الثلاثاء، 26 مايو 2026

( شهر مارس .. شهر الحروب والأعياد !!)


 د/ أحمد بن حامد الغامدي

 السبت 1447/10/9

 في تاريخ روما القديمة لشهر مارس الميلادي أهمية خاصة لأن الإله الروماني (مارس) كان يعبد ويبجل بصفته حامي مدينة روما كما كان يعتبر الأب الإلهي للتوأمين رومولوس وريموس مؤسسي مدينة روما مما جعله بالتالي أب الشعب الروماني ولهذا لا عجب أن الرومان القدماء كانوا يطلقون على أنفسهم (أبناء مارس). وفي ضوء أن مارس في الميثولوجيا الرومانية هو (إله الحرب) وهو كذلك (إله الزراعة) فلهذا مع نهاية الشتاء وبداية الربيع كانت تبدأ في شهر مارس مواسم الحملات العسكرية للإمبراطورية الرومانية لغزو البلاد والأقاليم القريبة والبعيدة على حد سواء. ونظرا لأن مارس كان ثاني أهم آلهة الرومان بعد والده جوبيتر كبير الآلة لهذا كان الكهنة وجنرالات الحرب يجتمعون في معبد مارس ألتور (Mars Ultor أي: مارس المنتقم) في قلب مدينة روما ويتضرعون إلى إله الحرب أن يرعى ويحمي جنود الإمبراطورية أثناء المعارك كما كان كهنة المعبد يهزّون رماح مارس المقدسة كإشارة لإعلان الحرب وهم يصرخون: مارس فيجيلا (استيقظ يا مارس).

هذا يا سادة يا كرام ما كان من حال (روما القديمة) مع شهر مارس أما حال ومآل (روما الحديثة) وهي العاصمة الأمريكية واشنطن مع شهر مارس وموسم الحملات العسكرية فيكفي أن نشير إلى أن وسائل الإعلام العالمية والمحللين العسكريين بل وحتى الذكاء الاصطناعي كانوا يتوقعون أن تبدأ الولايات الأمريكية ضربتها العسكرية ضد إيران في يوم 3 مارس (في الواقع تم التبكير بالهجوم في صباح يوم 28 فبراير للاستفادة من عنصر المفاجأة). وكذلك في العام الماضي وفي 15 من شهر مارس بدأت أمريكا قصفها الجوي وحصارها البحري على نظام الحوثي في اليمن. وعلى نفس النسق في تفضيل جنرالات روما القديمة تدشين الحملات العسكرية في شهر مارس نجد أن جنرالات البنتاغون في روما الجديدة يفضلون استهلال العلميات القتالية في شهر مارس خصوصا إذا كانت تلك الحروب الأمريكانية في منطقتنا العربية. فبالإضافة لما سبق ذكره عن موعد حرب أمريكا مع إيران أو مع الحوثي في شهر مارس نجد أن حرب الخليج الثالثة والتي انتهت بغزو العراق وإنهاء حكم صدام حسين بدأت هي الأخرى في يوم 20 مارس من عام 2003م وقل مثل ذلك عن العملية العسكرية لإزالة حكم الديكتاتور المجنون معمر القذافي حيث شنت القوات الأمريكية تحت مظلة حلف الناتو عملية عسكرية ضد ليبيا كانت بدايتها في يوم 19 مارس من عام 2011 ميلادي.

الجدير بالذكر أنه أثناء أحداث يوغسلافيا المحزنة واضطهاد المسلمين في البوسنة والهرسك وكوسوفو من قبل الصرب الحاقدين ربما ابتهجنا للعملية العسكرية التي نفذها سلاح الجو الأمريكي مرة أخرى تحت مظلة حلف الناتو عندما قام في يوم 24 مارس من عام 1999م بقصف بعض الأهداف العسكرية في العاصمة الصربية بلغراد وضواحيها وكذلك مواقع الجيش الصربي الهمجي داخل كوسوفو. وبالحديث عن العمليات الحربية الأمريكية في شهر مارس يجب أن نذكر أن واحدة من أهم وأشنع الحروب العدائية التي تورطت فيها أمريكا في العصر الحديث وهي حرب فيتنام بدأت كذلك في (شهر الحرب) أي في يوم 2 مارس من عام 1965م والغريب أنها انتهت كذلك في نفس هذا الشهر الدموي حيث انسحبت آخر القوات الأمريكية من فيتنام في يوم 29 مارس من عام 1973 ميلادي.

لا أدري هل احتاج أن ألفت نظر القارئ الكريم إلى طول مدة حرب فيتنام التي استمرت لمدة ثماني سنوات عجاف من 2 مارس 1965م وحتى 29 مارس 1973م والتي راح ضحيتها أكثر من ثلاثة ملايين فيتنامي ولقي فيها حوالي 60 ألف جندي أمريكي مصرعه في أرض غريبة وبعيدة عن تراب وطنه. وكالعادة كان الأباطرة والجنرالات في روما القديمة لا يأبهون كثيرا لمصير جنودهم وهو يزجون بهم في حروب متوالية في بلاد الغال وإسبانيا غربا إلى تخوم أرميننا وبحر قزوين شرقا وفي زمننا المعاصر نجد أن أباطرة البيت الأبيض وجنرالات البنتاغون في روما الجديدة لا يأبهون ولا يكترثون وهم يسوقون جنودهم كالقطيع ويزجون بهم في حروب عبثية شرقا وغربا ما بين فنزويلا وكوبا إلى إيران وفيتنام.

 أعياد الربيع والتحفيز على المقاومة والصمود

وبالعودة لتاريخ ارتباط شهر مارس بالحروب وشنّ الحملات العسكرية قد يكون من المنطق استغلال أشهر الشتاء الباردة للتجهيز للمجهود الحربي في حين يجب تجنب مواسم الصيف الحارة وعدم القتال فيها وهذا ما يعطى أشهر الربيع (التي تبدأ من شهر مارس) أهميتها القصوى في بداية مواسم القتال الحربي وغزو الأقاليم والبلدان الأخرى. وبالعودة مرة أخرى إلى إله الحرب (مارس) في الميثولوجيا الرومانية سبق وأن ذكرنا أنه يعتبر كذلك (إله الزراعة) عند الرومان ونظر لأنه يعتبر كذلك راعي الأرض والخصوبة والنماء لهذا ارتبط اسم الإله مارس ببداية فصل الربيع وكما هو معلوم فالظاهرة الفلكية التي تسمى (الاعتدال الربيعي) تحدث دائما في يوم 20 أو 21 مارس من كل عام. وبحكم أنه في كل الحضارات البشرية القديمة كان توجد أعياد واحتفالات بقدوم الربيع مثل (عيد النيروز) عند الفرس ومهرجان الألوان (عيد هولي) عند الهندوس وعيد (شم النسيم) عند الفراعنة وعيد عودة الإلهة الثعبان كوكولكان عند حضارة المايا في المكسيك وفي هذا السياق لا غرابة أن نجد أن لدى الإغريق والرومان كذلك العديد من الأعياد المرتبطة ببداية الربيع. ودون الوقوف كثيرا عند الأعياد الرومانية القديمة احتفالا ببداية الربيع مثل مهرجان هيلاريا أو عيد مارتيشور أو احتفال فلوراليا أو بقية أسماء الأعياد الغريبة مثل أنثيستيريا أو ماموراليا المخصصة لبهجة الربيع ما أود الوقف عنده هو عيد الربيع المسمى (التوبيلستريوم Tubilustrium).

هذا العيد الربيعي بالذات مخصص لعبادة إله الحرب والزراعة مارس وكان يقام في العادة في يوم 23 من شهر مارس لأسباب متناقضة هي الاحتفال بالربيع والخصوبة الزراعية وكذلك كنوع من التحفيز وبث الحماسة والبسالة في القتال والحرب من خلال جعل الجنود والجيوش في حالة تعبئة استعدادا للقتال تحت عناية ورعاية الإله مارس حامي الجيوش الرومانية. عيد التوبيلستريوم اسمه مشتقا من الكلمة اللاتينية Tuba والتي تعني (البوق) وهي كذلك أصل الكلمة الإنجليزية Trumpet الخاصة بآلة النفخ النحاسية الأنبوبية الطوية أي البوق. والمقصود أن كهنة معبد الإله مارس في بداية الربيع ليس فقط كانوا يهزون الرماح المقدسة وهم يصرخون (استيقظ يا مارس) بل كان يوجد كذلك فرقة من العازفين على الأبواق لتحفيز الجنود على القتال فليس فقط بقرع طبول الحرب يعلن عن الدعوة للاستعداد للقتال، ولكن كذلك من خلال أصوات (أبواق الحرب).

الغريب أن بهجة وجمال بداية موسم الربيع لم تكن عاملا محفزا على القتال في أرض الرومان فقط ولكن ربما كان الحال كذلك في أرض الفرس في بعض الفترات فكما سبق الإشارة إليه يعتبر يوم 21 مارس (أو 20 مارس في بعض السنوات) هو موعد حلول عيد النيروز والذي هو تاريخ الاعتدال الربيعي وكذلك مطلع ورأس السنة الفارسية الجديدة. والجدير بالذكر أن من أشهر طقوس عيد النيروز هو عادة (إشعال النيران) على رؤوس الجبال أو في الساحات العامة والغالب أن تلك العادة كان يقصد بها الابتهاج والاحتفال بـ (النصر) سواء كان في هيئة النصر على الأعداء في المعارك أو كرمز لانتصار النور على الظلام. وينبغي التنبيه أن لعيد النيروز رمزية دينية ورمزية فكرية لها معاني متعدد من أبرزها فكرة (التخلص من الظلم) فحسب الأسطورة المنتشرة في أرض كردستان عند بدايات عيد النيروز فإن الرجل البسيط كاوا الحداد قاد ثورة ضد الملك الظالم الذي كان يقتل شباب الكرد ليتغذى على أدمغتهم وكنوع من الانتقام استطاع ذلك الحداد عن طريق الحيلة أن يقتل الملك بضربه بمطرقته على أم رأسه ثم بعد ذلك أشعل النيران في قمة الجبل دلالة على نجاحه في تحرير شعبه.

في ظل ظروف الحرب التي نعيشها هذه الأيام المتمثلة في الصراع بين الصهاينة والأمريكان ضد إيران الصفوية ربما من الملائم الإشارة إلى تزامن عيد الفطر المبارك مع عيد النيروز هذه السنة في يوم الجمعة 20 مارس ولهذا حرص المرشد الإيراني الجديد مجتبى خامنئي توجه تهنئة للشعب الإيراني بالمناسبتين الإسلامية والمجوسية. وبحكم أن عيد النيروز يرمز كما ذكرنا للحرية والمقاومة فلذا لن أستغرب أن تقوم إيران الشيعية بتوظيف هذه المعاني المرتبطة بعيد النيروز بالصمود والتصدي ضد الهجوم الصهيوني والأمريكي عليها كما سوف تستخدم المفاهيم الشيعية المعروفة مثل مظلومية أهل البيت واستشهاد الإمام الحسين في وجه الاستكبار والظلم. الدراما سوف تتصاعد لو تم تسخين الشعب الإيراني بمناسبة عيد النيروز وتذكيرهم أنه في الميثولوجيا الفارسية القديمة كما ترد في الشاهنامة يعتبر عيد النيروز هو ذكرى جلوس الملك الأسطوري جمشيد على العرش بعد انتصاره على قوى الشر ممثلة في الروح الشريرة (أهريمان) التي يمكن استبدالها حاليا بكلمة (أمريكان).

 وفي الختام نسأل المولى عزّ وجل لدولنا وشعوبنا في الخليج العربي السلامة والأمن والأمان والله يجنبنا الفتن والحروب والفوضى وأن يرد كيد المعتدين وأن يضرب الظالمين بالظالمين ويخرجنا من بينهم سالمين. يؤثر عن أمير المؤمنين عمر بن الخطاب قوله (ليت بيننا وبين فارس جبلاً من نار لا ينفذون إلينا ولا ننفذ إليهم) وفي العصر الحديث تجددت اعتداءات حكومات إيران ضدنا من زمن الشاه الفارسي محمد رضا بهلوي الذي كان يرى نفسه شرطي الخليج إلى زمن ولاة الفقيه الشيعي الذي كان وما زال يسعى إلى تصدير الثورة واحتلال العواصم العربية الواحدة تلو الأخرى.

في الأيام الأخيرة تزايدت جرائم الاعتداء الإيراني على دول الخليج العربي وهو أمر متوقع ولهذا نأمل ألا تطول أيام حرب الخليج الرابعة كما طالت أيام حرب الخليج الأول (بين العراق وإيران) والتي استمرت لمدة ثماني سنوات وهو نفس عدد سنوات حرب فيتنام التي تورطت فيها الولايات المتحدة. في بداية هذا المقال أشرنا إلى أن حرب فيتنام بدأت في شهر مارس وانتهت في شهر مارس وعليه نأمل بمشيئة الله ورحمته أنه كما بدأت حرب إيران الحالية تقريبا في شهر مارس أن تنتهي في شهر مارس وان لا ترتكب الولايات الأمريكية حماقة الوقوع في مستنقع حرب طاحنة طويلة الأمد. في التاريخ الروماني القديم يقال إن أحد العرافين قام بتحذير الإمبراطور يوليوس قيصر قائلا له (حذاري من منتصف شهر مارس Beware the Ides of March) وطبعا إمبراطور روما القديمة تجهل هذا التحذير فكان مصيره أن تم اغتياله وطعنه بخناجر أعضاء مجلس الشيوخ الناقمين عليه. وها نحن ذا نحذّر إمبراطور روما الجديدة الرئيس ترامب Tramp أنك قد استمعت لتزييف الصهاينة الذين نفخوا في أبواق الحرب Trumpet لكي يجرونك للقتال في أرض النار (إيران) ومع ذلك لعلك تستمع قبل فوات الأوان لمن يحذرك منذ البداية عن عدم شنّ الحرب في شهر مارس. أيه الرئيس الأمريكي (حذاري من شؤم شهر مارس) فإن سلفك الإمبراطور الروماني فاليريان كان أول إمبراطور في تاريخ روما القديمة يتم أسره في الحرب حيث أهين ثم أعدم وذلك على يد الملك الفارسي سابور الأول.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق