د/ أحمد بن حامد الغامدي
وبالفعل لم تكن الرحلة والهبوط على القمر ثم
العودة منه مهمة سهلة ولا عملية رخيصة ولهذا لم تستطع أي دولة خلاف الولايات
المتحدة الأمريكية تحمل تكاليف رحلات الوصول إلى القمر والتي بلغت مصاريفها في
(برنامج أبولو) حوالي 25 مليار دولار والتي هي بسعر اليوم أكثر من 200
مليار دولار كما شارك في هذا البرنامج العملاق ما يقارب 400 ألف شخص. ومن جانب آخر ليست فقط التكلفة
المالية هي ما ثبط وصرف الدول الأخرى عن محاولة الوصول للقمر، ولكن يضاف لذلك أن
تلك (المغامرة) كانت على درجة عالية من الخطورة لدرجة أنه خلال التجهيز لإرسال رواد
الفضاء الأمريكان إلى القمر تعرض ما لا يقل عن تسعة رجال فضاء للوفاة وفقدان
حياتهم في مراحل مختلفة من برنامج أبولو.
ففي مطلع عام 1967م وفي أثناء
التجهيزات والاختبارات للمقصورة الفضائية التي سوف تحمل رواد الفضاء نحو القمر حصل
حريق داخل تلك المقصورة الخاصة بنموذج رحلة أبولو واحد (Apollo 1)
وهنا كانت المفارقة أن توفي ثلاثة رواد فضاء وهم على سطح الأرض وليسوا في الفضاء.
الجدير بالذكر أن رواد الفضاء وهم غالبا من الطيارين الحربيين يتم تدريبهم في
مراحل مختلفة على كبسولات الفضاء وكيفية التحكم بها ولهذا أثناء تدريبات طيران
التحكم في المركبات الفضائية تحصل العديد من الحالات الخطرة لدرجة وفاة ستة من
رواد الفضاء. الجدير بالذكر أن رائد الفضاء الأمريكي الأسطورة نيل أرمسترونج نجى
من موت محقق في الثواني الأخيرة عندما كان في منتصف عام 1968م يتم تدريبه على التحكم في كيفية إنزال المركبة
القمرية Lunar
Lander عندما انقلبت فجأة على رأسها وهي في ارتفاع شاهق وسقطت على الأرض
لتحترق بعد أن نجى أرمسترونج بحياته بفضل تفعيل كرسي القذف من المقصورة. ونظرا
لأهمية تدريب رواد الفضاء على التحكم في إنزال المركبة القمرية Lunar
lander لضمان الهبوط الآمن على سطح القمر قامت وكالة الفضاء الأمريكية
بتصنيع خمسة نماذج من هذه المركبة القمرية والتي تحطم ثلاثة منها واحترقت أثناء
عمليات التدريب بسبب وجود بعض الأعطال الفنية أو بسبب صعوبة التحكم السليم بها.
وهذا ولا شك يعطي مؤشرا لمدى خطورة محاولة الهبوط على سطح القمر خصوصا في الزمن
القديم قبل تطوير أجهزة الكمبيوتر المتقدمة التي يمكن أن تتحكم في عملية الهبوط
آليا.
في وثائق وسجلات وكالة الفضاء الأمريكية
ناسا وبرنامج الفضاء السوفيتي توجد عشرات وربما مئات الحوادث التي نتج عنها حصول
الإصابات الخطرة، بل وحتى الوفاة لرواد الفضاء الأمريكان Astronauts
ورواد الفضاء السوفييت Cosmonauts فبعضهم لقي حتفه وقتل أثناء التدريب وهو
يرتدي بذلة الفضاء وبعضهم قتل خارج التدريب وأشهر مثال على ذلك رائد الفضاء الروسي
الشاب يوري غاغارين الذي فقد حياته وهو في سن 34 وذلك جراء سقوط طائرته الحربية
أثناء رحلة تدريب روتينية. وبالمناسبة ذكر يوري غاغارين تجدر الإشارة إلى أن يوم
غد الأحد 12 أبريل يتوافق مع ما تسمى: ليلة يوري (Yuri’s Night)
وهي احتفال يقوم به هواة علم الفضاء والفلك في ليلة 12 أبريل من كل عام للاحتفاء
والاحتفال برحلة يوري غاغارين للفضاء ودورانه حول الأرض على متن مركبة الفضاء
السوفيتية فوستوك 1. وبحكم أن تاريخ ليلة غاغارين أي 12 ابريل 1968م يعتبر تدشينا
لعصر الفضاء وبداية غزو البشر للفضاء فلهذا أعلنت الجمعية العامة للأمم المتحدة أن
يوم 12 أبريل من كل عام سوف يصبح (اليوم العالم للرحلة البشرية إلى الفضاء).
ومع ذلك ينبغي التذكير بأن رحلات الفضاء
سواء للمدارات الفضائية حول الأرض أو الرحلات إلى الأجرام الفلكية مثل القمر
والعودة منها أن هذه الرحلات ليست آمنة وسهلة دائما، بل أحيانا قد تكون خطرة، بل
وحتى مميتة. وهذا يقودنا للانتقال من يوم 12 أبريل إلى يوم 11 أبريل
ونقصد بها تلك الحادثة المشهورة التي حصلت للرحلة القمرية (أبولو 13)
التي انطلقت في ذلك اليوم من عام 1970م لتحاول الوصل إلى القمر والهبوط عليه للمرة
الثالثة بعد نجاح مهام رحلة أبولو 11 ورحلة أبولو 12 في الهبوط والصعود السليم من
جارنا القمر الفضي. ولكن في منتصف الطريق إلى القمر حصل انفجار في إحدى خزانات غاز
الأوكسجين مما تسبب في تلف بعض الأجهزة الإلكترونية الموجود في المركبة الفضائية
وهذا يعني استحالة إكمالها لمهمتها ووجوب عودتها إلى الأرض في أسرع وقت ممكن.
ولهذا كان على طاقم رحلة أبولو 13 رواد الفضاء الثلاثة مغادرة مركبة الفضاء
الأساسية واستخدام المركبة الصغر المخصصة للهبوط على القمر وتغير برنامج الرحلة
لاستخدام هذه المركبة للرجوع للأرض في عملية بالغة الخطورة والصعوبة ومن الطرائف
أنه لاحقا تم توصيف هذه الرحلة بأنها مثال على (الفشل الناجح (successful
failure. والجيل الأكبر سنا منا متعهم الله بالصحة والعافية ربما يتذكرون
هذه الأحداث في ربيع عام 1970م عندما كانت شرائح واسعة من شعوب العالم تتابع
الأحداث الدرامية لعودة طاقم رحلة أبولو 13 إلى الأرض وقد توثيق وتصوير هذه
الكارثة في فيلم سينمائي مشهور.
وبمناسبة الحديث عن تعرض رواد الفضاء
الأمريكان لمخاطر حقيقة واحتمالية فقدان الحياة نتيجة للحوادث التي تقع أثناء
محاولة العودة من الفضاء إلى الأرض كما حصل مع رحلة أبولو 13 (وكما سوف نذكر لاحق
المصير المؤسف لرحلة ماكوك الفضاء الأمريكي كولومبيا) تجدر الإشارة
إلى
أن الوضع كان أكثر مأساوية وخطورة بالنسبة لبعض رحلات رواد الفضاء السوفييت. فمثلا
رائد الفضاء الروسي (فلاديمير كوماروف) يعتبر أول رائد فضاء يموت خلال تنفيذه
لمهمة فضائية وذلك أنه في نفس شهر أبريل الذي نتحدث عنه كثيرا في هذا المقال
وبالتحديد في يوم 24 أبريل عام 1967م وأثناء عودته إل الأرض فشلت مركبة الفضاء
الروسية التي يستخدمها سويوز 1 (Soyuz 1) في الإطلاق السليم لمظلات الهبوط كما فشلت
المظلة الاحتياطية أي مظلة النجدة في العمل. ونتيجة للارتطام لمركبة الفضاء بسطح
الأرض بسرعة هائلة ومن ثم احتراقها قتل في تلك الحادثة رائد الفضاء كوماروف الذي
أصبح يعرف بالرجل الذي سقط من السماء. ومن مأساة السوفيتية لرحلة سويوز 1 إلى
مأساة رحلة سويوز 11 والتي وقعت في يوم 30 يوليو 1971م وذلك عندما كانت مركبة
الفضاء الروسية تستعد للعودة إلى الأرض عندما حصل عطل فني في أحد الصمامات مما نتج
عنه تسرب الهواء إلى خارج الكبسولة الفضائية قبل دخول الغلاف الجوي. ونتيجة لهذا
الكارثة القاتلة تعرض رواد مركبة سويوز 11 الثلاثة للاختناق والوفاة وبهذا يعتبر
هؤلاء الرواد السوفييت حتى الآن هم البشر الوحيدون الذين توفوا في الفضاء.
من هذا وذلك نعلم أن رحلات الفضاء (وعلى
رأسها رحلات القمر) كانت قديما على درجة عالية من الخطورة حيث تحصل مختلف الكوارث
والحوادث والمركبة الفضائية في مدارها أو عند محاولتها للهبوط على الأرض وفي بعض
الحالات تحصل الكوارث المميتة أثناء مرحلة الإقلاع أي في بداية الرحلة الفضائية.
كما هو معلوم في صباح يوم 26 يناير من عام 1986م أنفجر ماكوك الفضاء الأمريكي
تشالنجر أثناء عملية الإطلاق مما أدى إلى مصرع سبعة من رواد الفضاء وهذا يذكرنا
بكارثة ماكوك الفضاء الأمريكي كولومبيا الذي تحطم اثناء عودته إلى الأرض وبعد
دخوله الغلاف الجوي وذلك في يوم 1 فبراير عام 2003م مما أدى إلى احتراق ومقتل رواد
الفضاء السبعة المنكوبين. وفي الجانب الروسي من كوارث علميات إطلاق الصواريخ
للرحلات الفضائية وعبر السنوات تعرض العديد من الرحلات الفضائية الروسية للفشل وهي
بعد على منصة الإطلاق كما حصل مع رحلة سويوز 7 ورحلة كوسموس 2 ورحلة كوسموس 3
وغيرها كثير.
وبالرغم من أنه رحلة (أرتميس 2 Artemis II)
التي
تابعتها البشرية هذه الأيام في مغامرتها إلى القمر والعودة والهبوط بسلام في مياه
المحيط الهادي فجر اليوم السبت 11 أبريل كانت ناجحة وآمنة بشكل كبير بالرغم
من أن تلك المركبة دخلت الغلاف الجوي وهي تسير بسرعة 40 ألف كم/ساعة وبزاوية اختراق نتج عنها توليد
حرارة هائلة وصلت إلى حوالي ثلاثة آلاف درجة مئوية. وبالرغم من نجاح أغلب عمليات
الإطلاق ومن ثم العودة لرحلات الفضاء إلا أن تاريخ البشرية مع غزو الفضاء وارتياد
آفاق الفلك شهدت عبر السنوات عددا كبيرا من الحوادث والكوارث الخطيرة لدرجة أنه
حتى الآن قتل 21 من رواد الفضاء وهم يقومون بمهام رحلات استكشاف الفضاء بينما يصل
عدد الأفراد من غير رواد الفضاء الذين لقوا حتفهم بسبب حوادث مرتبطة ببرامج
ومشاريع رحلات الفضاء لمختلف الدول حوالي 188 شخصا. ولعله بهذا تبين أن الطريق إلى
القمر بالفعل زاخر بالعقبات والعثرات وكدلاله لخطورة (استكشاف الفضاء) والرحلة إلى
القمر وكنوع لإحياء ذكرى الأشخاص الذين قضوا نحبهم وهم يساهمون في تحقيق حلم
البشرية للسفر إلى القمر قام طاقم رحلة أبولو 15 في صيف عام 1971م بوضع مجسم صغير
على سفح إحدى الهضاب في القمر يمثل رائد فضاء مرتد بذلته القمرية. وبالقرب من ذلك
التمثال الصغير تم غرس لوحة من الألومنيوم مكتوبا عليها أسماء 14 شخصا من رواد
الفضاء أو من الطيارين الذين فقدوا حياتهم ولاقوا حتفهم وهم يشاركون في التجارب
والتدريبات الأولية في محاولة الوصول للقمر والعودة منه.

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق