د/ أحمد بن حامد الغامدي
السبت 1447/6/15
الأسبوع الماضي فاجأتنا وسائل الإعلام والقنوات الفضائية بخبر ثوران بركان منطقة عفار الأثيوبية والذي أثار سحابة هائلة من الرماد تسببت في طمر مساحات واسعة من اليمن بالغبار وتوجد إشارات أن ذلك العفار الرمادي وصل إلى سلطنة عمان وجنوب المملكة بل وصل إلى حتى باكستان وتسبب في إغلاق حركة الطيران في سماء الهند. الجدير بالذكر أن هذا البركان (الخامد) ثار بعد فترة سحيقة من الزمن ظل فيها خامدا لمدة 12 ألف سنة أنه كان خامد منذ فترة العصر الجليدي الأخير. وبالرغم من أن بركان هايلي جوبي الأثيوبي يوجد في منطقة جيولوجية نشطة تقع في شمال الوادي المتصدع الكبير في شرق أفريقيا وهي المنطقة التي تعرف باسم (مثلث عفار) حيث تتقاطع ثلاث صفائح تكتونية. وبالرغم من أن أثيوبيا تحتوي في العادة على حوالي 50 بركانا صغيرا نشطا بعضها مصدر جذب سياحي ملحوظ ومع ذلك كان ثوران بركان هايلي جوبي حدثا مفاجئا ضخما لم يحصل له مثيل في سجل التاريخ الإنساني في منطقة شرق أفريقيا كلها حتى وإن كان جبل إلغون بين حدود كينيا وأوغندا هو أكبر جبل بركان خامد على سطح الأرض.
مصدر القلق في منطقتنا العربية من هذا النشاط البركاني الهائل أنه على بعد 15 كيلومترا من بركان هايلي جوبي يقع بركان أثيوبي نشط آخر يدعى أرتا إلية ثار في عام 2007م أي في نفس السنة التي حصل فيها ثوران بركاني خطير في أرض اليمن الشقيق. حدث في عام 2007م ثوران بركان جزيرة جبل الطير والذي كان يحتوي ثكنة عسكرية يمنية مما أدى إلى مصرع ثمانية جنود بسبب ذلك البركان الذي كان خامدا لمدة 124 سنة وهنا يظهر السؤال المقلق هل الهزات البركانية الهائلة في أثيوبيا تردفها وتتبعها هزات زلزالية وبركانية في اليمن وجنوب المملكة. فهل يمكن خلال الأيام أو الأسابيع وحتى الشهور القادمة نتوقع حدوث نشاط بركاني في الأراضي اليمنية أو داخل البحر الأحمر ربما هذا أمر محتمل في ضوء أنه في خلال أسبوع واحد فقط وأيام قليلة قبل وبعد اندلاع ثوران البركاني الأثيوبي في يوم 23 نوفمبر حصلت الأسبوع الماضي خمسة أنشطة بركانية في مناطق متعددة من العالم. ابتداءً من ثوران بركاني سيمرو في أندونيسيا في يوم 19 نوفمبر الحالي ومرورا بتجدد ثوران أحد براكين جزر هاواي في يوم 25 نوفمبر وفي نفس هذه الأيام الماضية حصلت ثورة لبراكين في المكسيك وكولومبيا في أقصى الغرب بينما في أقصى الشرق تحصل هذه الأيام المزيد من الأنشطة لبركان كامتشاتكا في روسيا الذي ظل خامدا لمدة 600 عام.
وهنا أكرر أن مصدر القلق من خطورة البراكين في منطقتنا العربية أن بعضها قريبا جدا من البركان الأثيوبي الثائر فإذا كانت البراكين المتباعدة في أقصى الشرق والغرب ربما دخلت في دورة تنشيط متزامنة لسبب أو آخر فهل يمكن أن يتسبب نشاط البركان الأثيوبي في توليد ضغط تنشيطي يؤدي إلى ثوران براكين اليمن الخامدة. بعض علماء الجيولوجيا يفضلون النظر إلى أن البراكين في الواقع مفصولة عن بعضها لأن لكل واحد منها غرفة صهارة الماقما الخاصة به ومع ذلك ينبغي ألا نغفل أنه أحيانا قد يشمل البراكين المتباعدة تنظيم عام واحد مثل سلسلة البراكين التي تسمى (حلقة النار Ring of Fire) التي تقع على أطراف المحيط الهادي. ومصدر القلق الثاني أنه خلال الأشهر القليلة الماضية ثارت براكين خامدة منذ أزمان سحيقة فكما ذكرنا البركان الأثيوبي عاد للثوران والنشاط بعد 12 أف سنة وبركان كامتشاتكا الروسي عادت له الحياة بعد 600 سنة وعلى نفس النسق يرصد علماء الجيولوجيا حاليا أن البركان الإيراني المسمى تافتان وبعد أن كان خامدا لمدة 700 ألف سنة عاود في الشهور الأخيرة يظهر مزيد من النشاط البركاني. بل الأخطر من ذلك أنه قبل أسابيع قليلة أظهر البركان المكسيكي بوبوكاتبتبيل ثورات بركانية بعد أن كان خامدا لمدة 80 سنة ووجهة الخطورة أنه يعتبر ثاني أكبر بركان في المكسيك كما أنه لا يبعد عن العاصمة الغاصة بعشرات ملايين السكان إلا بمسافة 70 كيلومترا.
مع وجود حوالي 2000 بركان خامد في شرق الجزيرة العربية ومع ذلك ما أود الوصول له من هذه المقدمة المطولة عن القلق من عودة ثوران البراكين الخامدة هو الإشارة إلى أحد أبرز البراكين الخامدة في منطقتنا العربية وهو بركان (قعر عدن) والذي ليس من فراغ يحمل لقب (بركان يوم القيامة) !!. من المحتمل أن هذا البركان نشاء قبل حوالي ستة ملايين سنة وآخر نشاط مرصود له حصل قبل حوالي ثلاثة آلاف سنة، ومع ذلك فإن هذا والخمود والخمول أشبه بالهدوء الذي يسبق العاصفة. بركان بوبوكاتبتبيل شبة الخامد يبعد عن العاصمة المكسيكية مسافة 70 كيلومترا في حين أن بركان فيزوف الشهير يبعد فقط 9 كيلومترات شرق مدينة نابولي الإيطالية في حين أن مدينة عدن تبعد (المسافة صفر) عن بركان قعر عدن لأنها في الواقع تقع مباشرة على حافة ذلك البركان. الجزء الجنوبي من مدينة عدن الساحلية يسمى منطقة (كريتر) وهي في الأصل لفظة مأخوذة من الكلمة الإنجليزية crater التي من معانيها (فوهة) البركان وبالفعل خرائط جوجل تبين فوهة أو حفرة هائلة في قمة الجبل يزيد قطرها عن ثلاثة كيلومترات. وللمقارنة لضخامة ذلك البركان الخامد يكفي أن نقول بأن أكبر بركان نشط حالي على وجهة الأرض يوجد في جزر هاواي وهو بركان (مونا لوا) والذي يبلغ طول قطر فوهته البيضاوية أقل من خمسة كيلومترات لكن عرضها أقل 2.4 كيلومتر بمعنى أنه لو حصل وثار بركان قعر عدن فإن فوهته الواسعة أو ما تسمى الكالديرا caldera بلغة أهل الجيولوجيا يمكن أن تقارب فوهات أكبر البراكين في التاريخ.
وهذا يقودنا إلى الدراسة الجيولوجية التي نفذتها الجمعية الجيولوجية البريطانية عام 1964 وترأسها العالم البريطاني إيان جاس Ian Gass من الجامعة المفتوحة بلندن ونشرت في عام 1968 في المجلة الفصلية للجمعية الجيولوجية والتي أثبتت عبر دراسة النظائر المشعة أن عمر بركان عدن يصل إلى ستة ملايين سنة. ويقال إن عالم الجيولوجيا إيان جاس نشر مقال آخر في المجلة الشعبية (Readers Digest) يزعم البعض أنه ذكر في ذلك المقال بأن انفجار بركان كراكاتاو في أندونيسيا الذي يوصف بأنه أقوى وأعنف ثورانا بركانيا في التاريخ البشري والذي بلغ قوته حوالي تفجير 100 قنبلة هيدروجينية، أن ذلك الانفجار البركاني الضخم بالمقارنة مع انفجار بركان عدن يعتبر مجرد ألعاب نارية !!. ويجب أن أعترف بأنني بحثت كثيرا عبر محركات البحث في شبكة الإنترنت عن هذا الخبر عن البرفسور إيان جاس وتوصيفه لبركان عدن بأنه أكبر وأخطر من بركان كراكاتاو ولكن لم أجد لذلك أي أثر يمكن الاعتماد عليه. ومع ذلك وجدت أنه بالجملة في علم البراكين لإحداث فوهة بركان قطرها واحد كيلومتر ربما نحتج إلى تفجير هائل طاقة حرارته تبلغ مليون طن من المادة المتفجرة تي إن تي (one megaton of TNT) وطبعا لإحداث فوهة ضخمة طولها أكثر من ثلاثة كيلومترات مثل فوهة بركان عدن يحتاج طاقة هائلة تزيد عن عشرات الملايين من الأطنان من مادة TNT (للمقارنة القنبلة الذرية على هيروشيما قوتها فقط 15 ألف كيلو TNT) وهذا يعني أن بركان (قعر عدن) لم يكن على الإطلاق بركانا تقليديا وإنما هو من نوع البراكين الفائقة أو الهائلة (supervolcanos).
ثورة البراكين وأشراط الساعة
قبل أكثر من عشرين سنة كنت أشهاد إحدى حلقات البرنامج الوثائقي هورازيون من إنتاج قناة بي بي سي البريطانية والذي طرح لأول مرة وبشكل إعلامي مصطلح البركان الهائل أو الفائق (Super Volcano) وهو البركان الذي يثور ويقذف الحمم أو الصخور والرماد بمقدار يزيد بآلاف المرات عن ثورات البركانية العادية. كان ذلك البرنامج الوثائقي يركز على المعلم السياحي الرائع في رحاب الطبيعة وهو ينابيع المياه الحارة في منتزه يلوستون الوطني في شمال ولاية وايومنغ الأمريكية والتي تبين أنها تقع تحت مجمع صهارة هائل جدا لحمم الصخور الذائبة أو الماجما وبالرغم أن آخر انفجار حصل لهذا البركان المريع كان قبل 640 ألف سنة إلا أن له نشاطا بركانيا متزايدا في السنوات الأخيرة. على كل حال تبين لي مع الزمن أن البركان الفائق في منتزه يلوستون ليس حالة نادرة وإنما توجد العديد من مواقع البراكين الفائقة والغريب أن بعضها هي مواقع جذب سياحية بامتياز فمثلا جزيرة سانتوريني اليونانية الخلابة بمنازلها البيضاء على الجرف الصخري هي في الأصل الضلع الشرقي من فوهة بركان هائل جدا حصل في أرخبيل بحر إيجة. وكذلك بحيرة توبو المذهلة في وسط الجزيرة الشمالية لنيوزلندا هي في الواقع بكل بساطة فوهة بركان بالغ الضخامة حصل منذ حوالي 26 ألف سنة.
بالمناسبة الفوهة البحرية أو الكالديرا لبركان سانتوريني في اليونان قطرها في حدود من 3 إلى 5 كيلومترات وهذا يعني أنها بالجملة في نفس طول بركان قعر عدن والسؤال الآن هل للبركان اليمني والبركان اليوناني نفس التأثير التدميري إذا اعتبرناهما من أمثلة البراكين الفائقة الثوران (supereruption). في الواقع بركان سانتوريني الفائق الذي انفجر قبل حوالي 3600 سنة دمر تلك الجزيرة وساهم بأمواج التسونامي التي ولدها في القضاء على الحضارة الميسينية اليونانية التي تعود للعصر البرونزي وكانت تسيطر على البحر الأبيض المتوسط. وعلى نفس النسق لو ثار بركان (قعر عدن) والذي يحمل لقب (بركان يوم القيمة) بنفس القوة التي بدأ بها قبل ستة ملايين سنة فهذا يعني أن هذا البركان الفائق القوة سوف يقضي على الحضارة الإسلامية في جنوب الجزيرة العربية. وهنا تجدر الإشارة إلى أن بعض العلماء يحاول الربط بين الحديث النبوي الشريف (تخرج نار من اليمن من قعر عدن تسوق الناس إلى المحشر) وبين احتمالية عودة ثوران بركان عدن في آخر الزمان وأن هذه النار ربما هي الحمم البركانية التي تنبعث من البركان وتجعل الحياة مستحيلة في اليمن ومن ثم تضطر البشر للهجرة شمالا إلى الحجاز ومن ثم إلى أرض المحشر أي أرض الشام. في الواقع أشراط الساعة وعلامات آخر الزمان من علوم الغيب ويصعب تحديدها بدقة لأنه ورد في ذلك الحديث النبوي أن تلك النار التي تخرج من قعر عدن تمشي مع الناس (تنزل معهم إذا نزلوا وتقيل معهم حيث قالوا) ولذا في الغالب أنها ليست الحمم البركانية التقليدية والله أعلم.
وعلى كل حال الرابط بين البراكين في جزيرة العرب وبين أرض الشام يقودنا للحديث عن ثورة بركان هو الوحيد الذي حصل في التاريخ العربي المعروف وبعضهم يربطه
بالحديث النبوي الوارد في الصحيحين من طريق الصحابي الجليل أبي هريرة (لا تقوم الساعة حتى تخرج نار من أرض الحجاز تُضيءُ أعناق الإبل ببُصرى). الجدير بالذكر بعض المؤرخين وأهل العلم الكبار في التراث الإسلامي طرحوا فكرة أن العلامة الصغرى ليوم القيامة وهي خروج النار من أحد أودية المدينة المنورة التي أضاءت لها أعناق الإبل في مدينة بُصرى الشام قد حصلت بالفعل في عام 654 هـ أي قبل سقوط بغداد على يد التتار بسنتين وكأن ذلك كان فأل شؤم. وهم طبعا يقصدون ثوران بركان جبل الملساء في حرة رهط جنوب شرق المدينة المنورة والذي امتدت حممه البركانية لمسافة 23 كيلومترا لتتوقف على بعد 9 كيلومترات فقط من المسجد النبوي.
وبالرغم من أن الإمام ابن كثير رحمة الله ذكر في كتابه (النهاية في الفتن والملاحم) بأن غير واحد من الأعراب ممن كان بحاضرة بُصرى شاهدوا أعناق الإبل في ضوء هذه النار التي ظهرت من أرض الحجاز. ومع ذلك هذا خبر عام منقول عن أشخاص شبه مجهولين ولم يتم توثيقه بشكل دقيق وحاسم والإشكال في قبول هذا الخبر أن المسافة بين المدينة المنورة وبين مدينة بُصرى الشام هي في حدود 1000 كيلومتر ونظرا لانحناء سطح الأرض وأنها غير مستوية فهذا يعني أن مدينة بُصرى تحت مستوى الأفق بالنسبة للمدينة المنورة وبالتالي تصعب الرؤية المباشرة للنار الخارجة من فوهة البركان من هذه المسافة الطويلة جدا. تجدر الإشارة إلى أن قطر فوهة بركان جبل الملساء في أطراف المدينة تبلغ فقط 250 مترا وهذا يعني أنه وفق تصنيف أنواع وأحجام البراكين يعتبر بركان المدينة المنورة من أبسط أنواع البراكين (هو من نوع بركان مخروط الرماد cider cone) أي أنه أقل بعشر مرات من حجم بركان قعر عدن الذي يؤهله اتساع قطر فوهته من نوع الكالديرا التي تزيد عن ثلاثة كيلومترات أن يصنف من البراكين الفائقة. من هذا وذاك أعتقد أن ثوران بركان جبل الملساء الذي حصل عام 654 هـ هو من الأنشطة البركانية العادية (وإن كانت نادرة جدا في التاريخ الحديث) ولن ترتفع نيران الحمم المتدفقة منه لمسافة كافية في السماء لكي تشاهد على بعد 1000 كيلومتر ولذا الغالب أن حمم ذلك البركان ليست هي المقصود بالنار التي تخرج من أودية الحجاز وأن ذلك يحصل فقط في نهاية الزمان والعلم عند الله.
بقي أن نقول قبل أن نغادر أنه ورد في بعض الأحاديث النبوية الشريف أن من أشراط الساعة أن يحصل في نهاية الزمان (الخُسوفات الثلاثة): خسف بالمشرق وخسف بالمغرب وخسف بجزيرة العرب. ومن الواضح أن هذه أحداث جيولوجية هائلة قد يحصل من جرائها دمار كبير ومصرع عدد كبير من الناس وهذا يقودنا مرة أخرى لفكرة البراكين الفائقة supervolcanos التي حدثت في الماضي السحيق في الجزيرة العربية ومن المحتمل بأنها سوف تحدث في مستقبل الزمان. وبهذه المناسبة أود أن أشير أن (الخسف) الموجود في شمال مدينة الطائف على بعد حوالي 254 كيلومتر المعروف محليا باسم مقلع طمية أصبح له تسمية أكثر دقة هي (بركان الوعبة). هذه الحفرة الهائلة أو الخسف الذي يبلغ قطرها حوالي ثلاثة كيلومترات وعمقها 380 مترا تشبه حفرة نيزك صحراء أريزونا ولهذا في بداية الأمر كان علماء الجيولوجيا يقولون بأن حفرة مقلع طمية هي حفرة هائلة تسبب فيها سقوط نيزك ضخم. ثم في السنوات الأخيرة تم ترجيح أن تلك الحفرة الهائلة عبارة عن كالديرا وفوهة بركان ضخم تشكلت قبل حوالي مليون سنة. وفي ضوء ما سبق ذكره عن بركان عدن وبركان الوعبة هذا شواهد جيولوجية دالة على أن جزيرة العرب بالفعل حصل بها الماضي السحيق براكين فائقة وربما من المحتمل قبل نهاية الزمان أن يتجدد بها حصول هذا النوع من (البراكين الفائقة) والعلم عند الله.

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق