د/ أحمد بن حامد الغامدي
السبت 1447/11/15
قبل أكثر من أسبوع بدأت في قراءة مسرحية
(موت بائع متجول) للروائي الأمريكي البارز آرثر ميلر والذي بوفاته عام 2005م يعتبر
دون منازع هو آخر عمالقة الأدب الأمريكي وبالرغم من أن تلك المسرحية قصيرة نسبيا
إلا أنني تعمدت ألا أنهي قراءتها إلا يوم أمس الجمعة والمتوافق مع عيد العمال
العالمي. كما هو معلوم الموعد الشائع لعيد العمال أو عيد العمل (labour Day)
يقع في اليوم الأول من شهر مايو وهو رمز عالمي لنضال الطبقة العاملة من أجل
حقوقها وتجسيد للتضامن والقوة الجماعية. ونظرا لأن طريق نضال العمال كان مرتبطا
بالمعاناة والظلم والنضال ولهذا يرتبط اللون الأحمر بيوم العمال، رمزاً للدماء
التي أُريقت في المطالبة بالحقوق. وبحكم أن يوم الأول من مايو May Day
يعتبر في أغلب دول العالم يوم إجازة رسمي ولهذا تكثر في يوم العمل والعمال العديد
من المسيرات النقابية في الشوارع والاستعراضات الاحتفالية والحفلات الخطابية
والتجمعات التضامنية التي تشهدها المدن الكبرى. وقد يسافر بعض السياح بشكل متعمد
في مطلع شهر مايو لمشاهدة تلك المسيرات والعروض المهرجانية في (الساحة الحمراء) في
موسكو أو ساحة تيانانمان (الميدان السماوي) في وسط العاصمة الصينية بكين.
ولكن بعيدا عن السياسة التي تشبعنا منها
خلال الأسابيع الماضية لعل من الملائم تلطيف الأجواء ونسيان عالم السياسة
بالارتماء في أحضان دنيا الأدب وعالم الروايات من خلال إعطاء لمحة خاطفة لمجال وفن
(أدب العمال). وبحكم أن التيار اليساري يركز على الصراع الطبقي بين العمال
والكادحين وبين أصحاب الأموال والرأسمالية المتوحشة فلهذا ليس من المستغرب أن
(رواد) الأدب العمالي وأبرز أسماء الكتاب والروائيين والشعراء في هذا الفن الأدبي
هم من أصحاب الفكر الاشتراكي والليبرالية اليسارية. وبالعودة للأديب الأمريكي آرثر
ميلر فصحيح أنه لا يوصف في العادة بأنه كاتب أو مفكر اشتراكي أو شيوعي ومع ذلك له
اتجاهات يسارية واضحة كما في مسرحيته (ساحرات سالم) التي استخدمها كعمل أدبي رمزي
ضد هستيريا محاربة الشيوعية في أمريكا في الخمسينيات وهي الفترة الكارثية الشنيعة
المعروفة بالمكارثية. وعلى كل حال تعتبر مسرحية (موت بائع متجول) نموذج مباشر
وبديع من الناحية الفنية الأدبية في تجسيد معاناة البائع العجوز وابنيه العاطلين
عن العمل وصراعهم مع أرباب الأعمال وأصحاب الشركات الجشعين مما يؤدي إلى تدهور
الحالة الصحية والنفسية لأب الأسرة التي تتضافر وتتكاثر عليه الضغوط لدرجة أنه
يشرع في الانتحار.
ومن ذلك العنوان الحاد والمباشر لمسرحية
(موت بائع متجول) التي ظهرت في عام 1949م قام الكاتب المصري سليمان فياض بتأليف
رواية قصيرة حملت عنوان وفكرة مشابهه (وفاة عامل مطبعة) والتي نشرها في عام 1984م
والتي تعطي إضاءة لمعاناة العمال في بيئة العمل وجشع صاحب المطبعة في عدم تأمين
وسائل الحماية اللازمة مما يؤدي إلى تعرض عامل المطبعة لمرض قاتل بسبب المواد
الكيميائية المستخدمة في الطباعة. وفي الواقع خطورة ما تسمى (الأخطار المهنية) في
بيئة العمل خصوصا التعامل مع المواد الكيميائية السامة تم تسليط الضوء عليها منذ
فترة طويلة من الزمن خصوصا بعد ظهور رواية الاستقصائية (فتيات الراديوم) والذي
سردت فيه الكاتبة الأمريكية كيت مور القصة الحقيقية المأساوية لعاملات مصانع الساعات
في عشرينيات القرن الماضي واللاتي تعرضن لتسمم إشعاعي قاتل بسبب طلاء ميناء الساعات
بـمادة عنصر الراديوم المضيئة. والجدير بالذكر أنه حتى تتمكن الكاتبة كيت مور من
توثيق تلك القصة المأسوية بشكل جيد سافرت آلاف الكيلومترات للاطلاع على الأوضاع في
ذلك المصنع كما قامت بزيارة منازل الفتيات ومقابلة أفراد اسرهن، بل إنها زارت كذلك
قبور تلك الفتيات البائسات.
كتاب الأدب العمالي والنزول لأرض الواقع
المدخل السابق يقودنا للحديث عن حرص بعض
الأدباء بدوافع من المشاعر الإنسانية والأفكار الليبرالية اليسارية التي اعتنقوها
لتقصى أوضاع العمال والكادحين ونسج أعمال أدبية بالغة الأهمية والتأثير بالإضافة
لجودتها الفنية والروائية. فهذا الكاتب والصحفي الأمريكي أبتون سينكلير يؤلف رواية
أدبية تحمل عنوان (الغابة) نشرها في عام 1904م وتدور أحداثها عن معاناة العمال
الأجانب المهاجرين الذي يتوفى بعضهم بسبب تعرضهم للمواد الكيميائية والتلوث
بالعناصر السامة أثناء عملهم في مصنع تعبئة اللحوم في مدينة شيكاغو. بالإضافة
لتغطية تلك الرواية النموذجية في فن (الأدب العمالي) للأخطار المهنية والاستغلال
الوظيفي للعمال من قبل رؤساء الأموال ومخاطر عمالة الأطفال، ساهمت تلك الرواية في
كشف الفساد الحكومي في التغاضي عن نقص الرقابة الصحية والبلدية في قطاع صناعة
الأغذية. ولقد بلغ من درجة تأثير رواية (الغابة) في الرأي العام الأمريكي أن
الرئيس الأمريكي في ذلك العصر أي ثيودور روزفلت أمر بتشكيل لجنة تحقيق في فساد
صناعة تعبئة اللحوم وهذا ما نتج عنه قوانين برلمانية تهدف لضبط صناعة الأغذية وفي
خاتمة المطاف أدت تلك الرواية عن الأدغال في داخل المصانع الحديثة إلى ظهور إدارة
الأغذية والأدوية الأمريكية (FDA) المشهورة وذات الهيمنة القوية.
بقي أن نقول إن الكاتب والصحفي الأمريكي
أبتون سينكلير حتى يتمكن بشكل متقن من تأليف تلك الرواية قام بالعمل بشكل متخفّ
لمدة سبعة أسابيع في أحد مصانع اللحوم في شيكاغو حتى يستطيع التوثيق الدقيق لحجم
معاناة العمال والمخاطر الصحية والبيئة لصناعة الأغذية. وهذا يذكرنا بقيام الأديب
البريطاني البارز جورج أورويل صاحب الأعمال الروائية ذات الصبغة اليسارية مثل
رواية (مزرعة الحيوانات) ورواية (1984) المضادة لممارسات الحكم الاستبدادي
الشمولي. وكما حاول الروائي الأمريكي أبتون سينكلير اكتشاف حياة المعناة للعمال في
مدينة شيكاغو الصناعية الضخمة نجد كذلك أن الروائي الإنجليزي جورج أورويل يحاول أن
يتعرف عن قرب عن حياة المعاناة للعمال في مدينة مانشستر الصناعية الضخمة ولهذا قام
في عام 1936م برحلة إلى أحياء العمال في مدينة مانشستر ومدينة ليفربول وكذلك اهتم
بزيارة مواقع عمال المناجم في منطقة يورك شاير. وكما أن رواية (الغابة) التي تكشف
معاناة العمال كثيرا ما يتم المقارنة بينها وبين رواية (كوخ العم توم) التي تكشف
معاناة العبيد والرقيق في أمريكا فكذلك كتاب (الطريق إلى وايجن بيير The Road
to Wigan Pier) الذي سجل فيه جورج أورويل مشاهداته عن حياة العمال في شمال
إنجلترا كثيرا ما يتم مقارنته مع الكتاب بالغ الأثر في الأدب الاشتراكي (حالة
الطبقة العاملة في إنجلترا) من تأليف فريدريك أنجلز. وفي الواقع نجد أن غريدريك
أنجلز قد تعمد الإقامة لمدة سنتين في مدينة مانشستر لكي يدرس أوضاع العمال فيها
وبعد ذلك بثلاث سنوات نشر في عام 1948م هو وزميله كارل ماركس وثيقة (البيان
الاشتراكي) وبهذا أعلانا انطلاق وظهور الاشتراكية من قلب مدن وعواصم الثورة
الصناعية.
وكما رصد ودرس الأديب الإنجليزي جورج أورويل
أوضاع ومعاناة عمال المناجم في شمال بريطانيا ثم وظف معرفته الشخصية في رصد اختلال
العدالة الاجتماعية ما بين العمال والأثرياء والحكومات، في التخطيط للحبكة
الدرامية في بعض أعماله الأدبية نجد كذلك أن نجم الأدب الفرنسي الروائي إميل زولا
يقوم في عام 1884م بزيارة مدن مناجم الفحم في شمال فرنسا وينزل بالفعل إلى عمق أحد
هذه المناجم لكي يرصد ويدرس أحوال العمال فيها ومن ثم يوظف ذلك في كتابة روايته
المؤثرة (جيرمنال Germinal).
بعض النقاد يعتبرون رواية جيرمنال هي واحدة من أفضل عشر روايات في الأدب الفرنسي
وأنها رواية فاصلة في حياة إميل زولا الأدبية ولهذا لا غرابة أن زولا كان فخورا
دائما بهذه الرواية ويقال إنه عندما توفي تجمع حشد من العمال في جنازته وأخذوا
يهتفون لموكب الجنازة بقولهم (جرمينال، جيرمنال). تدور أحداث هذه الرواية في شمال
فرنسا خلال النصف الثاني من القرن التاسع عشر وتوثق إضراب عمال مناجم الفحم وما
يتعرضون له من القمع على يد الشرطة والجيش.
وعلى ذكر (الإضرابات العمالية) كوسيلة
للاحتجاج والمقاومة لشجع أصحاب الأموال وملاك المصانع وظلمهم للعمال والكادحين لعل
من الملائم الإشارة إلى رواية (الشمال والجنوب) من تأليف الروائية الإنجليزية
إليزابيث غاسكل والتي نشرتها في عام 1855م والتي عكست الانقسام المجتمعي وصراع
الطبقات في العصر الفيكتوري الإنجليزي والفرق بين الشمال الصناعي الغني والجنوب
الريفي الفقير وهذا ما أدى إلى الصدام في أحد المصانع بين العمال وأصحاب رأس المال
والذي تفاقم إلى درجة الإضراب والامتناع عن العمل. وتجدر الإشارة إلى أنه قبل سنة
واحدة فقط من نشر رواية (الشمال والجنوب) نجد أن أسطورة الأدب الإنجليزي أي
الروائي تشارلز ديكنز يبدع روايته المؤثرة (أوقات عصيبة) والتي تدور أحداثها في
مدينة خيالية تسمى كوك تاون Coketown وهي نموذج للمدن الصناعية في العصر
الفيكتوري. وكما هو معلوم عن تشارلز ديكنز أنه في أغلب أعماله الأدبية كان يحاول
أن يعطة لمحة عن الجانب المظلم للثورة الصناعية وسحقها للشرائح الضعيفة من المجتمع
وخصوصا الأطفال والنساء. وبحكم أن تشارلز ديكنز قد عانى طفولة كئيبة وقاسية كما
تعرض والده للسجن بسبب الديون لذا نجد تشارلز ديكنز في هذه الرواية بالذات شديد
السخط من أصحاب المصانع ولهذا رسم صورة شنيعة عن ملاك المصانع حيث يصف أحدهم بأنه
(رجل خال من المشاعر) ويصف آخر بأنه (قاس، أناني، كذاب ومحتال). الغريب في الأمر
أن تشارلز ديكنز عاش أغلب حياته في مدينة لندن وأغلب قصصه المشهورة تدور أحداثها
في أحياء لندن ومع ذلك نجده (كما هي الحال مع جورج أورويل وإميل زولا) يسافر عام
1839م إلى مدينة مانشستر لكي يزور المصانع بها حيث كان مصدوما من بيئة العمل التي
لا تراعي حقوق العمال ولا سلامتهم. وفي ضوء ما سبق عن معاناة الطبقة الكادحة مع
الظروف الاقتصادية الخانقة والظلم الواقع على العمال والمهاجرين ربما نعلم لماذا
قام الأديب الأمريكي جون ستاينبيك (الحاصل على جائزة نوبل في الأدب لعام 1962م)
بتسمية روايته البارزة التي تصور حياة العمال المهمشين في مدن جنوب كالفورنيا زمن
الكساد الكبير باسم (عناقيد الغضب).
قبل أن نغادر أودّ أن أعرج على مقولة (من
رحم المعاناة يولد الإبداع) ودليل هذه الملاحظة الحكيمة هو خلود روائع الأعمال
الروائية العالمية في مجال فن (أدب العمال) التي أبدعها الأدباء الكبار من أمثال
جورج أورويل وإميل زولا وتشارلز ديكنز بعد أن نزلوا إلى أرض الواقع ورصدوا بشكل
مباشر معاناة الكادحين من العمال في المصانع والمناجم والشركات. وفي المقابل يعجب
الناظر عندما يجد أن مشاهير أدباء وشعراء الفكر الشيوعي مثل الأمريكي جاك لندن
والتشيلي بابلو نيرودا بل وحتى الروسي الأحمر ماكسيم غوريكي فشلوا في أن يجسدوا
معاناة طبقة العمال في أعمال أدبية رفيعة المستوى. أما في واقعنا العربي فتوجد بعض
الروايات الأدبية التي يمكن تصنيفها في فن (الأدب العمالي) وبعضها ذات جودة فنية
رفيعة مثل رواية (وردية ليل) لأديب المصري إبراهيم أصلان والتي تدور أحدثها عن
حياة عامل تلغراف يعمل في الفترة المسائية. وفيما يتعلق بمجال الصناعات في الوطن
العربي تعتبر صناعة الغزل والنسيج من أهم الصناعات في الجمهورية المصرية وبالخصوص
في مدينة المحلة ولهذا عددا من الروايات المصرية تعطي سردية أدبية لحياة ومعاناة
عمال غزل المحلة. وفي هذا الشأن يمكن أن نذكر رواية (الرحلة) للكاتب المصري فكري
الخوري ورواية (حلم على النهر) من تأليف الأديب جاري النبي الحلو والذي ولد في
مدينة المحلة والذي خصص أربع من رواياته الأدبية لتجسيد أوضاع وأحوال عمال الغزل
والنسيج في قلعة الصناعة المصرية مدينة المحلة الكبرى.

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق