الثلاثاء، 26 مايو 2026

( السردية التاريخية المسيسة .. اكتشاف أستراليا وتسمية أمريكا نموذجا )


 د/ أحمد بن حامد الغامدي

 السبت  1447/11/1

يوم غد الأحد الموافق 19 أبريل ربما يكون يوما عاديا في التاريخ وقد يكون أهم ما فيه خبر أو معلومة أنه في ذلك يوم 19 أبريل من عام 1777م تم اكتشاف أستراليا على يد القبطان والمستكشف البريطاني المشهور جيمس كوك.  وبالرغم من أن شيوع وصف القبطان جيمس كوك بأنه مكتشف أستراليا إلا أن هذه المعلومة يثار حولها لغط وجدال كثير كما يثار اللغط حول معلومة أن مكتشف أمريكا هو كريستوفر كولومبس. وفي تاريخ الرحلات البحرية والاستكشافات الجغرافية لا يستغرب أن يتم تكرار اكتشاف بعض الأقاليم الجغرافية المنعزلة مثل كندا وأستراليا وأمريكا والقارة المتجمدة الجنوبية على يد عدد من الشعوب أو المغامرين والرحالة من مختلف الجنسيات والدول. وهنا يظهر السؤال لماذا تكون دائما للغلبة للرحالة والمستكشفين الغربيين والأوروبيين في نسبة الفضل لهم في هذه الاكتشافات الجغرافية ويتهم هضم ونسيان أسبقية غيرهم من الشعوب.

من أسباب ذلك هو هيمنة الإمبراطوريات والدول الأوروبية في القرون الماضية مما رسخ من ظاهرة (المركزية الأوروبية Eurocentrism) والتي تعني أن الأوروبيين ينظرون بشكل متحيز للحضارة الغربية ولهم بهذا رؤية للتاريخ والعالم متمركزة عليهم فقط فالمعارف والأفكار والاكتشافات لا يعترف بها إلا إذا كانت عن طريقهم. ولهذا وفق ما يعرض في كتاب التاريخ المعاصرة فإن من (اكتشف) شلالات بحيرة فيكتوريا في وسط أفريقيا هو المغامر الأسكتلندي ديفيد ليفينغستون بالرغم من أن من هذه الشلالات معروفة منذ آلاف السنين لشعوب زامبيا والذين يطلقون عليها اسم: الدخان ذو الرعد (موسي وا تونيا). نفس هذه المهزلة تتكرر في محيطنا العربي عندما تزعم كتب التاريخ الأوروبية أن من اكتشف مدينة البتراء الأثرية في الأردن قبل قرنين من الزمن هو الرحالة السويسري يوهان بركهارت بالرغم من أن بدو العرب والأنباط لم يغادروا قط هذه المنطقة. ومن الوقاحة أن الغرب ينسبون لبركهارت أيضا بأنه هو من اكتشف معبد أبو سنبل الفرعوني الضخم في منطقة أسوان بجنوب مصر بينما هو في الواقع كان يتنقل كسائح بين هذه المناطق الأثرية ومسترشدا بالسكان المحليين الذين قادوه لها وعرفوه بها.

ومع كل ما في ظاهرة (المركزية الأوروبية) من الشطط والتعسف وانعدام الأمانة العلمية والتاريخية في الحكم على الوقائع التاريخية أو الأحداث السياسية إلا أنه من الغريب أن نجد مستوى إضافيا من الشطط والتحيز لدرجة أنه يمكن أن نرصد وجود ظاهرة يمكن تسميتها (المركزية الإنجليزية) أو حتى (المركزية الأمريكية). وهذا يعني أن السردية التاريخية وعملية التوثيق للوقائع التاريخية يتم تشكيلها وعرضها وتفسرها على هوى ومزاج الجنتلمان الإنجليزي أو الويسترن والكابوي الأمريكاني وهذا ولا شك يقلل من مصداقية السردية التاريخية عندما تصبح متأثرة بالسياسة والهيمنة الحضارية للدول الكبرى.

وبحكم أن يوم غد الأحد 19 أبريل يتوافق مع اليوم المزعوم لاكتشاف القارة الأسترالية إذ نجد أنه منذ القرن التاسع عشر (عصر سيادة الإمبراطورية البريطانية) وأغلب كتب التاريخ والجغرافيا ومراجع المعلومات العامة تشير إلى أن مكتشف أستراليا هو القبطان الإنجليزي جميس كوك في يوم 19 أبريل من عام 1777م بينما في الواقع من أول من أكتشفها من الأوروبيين كان البحار الهولندي ويليام جانزون في عام 1606ميلادي. وبحكم البحار الهولندي ويليام جانزون كان في الأساس يقود سفينة لشركة الهند الغربية الهولندية التي كان تستهدف اكتشاف مناطق تجارية جديدة ولهذا عندما وصل لشواطئ أستراليا أطلق عليها بكل بساطة اسم (هولندا الجديدة). تجدر الإشارة إلى أن شعوب المحيط الهادي (البولينيزيون) كانوا على علم مسبق وتواصل شبه مستمر مع أستراليا، بل حتى الحضارة الصينية القديمة كان لها تواصل قديم مع أستراليا لدرجة أن سجلات حديقة الحيوان الإمبراطورية في بكين تشير لوجد حيوان الكنغر فيها كما قام الأسطول البحري الصيني في عام 1422م بقيادة البحار المسلم المشهور تشنغ خه (المعروف عربيا باسم حجي محمود شمس) قام باستكشاف ورسم خرائط الساحل الشرقي لأستراليا قبل ثلاثة قرون ونصف من الاكتشاف المزعوم للقبطان جيمس كوك لأستراليا.

والمقصود أنه بسبب الصفاقة والعنجهية التي ينظر بها الغربيون والأوربيون لبقية شعوب وحضارات العالم لذا لم يكونوا يعترفون بأي فضل أو معرفة سابقة لهم ولذا من جراء (المركزية الإنجليزية) لم يعترف الإنجليز بأسبقية البحار الهولندي في اكتشاف أستراليا قبل جيمس كوك بأكثر من 170 سنة. بل توجد بعض الإشارات التاريخية إلى أن أول من شاهد ورصد السواحل الأسترالية هم البحارة البرتغاليون في حدود عام 1522م وذلك لأن الأسطول البرتغالي عندما احتل إندونيسيا في عام 1512م سمع البرتغاليين من السكان الأصليين بوجود جزيرة كبيرة في الجنوب من الأرخبيل الإندونيسي يسمونها (جزيرة الذهب) ولهذا تم أرسل سفينة برتغالية في مهمة سرية لاكتشاف تلك الجزيرة الأسطورية. وبالرغم من إن منطقة جنوب شرق آسيا كانت منطقة نفوذ للإمبراطورية البرتغالية كما كانت قارة أمريكا الجنوبية منطقة نفوذ للإمبراطورية الإسبانية (وفق معاهدة توردسيلاس التي وقعت في عام 1494م) إلا أن الإسبان حاولوا الوصول إلى القارة الأسترالية. وهذا ما حصل بالفعل عندما وصل المستكشف الإسباني والبحار لويس توريس إلى شمال أستراليا في عام 1606م (أي نفس عام وصول المستكشف الهولندي ويليام جانزون) واكتشافه المضيق البحري بين أستراليا وجزيرة غينيا الجديدة الذي عرف حتى اليوم باسم مضيق توريس.

من هذا وذاك تتبين لنا جناية تأثير السياسة في مجريات توثيق السردية التاريخية فبسبب التنافس الكبير في القرن الثامن عشر والتاسع عشر بين الإمبراطوريات الكبرى في القارة الأوروبية مثل بريطانيا والبرتغال وهولندا وإسبانيا وفرنسا رفض الإنجليز بكل غرور الاعتراف بأسبقية الدول الأوروبية الأخرى (فضلا عن الصين) في اكتشاف القارة الأسترالية. وبسبب نفوذ الإمبراطورية البريطانية وقوتها العسكرية والاقتصادية والحضارية أصبح أغلب الناس وحتى الآن يتقبلون المعلومة الخاطئة بأن أول من اكتشف أستراليا هو القبطان الإنجليزي جيمس كوك وهذا دليل على تأثير (المركزية الإنجليزية) في تشكيل الحقائق التاريخية المغلوطة، بل والمفبركة أحيانا.

 تسمية أمريكا راجعة للتاجر البريطاني أم الرحالة الإيطالي

منذ منتصف القرن السابع عشر إلى منتصف القرن الثامن وصلت حالة الصراع ذروته بين الأساطيل البريطانية والأساطيل الهولندية للسيطرة على طرق الملاحة البحرية في جنوب شرق آسيا ونتيجة لذلك نشبت سلسلة من الحروب البحرية بين بريطانيا وهولندا في بحر الشمال وفي بحر المانش (القنال الإنجليزي) بلغت أربع حروب منفصلة بدأت أولها عام 1652م وآخرها عام 1784م ونتيجة لهذا الاحتقان السياسي والنزاع الحربي نفهم لماذا قام الإنجليز بتحريف التاريخ وعدم الاعتراف بأن البحار الهولندي جانزون هو أول من أكتشف أستراليا. وعلى نفس النسق وفي ذات السياق وبسبب حرب الاستقلال الأمريكية عن التاج البريطاني يمكن أن نفهم لماذا لم يقبل الأمريكان أن ينسبوا فضل تسمية قارة (أمريكا) إلى التاجر البريطاني ريتشارد أميريكي (Richard Amerike) وقبلوا بكل أريحية أن تسمية (أمريكا) سببها تكريم المستكشف الإيطالي أميريجو فسبوتشي (Amerigo Vespucci).

في أبريل من عام 1777م زعمت بريطانيا أنها اكتشفت القارة الأسترالية وبالتالي كسبت أرض شاسعة جديدة، ولكن في الواقع أنه قبل ذلك بأشهر قليلة وبالتحديد في شهر يوليو من عام 1776م خسرت بريطانيا أهم مستعمراتها وذلك عندما تم الإعلان عن استقلال أمريكا وخسارة العرش البريطاني للقارة الأميركية الهائلة. في الواقع تلك المستعمرات على الساحل الشرقي من أمريكا ظلت لفترة طويلة تعرف باسم عام هو (المستعمرات البريطانية الثلاثة عشر) أو مستعمرات أمريكا البريطانية وبعد الاستقلال أصبحت تعرف لفترة مؤقتة باسم (المستعمرات المتحدة United Colonies) ثم بعد الاستقلال بأشهر قليلة ظهر الاسم المعروف (الولايات المتحدة الأمريكية). ولكن بالعودة لسبب تسمية القارة (الأمريكية) بهذا الاسم بالذات ربما تجمع كتاب التاريخ في أمريكا أن التسمية راجعه للبحار الإيطالي من فلورنسا (أميريجو فسبوتشي Amerigo Vespucci) والذي من الغرائب أنه من المؤكد أن قدمه لم تطئ على الإطلاق أراضي أمريكا الشمالية وأن رحلاته واستكشافاته اقتصرت على أمريكا اللاتينية وخصوصا البرازيل وذلك في حدود عام 1501ميلادي.

في المقابل نجد أن التاجر والمستثمر البريطاني (ريتشارد أميريكي Richard Amerike) من مدينة بريستول الميناء التجاري الهام في غرب إنجلترا قام في عام 1497م بتمويل الرحلة الاستكشافية للبحار الإيطالي من البندقية جون كابوت والذي يعتبر أول مستكشف أوروبي يصل إلى السواحل الشرقية لأمريكا الشمالية. وبحكم أن رحلة الاستكشاف هذه كانت ممولة من قبل التاجر البريطاني (أميريكي Amerike) لهذا يقترح بعض المؤرخين أنه من المحتمل أن المكتشف الإيطالي جون كابوت قام بإطلاق اسم عائلة التاجر أميريكي على أرض العالم الجديد. وبالرغم من أن الرحالة الإيطالي من مدينة البندقية وصل إلى أمريكا الشمالية قبل أربع سنوات من وصول الرحالة الإيطالي من مدينة فلورنسا إلى أمريكا الجنوبية إلا أن قصة ارتباط المكتشف الإيطالي جون كابوت بالتاجر البريطاني ريتشارد أميريكي تلاشت مع الزمن وأهملت. وبسبب حالة العداء بين الأمريكان والبريطانيين بعد حرب الاستقلال الأمريكية وكمحاولة لإضعاف المركزية الإنجليزية في مقابل المركزية الأمريكية لهذا ربما تعمد أهل السياسة ورجال التاريخ في أمريكا إهمال أحياء سردية سبب تسمية أمريكا وأنها أقرب للمنطق أن تكون متعلقة بالتاجر البريطاني ريتشارد أميريكي أكثر من ارتباطها الضعيف بالرحالة الإيطالي أميريجو فسبوتشي.

 وفي الختام ومع حالة الصراع والقتال في منطقة الخليج العربي هذه الأيام وفي ضوء التنافس الحاد بين الأطراف المختلفة حول مشكلة (مضيق هرمز) لعلنا نفهم لماذا الآن بالذات يحاول كل طرف أن يرسخ سردية تاريخية خاصة به. فالرئيس الأمريكي غريب الأطوار يرغب في تسميته بـ (مضيق ترامب) في حين أن البعض منا يقترح اختلاق سردية جديدة بتسمية المضيق بـ (مضيق خالد بن الوليد) بينما أهل الحكم في إيران سوف يستميتون في السيطرة عليه وفي المحافظة على اسمه القديم (مضيق هرمز) والذي يعزز من وجهة نظرهم تغيير تسمية الخليج العربي إلى الخليج الفارسي.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق