المنصب الحكومي الرفيع.

وبالمناسب أو أن أشير إلى أن الوزير العراقي ناظم الزهاوي الذي تولى عدد من المناصب العليا المرموقة في عدد من الحكومات البريطانية مثل وزير المالية وكذلك وزير التعليم وأيضا وزير الصناعة نجده هو الآخر يصل لمنصب سياسي بارز حيث تولى مهام رئيس حزب المحافظين والذي يعتبر أهم وأقدم حزب سياسي بريطاني. والجدير بالذكر أنه عندما تم إجبار رئيس الوزراء البريطاني الأسبق بوريس جونسون على الاستقالة في صيف عام 2023 أثيرت عدة تكهنات وإشاعات عمن سوف يتولى بعده وعندها تردد اسم الوزير العراقي ناظم الزهاوي أنه من الأشخاص المرشحين لخلافة بوريس جونسون في منصب رئيس الوزراء قبل أن تستقر الأمور على اختيار السياسي الهندي الأصل ريشي سوناك.

ومن هذا وذاك ومن تعدد وتنوع المناصب السياسية والبرلمانية والحزبية لرجال السياسية المسلمين والعرب في الجزر البريطانية أعتقد أنه ليس بمستغرب أن نعرف أن عمدة مدينة لندن حاليا هو السياسي الباكستاني المخضرم صادق خان الذي كان في عام 2009م أول مسلم ينضم لمجلس الوزراء الإنجليزي في منصب وزير النقل والمواصلات. ومن الأمور السخيفة المتعددة التي تصدر عن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب كان منها خطابة أمام الأمم المتحدة في الصيف الماضي والذي فاجأ الجميع عندما تعرض لعمدة لندن صادق خان وقال عنه أنه شديد السوء وإن مدينة لندن في عهدة تسير نحو تطبيق قانون يستند إلى الشريعة الإسلامية. الجدير بالذكر أن عمدة لندن المسلم السير صادق خان الذي يريد أن يسخر منه ترامب ويحط من شأنه هو العمدة الوحيد في تاريخ هذه المدينة العريقة الذي تم انتخابه ثلاث مرات متتالية منذ عام 2016م وهذا يعني أن صادق خان في هذا المنصب منذ لحظة تولي ترامب لمنصب الرئاسة الأمريكية

 في فترته الأولى لكن مسيرة ترامب انقطعت ومسيرة خان متواصلة.

ومن عمدة لندن المسلم الباكستاني سوف نسوق الحديث إلى عمدة نيويورك المسلم الهندي زهران ممداني الذي يصفه الرئيس ترامب بأنه (شيوعي) كما أنه هدد قبل انتخابه أنه في حال فاز بمنصب عمدة نيويورك ولم يتعاون مع مسؤولي الهجرة الفيدراليين فإن ترامب سوف يعتقله كما توعد ترامب ممداني في تصريح سابق بأنه (سأراقبه بعناية فائقة نيابة عن الأمة). وكما أراد ترامب أن يهين ويشوه سمعة عمدة لندن أمام حشود الأمم المتحدة وسرعان ما جاء الرد من رئيس الوزراء البريطاني كير ستارمر الذي قال إن وصف عمدة مدينة الصادق خان بأنه (رجل صالح جدا) فكذلك سرعان أفرزت مساعي ترامب في تشويه سمعة زهران ممداني بنتائج عكسية حيث حقق انتصارا مدويا وأحدث زلزال سياسي هائل في أمريكا.

من غزوة مانهاتن إلى غزوة الصناديق

سبق أن ذكرت أنه تم انتخاب السيد محمد سروار كأول مسلم في البرلمان البريطاني وذلك عام 1997م وبعد سنة من انتخابه لا أعلم أي شيء عن كفاءته في كنائب برلماني، ولكن ما يهم هو تقبل المجتمع البريطاني للجالية المسلمة. ثم حصل أن تم في صيف عام 1998م عرض الفيلم الأمريكي (الحصار The Siege) والذي يعطي صورة مغايرة ومعاكسة لتقبل المجتمعات الغربية للجالية المسلمة حيث يدور الفيلم عن قيام بعض المسلمين في أمريكا بعمليات تخريب إرهابية. وبحكم أن أحداث الفيلم تدور في مدينة نيويورك لذا تم تجميع جميع أفراد الجالية المسلمة من أحياء المدينة واعتقالهم في ملعب لكرة القدم وحصارهم بشكل مهين ومخالف لحقوق الإنسان. وفي الواقع في وسط المنطقة التجارية في مدينة لفبرا البريطانية التي كنت أدرس بها درجة الدكتوراه، كانت توجد دار كبيرة للسينما ولقد كنت دائما أشاهد الإعلانات الجدارية الضخمة لذلك الفيلم الهوليودي المثير للجدل. ومع أجواء الصيف المنعشة كثيرا ما كنت أمر على منطقة المشاة بالقرب من مبنى البلدية ودار السينما ولقد كان يدفعني الفضول وحب الاستطلاع للدخول لصالة السينما ومشاهدة ذلك الفيلم لكني خشيت من أي نظرة استهجان محتملة من الجمهور الإنجليزي لشخص مسلم يدخل لمشاهدة فيلم أمريكي يشوهه سمعة العرب والمسلمين ويصور مشاهدة اضطهادهم وإهانتهم.

وعلى ذكر مدينة نيويورك وتعرضها لعمليات تفجير وهجمات تخريبية مثل المحاولة الأولى الفاشلة لتدمير برجي التجارة العالمي في سنة 1993م أو الهجوم الجوي بالطائرات (غزوة مانهاتن) وإسقاط البرجين في عام 2001م لذا لا غرابة أن نجد شرائح واسعة من سكان نيويورك لهم شعور سلبي ونفور متأصل من العرب والمسلمين. وبالعودة لمدينة لندن التي حصلت بها تفجيرات إرهابية هائلة في السابع من يوليو عام 2005م وأسفرت عن مصرع 52 شخصا وإصابة المئات ومع ذلك كانت المجتمع اللندني متسامح نسبيا بدليل انتخاب شخص مسلم لتولي مهام عمدة لندن وتكرار إعادة انتخابه لثلاث مرات. علما بأنه في النظام البريطاني فإن عمدة لندن هو المسؤول الأول عن إدارة شرطة العاصمة وهذا يعطي مؤشر واضح أن الشعب الإنجليزي سرعان ما تجاوز مخاوفه وشكوكه من الجالية المسلمة لدرجة أنه أصبح يثق في شخص مسلم بأن يتولى مهام حساسة جدا تتعلق بحماية أهل لندن.

بينما عجرفة أهل نيويورك الذين يطلق عليهم (النيويوركيون New Yorkers) وهم سكان الأصليين لمدينة المال والأعمال والأغنى في العالم والذين يتفاخرون بأنه لهم هوية مختلفة نسبيا عن بقية الشعب الأمريكي ولهذا النيويوركي إذا تعرض للإهانة والاعتداء صعب أن ينسى وأن يسامح (forget and forgive). وهنا ليسمح لي القارئ الكريم أن أذكر قصة شخصية حدثت لي وهي أنني قبل سنوات كنت في زيارة سياحية لمدينة نيويورك وكان من برنامج الزيارة الذهاب في رحلة بحرية بالقوارب السياحية التي تقترب من تمثال الحرية وكذلك تمخر عباب خليج هيدسون بين مانهاتن ونيوجيرسي. ولمدة أكثر من ساعة كان المرشد السياحي يعطي معلومات شيقة ومتدفقة عن المعالم السياحية في تلك المنطقة ويوزع نظراته على العشرات من السياح الموجودين على سطح القارب. وفي الجزء الأخير من برنامج الإرشاد السياحي عن جزيرة مانهاتن بدأ المرشد السياحي وبصوت متهدج يصف ذكريات أهل نيويورك عن كارثة سقوط البرجين وهجمات 11 من سبتمبر وبعد أن كان سابقا يوزع نظراته وحديثه على جميع السياح أحسست أنه في ذلك الجزء من الكلام عن مأساة نيويورك مع غزوة مانهاتن كان يطيل النظر أكثر لي أنا الرجل العربي الملتحي وإلى زوجتي المحجبة وكأنه يقول: لن ننسى من تسبب في ذلك الاعتداء الصارخ على مدينتنا الحبيبة. ولهذا الأسبوع الماضي عندما تم انتخاب الرجل المسلم الملتحي زهران ممداني كان من أوجه استغرابي هو كيف تغير مزاج النيويوركيون New Yorkers لدرجة أنهم انتخبوا عمدتهم الجديد شخص من الديانة والعرق البشري التي خرج منها أشخاص تسببوا في تمريغ تلك المدينة في التراب والغبار حرفيا.

أمر آخر أن عدد اليهود في مدينة نيويورك يزيد عن المليون ونصف المليون ولهذا يقال إن الجالية اليهودية النيويوركية هي الجالية اليهودية الأكبر خارج دولة الكيان الإسرائيلي وهذا أمر لمسته بنفسي فهي المدينة الوحيد التي يمكن أن تشاهد فيها وفي مكان اليهود المحافظين بلحاهم الطويلة ونسائهم المحتشمات. والغريب أن عمدة نيويورك المسلم الملتحي زهران ممداني المؤيد لغزة بشكل واضح والذي صرح بأنه سوف يعتقل رئيس الوزراء النتن ياهو لو زار مدينة نيويورك ومع ذلك نجح هذا الشخص الصريح في كسب ثلث أصوات اليهود الذين يحق لهم الانتخاب في مدينة نيويورك. وهذا يعني أن (غزوة الصناديق) التي أوصلت ممداني لمنصب عمدة نيويورك ساهم فيها مئات الآلاف من اليهود وهذا أكثر بكثير من عدد العرب والمسلمين الذين ليس لهم وجود كثيف وقديم في مدينة نيويورك مثلهم مثل السيد ممداني الذي لم يحصل على الجنسية الأمريكية إلا قبل سنوات معدودة وهنا المفارقة الثانية فعمدة نيويورك الجديد ليس من السكان الأصليين ولذا هو حسب التعريف الشائع لا يستحق لقب (النيويوركي The New Yorker). 

الجدير بالذكر أن (غزوة الصناديق) والتي حصلت الأسبوع الماضي وأوصلت زهران ممداني إلى منصب عمدة نيويرك لم تكن حدثا معزولا وخاصا بمدينة نيويورك ففي نفس ذلك اليوم الثلاثاء (4 نوفمبر 2025م) حصل بشكل متكرر انتخاب العديد من المسلمين والعرب المقيمين في أمريكا في العديد من المناصب السياسية والحكومية. هذا وقد أعلن مجلس العلاقات الأمريكية العربية (كير) عن فوز 38 مرشحا مسلما في مختلف انتخابات المجالس التشريعية ومناصب عمداء المدن وعضوية مجالس المدن في مختلف مدن الولايات الأمريكية. ونكفي أن نشير هنا إلى أن السيدة المسلمة غزالة هاشمي الهندية الأصل أصبحت أول امرأة مسلمة تنتخب لمنصب حكومي رفيع جدا حيث تولت منذ الأسبوع الماضي منصب نائب حاكم ولاية فيرجينيا الأمريكية وخلال الأسبوع الماضي تم انتخاب أربعة من المسلمين لتولي منصب العمدة لأربع من المدن الأمريكية.

من منصب العمدة لمنصب الرئيس

من الأمور الحكيمة والجميلة أن العديد من رجال السياسة العرب والمسلمين في الدول الغربية يحرصون على أن يشغلوا منصب العمدة لعدد من المدن الأمريكية والأوروبية فبالإضافة لعمدة لندن وعمدة نيويورك وعمداء المدن الأمريكية الأربع سالفي الذكر نجد أن المغربي أحمد أبو طالب انتخب لتولى مهام عمدة مدينة روتردام الهولندية والتركي أمير كير تولى منصب العمدة لإحدى المدن البلجيكية والباكستاني محمد أسد الزمان كان كذلك عمدة مدينة برايتون البريطانية. وفي الواقع بحكم أن منصب العمدة يحتم على رجال السياسة الحرص على خدمة سكان المدن الكبرى لهذا كثيرا ما يكون منصب العمدة هو البوابة التي يلج منها أهل الطموح إلى المعترك السياسي والانتخابي للفوز بالمناصب الحكومية العليا: رئيس الوزراء أو رئيس الدولة. بالنسبة لعمدة لندن الحالي صادق خان أتوقع أنه يعلم تماما أن رئيس الوزراء البريطاني الأسبق بوريس جونسون بدأ حياته السياسية عندما تولى منصب عمدة لندن. أما بالنسبة لعمدة نيويورك الجديد السيد زهراني ممداني فإنني أود أن أنبهه وألفت نظره إلى أن ثلاثة من رؤساء أمريكا سبق وإن تولوا منصب عمدة المدينة وهم الرئيس أندرو جونسون (عمدة مدينة غرينفيل) والرئيس جروفر كليفلاند (عمدة مدينة بوفالو) والرئيس كالفن كوليدج (عمدة مدينة نورثامبتون). وعليه يجب ألا نتهاون بأي شخص يفوز في انتخابات عمدة مدينة كبيرة فهو بهذا مرشح للعب دور سياسي أكبر وأخطر كما حصل مع الرئيس الفرنسي جاك شيراك والذي بدأ مسيرته السياسية الحافلة بمنصب عمدة باريس وكذلك الرئيس التركي رجب طيب أوردغان والذي كما هو معلوم كان أول ظهور لافت له عندما تولى منصب عمدة مدينة إسطنبول.

وفي زمننا الحالي تجدر الإشارة إلى أن رئيسة المكسيك السيدة كلوديا شينباوم التي تم انتخابها العالم الماضي لكي تكون أول امرأة في تاريخ المكسيك تصل لمنصب الرئاسة كانت قبل ذلك تشغل منصب عمدة العاصمة مكسيكو سيتي. وهذا يقودنا للإشارة كذلك إلى أن الرئيس الحالي لدولة السلفادور المدعو نجيب أبو كيلة والذي هو من أصول فلسطينية شغل هو الآخر قبل ذلك المنصب السحري (عمدة العاصمة) أي عمدة مدينة سان سلفادور. وبهذه المناسبة أود أن أشير أن العديد من رجال السياسية العرب في قارة أمريكا اللاتينية وصولوا لمنصب رئيس الدولة مثل كارلوس منعم رئيس الأرجنتين (ذو الأصول السورية) ورئيس البرازيلي ميشيل تامر (اللبناني الأصل) ورئيس الإكوادور عبدالله بو كرم من لبنان كذلك والرئيس العربي الثاني للسلفادور إلياس أنطونيو الفلسطيني الأصل.

وختاما هل يعني ذلك أنه من الممكن أن يحصل مرة ثانية أن تتسبب (غزوة الصناديق) في إيصال عمدة لندن صادق خان أو عمدة نيويورك زهران ممداني إلى كرسي الحكم في بريطانيا أو أمريكا في الحقيقة أنا أستبعد ذلك والعلم عند الله علما بأنه في حالة ممداني بالذات لا يسمح له دستور أمريكا بالترشح لمنصب الرئيس لأنه مولود خارج البلاد. ما زال الوقت مبكرا على أن تنتخب غالبية الشعب البريطاني رئيس وزراء مسلم كما أن أمريكيا في طول تاريخها منذ الاستقلال عن التاج البريطاني لم يحكمها إلا رجل مسيحي على المذهب البروتستانتي مع استثناء وحيد غالبا لن يتكرر (الرئيس جون كينيدي على المذهب الكاثوليكي). بل إنه ومع نفوذ اليهود الهائل في أمريكا لكن حتى الآن لم يتول منصب نائب الرئيس الأمريكي شخص يهودي فضلا عن أن يصل إلى سدة الحكم رئيس يهودي فما بالكم بالمسلم. 


 

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق