د/ أحمد بن حامد الغامدي
على كل حال في نهاية تلك السنة الضوئية كتبت
مقالا مطولا حمل عنوانا (قبسات من النور في ختام
السنة الضوئية للضوء 2015)
خصص الجزء الأكبر منهم كما هو متوقع للاستعراض بعض أبرز وأغرب الأخبار والقصص عن
مشاهير العلماء وارتباطهم بالأبحاث الضوئية كما هو حال العالم المسلم الحسن بن
الهيثم (كان اختيار عام 2015 بالذات للاحتفال بالسنة الدولية للضوء لأنها تتوافق
مع مرور ألف عام منذ نشر ابن الهيثم عن نظريته العلمية عن الضوء) وإسحاق نيوتن
وأينشتاين وألبرت مايكلسون وغوستاف كيرتشوف وكريستيان دوبلر وغيرهم كثير.
ومع ذلك وبمناسبة اليوم العالمي للضوء أود
فقط أن أعيد نشر الجزء الأخير من ذلك المقال والذي سلط بعض (الأضواء الكاشفة) لدور
مشاهير المفكرين والفلاسفة والأدباء في عصر الأنوار مع مزيد معلومات وأخبار عن
إسهاماتهم بشكل أو آخر في إجراء الأبحاث والدراسات ذات الطابع العلمي عن الضوء.
صحيح أن ارتباط عصر التنوير (أو
عصر الأنوار) بالضوء واضح لكل ذي عينين بدلالة المسمى اللغوي لهذه الحركة الفلسفية
والفكرية والثقافية وحتى العلمية، ولكن الذي يخفى أن عدداً من أشهر رموز عصر
التنوير كان لهم ارتباط وتجارب علمية حقيقية بمجال أبحاث علم الضوء. من ذلك مثلاً،
أن الأديب الألماني الكبير يوهان غوتيه بالإضافة لأبحاثه العلمية المتنوعة في علم
الجيولوجيا وعلم النبات وعلم التشريح واهتماماته بعلم الكيمياء وعلم الفيزياء نجده
أنه عندما نشر في عام 1810م وهو في عمر الستين تقريباً كتابه العلمي عن دراسة
الضوء والذي سماه (نظرية في الألوان) كان يعتقد أنه بسبب هذا الكتاب العلمي سوف
تتذكره الأجيال القادمة وليس بسبب إنتاجه الأدبي. وكما هو متوقع لم يكن غوتيه
عالما بالمعنى الحقيقي ولهذا (نظرية غوتيه عن الألوان) كانت خاطئة من الناحية
العلمية ولهذا الأجيال القادمة نست تماما هذه الجوانب العلمية من حياة غوتيه ولم
يخلد التاريخ له إلا إنتاجه الأديب. مشكلة غوتيه في نظرية الألوان أنه عارض وناقض
نظرية عملاق العلوم إسحاق نيوتن عن الألوان التي نشرها في حدود عام 1704م والتي
أشار فيها بأن الضوء الأبيض هو عبارة مزيج من جميع ألوان الطيف وليس مجرد ضوء نقي
أو شفاف. في حين أن غوتيه زعم أن الألوان تظهر نتيجة التداخل والاستقطاب بين الضوء
والظلام فمثلا اللون الأزرق ينشأ من إضعاف الضوء بواسطة الظلام في حين أن اللون
الأصفر ينشأ من إضعاف الظلام بواسطة الضوء. والطريف في الأمر أن اهتمام غوتيه
بتأثير (الظلام) استمر معه حتى آخر لحظة في حياته فيزعم البعض أنه قبل أن يموت
كانت الإضاءة ضعيفة في غرفة نومه ولهذا كأنه طلب أن تفتح النوافذ ولذا كانت آخر
كلماته قبل الوفاة (مزيدا من الضوء Mehr Licht).
بقي أن نقول إن نظرية نيوتن عن
الألوان نشرها في كتابه العلمي المعروف (البصريات Opticks) وعنوان هذا الكتاب يقودنا للحديث عن الفيلسوف الفرنسي البارز
رينيه ديكارت المشهور بلقب أبو الفلسفة الحديثة الذي كان له هو الآخر اهتمامات
علمية متعددة لدرجة أنه نشر في عام 1637م كتابا صغيرا حمل عنوان (بصريات). والغريب
ليس فقط أن فيلسوف العلوم ديكارت صاحب الكتاب المشهور (مقال عن المنهج) سبق نيوتن
في الكتابة عن البصريات، ولكنه سبقه كذلك في التفكير العلمي السليم في تفسير ظاهرة
ألوان الطيف لقوس قزح وأنها ناتجة لحصول عملية انكسار الضوء refraction داخل قطرات المطر الصغيرة المعلقة في الجو. وعلى ذكر ظاهرة انكسار
الضوء تجدر الإشارة إلى أن جودة الفهم العلمي لدى ديكارت قادته كذلك لدراسة ظاهرة
ضوئية وبصرية أكثر تعقيدا وهي عملية انحراف وحيود الضوء diffraction عند مروره في الأجسام المختلفة. ومع ذلك هذا لا يعني أن ديكارت لم
يقع في أخطاء علمية كما حصل مع غوتيه ومن ذلك مثلا أنه كان يعتقد أن عملية انكسار
الضوء في قطرات الماء لتشكيل ألوان الطيف لقوس قزح سببها أن الألوان المختلفة
ناتجة من اختلاف ميل جسيمات الضوء للدوران بسرعات مختلفة. كما أن ديكارت أخطأ كذلك
خطأ فاحش عندما أعتقد أن الضوء ينتقل بسرعة أعلى عندما يمر في الأوساط الكثيفة مثل
الماء مقارنة بانتقاله في الأوساط الخفيفة مثل الهواء وسبب هذا اللبس ناتج من
نظرية ديكارت بأن عملية انتقال الضوء تحصل كنوع من الضغط أو الفعل الميكانيكي
الفوري الذي ينتقل عبر حيز مملوء بالمادة وهذا خلاف الفهم العلمي الحديث أن الضوء
ينتقل على شكل موجات حتى خلال الفراغ.
وبالمناسبة حتى مطلع القرن
العشرين كان علماء الفيزياء وفلاسفة الطبيعة على حد سواء يعتقدون أن الضوء لا
يستطيع الانتقال في الفراغ وإنما عبر وسيط غير مرئي أو محسوس سموه (الأثير). وهذا
يقودنا للحديث عن أحد أبرز فلاسفة عصر الأنوار وهو الألماني إيمانويل كانت والذي
في بداية حياته أهتم بعلم الفلك وقام بتوظيف رصد العلماء للضوء القادم من بعض
الأجسام الفلكية مثل السديم بين النجوم لوضع نظرية خاصة عن كيفية نشوء المجموعة
الشمسية (نظرية السديم). وما يهمنا هنا أن إيمانويل كانت في أواخر عمره نشر كتاب
علمي وفلسفي بعنوان (ما بعد العمل Opus Postumum) وفيه ناقش كانت مادة الأثير Ether التي كان يعتقد بأنها مادة دقيقة تملأ الفراغ وأنها وسيلة نقل
القوى الطبيعية مثل الضوء والحرارة وأن مادة الأثير تعتبر شرطا أساسيا للتفاعل مع
العالم المادي.
في السابق كان لدى أهل الفكر
والعلم شغف (عام) بالمعرفة ولهذا نجد في الحضارة الإسلامية عددا كبيرا من العلماء
الذين يبرعون في تخصصات معرفية متعددة واستمرت هذه الظاهرة إلى عصر النهضة وبداية
عصر الأنوار حيث كما لاحظنا عددا لا بأس به من المفكرين والكتاب مثل غوتيه وديكارت
وإيمانويل كانط كانت لهم اهتمامات ومساهمات علمية وتجريبه بالإضافة لإنتاجهم
الأدبي والفلسفي وكأنهم بذلك يحققون الشعار الذي أبرزه ونشره إيمانويل كانت (تجرأ
على المعرفة Dare to Know). ومع ذلك وفي بعض
الأحيان عملية طلب المعرفة العلمية بالذات قد تحتاج لشيء من التحفيز والتنشيط ومن
ذلك مثلا أن الشاب إيمانويل كانت أنجذب أكثر لمجال العلوم عندما شاهد إعلانا
لأكاديمية العلوم الألمانية في برلين يدعو الباحثين والعلماء للمشاركة في مسابقة
علمية لمحاولة دراسة وفهم مشكلة عدم الانتظام في دوران الأرض وهنا شارك الشاب
إيمانويل كانت وأقترح أن جاذبية القمر تسبب في إبطاء سرعة دوران الأرض حول نفسها.
وفي ذات السياق والنسق فيما
يتعلق بتحفيز الشباب للمشاركة في الدراسات والأبحاث العلمية نجد أن الشاب الفرنسي
فرانسوا أوريه (المشهور لنا جميعا باسمه المستعار: فولتير) يشاهد هو الآخر إعلانا
لأكاديمية باريس للعلوم يدعو الباحثين والعلماء للمشاركة في مسابقة علمية لمحاولة
دراسة وفهم (طبيعة النار). ولهذا قام فولتير في عام 1738م وفي سعيه للفوز بالجائزة
المالية لأفضل مقالة علمية تناقش طبيعة النار ومصدر الضوء بالتعاون مع عشيقته
المرأة الأرستقراطية إيملي دو شاتلييه لإجراء عدد من التجارب الكيميائية لإشعال
وحرق مواد مختلفة وقياس وزنها قبل وبعد عملية الاحتراق وهذا يذكرنا بعالم الكيمياء
الفرنسي لافوازيه وطريقة اكتشافه لعنصر الأوكسجين. في الواقع كان هدف فولتير من
تلك التجارب الإجابة على السؤال المنطق هل للنار وزن أو لا وفي نهاية هذه التجارب
العلمية التي تمت في قصر السيدة دو شاتيليه كانت وجهة نظر فولتير أن النار عبارة
عن شيء ذي طبيعة مادية في حين كان وجهة نظر السيدة دو شاتلييه أن النار ليست ذات
طبيعة مادية وأن الحرارة والضوء لهما علاقة تجمعهما. وطبعاً لم يفز أي منهما
بالجائزة لكن ويبدو أن نتائجهما العلمية كانت على درجة مقبولة من الجودة بحيث إنها
تم نشرها مع ثلاث مقالات فازت بالجائزة.
للوهلة الأولى يظهر أن الخبرة
العلمية التي أكتسبها فولتير لها ارتباط بعلم الكيمياء ونظرية الفلوجستون التي
دحضها لافوازيه ومع ذلك كان لفولتير ارتباط هائل بعلم الفيزياء والضوء وأسطورة
العلم الحديث: إسحاق نيوتن. في بداية حياته الفكرية المشاكسة اضطر فولتير للهرب من
فرنسا إلى بريطانيا وهناك تعرف على نظريات وكتب نيوتن عن البصريات وعن الجاذبية
وعلم الرياضيات. صحيح أن فولتير وعشيقته إيملي دو شاتيليه لم ينجحا في الفوز
بالجائزة العلمية والمجد العلمي ولكنهما تعاونا معا في إدخال علوم وفلسفة نيوتن
إلى الإمبراطورية الفرنسية حيث نجد أن السيدة دو شاتيليه قبل وفاتها بأيام قليلة
تكمل ترجمة كتاب نيوتن (المبادئ الرياضية للفلسفة الطبيعية) والذي عرض فيه نظريته
عن الجاذبية وقوانين نيوتن الثلاثة للحركة. في حين نجد أن فولتير من شدة عشقه
وأعجابه بعملاق العلوم نيوتن يؤلف كتابا خاصا عن علوم نيوتن سماه (عناصر فلسفة
نيوتن) بينما في كتابة الآخر المسمى (الرسائل الإنجليزية) نجد أن العديد من فصوله
تتعلق بأفكار نيوتن حول الجاذبية وعلم البصريات.
ونختم بالعودة لعنوان مقال
اليوم (الضوء في عصر الأنوار) فهذا المفكر والأديب الذي يعتبر فخر فرنسا وأعني
بذلك فولتير نجد أن المؤرخ الأمريكي ويل ديورانت في كتابة (قصة الحضارة) يقوم
بتسمية القرن الثامن عشر بعصر فولتير (Age of Voltaire) وهي نفس لفترة التي شهدت بداية (عصر الأنور). وبقي في خاتمة
المقال أن نسلط (الضوء) على العلاقة بين فولتير وفيزياء الضوء فكما سبق وان أشرنا
كان للفيلسوف والمفكر الفرنسي رينه ديكارت تصور علمي عن الضوء وظاهرة حيود الضوء
تختلف عن أفكار نيوتن في علم البصريات. وبسبب طغيان المنهج الديكارتي والفلسفة
الديكارتية Cartesianism تأخر قبول علماء فرنسا
لأفكار نيوتن حول طبيعة الضوء حتى قام فولتير بترجمة أفكار وكتب نيوتن من اللغة
الإنجليزية إلى اللغة الفرنسية. وهنا مع الزمن تقبل أغلب العلماء في فرنسا نظرية
نيوتن حول الضوء وأنه مكون من جسيمات متناهية الصغر (corpuscular) خلاف لنظرية ديكارت بأن الضوء يتصرف أشبه بسائل داخل دوامة. ومن
خلال كتاب (عناصر فلسفة نيوتن) الذي قام بتأليفه فولتير تعرف القارئ الفرنسي على
نظريات وتجارب نيوتن في علم البصريات مثل تفسير ظواهر انكسار الضوء وكذلك حيود
وانحرف الأشعة الضوئية واستخدام المرايا في تصنيع التلسكوبات العاكسة والتي تعرف
باسم تلسكوبات نيوتن.

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق