د/ أحمد بن حامد الغامدي
السبت 1447/6/8
في الوقت الحالي تحتل تركيا المرتبة الرابعة عالميا من حيث عدد السياح الأجانب الذين يفيدون إليها سنويا حيث استقبلت في عام 2024م ما يفوق 61 مليون سائح وحسب تصريحات وزير السياحة التركي تشير التوقعات أن عدد السياح السعوديين في تركيا يلامس المليون سائح سنويا. وكما هو معلوم تعتبر مدينة إسطنبول ومنطق الشمال التركي وخصوصا مدينة طربزون من الوجهات السياحة المفضلة للسياح العرب والسعوديين ومع ذلك أتعجب أحيانا ممن يكرر الزيارة والسفر إلى تركيا لماذا لا يضعون في جدول برنامجهم السياحي زيارة مناطق ومعالم سياحية وتاريخية أخرى. لقد سبق لي أن زرت تركيا أربع مرات ويوم أمس عدت من زيارتي الخامسة لها ولهذا اقترحت على رفقاء السفر التكرم بالموافقة على زيارة مناطق ومعالم سياحية مختلفة لها ارتباط أكثر بالحضارة اليونانية العريقة أو الآثار الرومانية الفريدة الموجودة في أرض الأناضول أو آسيا الصغرى كما تعرف في كتب التاريخ القديمة.
لو كان الخيار بالكامل لي لفضلت دون تردد زيارة مدينة تركية غير مشهورة كثيرا لدينا تدعى مدينة (أفسس Ephesus) والتي تستحق لقب مدينة الأساطير بسبب المعالم الأثرية الساحرة التي حولها. في ضواحي مدينة أفسس يوجد جبل يدعى أنكيلوس وهو يحتوي على كهف يعتبر أبرز المواقع المحتملة لقصة أصحاب الكهف الواردة في القرآن الكريم وهي القصة الموثقة بشكل كبير في المصادر المسيحية السريانية باسم (قصة النائمون السبعة في أفسس) والتي ترد في ترانيم القديس يعقوب السروجي في تاريخ الكنيسة المسيحية. ومن الأمور التي تشجع على زيارة هذه المدينة الفريدة أنها موقع أحد (عجائب الدنيا السبعة) حيث يوجد فيها بقايا آثار معبد أرتيمس والذي يأتي في الترتيب الرابع في قائمة عجائب الدنيا السبع بعد أهرام الجيزة في مصر وحدائق بابل المعلقة في العراق وتمثال زيوس في اليونان. ولقب (مدينة الأساطير) لمدينة أفسس ليس فقط راجع لأن الأساطير الإغريقية القديمة تزعم أن تلك المدينة الفريدة تم بناؤها وإنشاؤها بواسطة الأمازونيات (نساء الأمازون المقاتلات الشرسات) ولكن كذلك لأنها مدينة الأسطورة الإغريقية الكبرى: حصان طروادة. في ضواحي مدينة أفسس يوجد الموقع الأثري الذي يجذب له علماء الآثار وعشاق الأدب الإغريقي الكلاسيكي وجموع السياح الذين يقودهم الفضول للوقوف على أطلال مدينة طروادة التي خلد قصتها الأسطورية الشاعر اليوناني الكبير هوميرس في أشهر وأهم قصيدة شعرية في كامل الأدب الغربي: ملحمة الإلياذة. ولهذا يمكن لعاشق الأساطير الإغريقية أن يلتقط الصور مع الحصان الخشبي الهائل (حصان طروادة) وأن يسير في دروب وأطلال طروادة (مدينة جناق قلعة التركية الحالية) حيث مشى ودرج أبطال الإغريق الكبار مثل آخيل وفيكتور وحيث انتهت قصة العشق الممنوع بين الشاب المتهور باريس وبين هيلين أجمل نساء بلاد الإغريق. وعلى ذكر الشاعر الإغريقي الكبير هوميروس وملحمته الشعرية الإلياذة ونظيرتها الأوديسة تجدر الإشارة إلى أنه ولد أصلا في مدينة غير بعيد عن مدينة أفسس ونقصد بذلك مدينة أزمير التركية والتي يقام فيها سنويا مهرجان دولي للشعر والفنون الأدبية (مهرجان هوميروس).
في الواقع كلا من مدينة أفسس ومدينة أزمير تقعان على السواحل الشرقية لبحر إيجة والذي يفصل تركيا عن الجزر اليوناني مهد الأساطير الإغريقية ولهذا لا غرابة أن نجد أن لمدينة أزمير تواجدا ملحوظا في تلك الأساطير اليونانية. المسافة الفاصلة بين مدينة أفسس ومدينة أزمير هي فقط 70 كيلومتر ولهذا إذا كانت الأساطير الإغريقية تزعم أن من أنشأ وأقام مدينة أفسس هن النساء الأمزونيات Amazons فكذلك الأساطير الإغريقية تحدد أن من شيّد وأسس مدينة أزمير هي ملكة الأمازونيات المدعوة سميرنا Smyrna ومن هنا نعلم لماذا كان الاسم القديم لمدينة أزمير هو (سميرنا أو سميرنه) والذي لم يتم تغييره إلى اسم أزمير إلا قبل حوالي مئة سنة فقط.
وقبل أن نغادر مدينة أزمير التي تلقب بلؤلؤة أو عروس بحر إيجة لعل من الملائم الإشارة أنه ليس فقط اسمها الذي تغير عبر الزمن، ولكن كذلك تغير موقعها ولهذا نحن نحتاج أن نشير إلى الأسطورة القديمة التي تفسير لماذا تغير مكان وموقع مدينة أزمير. من المحتمل أن الموقع الأصلي لمدينة أزمير (أو بمعنى أدق مدينة سميرنه) كان إلى الشمال من موقعها الحالي عندما تغير موقع المدينة في القرن الرابع قبل الميلاد حيث تقول الأسطورة إن الإسكندر الأكبر المقدوني عندما كان يصيد فوق جبل باغوس شعر بالتعب ولهذا نام في ذلك الموقع وهنا شاهد في المنام الإلهة الإغريقية نمسيس (ربة الأقدار) والتي أرشدته أن يغير موقع مدينة إزمير إلى جبل باغوس. وحتى يتأكد الإسكندر المقدوني من صحة هذه الرؤيا والمنام أرسل من يسأل عرافة معبد الإله الإغريقي أبولو وهنا قالت العرافة أن سعادة أهل سميرنه سوف تتضاعف ثلاث مرات إذا غير موقعها. بقي أن نقول إن ما يعزز عمق الأساطير الإغريقية في غرب تركيا في محافظة أزمير حاليا أنه كان يوجد في العصور القديمة معابد ضخمة لإلهة الصيد أرتميس في أفسيس ومعبد الإله نمسيس في أزمير ومعبد أبولو في مدينة ديديما Didyma الأثرية لمطلة على بحر إيجة والتي تقع على بعد 160 كيلومتر جنوب مدينة أزمير.
معلومة ذات صلة بالأساطير الإغريقية لعل من الملائم الإشارة لها وهي أن إلهة الصيد وإلهة القمر أرتميس هي الأخت التوأم لإلهة الشمس أبولو والذي هو كذلك إله الشعر وإله النبوة (ولهذا عرّفات أبولو Apollo’s oracles لهن معابد مشهورة في مدينة دلفي اليونانية ومدينة ديديما التركية) وكذلك أبولو عند الإغريق هو إله الشفاء والطب وهذا يقودنا إلى الأسطورة الإغريقية التالية المرتبطة بتركيا. في شمال مدينة أزمير وعلى بعد حوالي 120 كيلومتر تقع مدينة تركية صغيرة تدعى بيرغامون لها أهمية تاريخية كبرى لأنها كانت مقر إحدى أقدم المصحات الطبية في التاريخ والذي يعرف باسم (معبد أسكليبيوس) وهذا الأخير هو إله الطب عند الإغريق ولا غرابة أن نعلم أنه بزعمهم كان ابن أبولو إله الشفاء. في العصور القديمة كان المرضى من مختلف أنحاء المدن اليونانية يتوافدون إلى مدينة بيرغامون لكي يتم علاجهم في معبد أسكليبيوس وذلك أنهم بعد أن يغتسلوا في حمام المياه المقدس يطلب منهم النوم في ذلك المعبد وتقول الأسطورة إن إله الطب أسكليبيوس كان يأتيهم في المنام ويخبرهم بكيفية علاج أمراضهم. بقي أن نقول بأن هذا المعبد الإغريقي تحول مع الزمن لنقطة تجمع الأطباء وتحول إلى مستشفى حقيقي له شهرة واسعة لدرجة أن الطبيب والجراح الروماني البارز جالينوس مارس الطب لسنوات عديدة في هذه المدينة التركية الصغيرة. وهذا يقودنا للإشارة قبل أن نغادر منطقة غرب الأناضول أن الفيلسوف اليوناني المعروف أرسطو عندما غادر أكاديمية أفلاطون في مدينة أثينا سافر نحو الشرق واستقر هو الآخر لعدة سنوات في مدينة أفسس السالفة الذكر حيث افتتح له فيها أكاديميته الخاصة به قبل أن يمم شطره نحول مقدونيا ليتولى فيها مهام المعلم الخاص للشاب الإسكندر المقدوني الذي كما علمنا له ارتباطا أسطوريا بمدينة أزمير.
من معابد اليونان في تركيا إلى مساجد الأتراك في اليونان
أما وقد فُتحت سيرة الإسكندر المقدوني مرة ثانية فتجدر الإشارة إلى أن والده الملك فيليب الثاني قد حاول أثناء توسيعه للإمبراطورية المقدونية أن يحتل مدينة بيزنطة Byzantium (التي لاحقا سوف يتحول اسمها إلى القسطنطينية وتصبح عاصمة الإمبراطورية البيزنطية المسيحية). وهنا تقوم الأسطورة الإغريقية أنه في عام 340 قبل الميلاد قامت هيكاتي (الإلهة والربة الحامية للأسرة في الأساطير اليونانية) بحماية مدينة بيزنطة وذلك بتحذير سكانها من الهجوم الليلي الذي كان يخطط له فيليب الثاني وذلك بأن قامت بإضاءة السماء بالنور في أثناء الليل. ولهذا تم عبادة الإلهة هيكاتي في مدينة بيزنطة بأن أٌقيم لها تمثالا وهي تحمل مشاعل النور ومكان هذا التمثال في موقع حلبة سباق الخيل Hippodrome وهو تقريبا حول المسلة الفرعونية المشهورة الموجودة حاليا في ميدان السلطان أحمد في إسطنبول.
ومن العاصمة التاريخية للإمبراطورية البيزنطية أي مدينة القسطنطينية وعاصمة الخلافة العثمانية أي إسطنبول ننتقل الآن إلى العاصمة الحديثة للدولة التركية وهي مدينة أنقرة والتي هي الأخرى بدورها لها ارتباط بالأساطير الإغريقية. وبدون التوقف كثيرا عند معلومة أن مدينة أنقرة تم إنشاؤها على يد الإسكندر المقدوني في عام 333 قبل الميلاد، ولكن ما يهمنا هنا أن اسم تلك المدينة (أنقرة) مشتق من الكلمة الإغريقية Ankyra التي تعني المرساة (ومنها الكلمة الإنجليزية anchor أي مرساة السفينة). وسبب هذه التسمية وفق الأساطير الإغريقية القديمة أن الملك اليوناني القديم ميداس سمع أثناء النوم صوتا في الحلم يقول له (أبحث عن مرساة كبيرة في أرض مملكتك وشيد في ذلك المكان مدينة كبيرة. ستجلب لك هذه المدينة السعادة والرخاء). وبعد أن أمر الملك ميداس رجاله بالعثور على تلك المرساة بنى على التلة التي وجدوا فيها المرساة مدينة (أنقرة) ولهذا أخذت اسمها من لفظ كلمة المرساة باليوناني الفصيح (Ankyra). ولكن السؤال المهم هل بالفعل سوف تجلب تلك المدينة للملك ميداس السعادة والرخاء فلعل عشاق الأساطير الإغريقية ليس غريبا عنهم اسم (الملك ميداس King Midas) صاحب اللمسة الذهبية والذي يحول كل شيء يلمسه إلى ذهب وكيف انقلبت تلك اللمسة السحرية من مصدر سعادة ورخاء له إلى كارثة هائلة عندما لمس يد ابنته وحولها إلى ذهب وكذلك عندما مات جوعا وهو الملك الذهبي الفاحش الثراء لأن الطعام الذي يلمسه يتحول إلى ذهب.
في الواقع هذه الأيام ومع إجازة الخريف قمت أنا ومجموعة من رفقاء السفر وأخص منهم بالذكر الأستاذ عبدالإله القحطاني برحلة سياحية إلى تركيا وبعد الإقامة الماتعة في إسطنبول توجهنا جنوبا إلى مدينة أنطاليا الساحلية والتي تبين لي أن لها وللعديد من المدن والبلدات الصغير حولها لها ارتباط وثيق بتاريخ الحضارة اليونانية والحضارة الرومانية. وبما إننا في سياق الحديث عن (تركيا في الأساطير الإغريقية) لذا لعل من الملائم أن نختم بسرد أسطورة إغريقية تتعلق بمدينة أثرية صغيرة تدعى ليتون تقع جنوب مدينة أنطاليا. وفق قصيدة الشاعر الروماني أوفيدوس نفهم لماذا دعيت تلك المدينة الأثرية باسم (ليتون Letoon) وذلك لأن الأسطورة الإغريقية تقون أن الإلهة ليتو (ربة الأمومة والخجل) عندما حملت من كبير الإله زيوس خافت من غضب زوجته هيرا ولهذا هربت إلى جزيرة ديلوس لكي تضع حملها وتلد الطفلين التوأم: الذكر أبولو والأنثى أرتيمس الذي تكرر ذكرهما مرارا في هذا المقال. وتمضي الأسطورة لتصف كيف أن الإلهة ليتو وصلت بطفليها الصغيرين إلى موقع مدينة ليكا في جنوب تركيا وبالقرب من مدينة أنطاليا وهنالك وجدت نبع ماء وعندما أرادت أن تغسل أطفالها التوأم أبولو وأرتميس في ماء هذا النبع رفض القرويون ذلك وطردوا الأم ليتو من المكان. وهنا تقوم الأسطورة أن الإلهة ليتو غضبت من القرويين وحولتهم إلى ضفادع ولهذا لاحقا وفي نفس ذلك المكان تم بناء معبد خاص للإلهة (ليتو) وبالتالي أصبح هذا الموقع يعرف باسم مدينة (ليتون).
وفي الختام الرسالة التي أرغب في أن أوجهها وأن أوصلها للقارئ العزيز خصوصا إذا كان من محبي السياحة والسفر أنه ربما يكون من الأفضل تنويع وتغيير وجهات السفر بدل تكرار دولة واحدة أو مجموعة دول قليلة بشكل متكرر. وفي حال تكرار والسفر لدولة غنية بالمعالم السياحية مثل مصر وتركيا وإيطاليا والهند لماذا لا يحاول السائح في كل مرة أن يكتشف شيء جديد في تلك الدولة بدل إعادة تكرار نفس البرنامج السياحي في كل زيارة. في هذا المقال أعطيت فكرة لمنظور سياحي لدولة تركيا خلاف المعهود عنها والمقتصر بالاستمتاع بجمال الطبيعة في الشمال التركي أو زيارة المعالم التاريخية الإسلامية في إسطنبول. وعلى نفس النمط لو وجد شخص يكرر الزيارة لدولة اليونان مثلا فأنا أنصحه أن يبحث عن المواقع في أثينا ومدن اليونان التي لها ارتباط بالتواجد الإسلامي في اليونان والذي استمر لمدة قاربت من الأربعة قرون. ربما لا يعرف البعض منا أن أهم معلما سياحيا وأثري في اليونان هو معبد البارثينون على هضبة الأكروبوليس المطلة على مدينة أثينا كان يحتوي على مسجد عثماني صغير ظل موجودا لعقود زمنية طويلة أثناء الحكم العثماني لليونان. وبعد استقلال اليونان عن الإمبراطورية العثمانية تم إزالة ذلك المسجد من داخل البارثينون وكذلك حصل تم تدمير وطمس أغلب الآثار والمباني العثمانية بسبب حالة العداء والكراهية المشهورة بين اليونانيين والأتراك. وإن كان المسجد في أعلى الأكروبوليس قد تم إزالته بالكامل نجد أنه في منطقة الساحة التجارية الأثرية زمن الإغريق (المسماة الأجورا Agora وكانت كذلك نقطة تجمع الفلاسفة) في أسفل الأكروبوليس يوجد مسجد الفاتح تم قبل سنوات افتتاحه للزوار. وبالمناسبة أود أن أشير أن المسجد الوحيد العثماني الذي أغلق في اليونان ثم أعيد السماح باستخدامه كمسجد هو (مسجد السوق السفلي) في وسط أثينا والذي بعد سنوات طويلة من استخدام كسجن وثكنة عسكرية تم إعادة استخدمه كمسجد في عام 1966م وذلك خصيصا للملك سعود عندما كان يقيم في مدينة أثينا. ومن المعالم التاريخية العثمانية الموجودة في أثينا يمكن زيارة الحمام التريكي المسمى حمام عبيد أفندي وكذلك بوابة المدرسة الإسلامية وبعض القصور التركية.
وكذلك يزور مدينة سالونيك ثاني أكبر مدينة يونانية وبالرغم من أنها قديما كانت تعرف بمدينة المآذن إلا أنه أغلبها تم تدميره ومع ذلك يمكن زيارة مبنى مسجد إسحاق باشا كما يمكن زيارة بعض الحمامات التركية في سالونيك مثل حمام الباشا بل وحتى بعض المباني والقصور الحكومية (السراي). وعلى نفس النمط توجد العديد من المواقع الأثرية الإسلامية في جزيرة صقلية الإيطالية أو في جزر البحر الأبيض مثل قبرص وكريت ومالطا ورودوس وهي أماكن تاريخية ومعالم سياحية جديرة بالاستكشاف والزيارة كما هي جديرة المعالم الإغريقية الأثرية الموجودة في تركيا أن تعرف ويتم التنبيه عليها.

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق