د/ أحمد بن حامد الغامدي
من الأقوال الحكيمة للفيلسوف البريطاني
فرانسيس بيكون (السفر بالنسبة للشباب جزء من التعليم وبالنسبة للكبار جزء من
الخبرة) ومصداق هذه المقولة يعرفه الزملاء أعضاء هيئة التدريس عندما يشاركون في
المؤتمرات والندوات العلمية خارج المملكة حيث يكتسبون مزيدا من (الخبرة) المهنية
من المعلومات الحديثة التي يكتسبونها ومن العلاقات التي تنشأ بينهم وبين رواد
المؤتمرات. ومع ذلك توجد (خبرة) إضافية تتجسد باكتساب معرفة عن البلدان التي
يسافرون لها من التعرف على أبرز المعالم السياحية والحضارية لذلك البلد. ولله
الحمد حضرت 13 مؤتمرا علميا دوليا في بلدان مختلفة من أبرزها الصين والتشيك
وماليزيا والسويد وسنغافورة وفيتنام وهذا ما أتاح لي فرصة ثمينة للتعرف على أبرز
معالمها الثقافية ومواقعها الحضارية في أثناء البرامج والأنشطة الثقافية
والاجتماعية على هامش تلك المؤتمرات.
ومن ذلك مثلا أنه في عام 2013م شاركت
في مؤتمر تاريخ الكيمياء التاسع المقام في رحاب جامعة مدينة أوبسالا السويدية التي
لها ارتباط وثيق بتاريخ الكيمياء ففي قسم الكيمياء في هذه الجامعة الفريدة قام العلماء
باكتشاف حوالي 11 عنصرا من عناصر الجدول الدوري وهذا عدد كبير
لا تصل له حتى أعرق الجامعات الأوروبية المشهورة. ويضاف لذلك أن عالم الكيمياء
السويدي البارز جاكوب برزيليوس الذي تخرج من جامعة أوبسالا أكتشف عددا من العناصر
الكيميائية مثل السيليكون والثوريوم والسيلينيوم والسيريوم والزركونيوم. وهنا تأتي
قصة أول (مشاهدة كيميائية) في السفر والترحال ففي رحاب جامعة أوبسالا يقع متحف
غوستافيانوم المشهور عالميا بقطعه الأثرية عن شعوب الفايكنغ وكذلك بأجنحته العلمية
والطبية خصوصا مسرح التشريح. ومما لفت نظري فيه وجود الجناح العلمي الذي يحتوي على
عدد كبير من الأجهزة العلمية والزجاجيات الكيميائية التي استخدمها علماء الجامعة
في اكتشاف تلك العناصر الكيميائية من خلال أجهزة التحليل الطيفي spectroscopy
الكلاسيكية.
ومن السويد نتجه جنوبا نحو مدينة براغ عاصمة
دولة التشيك والتي حضرت فيها في عام 2012م مؤتمر الاتحاد
الأوروبي للعلوم الكيميائية الرابع الذي استضاف عددا من العلماء الحاصلين على
جائزة نوبل. ومدينة براغ كثيرا ما توصف بأنها من أجمل المدن الأوروبية وهي بهذا
قبلة للسياح وعشاق السفر لمشاهدة قلعة براغ وكنيستها الضخمة وجسر تشارلز الذي
ينتصب على جنباته 30 تمثالا ومنحوتة لشخصيات مشهورة في التاريخ
الأوروبي. ومن الناحية العلمية أبرز المعالم السياحة في مدينة براغ ساعتها الفلكية
التي تعود للقرون الوسطى وطبعا المزار السياحي الرائع (زقاق الذهب Golden
Lane). في نهاية القرن السادس عشر كانت قلعة براغ هي مقر الحكم
للإمبراطور رودولف الثاني والذي كان مهووسا بعلم الخيمياء وتحويل المعادن إلى ذهب.
ولهذا قام هذا الإمبراطور برعاية أشهر الخيميائيين في عصره وفتح لهم محلات صغيرة
في أسفل قلعة براغ وبحكم أن مهنتي كيميائية ومدونتي الثقافية اسمها (الخيميائي)
لهذا كان يجب عليّ أن أزور درب الذهب ذاك وأن ألتقط الصور مع المحل رقم 22 الذي
أقام فيه فترة من الزمن الروائي التشيكي البارز فرانز كافكا.
كما سبق وأن ذكرت أنا بفضل الله حضرت 13
مؤتمرا علميا في دول مختلفة كنت فيها أسلك سلوك (العالم بشغف السائح) بمعنى أنني
على هامش تلك المؤتمرات أصبح سائح يستكشف المعالم السياحية والثقافية. وفي المقابل
أثناء رحلاتي وسفرياتي السياحية والتي بلغت ولله الحمد 56 دولة كثيرا ما كنت أسلك سلوك (السائح
باهتمام العالم) بمعنى أنني كنت أحرص على زيارة المعالم والمواقع العلمية المميزة
في بعض تلك الدول التي أزورها بهدف السياحة. دون تخطيط مسبق حصل أن زيارتي السياحة
لدولة روسيا حصلت في عام 2019م والذي تصادف أنه نفس عام (السنة الدولية للجدول
الدوري) والتي كانت تهدف للاحتفال بمرور 150 سنة على توصل عالم الكيمياء الروسي
المشهور ديمتري مندلييف في عام 1869 لفكرة الجدول الدوري للعناصر الكيميائية.
ولهذا كان من أهم وأبرز المواقع التي زرتها في مدينة سان بطرسبرج الروسية متحف
مندلييف في قسم الكيمياء بجامعة سانت بطرسبرج حيث التقطت العديد من الصور مع
أجهزته وزجاجياته الكيميائية وكذلك طبعا مع الرسومات العلمية والأشكال الأولية
للفكرة المتعلقة بالجدول الدوري للعناصر الكيميائية. كما زرت في نفس تلك المدينة
التمثال الكبير لمندلييف والذي يوجد خلفه جدول كبير للعناصر الكيميائية المرسوم
على جدار أحد المباني الضخمة.
وفي صيف عام 2015م قمت مع بعض الزملاء
الكرام برحلة سياحية إلى فرنسا وبلجيكا وهولندا وعندما وصلنا إلى مدينة بروكسيل
كأن من أهم معالمها السياحية المشهورة على مستوى العالم (البرج الذري Atomium).
وفي الواقع هذه التحفة العمرانية هي عبارة عن (مجسم كيميائي) للتركيب البلوري
لجزئي عنصر الحديد المكون من تسع ذرات على شكل كرات ضخمة. وهذا المجسم الضخم يتم استخدامه كمتحف ومعرض
علمي وفي أعلى كرة أو ذرة في قمة البرج يوجد مطعما ومقهى يعطى منظرا عاما لمدينة
بروكسيل.
ومن مقهى برج ذرات الحديد في بروكسل إلى
مقاهي الحي اللاتيني في باريس حيث اكتشفت بالصدفة أنا والزملاء الكرام وجود مقهى
يحمل اسم عالم الكيمياء الفرنسي جاي لوساك الذي ربما يعرفه جميع الطلاب بقانونه عن
الغازات الكيميائية. وغير بعيد عن مقهى جاي لوساك وجامعة السوربون يقع معهد مدام
كوري (معهد الراديوم) والذي قصدناه بهدف زيارة (متحف كوري) ولكن للأسف وجدناه
مغلقا وهو في الأصل المختبر الصغير الذي كانت تجري فيه السيدة ماري كوري أبحاثها
العلمية. تجدر الإشارة إلى أنه في نفس هذا المختبر الصغير اكتشفت عالمة الكيمياء
الفرنسية إيرين كوري مع زوجها فريدريك جوليو ظاهرة النشاط الإشعاعي الاصطناعي
وبهذا حصلا على جائزة نوبل في الكيمياء لعام 1935ميلادي. وبالمناسبة
إيرين هي ابنة مدام كوري من زوجها بيير كوري الذي حصل معها على جائزة نوبل في
الفيزياء عام 1903م ثم قتل بشكل مأساوي عام 1906م عندما دهسته عربة
ثقيلة ولهذا ظلت السيدة كوري بعد تلك الفاجعة وهي تلبس السواد حدادا عليه. وعندما
زرت متحف مدام كوري في وسط مدينة وارسو عاصمة بولندا تأكد لي سبب تسميتها بـ
(الأرملة السوداء) ففي ذلك المتحف العديد من الصور الكبيرة لها وهي بملابسها
السوداء وكذلك تم عرض العديد من نماذج الملابس السوداء التي كانت تلبسها. في
الواقع مدام كوري هي بولندية الأصل ولهذا أول عنصر مشع اكتشفه أطلقت عليه اسم
(بولونيوم) تكريما لبلدها الأصلي ولهذا بمناسبة مرور 100 عام على ولادة ماري كوري قامت الحكومة
البولندية بتحويل المنزل الذي نشأت فيه إلى متحف علمي مميز الذي زرته عام 2023
ميلادي.
ومن المتاحف العلمية ذات الشهرة الدولية
التي زرتها (متحف نوبل) في وسط البلدة القديمة لمدينة ستوكهولم عاصمة السويد وهو
متحف مخصص للكيميائي ورجل الأعمال ألفرد نوبل مخترع الديناميت وصاحب جائزة نوبل
العريقة. ومن الطرائف أنه في هذا المتحف يمكن أن تشتري أصبع ديناميت عبارة على
قطعة أسطوانية من الشكولاتة كما يمكنك أن تشتري نسخة من الوصية التي كتبها نوبل
بخصوص جائزته المشهورة. وبما أن سيرة جائزة نوبل انفتحت فهذا يقودنا للربط بينها
وبين أشهر العلماء في زمننا المعاصر ففي متحف نوبل شاهدت مقطع فيديو يعطي معلومات
عامة عن عالم الكيمياء العربي أحمد زويل الحاصل على جائزة نوبل في الكيمياء عام
1999ميلادي. ومن أهم الاكتشافات العلمية في القرن العشرين اكتشاف التركيب
الكيميائي للحمض النووي DNA الذي توصل له العالم الأمريكي جيمس واطسون
والعالم البريطاني فرانسيس كريك والحاصلان على جائزة نوبل في الطب عام 1963م وما
يهمنا هنا أنهما توصلا لهذا الاكتشاف التاريخي في مختبر كافنديش بجامعة كامبريدج
العريقة. في يوم 28 فبراير من عام 1953م أعلن كلا من
واطسون وكريك أنهما اكتشفا (سر الحياة) وكان ذلك الإعلان في حانة النسر The Eagle
الملاصقة لجامعة كامبريدج وبالتالي أصبح ذلك المكان مزارا سياحيا وعلميا وهذا ما
دفعني مع الزميل العزيز الدكتور عبدالكريم الخليفي للدخول والجلوس في نفس الركن من
ذلك المقهى الذي كان يتناقش فيه واطسون وكريك وزملاؤهما عن مستجدات أبحاثهم حول
علم الجينات. وقبل ذلك في عام 2023م زرنا مع رفيق
السفر الدائم الأستاذ فهد أبو عوه مدينة بورنو التشيكية والتي تحتضن متحف عالم
الوراثة غريغوري مندل الذي يعرفه جميع طلاب المدارس بتجاربه المشهورة عن الصفات
الوراثية السائدة والمتنحية للبازلاء الصفراء أو الخضراء أو الملساء أو المجعدة.
من الظواهر الشائعة في مختلف بلدان العالم
أنه يتم تكريم الشخصيات البارزة من أهل الفكر والأدباء والعلماء بنصب تماثيل لهم
في الميادين العامة والحدائق وفي المتاحف ولهذا حصل وأن التقطت الصور مع تماثيل
مشاهير العلماء مثل جلوسي على فخذ التمثال الكبير لأينشتاين في حديقة أكاديمية
العلوم الأمريكية في واشنطن وكذلك التصوير مع تمثال العالم البريطاني تشارلز دارون
الموجود في متحف التاريخ الطبيعي في لندن. وفيما يتعلق بتماثيل مشاهير علماء
الكيمياء فكما سبق وأن ذكرت أنني شاهدت تمثال عالم الكيمياء الروسي مندلييف في
مدينة سانت بطرسبرج وكما يوجد في أحد شوارع مدينة مانشستر يوجد تمثال لعالم
الكيمياء البريطاني البارز جون دالتون صاحب النظرية الذرية. للأسف تمثال أهم علماء
الكيمياء في العصر الحديث وهو الكيميائي الفرنسي لافوازييه مفقود حاليا لأنه أثناء
الحرب العالمية الثانية تم تدميره ومن ثم صهر معدن التمثال وأعيد استخدامه، ولكن
في المقابل حصل عن طريق الصدفة البحتة أن شاهدت والتقطت الصور مع تمثال كيميائي
آخر يعتبر المنافس الشرس للافوازيية. في تاريخ العلوم يوجد جدال حول من هو مكتشف
عنصر الأوكسجين هل هو الفرنسي لافوازية أو الكيميائي السويدي كارل شيله والذي
يعتبر من أهم علماء الكيمياء في السويد ولهذا عندما كنت أتجول مع الزملاء الأفاضل
في الحديقة الملكية في مدينة ستوكهولم تفاجأت بمشاهدة تمثال عالم الكيمياء السويدي
كارل شيله. وفي مناسبة أخرى عندما كنت أتمتع بالمناظر الطبيعية المذهلة لمدينة
آنسي الفرنسية على سفوح جبال الألب عندما لفت نظري تمثالا برونزيا في أسفله مجسمات
لمركبات كيميائية وعندما اقتربت منه وجدت أنه تمثال عالم الكيمياء الفرنسي كلود
برتوليه الذي كان أشهر العلماء الذين أخذهم معه نابليون في حملته وغزوه لمصر.
بعض التماثيل النصفية المصغرة Bust
توضع على شواهد قبور أو في مدخل أضرحة مشاهير العلماء كالتمثال النصفي لجاليلو
جاليلي في قبره في مدينة فلورنسا وهذا يقودنا إلى مجسم ضريح إسحاق نيوتن في كنيسة
ويستمنستر في لندن حيث التقطت عشرات الصور لقبر نيوتن ولقبور العديد من مشاهير
العلماء المدفونين في (ركن العلماء) بالقرب من قبر نيوتن. حيث يمكنك أن تقف بقرب
قبور أبرز العلماء على الإطلاق: مايكل فارداي وأرنست رذرفورد وجون طومسون واللورد
كالفن وجيمس ماكسويل، بل وحتى العلماء الملحدين مثل تشارلز دارون وستيفين هوكنغ
!!. أما في مقبرة العظماء في باريس (البانثنون) فبعد مشاهدة قبور وتماثيل فولتير
وجان جاك رسو وفيكتور هوغو وقفت أمام ضريح مدام ماري كوري وهو القبر الوحيد الذي
لاحظت أنه توجد عليه باقات الزهور.
للأسف كل ما سبق ذكره من المشاهدات
الكيميائية أثناء السياحة والسفر لها ارتباط بعلماء الكيمياء الأوروبيين وكان من
النادر جدا رصد وملاحظة مشاهدات لها علاقة بالرعيل الأول من علماء الكيمياء العرب
والمسلمين في الدول العربية. ومع ذلك يمكن لمح بعض المشاهدات الخيميائية القديمة كما
في حالة جهاز تقطير الورد الطائفي الذي شاهدته في مهرجان الورود في صيف مدينة
الطائف أو في بعض المعروضات من الزجاجيات الكيميائية والأفران التي كان يستخدمها
الخيميائيين قديما وتعرض نماذج لها في بعض متاحف الحضارة الإسلامية. من ذلك مثلا ركن
الكيمياء القديمة في متحف الشارقة للحضارة الإسلامية أو متحف تاريخ العلوم
والتكنولوجيا في الإسلام والموجود في إسطنبول والملاصق لمسجد آيا صوفيا.
وبالمناسبة هذا المتحف شارك في تجهيزه العالم والمؤرخ التركي الألماني المشهور
فؤاد سيزكين والذي أنشأ (متحف معهد العلوم العربية والإسلامية) في فرانكفورت.
وأتوقع أن متحف (العلوم والتقنية في الإسلام) في جامعة الملك عبدالله (كاوست) ربما
تم تجهيزه بالتعاون معهد تاريخ العلوم العربية والإسلامية بجامعة فرانكفورت على
نسق ما حصل مع متحف تاريخ العلوم العربية والإسلامية في جامعة الإمام محمد بن سعود
الإسلامية. وفي مدينة غرناطة يوجد متحف علمي ضخم يدعى (حديقة العلوم) وأحد أبرز
الأقسام فيه هو جناح (الأندلس والعلم) وقد تفاجأت كثيرا من إعجاب وحرص الإسبان على
المحافظة والافتخار بمساهمة الحضارة الأندلسية في تقدم العلوم. بالمناسبة أمام
مدخل حديقة العلوم يوجد كرسي جلوس يوجد عليه تمثال لأينشتاين يحرص العديد من زوار
المتحف على التصوير مع عبقري العلوم.
وفي الختام هذه وقفات سريعة ومشاهدات خاطفة
لبعض المواقع التاريخية والمعالم السياحية التي لها ارتباط بذرات العناصر
والجزيئات والمركبات الكيميائية:
القنبلة الذرية التي سقطت على مدينة
هيروشيما انفجرت في الساعة 8:15 من صباح يوم 6 أغسطس وفي عام 2024 كنت وأسرتي
في ذلك التوقيت بالضبط عند موقع التفجير المريع للذرات الكيميائية. سبق لي أثناء
زيارتي لدولة بولندا أن زرت معسكر الاعتقال النازي الشنيع (أوشفيتز) وزرت المتحف
الخاص بالهولوكوست ودخلت إلى غرفة الإعدام بغاز (زيكلون ب) وهو أحد أشكال المركب
الكيميائي سيانيد الهيدروجين.
وكذلك شاهدت جبل النار (يانار داغ) وهو تلة
صخرية بالقرب من مدينة باكو عاصمة أذربيجان وهي تشتعل بالنار الدائمة المستمرة منذ
آلاف السنين وكذلك في باكو شاهدت أقدم بئر بترول في العالم. وبحكم أن نسبة الأملاح
في مياه البحر الميت تبلغ حوالي عشرة أضعاف متوسط ملوحة المحيطات (حوالي 30g
في 100 ml) ولهذا الملمس الزيت لهذه المياه غريب جدا
وكذلك السباحة فيها لا تحتاج مهارة لأنه يستحيل الغرق فيها وهذه أحد فوائد
الكيمياء المسلية.

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق